متون برج المريخ الأيقوني
محمد حسين يونس
الحوار المتمدن
-
العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 10:05
المحور:
الادب والفن
23 يوليو عام 6325. أجاز المجلس الأعلي لحفظ التراث ضم قصة (نسيج الألم) التي وجدت في كتاب (البردية المجهولة ) إلي الجزء الخاص بمدونات التاريخ الإبداعي للبشر بعد أن جرى تحقيقها بواسطة عالمة الأنثروبولجي سيرانا مريام سو ديك زان .... (( فى صباح يوم دافىء من ايام الشتاء الذى تلى نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة .. عندما كان بوسع النساء ان يجلسن منفردات فى الحدائق العامة النظيفة مع اطفالهن يرقبنهم وهم يلعبون ويشغلن أنفسهن بأداء بعض الفنون اليدوية المحببة لهن .. اصطحبتنى والدتى الى حديقة قريبة من منزلنا .. وسُدتنى مهداً صغيراً مصنوعاً من البامبو ومحلى بشرائط الدانتيلا البيضاء .. وغطت سقفه بغلالة رقيقة من الشيفون الازرق السماوى لتمنع تطفل الذباب على وجهى .. ثم جلست فى سلام تنعم بأشعة الشمس وتنسج ثوباً صوفياً .
كانت قد اعتزلت مهنتها كمدرسة – منذ ولادتى – لتعتنى بى .. و تؤدى هذا برضاء لا يمكن تصوره إلا إذا نظرت الى عينى أم وهى ترضع صغيرها .... فاصبحت طفلاً مورد الوجنتين موفور الصحة نظيفاً .
مرت بجوارنا سيدة أجنبية استرعى انتباهها المهد والطفل فوقفت تتأملنى لبرهة ثم قالت بلغة عربية يغلب عليها الرطانة الاجنبية (( ولد حلو كتير .. بس يا خسارة محكوم عليه بالاعدام)) .
انزعجت امى من تلك المتطفلة ولكنها – فى ذلك الوقت – لم تكن تستطيع لها شيئا اكثر من إبعادها برفق عن المهد
بلغت السابعة من عمرى .. كنت قد انهيت عامى الدراسى بنجاح فسافرنا الى الاسكندرية لنقض جزءاً من الصيف على شاطىء قريب من ( المنتزه) كنت ألهو بالرمل الناعم .. اصنع منه قصوراً صغيرة سرعان ما تجرفها الأمواج فأبنى – بدون كلل – غيرها ... كانت امى تجلس فى ظل مظلة شاطىء واسعة ملونة ترقبنى وهى تطرز قطعة قماش حين توقفت بجوارى العجوز الاجنبية .. وضعت كفها فوق رأسى .. داعبتنى ثم قالت ببرود (( ولد حلو كتير .. بس ياخسارة .. محكوم عليه بالاعدام .))
لم تطق أمى عليها صبراً فانتفضت من مجلسها امسكت بتلابيبها بغلظة ثم طالبتها بتفسير .. أجفلت الأخرى ثم اشارت لجبهتى وقالت (( انت زعلان يا مدام .. علامة الاعدام أهى .. مش شايفها ؟ )) ... لم تكن امى من تلك السيدات اللائى يؤمن بمثل هذه الخرافات ومع ذلك استشارت أحد العارفين الذين وهبهم الله بعضاً من علمه فقال (( اننا جميعاً أموات ابناء اموات نتحرك على ساقين وان الحياه لا يعرف سرها إلا فاطرها )) .
مرت الايام ونست امى كل ما حدث . ولكن عندما حصلت على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية (القديمة) غطت غلالة ترابية رمادية كثيفة سماء وادينا. ... كنا فى الشارع فهرولت وامى بين الجموع المذعورة نبحث عن ملجأ . كنت قد كبرت بما يكفى ، لأن أجرى بجوارها على غير هدى حين استوقفتنا العجوز وقالت باسمة رغم الضائقة (( إنت خايف من ايه يا حبيبى ؟ ابنك المحكوم عليه بالاعدام ، مش إنت ....))
بعد ذلك بخمس سنوات وفى احتفال تسليم اوائل طلاب شهادة الثانوية العامة جوائزهم قال الرجل المهم ، وهو يربت على وجنتى بأننى محظوظ ، لأن تفوقى هذا قد جاء فى العصر الذى انزاحت فيه العقبات من امامنا ، وأن كل المقدمات تؤكد قدرتى على شق طريقى بهدوء ، لأصبح أحد أعلام الانسانية .
ابتسمت والدتى بفخر ، ولكن العجوز ظهرت فجأة وهمست فى أذنها قائلة ((إنسانية ايه ..و بتاعى إيه.. الولد محكوم عليه بالاعدام .))... نظرت امى لها بغيظ ، ولم ترد ، انما التفتت لى وقالت : كذب المنبئون ولو صدقوا .
التحقت بكلية الآداب ، وتوالت الآعوام سريعاً حتى حصلت على الليسانس..كنت الأول دائما ، فعينت معيداً، وفى اليوم الذى تسلمت فيه عملى الجديد، إهتزت الأرض ، وزلزلت زلزالها فأنهارت أبنية عديدة كنا نتصورها راسخة ، وفقدت السيطرة على نفسى ، وسقطت فى شق عميق . تجمع أعلاه من يسبوننى بأقذع الألفاظ مدعين أن شؤمى قد سبب ما حدث..
وبسرعة شونوا الحجارة على حافة الخندق، وتجمعوا حولها يفحصونها بتأنى يستبعدون الضخم منها حتى لا ينتهوا منى بعد قذفة أو قذفتين، وينحٌون باحتقار الصغيرة جانباً لأنها لن تؤثر.
كان رئيسهم ينظر لى بتشف واضح وهو يصدر تعليمانه ، وكان قلبى يدق بعنف وينتفض من فعل الدماء المتدفقة منه لعروقى، والعرق يتصبب غزيراً من مسامى وهم يرفعون سواعدهم بالحجارة لرجمى، لقد تحققت النبؤة ولكن صوتها جاء آمراً إياهم (( لا..لا يا حبيبى .. لسة وقتة ماجاش. ))
حصلت على الدكتوراه ، أصبحت أستاذاً فى الفلسفة ، وعندما وفقت بين طلبتى أحاضرهم عن التناقضات الميتافيزيقية فى جدل هيجل، علا صراخهم واستطالت ذقونهم وثاروا محدثين ضجة شديدة حتى حضر من ينصحنى بأن أتفق مع الضابط المسئول ليختار سيافاً ماهراً ، وأن أرشو هذا السياف لينهى مهمته بضربة واحدة ، ثم عرض على أن يقوم بهذه الاتفاقات نائباً عنى لو أننى أوصيت له برأسى التى أعد لها وعاءاً مرمرياً فاخراً سيزين به مكتبه ليتأملها كل صباح ، وقد يساعده المولى فيرتب معرضاً يطوف بها أنحاء العالم.
ولكنها خرجت من بين الصفوف، وقفت بينى وبينهم حمتنى بجسدها وقالت(( لا.. لا يا حبيبى .. وقته لسه ماجاش)).
تقاعدت عن التدريس بعد أن قالو لى أن ابحث عن وظيفة يحتاجها المجتمع، واقترحوا جامعاً أول للقمامة ، أو سمساراً تحت التدريب، أو مضحكاً للعامة ، أو حاملاً للريشة القلاوونية أخط بها مآثر التكية النورانية.
قالت أمى مستسلمة: وما فى ذلك يابنى ألن تكسب أكثر؟.
قلت: بالدولار والاسترلينى. ... فقفزت واقفة تزغرد وأمسكت بمبخرتها (ترقينى) وتردد اسم الله ليحفظنى من العين.
ولكن العجوز أطلت علينا حاولت إقناع أمى براى أخر اذ قالت ((لماذا لا يعمل جاسوساً أو عميلاً.. هذا أفضل سيكسب أكثر)) .ثم وضعت رأسى بين ثدييها وفمى على مصادر رحيقها وغرزت أظافرها فى منابت شعرى.
عندما دفعتها مبعداً إياها وقفوا أمامى فى طابور منتظم مشرعين بنادقهم وأطلقوا منها فى اتجاهى قطعا صغيرة من النار اخترقت كاحلى فالساقين فالفخذين فالبطن وعندما صاح قائدهم (( فى سويداء القلب)).
أشارت إليه فتوقف وقالت((لا.. لا يا حبيبى.... لسه ماجاش وقته.))
أصبحت كهلاً قال أستاذى الذى يشاركنى زنزانتى، وهو ينظر لسقفها المفتوح فاحصاً(( هذه علامات الساعة إنهم يزيلون حزام (فان آلن ) ، وستذيب الأشعة المتسربة منه كل شىء حتى الحجر.
قلت متساءلا .. أهذا هو حكم الاعدام؟.... ردت (( لا.. لا.. علامتك لسه منورتش))
بمتابعة أحداث القصة وجد مكتوبا في المدونات الخاصة بنهاية الجنس البشرى المحفوظة في برج المريخ الأيقوني .
أنهم عندما إكتشفوا الحفرية بعد الفي سنة..قال القادم من الكوكب البعيد.. أن الأشعة تسربت وأذابتهم جميعا .. كما أذابت جدران الزنازين ، فتوحدوا معها . وأصبح من الصعب التفرقة بين مقعدة أحدهم والبلاط ، أو هيكلهم العظمى والهيكل الخرسانى. .. و أنه قد (( عاش في هذا المكان كائنا قدّ جسده من أديم الأرض، وقد لايكون له عقل)) .
و لكن عالمة الأنثروبولجي زلطان بوجي اردفان ..صححت عام 50199 هذا الإستنتاج و سردت القصة منتهية إلي (( أنه كان له عقل، صنع من نسيج الألم، ضفرته أمه على مهل ، فى الفترة ما بين صباح يوم مشرق من شتاء 1946، وحتى ظهر يوم حار من أيام بدايات القرن الحادى والعشرين)).
و هنا توهجت العلامة التى على جبهته... فترك القادم الغريب الحفرية بقرف قائلاً:... (( هذه النفايات لابد من إعدامها فهى بالغة الضرر))