نتكلم عن الكون ونحن نجهل كوكبنا


أكرم شلغين
الحوار المتمدن - العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 01:57
المحور: قضايا ثقافية     

كلما شاهدت صورة لمجرة بعيدة، أو سمعت عالما يتحدث عن عمر الكون، أو قرأت عن ثقب أسود يبتلع ما حوله، ينتابني سؤال غريب: كيف نتحدث بهذه الثقة عن الكون ونحن لا نعرف كوكبنا معرفة كاملة؟
لا أقصد أننا لا نعرف شيئا. على العكس، لقد قطع العلم مسافة مذهلة. عرفنا كثيرا عن المادة والنجوم والخلايا والجينات، وأرسلنا مركبات إلى أماكن لم يطأها إنسان. لكن المشكلة ربما ليست في مقدار ما عرفناه، وإنما في أننا ننسى أحيانا مقدار ما لا نعرفه.
يكفي أن ننظر إلى الأرض نفسها. مرة، في زيارة لليونان، وفي رحلة بحرية من أندروس إلى ميكونوس، ومرورا ب ديلوس. سألت الدليل السياحي عن بعض الآثار التي كنا نراها تحت سطح الماء. لم يكن السؤال بالنسبة إلي مجرد سؤال عن مكان أثري؛ فقد بقيت الفكرة في ذهني منذ ذلك الوقت: كم هناك من الأشياء التي بناها الإنسان ثم ابتلعها البحر؟
الأمر ليس خيالا. فهناك بالفعل مدن ومستوطنات بشرية غارقة. ومن أشهرها بافلوبيتري في جنوب اليونان، وهي مدينة من العصر البرونزي بقيت آثار شوارعها ومبانيها وساحاتها تحت الماء. وقد وصفتها اليونسكو بأنها مدينة غارقة تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد واستمر وجودها حتى نحو 1100 قبل الميلاد.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. إذا كان البحر قد أخفى مدينة، والأرض قد طمرت أخرى، والحرائق دمرت مكتبات، والزمن محا لغات وشعوبا وذاكرة كاملة، فكيف نستطيع أن نتعامل مع التاريخ وكأنه سجل كامل لما حدث؟ نحن في الحقيقة لا نعرف الماضي كله، بل نعرف فقط ما نجا من الماضي. وهذا فرق كبير. قد تكون هناك أشياء لم نعرفها لأن آثارها لم تبق، وقد تكون هناك شعوب لم نسمع بأسمائها لأنهم لم يتركوا وراءهم نصوصا، وقد تكون هناك مجتمعات كاملة عاشت في أماكن أصبحت اليوم تحت الماء أو تحت طبقات الأرض. وليس معنى هذا أن كل قصة عن "حضارة مفقودة" صحيحة؛ فالعلم لا يسمح لنا بتحويل المجهول إلى حقيقة لمجرد أننا نحب الفكرة. لكنه يسمح لنا بأن نقول شيئا أكثر تواضعا: هناك أجزاء كبيرة من الماضي لم نكتشفها بعد. وحتى عندما نكتشفها، فإنها قد تغير تصوراتنا القديمة. غوبكلي تيبه في تركيا مثال واضح. فقد كشفت الأبحاث عن مجمعات حجرية ضخمة تعود إلى نحو 11,000 سنة، في زمن كان التصور القديم عن الإنسان فيه أقرب إلى صورة جماعات صغيرة وبسيطة من الصيادين وجامعي الثمار. لم يكن الموقع مجرد حجارة متناثرة؛ بل كشف عن قدرة تنظيمية ورمزية ومعمارية دفعت الباحثين إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الاستقرار والزراعة والمجتمع المعقد والعمارة.
المشكلة إذن ليست أن الإنسان القديم كان "جاهلا" كما نتخيله أحيانا. المشكلة أننا نحن الذين نعرف عنه القليل. حتى قصة الإنسان نفسها أصبحت أكثر تعقيدا مما كنا نتصور. نحن نعرف الآن أن Homo sapiens ظهر في أفريقيا قبل نحو 300 ألف سنة على الأقل، وأن أقدم حفريات معروفة تنتمي إلى نوعنا وجدت في جبل إرهود بالمغرب. لكن Homo sapiens لم يكن الإنسان الوحيد. عاش النياندرتال، وعاشت أنواع بشرية أخرى، وتقاطعت هذه الأنواع في الزمان والمكان. ويوجد أدلة جينية على تزاوج النياندرتال مع أسلاف بعض البشر المعاصرين. وهنا يصبح السؤال الذي نطرحه عادة عن "بداية الإنسان" أكثر تعقيدا.من هو الإنسان الذي نقصد؟ هل نقصد الإنسان الحديث Homo sapiens؟ أم جنس Homo كله؟ أم الأسلاف الأقدم الذين ساروا منتصبين واستخدموا الأدوات؟ كلما رجعنا إلى الوراء، اكتشفنا أن قصة الإنسان ليست خطا مستقيما يبدأ بنقطة واضحة ثم يصل إلينا، وإنما شجرة كثيرة الفروع، انقرض معظمها وبقي فرع واحد.
وهنا نصل إلى داروين. أحيانا يوضع الدين والعلم في مواجهة مباشرة، وكأن أحدهما لا بد أن يهزم الآخر. لكن المسألة أكثر تعقيدا من ذلك. داروين لم يقدم نظرية عن أصل الكون كله، ولم يحاول أن يجيب عن سؤال لماذا يوجد الكون أو ما الغاية من وجود الإنسان. ما قدمه كان تفسيرا للتنوع الحيوي وتغير الأنواع، وكان الانتخاب (أو الاصطفاء) الطبيعي في قلب هذا التفسير. وقد تطورت النظرية منذ داروين كثيرا، وأصبحت اليوم جزءا أساسيا من علم الأحياء التطوري. في On the Origin of Species كتب داروين عبارته الشهيرة عن "الحياة، بهذه الرؤية، لها عظمة"، ثم مضى يشرح كيف يمكن لآليات طبيعية أن تنتج هذا التنوع الهائل الذي نراه في الكائنات الحية.
لكن قبول التطور علميا لا يعني أن العلم أجاب عن كل الأسئلة المتعلقة بالإنسان. العلم يستطيع أن يسأل: كيف تغيرت الأنواع؟ كيف انتقلت الصفات؟ كيف ظهرت السلالات؟ لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر ما معنى أن يكون الإنسان إنسانا، أو لماذا يوجد شيء بدلا من لا شيء، أو ما الغاية من الحياة إن كانت للحياة غاية. وهذا يقودني إلى مسألة أخرى: حتى العلم نفسه ليس كتابا أغلق صفحاته. توماس كون، في كتابه The Structure of Scientific Revolutions، جعلنا ننظر إلى تاريخ العلم بطريقة مختلفة. فالعلم، في تصوره، لا يتقدم دائما بإضافة حقيقة جديدة إلى حقائق قديمة، بل قد تمر العلوم أحيانا بتحولات عميقة تتغير فيها الأطر التي يفكر العلماء من خلالها. وفي مناقشته لاختيار النظريات، يذهب كون إلى أن الاختيار بين الأطر العلمية لا يحسمه المنطق والتجربة وحدهما بصورة آلية. وهذا لا يعني أن العلم مجرد رأي، ولا أن كل نظرية تساوي أي نظرية أخرى. هذه مغالطة خطيرة. معناه فقط أن معرفتنا العلمية تاريخ لها، وأن ما نراه اليوم أفضل تفسير لدينا قد يصبح غدا أكثر دقة، أو قد يدخل في نظرية أوسع. نيوتن لم يكن مخطئا لأن أينشتاين جاء بعده. قوانين نيوتن ما زالت نافعة في نطاقات هائلة. لكننا عرفنا بعد ذلك أن الطبيعة أعمق مما كان يسمح به التصور النيوتني. وهذا ربما هو الدرس الأهم. نحن نميل إلى تحويل المعرفة إلى يقين، بينما المعرفة العلمية في أفضل صورها تعلمنا شيئا آخر: أن نعرف حدود ما نعرف. ولهذا فإن السؤال الذي يشغلني ليس: هل كانت هناك حضارات سرية متقدمة قبل الحضارات التي نعرفها؟ فليس لدينا الحق في أن نجيب بنعم لمجرد أننا لا نعرف.
وليس السؤال أيضا: هل الأهرامات في أماكن مختلفة من العالم تثبت وجود حضارة واحدة اتصلت بكل الحضارات؟ لا يوجد ما يكفي من الدليل على مثل هذا الاستنتاج. السؤال الأعمق هو: كم من تاريخ الإنسان اختفى قبل أن يصل إلينا؟ وإذا كان تاريخ الإنسان نفسه ناقصا، فكيف نتحدث عن الإنسان الأول بثقة مطلقة؟ وإذا كنا لا نعرف كل تاريخ الإنسان، فكيف نتحدث بثقة عن تاريخ الحياة كله؟ وإذا كنا لا نعرف تاريخ الحياة كله، فكيف نتحدث عن الكون وكأننا فهمنا قصته؟ ربما نحن نعيش في مفارقة غريبة. نستطيع أن نرى مجرة تبعد عنا مليارات السنين الضوئية، لكننا لا نستطيع أن نعرف بالتفصيل كيف عاش كل إنسان على الأرض قبل عشرة آلاف سنة. نستطيع أن نحلل ضوء نجم بعيد، لكننا لا نعرف كل ما كان موجودا في البحر الذي يفصل جزرا كنا نظن أننا نعرف تاريخها. نستطيع أن نضع نماذج رياضية للكون كله، بينما لا تزال الأرض نفسها تخبئ لنا آثارا تحت الماء وتحت التراب. لذلك ربما لا تكون المشكلة في أننا لا نعرف الكون بما يكفي. ربما المشكلة أننا ننسى أننا ما زلنا في بداية معرفتنا بالأرض. وكلما اتسعت معرفتنا، اتسعت معها حدود المجهول. وهذا ليس سببا لليأس. على العكس. إن أجمل ما في المعرفة الإنسانية أنها لا تنتهي عندما نجد الإجابة، بل تبدأ أحيانا عندما نكتشف أن السؤال الذي كنا نظنه بسيطا كان أعمق مما تصورنا. وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نخاف من قول: لا نعرف. فقد تكون هذه العبارة، في تاريخ المعرفة البشرية، أكثر صدقا من كثير من الإجابات التي قلناها بثقة.