الوطن بين مكان يمكن العودة إليه ومكان لا نستطيع العودة إليه، من سيرة برتولت بريخت
أكرم شلغين
الحوار المتمدن
-
العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 04:50
المحور:
قضايا ثقافية
الوطن بين مكان يمكن العودة إليه ومكان لا نستطيع العودة إليه
من سيرة برتولت بريخت
هناك سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه كلما فكرنا فيه ازداد التباسا: أين يكون الوطن؟ هل هو المكان الذي ولدنا فيه وعشنا طفولتنا بين شوارعه وبيوته وأشجاره ووجوه أهله؟ أم هو الصورة التي احتفظنا بها عنه بعد أن غادرناه، تلك الصورة التي قد تكون أحيانا أكثر رسوخا فينا من المكان نفسه؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعيش بعيدا عن وطنه بجسده، بينما يظل رأسه وذاكرته ومخيلته هناك، ثم يعود إليه ذات يوم ليكتشف أن المكان الذي ظل يعيش فيه طوال سنوات لم يعد موجودا إلا في داخله؟
لعل سيرة برتولت بريخت تقدم لنا واحدة من أكثر الصور دلالة على هذه المفارقة. خرج بريخت من ألمانيا بعد وصول النازية إلى السلطة، شأنه شأن عدد كبير من المثقفين والكتاب والفنانين الألمان الذين وجدوا أنفسهم مكرهين على مغادرة بلدهم. عاش في المنفى متنقلا بين بلدان عدة، ثم استقر في الولايات المتحدة. لكن الغريب في تجربة المنفى ليس أن الإنسان يغادر المكان؛ الغريب أنه قد يغادره بجسده ولا يغادره بفكره.
كانت ألمانيا حاضرة في بريخت حتى وهو في أمريكا. وكانت السلطات الأمريكية، من جهتها، تنظر إليه بوصفه شخصا يجب مراقبته بسبب نشاطه واتصالاته وصلاته ومواقفه السياسية. وتكشف الملفات التي أفرج عنها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أن بريخت كان موضع متابعة أمنية، وأن السلطات استخدمت ضده وسائل مراقبة تقنية، وجمعت معلومات عن نشاطه واتصالاته ومراسلاته والأشخاص الذين يلتقي بهم. بل امتدت الى مراقبة منزله وتفتيشه سرا عندما كان يخرج منه.
لكن المفارقة الأعمق ليست فقط في أن الولايات المتحدة راقبته، بل في أن بريخت، وهو في المنفى، لم يكن منفصلا ذهنيا عن ألمانيا. لقد كان يحمل بلده معه، أو ربما كانت ألمانيا هي التي كانت تحمله في داخله. المنفى، في هذه الحالة، لا يعني مجرد الانتقال من جغرافيا إلى جغرافيا أخرى؛ إنه انقسام بين جسد يقيم في مكان، وذاكرة تقيم في مكان آخر.
وهنا يمكن أن نفهم شيئا من طبيعة المثقف المنفي. فهو لا يحمل معه حقيبته وكتبه وأوراقه فحسب، وإنما يحمل وطنا كاملا: اللغة التي يفكر بها، الشوارع التي يعرفها، أصوات الناس، الخلافات السياسية، ذكريات الطفولة، رائحة البيوت، أسماء الأماكن، وحتى صورة المستقبل الذي كان يتخيله لبلده. ولذلك يمكن أن يكون الإنسان في نيويورك أو لوس أنجلوس أو باريس، بينما تظل أجزاء أساسية من وجوده عالقة في برلين أو دمشق أو بيروت أو بغداد.
غير أن المفارقة لا تنتهي هنا.
عاد بريخت بعد الحرب إلى أوروبا، ثم استقر في ألمانيا الشرقية، التي وجد في نظامها السياسي، على الرغم من تعقيداته، قربا أكبر من أفكاره اليسارية والماركسية. وكان من الممكن للمرء أن يتخيل أن العودة إلى ألمانيا ستعني نهاية المنفى. لكنه عاد إلى ألمانيا التي تغيرت جغرافيا وسياسيا، وإلى دولة جديدة داخل الأرض الألمانية نفسها.
كان يمكن أن يبدو الأمر وكأن المنفى قد انتهى أخيرا. لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة.
فحتى هناك ظل بريخت يصطدم بإجراءات الدولة الأمنية. ولعل قصة الآلة الكاتبة الخاصة به من أكثر الصور دلالة على ذلك. كان لبريخت منزل صيفي في بوكو، اختاره مع هيلينه فايغل منذ عام 1952، وأصبح المكان مرتبطا بعمله الأدبي، حتى كتب هناك في 1953 و1954 آخر دورة شعرية له، "مراثي بوكو".
وفي رسالة كتبها بريخت نفسه في 8 سبتمبر 1952، يروي أنه كان يملك تصريحا خاصا ساريا لآلة الكتابة التي كان يحملها معه بين بوكو وبرلين. وعند نقطة التفتيش في Hoppegarten أوقفت السلطات السيارة وفحصت الآلة، وحاول الموظفون التحقق من رقمها، ثم تدخل شرطي واحتجز أوراق بريخت ورفاقه. واستغرق الأمر في النهاية نحو 45 دقيقة قبل أن يسمح لهم بالمتابعة.
ولعل هذه الحكاية بقيت عالقة في ذاكرتي على نحو خاص لأنني زرت بيت بريخت في بوكو، ورأيت بنفسي تصريح حمل الآلة الكاتبة معلقا على الجدار. توقفت أمام تلك الورقة طويلا؛ فهي، على صغرها، تختصر مفارقة كاملة: كاتب عاد إلى ألمانيا، إلى البلد الذي اختاره وطنا جديدا، لكنه ظل مطالبا بأن يثبت حقه في حمل الأداة التي يكتب بها.
يا لها من صورة!
الكاتب الذي حمل آلة الكتابة معه إلى المنفى، وربما كانت الآلة واحدة من الأشياء التي تمثل له حرية الكتابة، يجد نفسه عند عودته إلى ألمانيا مطالبا بتبرير حقه في حملها.
هنا لا يعود السؤال: لماذا كان بريخت مراقبا؟
السؤال الأعمق هو: لماذا يجد بعض المثقفين أنفسهم موضع شك أينما ذهبوا؟
ربما لأن السلطة، أيا كان شكلها السياسي، لا تنظر دائما إلى المثقف باعتباره فردا عاديا. إنها ترى فيه احتمالا: احتمالا لفكرة، أو اعتراض، أو تأثير، أو سؤال لا تستطيع السلطة التحكم في نتائجه. ولذلك قد يجد الكاتب نفسه تحت المراقبة في نظام استبدادي صريح، ثم يجد نفسه موضع اشتباه في بلد ديمقراطي بسبب مواقفه السياسية، ثم يعود إلى بلد يظن أنه أقرب إلى أفكاره ليكتشف أن السلطة هناك أيضا لا تحب أن يظل المثقف حرا تماما.
وهذا لا يعني، بالطبع، أن الأنظمة الثلاثة متشابهة، ولا أن أشكال القمع والمراقبة متساوية. ذلك تبسيط تاريخي لا يصح. النازية شيء، وآليات الحرب الباردة في الولايات المتحدة شيء آخر، ونظام ألمانيا الشرقية شيء ثالث. لكن ثمة خيطا أعمق يمكن ملاحظته: السلطة تشعر بالقلق من الإنسان الذي لا تستطيع أن تختصره في خانة واحدة.
ولعل بريخت كان من هذا النوع من البشر.
لكن السؤال الذي بدأناه به يعود الآن بصورة أكثر إيلاما: ماذا يحدث للإنسان العادي، لا للمثقف أو الكاتب، حين يعيش سنوات طويلة خارج وطنه؟
ملايين البشر غادروا أوطانهم بسبب الحرب أو الاضطهاد أو الفقر أو الخوف أو انهيار الحياة. عاشوا في بلدان أخرى، تعلموا لغات أخرى، بنوا بيوتا جديدة، عملوا وأنجبوا أبناء، وربما حصل بعضهم على جنسية جديدة. ومع ذلك ظل جزء منهم يعيش هناك، في المكان الأول.
ثم تأتي لحظة العودة.
في البداية قد تبدو العودة حلما تحقق أخيرا. يدخل الإنسان المدينة التي غادرها، يرى الشارع، يبحث عن البيت، يتذكر المدرسة، المقاهي، شجرة قديمة، وجها كان يعرفه. لكنه سرعان ما يكتشف شيئا مؤلما: الوطن الذي كان يعيش في رأسه لم ينتظره.
الشارع تغير. البيت تغير. الناس تغيروا. بعضهم مات. بعضهم هاجر. الأشجار قطعت. البيوت هدمت. وأحيانا تكون المدينة نفسها قد تغيرت إلى درجة تجعل الإنسان يشعر أنه عاد إلى مكان يحمل الاسم نفسه، لكنه ليس المكان الذي غادره.
عندها تنشأ المفارقة الكبرى: كان يشعر بالغربة في الخارج لأنه بعيد عن وطنه، ثم يعود إلى وطنه فيشعر بالغربة لأنه لم يعد يجد الوطن الذي عرفه.
أي وطن إذن؟
ربما لا يكون الوطن في النهاية مجرد بقعة جغرافية. وربما لا يكون أيضا مجرد فكرة رومانسية عن الماضي. إنه شيء يقع بين الاثنين: مكان عاشه الإنسان، وذاكرة أعادت بناءه، وحاضر قد يختلف عنه إلى حد يستحيل معه الجمع بين الصورتين.
وهنا تصبح الذاكرة شريكا في صناعة الوطن. نحن لا نتذكر المكان كما كان تماما؛ نحن نعيد خلقه في داخلنا. نحتفظ منه بما أحببناه، وننسى ما آلمنا، ونمزج الأمكنة بالأشخاص والأصوات والروائح والأزمنة. ولهذا يصبح الوطن الذي في الذاكرة أكثر ثباتا أحيانا من الوطن الجغرافي نفسه.
لكن ثمة مفارقة أخرى أشد قسوة: قد يكتشف العائد أنه لم يعد يريد الوطن الذي ظل يحلم به طوال سنوات. ليس لأنه لم يعد يحبه، وإنما لأن ما كان يحبه كان زمنا أكثر منه مكانا.
وهذه ربما هي أقسى حقائق المنفى: أنك قد تقضي نصف حياتك تحلم بالعودة، ثم حين تعود تكتشف أنك كنت تحلم بالعودة إلى زمن لا إلى مكان.
لذلك لا يكون السؤال دائما: "أين وطني؟"
ربما يكون السؤال الأصدق: "أي وطن أقصد حين أقول وطني؟"
هل أقصد الأرض؟ أم البيت؟ أم اللغة؟ أم طفولتي؟ أم الأشخاص الذين لم يعودوا موجودين؟ أم المدينة التي لم تعد كما كانت؟ أم الصورة التي حملتها معي كل هذه السنوات؟
وربما تكون الإجابة أن الوطن، في بعض مراحل حياة الإنسان، يصبح مكانا ثالثا؛ لا هو المكان الذي غادرناه ولا المكان الذي نعيش فيه، وإنما المسافة بينهما: تلك المسافة التي يسكنها الحنين والذاكرة والفقد.
ولهذا قد يكون الإنسان لاجئا في بلد، ومقيما في بلد آخر، ومواطنا في بلد ثالث، بينما يظل وطنه الحقيقي في مكان لا تستطيع الخرائط أن تحدده.
إنه المكان الذي ما زال يعيش في رأسه.
لكن المفارقة الأخيرة هي أن الإنسان، إذا عاد إليه، قد لا يجده.
لأن الوطن الذي ظل يحمله طوال سنوات لم يكن واقعا جغرافيا فقط؛ كان ذاكرة.
والذاكرة، بخلاف المدن، لا تهدمها الجرافات، ولا تراقبها أجهزة الأمن، ولا تحتاج إلى تصريح لحملها.
لكنها أيضا لا تعيد لنا الماضي.
إنها فقط تجعلنا قادرين على أن نعيش معه.