عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع


أكرم شلغين
الحوار المتمدن - العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 01:55
المحور: الادب والفن     

هناك مبدعون لا يحكون العالم، بل يعيدون خلقه. في رواياتهم، يستيقظ البطل ليجد نفسه حشرة، وفي لوحاتهم، تذوب الساعات كأنها في حلم، وتتمدد الأجساد كأنها بلا عظام. لا يقدمون تفسيرات، ولا يبررون تحولاتهم، لأن سؤالهم الأعمق ليس: "كيف حدث هذا؟" بل: "لماذا نُصِرُّ على تفسير كل شيء؟". إنهم يكتبون ويرسمون ليذكّرونا بأن الغرابة ليست شذوذاً عن النظام، بل هي النظام ذاته حين ننزع عنه قناع الألفة. أعمالهم لا تدعونا لفهمها، بل لنحسَّ بها، ولنعيش الحيرة التي تسبق المعرفة، ولنواجه حقيقة أن العالم لا يُختزل في تفسير واحد، بل يتكاثر بتأويلات لا تنتهي.
ففي أدب فرانز كافكا، يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة، من دون أن يقدم الكاتب أي تفسير. ليس المهم "كيف" تحول، بل "لماذا" نظل نبحث عن سبب. وكأن كافكا يريد أن يقول لنا: الحياة لا تقدم مبررات، والعالم لا يعبأ بحاجتنا إلى معنى. وبهذا، جعل الغرابة تبدو أكثر صدقاً من الواقع نفسه، وفتح أدبه على تأويلات لا تنتهي: هل هو عن العزلة، أم عن السلطة والبيروقراطية، أم عن الذنب والخوف، أم عن عبث الوجود؟ بل إن كلمة "كافكوي" أصبحت وصفاً لعالم يجد الإنسان نفسه فيه محاصراً بقوى غامضة وقواعد لا يفهمها، ويبحث عن معنى أو مخرج في متاهة لا تكشف له أبداً من صنعها. والأشد إثارة أن كافكا نفسه طلب إحراق بعض أعماله بعد موته، لكن ما أراد له أن يختفي صار من أكثر الأدب تأثيراً في القرن العشرين.
وفي الفن التشكيلي، نجد سلفادور دالي، ذلك الرسام الإسباني الذي جعل من الغرابة بوابته إلى الحقيقة. في لوحته الأشهر "استمرار الذاكرة"، تذوب الساعات كأنها في حلم، وتتلوى كأفواه مفتوحة على صمت الزمن. لا يسأل الناظر: "كيف رسم هذا؟" بل يسأل: "كيف لم أرَ العالم هكذا من قبل؟". دالي لم يقلد الواقع، بل فككه وأعاد تركيبه، ليكشف أن الزمن ليس سوى وهم، وأن الذاكرة ليست وعاء جامداً، بل نسيجاً مرناً يتشكل وفق رغباتنا وهواجسنا. لوحاته لا تستنسخ المرئي، بل تستبطن اللامرئي: الأحلام، المخاوف، الرغبات المكبوتة، والهواجس التي تسكننا ولا نعترف بها. والأشد إثارة أن دالي، الذي كان يُعتبر مجنوناً أو ساحراً في زمانه، صار اسمه علماً على رؤية تحرر العين من عادتها، وتجعلنا نرى الأشياء وكأنها تولد من جديد. بل إن لوحاته أصبحت أكثر صدقاً من الصور الفوتوغرافية، لأن الصورة تلتقط الجلد، بينما لوحات دالي تلتقط الروح.
والمفارقة الجميلة أن كلاً من كافكا ودالي عاشا في زمن متقارب، وكأنهما كانا يكتبان ويرسمان من بئر واحدة: بئر القلق الأوروبي بين الحربين، وسقوط اليقينيات، وولادة عصر لم يعد فيه للعقل سيادة مطلقة. كلاهما كشف أن الحقيقة ليست ما نراه، بل ما نشعر به، وأن الغرابة ليست تشويهاً، بل هي الواقع حين ننزع عنه قناع الألفة. وكلاهما صار رمزاً لفن يتجاوز المحاكاة إلى الخلق، ويتجاوز التفسير إلى الإحساس، ويتجاوز الإجابة إلى السؤال.
في النهاية، يظل السؤال الأعمق: لماذا نحتاج إلى مثل هذه الأعمال؟ ربما لأنها تمنحنا لغة لوصف ما لا نصفه، وتجعل ما نعيشه من حيرة واغتراب، ليس فشلاً شخصياً، بل جزءاً من الحالة الإنسانية ذاتها. إنها أعمال لا تقدم حلولاً، لكنها تمنحنا شرعية السؤال، وتجعلنا ندرك أن الحكمة ليست في الإجابات، بل في أن نتعلم كيف نسأل. وكما قال أحد الفلاسفة: "الحكمة ليست في الإجابات، بل في أن نتعلم كيف نسأل". وهذا ما فعله كافكا ودالي، وأمثالهما من المبدعين الذين جعلوا من الحيرة ليس عجزاً، بل فضيلة، ومن الغرابة ليس شذوذاً، بل رؤية.