يكفي أن نعيش


أكرم شلغين
الحوار المتمدن - العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 04:54
المحور: قضايا ثقافية     

هناك أوقات في حياة الإنسان، وربما في حياة الشعوب أيضا، ينكمش فيها الحلم شيئا فشيئا. يبدأ الإنسان صغيرا وهو يريد العالم كله. يريد أن ينجح وأن يحب وأن يبني بيتا جميلا وأن يرى أبناءه يكبرون بجانبه وأن يترك خلفه شيئا يشبهه. ثم تأتي الأيام بما لا يشتهي، فيبدأ بالتنازل عن بعض أحلامه. لا يعود يريد الكثير. يريد عملا فقط، ثم لقمة تكفيه، ثم بيتا يأويه، ثم طريقا يستطيع أن يسلكه دون خوف....وحين يطول التعب، يصبح حتى هذا كثيرا.
هكذا يبدو حال أناس كثيرين في سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب والفقر والنزوح والفقد. لم يعد المستقبل بالنسبة إليهم سؤالا فلسفيا كبيرا، ولا مساحة واسعة للأحلام والاحتمالات. المستقبل، وفي أبسط معانيه، هو أن يأتي الغد من دون كارثة جديدة.
أن يفتح الأب عينيه في الصباح فيجد أبناءه إلى جواره. أن تذهب الأم إلى السوق وهي تعرف أنها ستعود بما يكفي من الطعام. أن يخرج الشاب إلى عمله ولا يحمل معه سؤالا واحدا: هل سأعود؟ أن يكون للبيت باب، وللشارع أمان، وللخبز سعر يستطيع الإنسان دفعه.
الأمم قد تختلف في أحلامها، لكن الإنسان حين ينهكه الألم يعود إلى الأشياء الأولى: الخبز، والبيت، والأمان، ودفء العائلة. ولعل أقسى ما يفعله الفقر بالإنسان أنه لا يأخذ ماله فقط؛ بل يأخذ شيئا من قدرته على الحلم. وحين يتراكم الخوف فوق الفقر، ويأتي الخراب فوقهما، تصبح أشياء كانت تبدو عادية في الماضي امتيازات كبيرة. يصبح الماء النظيف نعمة، والكهرباء خبرا طيبا، والشارع النظيف دليلا على أن الحياة ما زالت قادرة على الاعتناء بأبنائها.
حتى القمامة التي تتراكم في الشوارع لا تعود مجرد مشكلة خدمية. تصبح، في بعض الأماكن، صورة أخرى من صور التعب. مدينة أنهكها أهلها وأنهكتهم، حتى صار الخراب جزءا من المشهد اليومي، وصار الناس يمرون بجانبه كما لو أنهم لم يعودوا يملكون الطاقة حتى للاعتراض.
لكن الإنسان لا يتعب من الخراب وحده. يتعب أيضا من الاعتياد عليه. أن يرى ما كان سيعتبره كارثة في زمن آخر، ثم يمضي بجانبه لأنه أصبح مشغولا بكارثة أكبر. أن تصبح الأشياء غير المحتملة محتملة فقط لأن الإنسان لم يعد يملك رفاهية رفضها.
ويتعب أيضا من أن يرى نفسه مقسما إلى جماعات وهويات متقابلة. بعد كل ما مر به، ربما لا يريد الإنسان أن يصبح أكثر تشرذما، ولا أن يرى جاره أولا بوصفه ابن طائفة أو مذهب أو قومية أو منطقة، بل بوصفه إنسانا مثله. لم يعد يريد أن يسأل: من أين أنت؟ وإلى أي جماعة تنتمي؟ يكفيه أن يعرف أنك مثله تخاف وتجوع وتتعب، وأن لك بيتا وأحبة تخشى عليهم.
لقد أرهق الناس ما يكفي من الانقسام، وربما آن لهم أن يكتشفوا أن الإنسان الذي يسكن في الجهة الأخرى من الخوف ليس غريبا تماما؛ إنه إنسان مثلهم، له قلب يخاف، وبيت يشتاق إليه، وحياة يريد فقط أن يعيشها.
فما الذي يجعل ابن البقعة الجغرافية نفسها أقل أخوة من أي إنسان آخر؟
ربما ننسى، وسط ضجيج الهويات، أن الإنسان لم يختر في الغالب المكان الذي ولد فيه، ولا العائلة التي جاء منها، ولا كثيرا من الظروف التي شكلت حياته. لكنه يستطيع أن يختار شيئا آخر: ألا يحول اختلافه عن الآخرين إلى سبب لكراهيتهم.
ولعل هذا هو أحد الدروس القاسية التي تتركها الحروب وراءها: أنها تجعلنا نكتشف، بعد فوات الأوان، أن الأشياء التي فرقتنا كانت أصغر كثيرا من الأشياء التي تجمعنا. الجوع لا يسأل عن المذهب، والخوف لا يسأل عن الطائفة، والطفل الذي ينتظر عودة أبيه لا يعرف كثيرا عن الحدود التي رسمها الكبار بين بعضهم وبعض.
ولذلك، فإن السلام ليس مجرد توقف للرصاص.
السلام أن يستطيع الإنسان أن يعيش إلى جانب إنسان آخر دون أن يخاف منه. أن يصبح الاختلاف أمرا عاديا لا تهديدا. أن يعود الجار جارا، لا ممثلا لجماعة أخرى. وأن يصبح الوطن مكانا يتسع لأبنائه جميعا، لا ساحة يضطر فيها كل واحد إلى إثبات أنه أكثر انتماء من الآخر.
والوطن الذي يحتاجه الإنسان بعد كل هذا الخراب ليس وطنا مثاليا. إنه وطن بسيط، يشبه الحياة نفسها: بيت آمن، عمل كريم، مدرسة لأطفاله، مستشفى حين يمرض، شارع يستطيع أن يمشي فيه، وقانون يشعر أمامه أنه إنسان لا رقم ولا تابع. ربما يكون هذا قليلا في نظر من يعيش بعيدا عن الخوف. لكنه بالنسبة لمن عاش سنوات طويلة في الخوف، كل شيء.
ولذلك لا ينبغي أن ننظر إلى رغبة الناس في السلام على أنها استسلام أو ضعف أو تخلي عن الأحلام الكبيرة. أحيانا يكون السلام هو الشرط الأول لاستعادة تلك الأحلام. فالإنسان لا يستطيع أن يفكر في المستقبل وهو منشغل بالنجاة من الحاضر. ولا يستطيع أن يبني بيتا وهو لا يعرف إن كان سيبقى فيه. ولا يستطيع أن يحلم وهو لا يعرف إن كان الغد سيمنحه فرصة أخرى.
بعد سنوات من الألم، لا يحتاج الإنسان إلى خطب كثيرة عن الصبر، ولا إلى شعارات جديدة، ولا إلى من يخبره كيف ينبغي أن يعيش. ربما يحتاج فقط إلى أن تتركه الحياة قليلا.
أن يأكل حين يجوع. أن ينام دون خوف. أن يعمل. أن يحب. أن يرى أبناءه يكبرون بجانبه.
وأن ينظر إلى الإنسان الآخر فلا يراه عدوا أو طائفة أو مذهبا أو حزبا أو منطقة، بل يراه كما هو في النهاية: إنسانا مثله.
لقد أخذت السنوات من الناس أشياء كثيرة: البيوت، والأعمال، والأصدقاء، والأحبة، والطمأنينة، وحتى القدرة على التخطيط للغد. وما يبقى في نهاية هذا الطريق هو الرغبة الأولى والأكثر بساطة: أن يستمر القلب في النبض، وأن يعود الإنسان إلى بيته، وأن ينام دون خوف، وأن يستيقظ في صباح جديد دون أن يكون مضطرا إلى التفكير في كيفية النجاة.
ربما تكون هذه أبسط حقوق الإنسان، وأعظمها في الوقت نفسه. أن يعيش. لا أن يموت من أجل شعار، ولا أن يخسر حياته من أجل فكرة، ولا أن يقضي عمره في انتظار وعد بعيد. فبعد كل هذا التعب، ليس كثيرا أن يطلب الإنسان شيئا بسيطا: أن يعيش. وأن يعيش في سلام. وأن يرى في الآخر إنسانا قبل أن يراه طائفة أو مذهبا أو حزبا أو منطقة. وأن يتركوه، أخيرا، يحلم من جديد.