الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان


أكرم شلغين
الحوار المتمدن - العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 02:34
المحور: قضايا ثقافية     

هناك خسائر تُقاس بالأرقام، وخسائر تُقاس بالمناصب، وخسائر تُقاس بالأرض. لكن هناك خسارة أخرى لا تُحصى في الإحصاءات، ولا تتصدر نشرات الأخبار، لأنها تحدث بصمت، وتتسلل إلى حياة الناس يوماً بعد يوم حتى تصبح جزءاً من روتينهم. إنها خسارة الأمان.
قد يختلف الناس في تقييم الأنظمة السياسية، وقد يختلفون في تفسير أسباب ما وصلت إليه الأوطان من أزمات، لكنهم نادراً ما يختلفون على شيء واحد: أن الإنسان لا يستطيع أن يبني حياته في ظل خوف دائم. فالأمن ليس امتيازاً تمنحه الحكومات عندما تشاء، بل هو الشرط الأول الذي يجعل للحياة معنى، وللبيت قيمة، وللمستقبل أملاً.
في السنوات الأخيرة، أصبح السوريون يعيشون واقعاً قاسياً يصفه كثيرون بلغتهم اليومية البسيطة. لم يعد السؤال: كيف نحسن مستوى معيشتنا؟ بل أصبح: هل نستطيع أن نغادر منزلنا بضع ساعات من دون أن نجد بابه مكسوراً عند العودة؟ هل يمكن أن يذهب الأب إلى عمله وهو مطمئن على أسرته؟ وهل تستطيع الأم أن تنام الليل من غير أن توقظها كل حركة أو صوت؟
هذه الأسئلة، على بساطتها، تكشف أن المجتمع حين يبدأ بفقدان إحساسه بالأمان، فإنه لا يفقد شيئاً مادياً فقط، بل يفقد جزءاً من روحه.
لقد أصبحت حوادث السرقة، بحسب ما يرويه كثير من السوريين، تتكرر في أماكن متعددة، في المدن والأرياف، في الليل كما في وضح النهار. ولم تعد المشكلة في عدد السرقات وحده، بل في شعور الناس بأن استعادة الحقوق أصبحت أكثر صعوبة، وأن الخوف صار يرافقهم حتى داخل بيوتهم.
وحين يصل الأمر إلى أن يتردد الإنسان في مغادرة منزله ساعات قليلة، فإن القضية لم تعد قضية ممتلكات، بل قضية ثقة. فالمنازل يمكن إصلاح أبوابها، والأموال قد تُعوَّض، أما الشعور بالأمان إذا انهار، فإنه يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يعود.
وربما يكون المشهد الأكثر إيلاماً هو أن الناس بدأوا يتمنون وجود من يحرس أحياءهم ليلاً، ثم يتوقفون لحظة ليتساءلوا بخوف: ومن يحرس الحارس؟ ومن يضمن ألا يتحول من وُجد للحماية إلى مصدر خوف جديد؟
إنها مفارقة موجعة، لكنها تعكس عمق الأزمة. فعندما يصبح الناس خائفين من غياب الحماية، وخائفين في الوقت نفسه ممن يفترض أن يوفرها، فإن المشكلة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة تضرب العلاقة بين المواطن والدولة في جذورها.
الدولة ليست مجرد علم يرفرف، ولا حكومة تتبدل، ولا مؤسسات تحمل أسماء رسمية. الدولة* في معناها الأعمق، هي ذلك الشعور الهادئ الذي يجعل الإنسان يغلق باب منزله، ثم يمضي إلى عمله مطمئناً إلى أن القانون سيحرس ما تركه خلفه. فإذا اختفى هذا الشعور، بقيت الأبنية، وبقيت الوزارات، وبقيت الشعارات، لكن شيئاً جوهرياً يكون قد تآكل من الداخل.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من يحكم؟ بل: هل يشعر المواطن بأنه محمي؟ لأن السلطة قد تتغير أكثر من مرة، أما إذا بقي الخوف سيد الشارع، فإن الخاسر لن يكون من فقد منصباً أو نفوذاً، بل المجتمع كله.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن ليس كثرة الجرائم وحدها، بل اعتياد الناس عليها. أن تصبح السرقة خبراً عادياً، وأن يتحول حمل السلاح في الحياة اليومية إلى مشهد مألوف، وأن يتعامل الناس مع الخوف كما لو كان جزءاً طبيعياً من تفاصيل العيش. فحين يعتاد المجتمع على الاستثناء، يصبح الاستثناء هو القاعدة.
ولعل أكثر ما يحتاجه أي وطن خرج من سنوات الصراع ليس مجرد إعادة بناء الجسور والطرقات والمباني، بل إعادة بناء الثقة. فالحجارة يمكن أن تعود إلى مكانها بسرعة، أما الثقة فلا تعود إلا عندما يشعر الإنسان أن القانون يقف إلى جانبه، لا إلى جانب الأقوى، وأن العدالة لا تفرق بين مواطن وآخر، وأن الأمن حق للجميع، لا امتياز لفئة دون أخرى.
فالأوطان لا تنهض عندما يتوقف إطلاق النار فقط، بل تنهض عندما يعود الإنسان إلى بيته، ويغلق بابه، ثم ينام... من غير خوف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المقصود بمفهوم "الدولة" في هذا المقال ليس التعريف الماركسي–اللينيني الذي عرضه لينين في كتاب الدولة والثورة، والذي يرى الدولة جهازاً للقسر والهيمنة الطبقية. وإنما يُستخدم المصطلح هنا بمعناه الأوسع: الإطار المؤسسي الذي يكفل سيادة القانون، ويحمي الحقوق، ويوفر الأمن العام بوصفه حقاً مشتركاً لجميع المواطنين.