نبوءة عن أحزان (أون )
محمد حسين يونس
الحوار المتمدن
-
العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 10:02
المحور:
الادب والفن
أحيانا تصبح رؤية الفنان .. اصدق و ابعد من التحليل السياسي ..و الدراسات الإجتماعية ..و التنبوء بما سياتي.. أو هكذا .. كانت تلك القصة القصيرة التي كتبتها 19/6/1989 ..و نشرت ضمن مجموعة (( البردية المجهولة )) في يناير 1995 . تحت عنوان (( النبوءة ))
(( عندما استبد به العجز، والضيق، نصحه - من يعرف أكثر- باستشارة عرافة " أون " التى لم تخطىء لها نبوءة ابدا .. فاستيقظ، بمجرد أن أعلنت الديكة عن ظهور القارب الالهى ، حامل القرص الوليد فى الأفق.. وبدأ رحلته عندما طفا القارب فوق المياه المقدسة للمحيط الأزلى " نو " .
الضباب يحيطه من كل جانب، يمنع رؤيته للطريق.. وهمهمات المتوجهين للمدينة المقدسة توشى بمدى ضخامة عددهم.. وهو يجدّ فى السير، ليصل محرابها مبكراً عسى أن يفوز بلقائها .
عندما استطاعت أشعة الاله الفتى قهر آخر فلول جيوش الضباب كانت جموع الحجيج تملأ كل شبر، من الفراغ المحيط ببيت الرب..
وكان قد نجح أخيراً – بعد نضال – فى أن يخترق الحشود، ويقف ببابها منتظراً الاذن.
شحب وجهها .. ارتعشت .. توقفت عن البيان
أدارت رأسها.. غمغمت.. تجنبت مواجهته.. فتصبب العرق غزيراً من مسامه، وتعلق بصره بشفتيها، متعجلاً استقراء ما خطه له القدر.
قالت وهى تحاول إخفاء انفعالاتها: تجلد بنى.
صمتت قليلاً ، ثم أعادت قولها: تجلد.
انهار.. عجزت ساقاه عن حمله .. جف حلقه.. وشعر بالألم يعتصر جوفه.
تساءل محاولا رد القضاء : ماذا فعلت؟.
ردت باقتضاب: لادخل لك بهذا !!.
ثم أكملت كمن تحدث نفسها: إنها حكمتهم.. هذه إرادتهم.. ولا راد.
فى ذلك الوقت كانت الجموع المحتشدة يتضاعف عددها ، كلما زادت قوة أشعة الرب مكتمل البهاء ، حتى ليخيل للمشاهد أن كل من بالمدينة قد هجرها، وتجمع حول بيته .
كان الكاهن يتحرك بينهم مهموماً مكتئباً مكروباً ينطق بكلمات لربة السحر إيزيس، وينثر على رعيته بعضاً من الماء الطاهر .. الذى يقال أنه قد جلبه من منابع النيل بجزيرة الفنتين ، فور خروجه من أسفل صندل رع ..
فيتحول كل من تلمسه قطرة الى ورقة صبار ضخمة، ذات طرف مدبب وأشواك رفيعة.
كبر الاله و أصبح علي صورة (اتوم ) شيخاً.. أطرافه باردة.. فقدت قوتها ولم تعد قادرة على بعث الدفء.. وكانت المدينة قد خلت من سكانها بعد أن تحول معظمهم الى صبار ..
هبت رياح باردة.. تحركت بين النباتات البرية ، التى غطت كل الفراغات المحيطة بالمعبد.. ثم عادت تحمل معها نغمات حزينة، وأنات متوجعة، ظلت تتضاعف.. تتضاعف.. تتضاعف.. حتى لم يعد يسمع إلا تنويعات مختلفة على كلمة " آه " تتردد فى كل مكان.
عندما انزلق القارب المقدس داخل غياهب ( الدوات).. وحلت الظلمات، ثارت زوبعة عاتية.. حملت رمالاً صفراء دقيقة ، غطت المدينة بغمامة كالحة..
كان يسير عائداً الى منزله وحيداً.. مهموما..يرقب الغمامة بقلق وقد تمخضت عن عدد من العربات السوداء ، تجر كلا منها مجموعتان من أكلات الرمم المنهكة.
من عربة المقدمة نزل صاحب السعادة ، والفضل، والاحسان المعظم..لازمته الصحة ، والقوة ، والحياة.. يخطو فى زهو ممسكاً بصولجانه.
تأمل المكان ، ثم سأل تابعية الذين كانوا يخرون ساجدين ، بمجرد هبوطهم من عرباتهم: ماذا ترون؟.
قالوا: نحن لانرى ياصاحب الفضل!! أنت الذى ترى.
ابتسم سعادته بسعادة وسأل: ولكن.. أين أخفيتم الرعية؟.
رد كبيرهم محنياً هامته حتى ركبتيه: لا تهتم يا باعث الانوار.. فسأستبدلهم بما يليق بعظمتك وسموك وجلالك.
ثم أشار بيده فتقدم من الخلف صفان من الاقزام المنحنين، يحمل كل منهم بحرص شديد حقيبة جلدية ضخمة .
ظلوا ينثرون منها فى شقوق الآرض المحروثة " أسنان آبيب " فأنبتت فى التو واللحظة كائنات غريبة.. ظلت تكبر، وتكبر وتكبر، وتتميز ملامحها ، حتى أصبحت دمى ضخمة ، يرتدى كل منها زياً مميزا ، ويحمل آلة تختلف عن آلات الآخرين.
عندما اكتمل نموها.. اصطفت فى طوابير متوازية ثم انحنت، اقترب منها صاحب السعادة ، والفضل ، والاحسان.. لازمته الصحة، والقوة والحياة.. فحصها جيداً .. بعين خبيرة .. ثم ابتسم برضا.. وباركها.. فانتفضت ترقص رقصة وحشية عنيفة، وتصيح بصيحات مزلزلةللمكان .
بالغ كبيرهم من انحناء هامته وقال: مر خادمك ، يزرع لك ما تريد.
ابتسم ابتسامة واسعة وقال : إذا كانوا جميعا من هذا النوع ، فلا حدود لما تزرع.
قبل الأرض بين قدميه .. ثم استدار لتابعيه قائلاً : فلتمتلىء المعمورة بعبيد المفدَى..
يارجال الزمن السعيد، تناسلوا.. توالدوا ليكون منكم شعبا ، يليق بأن يحكمة صاحب السعادة ، والفضل والاحسان المعظم لازمته الصحة والقوة والحياة.
فامتلأت المدينة.. والمدن المجاورة.. والقرى.. والعزب.. والنجوع والكفور برجال السلطان يتحركون جماعات وفرادى يقتلعون كل ما تلمسه أكفهم.. يبتلعونه دون تمييز.. يمحونه من الوجود، ويتركون بدلاً منه فضلاتهم المقززة.
أصابه الذعر .. أسلم ساقيه للريح يجرى فى اتجاهات عشوائية ، باحثاً عن ملجأ .. وفى كل مكان كانت تواجهه الكائنات ، فتجعله يغير من مساره.. حتى وجد فى النهاية جحراً منزوياً يختفى بين الصخور، فركن إليه..
خف رعبه .. هدأت نفسه .. وعندما عضه الجوع خرج ليلاً متسللاً يبحث عما يتقوت به..
وهكذا مرت السنين اعتاد هذه الحياة.. فغفل عما يحيطه من أخطار. حتى ذلك اليوم الذى امتد فيه ساعد ضخم ، مغطى بشعر أسود كثيف فى نهايته كف مشوه ذو أصابع ثلاثة غير متناسقة ، الى داخل جحره. فتراجع الى أقصى نهاية ممكنة ، مبتعداً عن الكف الأعمى.
سمع أحدهم ، يحاور زميله قائلاً : باه.. راه.. موساه.. هندستوب.
فامتد ساعد آخر ، ليساعد الأول ثم سمع : رواه.. رورر.. حنتس.. مالوش.
والرد - ما.. ماه.. ريف.. سحتون.. مالى مون.
التصق بالجدار الأصم، يريد أن يخترقه محاولاً الافلات.. الجحر يمتلىء بماء آسن ودخان مجلب للدموع، فخرج من مكمنه مستسلماً رافعاً ساعديه لأعلى.
أصيب بعمى مؤقت ، بعد أن بهره نور الاله المكتمل..
عندما اعتاد النظر، تبينهم لأول مرة عن قرب.. أجساد ضخمة ، جماجم صغيرة.. وعين واحدة فى منتصف الرأس ...وفم كبير لا يتوقف عن المضغ
كانو يصخبون ويضحكون عندما اقترب منه احدهم بعجرفة بادية ..يزهو بما يرتدى ..فلم يستطع أن يتحكم فى نفسه و بال واقفاً.
قال له : هم .. حم.. لوف بوف..
لم يفهم و لكنه رد ..الصحة، والقوة ، الحياة لك.. لم أفعل ما يغضب.
تدخل آخر قائلا : سبسب.. لوب.. هم.. سفوف.
فظن أنهم يتحدثون عن ذنوب إرتكبها .. ليرد ((يا صاحب السعادة ، والفضل، والاحسان.. لقد أديت كل الشعائر واهتديت بالمزامير و السيرة و البرهان )).
قال الأول : تينا.. لتينا.. بوخ.. سوخ.
فتصور من ملامحه .. انه يتهمه بالتمرد .. ليرد (( لا .. أيها العظيم ، لقد وقرتهم أيما توفير واتبعت التعليمات واللوائح والقانون.))
قال كبيرهم : مجريموا.. هابيشوا.. مخرب.
سقط على وجهه ، راكعاً.. ساجداً يقبل الأرض، بين قدميه، وقال (( أنا لا أخرب.. أنا ازرع ، وأعمر)).
فرد كبيرهم : آه .. فلاح .
وهنا عرف لماذا شحب لون الكاهنة ، التى لم تخطىء لها نبوءة فتوقف عن الرد ، فاقداً للنطق.. متجمدا فى مكانه متحولاً الى شوكة صبار حجربة ضخمة ، لازالت باقية فى مكانها حتى يومنا هذا يصدر عنها صفير حزين، كلما انزلق قارب إلاله فى الأفق الغربى.. ويخرج من أسفلها ماء أصفر لزج ، عندما يقترب منها شخص يرتدى زياً مميزا.)) ...
يقول الراوى .. أن بعد 30 سنة من نشر هذه القصة لم تبرح الشوكة مكانها ظلت قائمة تحكي عن أيام الظلم .. حتي قرر البعض تطوير المنطقة .
فأزالوها بالبلدوزر ..
و لكن في كل مساء قبل الغروب يتردد في الأجواء اصداء ضجج لاصوات خشنة.. تتحدث بلغة غير مفهومة..يعقبه بكاءا و عويلا ..و صراخا .. يظل يتزايد حتي تختفي الاضواء الحمراء للشمس الحزينة .. فتصمت