مات قبل أن يسكن


أكرم شلغين
الحوار المتمدن - العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 02:54
المحور: حقوق الانسان     

في ذلك الزمن الطويل، كان السوري لا يعيش حياته بقدر ما كان ينتظرها. كان ينتظر زيادة في الراتب، فيجلس أمام التلفزيون في الموعد الذي تعلن فيه الحكومة أخبارها، لعل خبرا صغيرا يهبط عليه من الشاشة عن: "زودة معاش". وكان ينتظر الماء أمام الصنبور، وقد يفتح الحنفية مرات كثيرة في اليوم، لا ليغسل يديه أو يملأ إناء، وإنما ليتأكد إن كانت المياه قد قررت أخيرا أن تأتي.
وكان ينتظر أمام أبواب المؤسسات، وأمام الشبابيك، وأمام الأفران، وأمام لجان لا يعرف متى تجتمع ولا متى تنتهي من دراسة طلبه. ينتظر حفنة شاي وحفنة سكر أو كيلو بندورة، أو سلعة شحيحة أو دورا في طابور أو توقيعا من موظف، أو "واسطة" من شخص يعرف شخصا.
وكان الهاتف الأرضي وحده يحتاج إلى سنوات من الانتظار، أما الثلاجة، فلم تكن مجرد جهاز كهربائي تشتريه حين تحتاج إليه. كانت مشروعا اقتصاديا للأسرة: تدخر شهرا بعد شهر، وتشُد الحزام، وتؤجل حاجات أخرى حتى يكتمل ثمنها. والأثاث كان كذلك. والسيارة كانت حكاية أخرى لا يجرؤ المرء على التفكير فيها إلا طويلا.
حتى البيت الذي يفترض أن يكون أبسط حقوق الإنسان، كان حلما يحتاج إلى نضال وواسطة وحظ وقرعة، وربما إلى رضا الله ورضا الوالدين، ثم إلى رضا "شي حدا ورا طاولة".
كان عليك أن تقنع الجميع بأنك تستحق أن تسكن. وفي ذلك العالم، لم يكن الانتظار مجرد تأخير للوقت؛ كان الوقت نفسه هو الذي يستهلك الإنسان.
ولذلك يبدو قول الروائي والأكاديمي العراقي سنان أنطون، في روايته إعجام، كأنه يصف حياة كاملة عاشها جيل بأكمله: "أن تعيش هنا، يعني أن تمضي ثلاثة أرباع عمرك في الانتظار." ثم يعدد الأشياء التي ينتظرها الإنسان: غودو، والثورة، والباص، والحبيبة... وكأن الانتظار لم يعد ظرفا في الحياة، بل أصبح الحياة نفسها.
لكنني تذكرت هذه العبارة حين تذكرت حكاية أبي نضال. فقد كان أبو نضال رجلا عاديا، من أولئك الذين لا تلتفت إليهم كتب التاريخ. يحمل شهادة جامعية، ويعمل موظفا، ويتقاضى راتبا يكفي بالكاد لأن يعيش هو وأسرته حياة متواضعة. لم يكن يحلم بقصر. كان يحلم بشقة. شقة صغيرة، لا أكثر.
وفي أحد الأيام، وجد فرصة للاكتتاب على شقة سكنية لدى إحدى المؤسسات. لم تكن الشقة موجودة في يده، ولم يكن يعرف متى ستصبح موجودة، لكنه كان يعرف شيئا واحدا: عليه أن يدفع. فبدأ يدفع من راتبه كل شهر. كان يقتطع القسط قبل أن يفكر في بقية الشهر. يشد الحزام على بطنه، ثم يشده على بطون زوجته وأولاده. يؤجل شراء شيء يحتاج إليه، ويؤجل شيئا آخر، ويقول لنفسه ولهم: لا بأس... عندما نستلم الشقة ستتغير حياتنا. وهكذا بدأ الانتظار. مر شهر. ثم شهر آخر. ثم سنة. ثم سنوات. وكان أبو نضال يدفع. كلما دفع قسطا شعر أنه اقترب خطوة من البيت. كان يضع الإيصال في مكان آمن، كأن الورقة الصغيرة شهادة على أن الحلم لم يمت بعد. وكانت الأسرة، كلما طال الانتظار، تسأل: ـ متى نستلم؟ وكان الجواب دائما يشبه الأجوبة التي عرفها السوريون طويلا: قريبا. وقريبا هذه كانت كلمة غريبة. كانت تعني أحيانا أسبوعا، وأحيانا شهرا، وأحيانا سنة، وأحيانا لا شيء. ومع ذلك استمر أبو نضال في الدفع. كبر الأولاد. كبر هو أيضا. مرت السنوات من حوله، وتغيرت أشياء كثيرة في البلاد، لكن الشقة بقيت في مكانها البعيد، في مكان ما بين الوعد والانتظار. ثم جاء اليوم الذي لم يكن في الحسبان.
مات أبو نضال. مات قبل أن يستلم الشقة. مات بعد أن دفع الأقساط، وشد الحزام، وانتظر، وحلم، وأخبر أبناءه أنهم يوما ما سيعيشون في بيتهم. لكن البيت الذي انتظره طويلا لم ينتظره هو. كان عليه أن يغادر هذه الدنيا قبل أن يدخلها. وحين جاء وقت تشييعه، كان من الطبيعي أن يحمل الرجال نعشه إلى المقبرة. لكن زوجته وأولاده وأقرباءه لم يستطيعوا أن يتقبلوا أن يخرج أبو نضال من الدنيا كما عاش فيها: من دون أن يصل إلى الشيء الذي انتظره كل هذه السنوات. فقالوا: لنأخذه إلى الشقة. لم تكن الشقة قد أصبحت بيته بعد. لكنه كان قد دفع ثمن حلمه بها من عمره. حملوا النعش. ومشوا به إلى المكان الذي كان أبو نضال ينتظر أن يسكنه. وصلوا. أنزلوا النعش أمام الشقة التي لم يدخلها صاحبها حيا. ربما وقف أحدهم صامتا. وربما بكت زوجته. وربما تذكر الأولاد أباهم وهو يتحدث عن البيت، وعن الغرفة التي ستكون لأحدهم، وعن الغرفة الأخرى، وعن المطبخ، وعن الأيام التي ستصبح فيها الحياة أيسر. ثم حملوه من جديد. من أمام البيت الذي انتظره، إلى المقبرة التي لم يكن ينتظرها. وهكذا، في النهاية، وصل أبو نضال إلى الشقة. لكنه وصل إليها محمولا في نعش. لم يسكنها. لم يفتح بابها بمفتاح. لم يضع فيها سريرا. لم يجلس في شرفتها. لم يشرب فيها فنجان قهوة. لم ير أولاده يعيشون فيها. لقد انتظر البيت طويلا، وحين جاءه البيت أخيرا، كان أبو نضال قد غادر الحياة.

ليست حكاية أبي نضال حكاية رجل واحد. لهذا بقيت عالقة في الذاكرة. فوراءها جيل كامل كان ينتظر. ينتظر الهاتف سنوات. وينتظر السيارة سنوات. وينتظر الثلاجة حتى يجتمع ثمنها. وينتظر الأثاث قطعة قطعة. وينتظر الماء. وينتظر الراتب. وينتظر الخبز. وينتظر دوره. وينتظر الشقة. وينتظر الفرج. وأحيانا كان ينتظر طوال عمره، ثم يصل الموت قبل أن يصل ما كان ينتظره. لهذا لم يكن الفقر في تلك الحياة مجرد نقص في المال. كان حرمانا من الزمن. كان الإنسان يدفع من عمره ثمن الأشياء التي يفترض أن تساعده على أن يعيش ذلك العمر. وحين يصل إليها، إن وصل، يكون قد فقد جزءا كبيرا من الحياة التي كان يريد أن يعيشها فيها. ولعل أقسى ما في حكاية أبي نضال أن الشقة لم تكن كاذبة. لقد كانت موجودة. وكان يمكن أن يسكنها. وكان قد دفع ثمنها. لكنها وصلت متأخرة. متأخرة بقدر حياة رجل كاملة. وهذا هو وجه المأساة الذي لا تقوله الأرقام ولا تقوله جداول الرواتب ولا ملفات المؤسسات. فالأرقام تقول إن أبا نضال دفع الأقساط. لكنها لا تقول كم مرة حرم نفسه وأسرته من شيء كي يدفعها. والملفات تقول إن اسمه كان مسجلا على شقة. لكنها لا تقول إنه مات قبل أن يسكنها. والسجلات تقول إنه استلم حقه في النهاية، ربما. أما الحياة فتقول شيئا آخر:
لقد كان ينتظر البيت، بينما كان البيت ينتظر موته.
وفي مجتمع أمضى ثلاثة أرباع عمره في الانتظار، لم تكن هذه الحكاية استثناء.
كانت، في قسوتها، حكاية زمن بأكمله.