مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها


أكرم شلغين
الحوار المتمدن - العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 00:13
المحور: قضايا ثقافية     

من أعجب ما في الإنسان أنه يطلب الشيء نفسه طوال عمره، لكنه لا يطلبه بالطريقة نفسها مرتين. الرغبة نفسها تبقى، أما موضوعها فيتبدل، كأن في داخل كل واحد منا كاتبا سرّيا لا يكفّ عن تعديل النصّ الذي يحرّك حواسنا ويوقظ فينا الميل والانجذاب.
يسمّي بعض علماء النفس هذا النصّ الداخلي "المخطوطة الإيروسيّة"؛ ذلك الأرشيف الخفي الذي يتكون في أعماقنا منذ السنوات الأولى، من أصوات وملامح وصور وروائح ولمسات وذكريات وتلميحات، من الحنان الأول وربما من الخسارات الأولى أيضا.
لا تنشأ الرغبة من الجسد وحده، بل من تواطؤ معقد بين الحواس والذاكرة والخيال والتجربة والثقافة والزمن. إنها ليست قرارا نتخذه، بل لغة تتشكل فينا قبل أن نتعلم كيف نصفها.
لكن إن كانت لكل إنسان هذه "المخطوطة"، فلماذا يعيد الإنسان كتابة رغبته بين حين وآخر؟ لماذا يفتنه في مرحلة ما الشعر الأسود الكثيف، ثم يجد نفسه بعد سنوات مأخوذا بامرأة ذات شعر كستنائي هادئ؟ لماذا يعشق أحدهم القامة الطويلة ثم يتفاجأ بأن امرأة أقصر من كل ما تخيله سابقا أربكت نظام قلبه كله؟ ولماذا يلتفت المرء أحيانا إلى من لم يكن يلتفت إليها من قبل، وكأن بابا داخليا كان مغلقا ثم فُتح بلا موعد...؟ ربما لأن الرغبة ليست صورة جامدة بل كائن حي.. هي تتحرك معنا لأننا نحن أنفسنا لا نبقى كما نحن.
الشاب الذي كان مأخوذا بالصورة الصاخبة قد يبحث بعد سنوات عن الطمأنينة. ومن كان يبحث عن الوضوح قد ينجذب لاحقا إلى الغموض. ومن أراد البريق حينا قد يكتشف أنه صار يبحث عن الدفء....
ببساطة، إن رغباتنا لا تتبدل فقط لأن العالم يتبدل، بل لأن الشخص الذي ينظر إلى العالم من داخلنا يتبدل أيضا. كان Sigmund Freud يرى أن الرغبة لا تأتي إلينا في صورتها الخام، بل تمر دائما عبر الذاكرة والرمز والتعويض؛ كأن الإنسان يبحث أحيانا في الحاضر عن شيءٍ لم يعرف تماما أنه فقده في الماضي. ثم جاء Jacques Lacan ليقول ما هو أكثر مراوغة: إن الرغبة لا تريد الشيء بحد ذاته، بل تريد ما يوقظه ذلك الشيء فيها من معنى ونقص ووعد. أما Roland Barthes فاقترب من المسألة من باب آخر حين لمح أن الجاذبية قد تسكن في تفصيل صغير لا يراه غيرنا: التفاتة، طريقة نطق، ضحكة، نظرة جانبية، حركة يد....أو ما شابه.
تفصيل يبدو عاديا للجميع، لكنه عند شخص بعينه يفتح بابا لا يُفتح إلا له.
ولهذا أيضا لا يكون الجمال موضوع إجماع دائم.
قد يرى رجل امرأة لا تلفت نظره أبدا، بينما يراها زوجها أجمل امرأة على الأرض.
لا لأنه واهم أو لأن الآخرين مخطئون، بل لأن ما يراه فيها ليس وجها فحسب. إنه يرى شبكة كاملة من المعنى: الطريقة التي تضحك بها، حضورها، أثرها عليه، ما تقوله له روحه عندما تدخل المكان.... وقد يحدث العكس تماما: امرأة يصفها الجميع بأنها في ذروة الجمال، بينما زوجها لا يعود يراها كذلك، أو يكتشف في سره انجذابا إلى امرأة أقل منها "موضوعيا" في مقاييس الشكل.
وهنا تظهر مفارقة الرغبة:
الجمال العام شيء، والرغبة الخاصة شيء آخر. وهذا ما لعب عليه فيلم Shallow Hal بذكاء لافت. فالفيلم لم يسأل من الجميلة؟ بل سأل سؤالا أعمق: من الذي نراه فعلا حين نقول إننا ننجذب إلى شخص؟ هل نرى الملامح؟ أم الصورة التي تنعكس داخلنا عنها؟
هل نحب ما هو أمامنا، أم ما يوقظه هذا الشخص في داخلنا من إحساس بأننا أكثر حياة، أو أكثر فهما، أو أقل وحدة؟
الرغبة لهذا السبب لا تعترف دائما بالمنطق، ولا تقف باحترام أمام المعايير العامة، ولا تنحني بسهولة أمام "الذوق المفروض" ؛ هي ابنة الحواس نعم، لكنها أيضا ابنة الخيال والزمن والصدفة والخبرة والغياب والحرمان والامتلاء وكل ما مر بنا بصمت.
ربما لهذا تتبدل شهواتنا من مرحلة إلى أخرى. ليس لأننا متقلبون بالمعنى السطحي، بل لأن الحياة نفسها تعيد ترتيبنا من الداخل. وكلما تغيرنا تغيرت اللغة التي تخاطبنا بها الوجوه والأصوات والهيئات.
وقد تكون أجمل حقيقة في الأمر كله أن الإنسان لا يعرف نفسه تماما في هذا الباب.
يبقى في داخله دائمًا شيء عصي على التفسير. جزء من الرغبة لا يقاس، ولا يختصر في علم، ولا يُحسم في تعريف.
لهذا حين نسأل:
لماذا أحببنا هذه المرة ما لم نحبه من قبل؟ قد لا نجد جوابا نهائيا. وربما يكفي أن نقول:
لأن الرغبة، مثل الحياة، لا تحفظ نسخة واحدة من نفسها. إنها تعيد كتابة مخطوطتها باستمرار…
وفي كل مرة نظن أننا فهمناها، تفاجئنا بسطر جديد لم نقرأه من قبل.