هل نحن أذكى ممن قد يكونون هناك؟


أكرم شلغين
الحوار المتمدن - العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 00:17
المحور: قضايا ثقافية     

بدأ الأمر بأجسام رصدها باحثون أوكرانيون بالقرب من القمر، قيل إن بعضها هائل الحجم. أثارت المشاهدة أسئلة أكثر مما قدمت من أجوبة: ما هذه الأجسام؟ وهل يمكن أن تكون هناك حياة خارج الأرض؟ وإذا كانت هناك حياة ذكية في مكان آخر من الكون، فهل ستكون أكثر ذكاء منا أم أننا، على نحو ما، أكثر ذكاء منها؟
لا نملك حتى الآن ما يسمح بالإجابة عن السؤال الأول بصورة قاطعة، فضلا عن الأسئلة التي تليه. وحتى الحديث عن وجود حياة خارج الأرض لا يزال في نطاق الاحتمال العلمي، لا الحقيقة المثبتة. لكن المثير في المسألة ليس الأجسام ذاتها، وإنما السؤال الذي تضعنا أمامه: هل الإنسان هو المقياس الذي نقيس به الذكاء في الكون؟
نميل، بصورة تكاد تكون تلقائية، إلى الاعتقاد بأننا أذكى الكائنات لأننا بنينا المدن، واخترعنا الطائرة والحاسوب، وأرسلنا مركبات إلى الفضاء، وأصبحنا قادرين على مراقبة مجرات بعيدة. لكن هذه الإنجازات تثبت شيئا واحدا على الأقل: أننا متفوقون في نوع معين من الذكاء الذي نعرف كيف نقيسه.
وماذا لو كان هناك كائن آخر يمتلك نوعا من الذكاء لا نعرفه؟
إن حضارة سبقتنا في التطور بمئات آلاف السنين، مثلا، قد تمتلك معرفة وتقنيات تبدو لنا مستحيلة، لا لأنها تستخدم أدوات أفضل مما نستخدم، بل لأنها تجاوزت أصلا المفاهيم التي تقوم عليها أدواتنا. وربما يكون الفارق بيننا وبينها أكبر من الفارق بين إنسان العصر الحجري والإنسان الذي يحمل هاتفه اليوم.
لكن ثمة احتمالا أكثر إثارة: ربما لا يكون الذكاء مرتبطا بالتكنولوجيا أصلا كما نتصور.
نحن نقيس ذكاء الإنسان بما ينتجه من معرفة وأدوات، لكننا لا نعرف إن كانت كل أشكال الذكاء تحتاج إلى التكنولوجيا، ولا إن كانت كل الحضارات المتقدمة تسلك الطريق الذي سلكناه. قد يكون هناك كائن ذكي يعيش بطريقة لا تشبه حياتنا، أو حضارة لا تستخدم الآلات بالطريقة التي نعرفها، أو شكل من أشكال الوعي لا نستطيع حتى الآن أن نضع له تعريفا مناسبا.
وهنا تظهر مشكلة عميقة في السؤال نفسه. عندما نسأل: "هل هم أذكى منا؟" فإننا نفترض أن الذكاء مقياس واحد يمكن وضع الكائنات عليه من الأعلى إلى الأسفل. لكن ربما لا يكون الأمر كذلك. قد يكون الذكاء مجموعة من القدرات المختلفة، وقد يتفوق كائن في بعضها ويتفوق آخر في بعضها الآخر.
ولعل الإنسان، رغم غروره، يملك دليلا على محدوديته أكثر مما يملك دليلا على تفوقه. فنحن نعيش على كوكب صغير، في زاوية من مجرة هائلة، ولم يمض على امتلاكنا التكنولوجيا القادرة على النظر إلى أعماق الكون إلا زمن قصير جدا. ومع ذلك، بدأنا نتحدث بثقة عن إمكان وجود حضارات أخرى وكأننا نملك معرفة كافية بالحياة والكون لنحدد موقعنا بين العقول الموجودة فيه.
وربما يكون أعظم اكتشاف يمكن أن يواجهه الإنسان يوما ما ليس اكتشاف وجود حياة خارج الأرض، وإنما اكتشاف أن الذكاء ليس ملكا بشريا خالصا.
فإذا وجدنا حضارة أكثر تقدما منا، فسيتعين علينا أن نعيد النظر في صورتنا عن أنفسنا. وإذا وجدنا حياة أبسط منا، فسوف ندرك أيضا أن وجودنا ليس النتيجة الوحيدة الممكنة للحياة. أما إذا لم نجد أحدا، وبقي الكون صامتا، فسيظهر سؤال أشد قلقا: لماذا ظهر الوعي في هذا المكان الصغير تحديدا؟ وكيف استطاعت المادة أن تصل، بعد مليارات السنين، إلى كائن ينظر إلى السماء ويسأل: هل هناك أحد غيرنا؟
قد لا تكون المشكلة في أننا لا نعرف إن كان هناك آخرون.
المشكلة أننا لا نعرف ما الذي ينبغي أن نبحث عنه كي نعرف أنهم موجودون.
ولذلك ربما يكون السؤال الأجمل ليس: "هل نحن وحدنا في الكون؟"، ولا حتى: "هل هناك من هو أذكى منا؟"
بل: هل نحن أذكياء بما يكفي لكي ندرك ذكاء من قد يكون موجودا هناك؟