ثورات وإنقلابات وإنفاضات المصريين


محمد حسين يونس
الحوار المتمدن - العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 09:46
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية     

الدكتور جمال حمدان تكلم في أكثر من موقع .. بكتبه العديدة .. عن أن طبيعة المصريين تميل إلي الإستقرار و المهادنة بسبب إعتمادهم علي النيل ..و ضرورة وجود سلطة مركزية تنظم الرى و تحافظ على مصدر رزقهم... والمصري في رأيه (طويل البال) ويفضل الحلول الوسطى.... و مع ذلك فقد حذر من ((أن هذا الصبر ليس قبولاً بالظلم، بل هو انتظار للحظة فارقة ))... و هو أمر ثبت صحته تاريخيا في أكثر من زمن .
في راي الدكتور أن ((المصرين لا يميلون إلى الثورات المتكررة أو العنيفة لمجرد التغير، بل يصبرون طويلاً حتى يصل الضغط إلى نقطة الانفجار؛ فحينها تكون ثورتهم (زلزالاً) يغير وجه التاريخ.)).
و هو ما أكده و كتب عنه المؤرخون في نهاية حكم بيبي الثاني .. ومع (الثورة البكولية) ضد الاستعمار الروماني بسبب الاستغلال الاقتصادي القاسي والضرائب الباهظة والاضطهاد، وتكرر مع مقاومةأهل (بشمور) . للإستعمار الأموي و العباسي .
أول ثورة قام بها المصريون .. ونعرفها من الوثائق المكتشفة .. كانت (ثورة الجياع) ضد الملك (بيبي الثاني) في نهاية الأسرة السادسة.( 2180 - 2060 ق.م.).. . فهو قد حكم لتسعين سنة (( 90 )) .. فضعفت يد الدولة الموحدة . و حدثت ثورة إجتماعية علي الأغنياء و الملوك..و المؤسسة الدينية .. طالب الشعب فيها بالعدالة الإجتماعية و الدينية و قام بتدمير أغلب أثار الدولة القديمة و سرقة القبور ..
سادت الفوضى وعمّ الاضطراب وانحدر الفن لمائة و عشرين سنة تالية من الأسرة 7 حتي نهاية ال11 ... و تحللت السلطة المركزية .. ليحل محلها نفوذ حكام الأقاليم و أصحاب الضياع .. بل لم يعد الملك يسيطر علي الجيش و البحرية إلا من خلالهم
هذه الفترة تسمي الإضمحلال الأول .. نذكرها من خلال نصوص أدبية و فلسفية (الوصايا المشهورة التي تركها لابنه مريكا رع ) التي تحكي عن الفقر والبؤس و الفوضى ونهب القبور واختلال الأمن.
الثورات التالية كانت ضد الهكسوس (1570 ق.م ) بواسطة ملوك طيبة .. و ضد الفرس ثلاث ثورات (524 ق.م، 522-520 ق.م، 343-333 ق.م)...و البطالسة (206-186 ق.م) . ثم ثورة فلاحين الدلتا (البكلوية ) ضد الرومان ( 161 وحتى 180).. و ثورات البشموريين في (القرنين الثامن والتاسع) و التي قام بها سكان منطقة الدلتا ضد سياسات الضرائب في عهد الخلافة الأموية والعباسية.
ثورة القاهرة الأولى (1798) ضد نابليون بونابرت والحملة الفرنسية... وثورة الشعب المصري عام (1805) التي أدت إلى عزل الوالي العثماني (خورشيد باشا) وتعيين محمد علي باشا والياً ..
والثورة العرابية (1881-1882) ضد التدخل الأجنبي ..و أخيرا ثورة 1919 للمطالبة بالاستقلال عن بريطانيا.
ثم توقفت الثورات ليحل محلها الإنقلابات ..و الإنتفاضات
إنتفاضات منتصف القرن العشرين نذكرها دائما مع شهر يناير و ما فعله الإنجليز في قوات الأمن بالأسماعيلية 25 يناير 1952 و كيف ثارت الجماهير تعاطفا معهم .. ثم كيف حرق الفاشيست.. مدينة القاهرة في اليوم التالي ..عقابا لاهلها علي مظاهراتهم ضد الإحتلال .. لينتهي الأمر بإجهاض الثورة الكامنة بإنقلاب البكباشية في 23 يوليو .
ومع برودة شهر(طوبة) نتذكر حركة الشباب 21 فبراير 1968 إحتجاجا علي نتائج محاكمات ضباط الطيران بعد الهزيمة .. وكيف تفجر السخط الشعبي الكامن و أدى لبيان 30 مارس و مراجعة النظام للاسس ممارساته.
وبالحركة الطلابية 15 يناير 1972 ..بعد خطاب السادات عن عام الضباب و إعتصام الطلبة في قاعة الإحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة .. ومهاجمة المعتصمين ليلا وإعتقالهم بواسطة الامن المركزى .. ثم عندما إستكمل باقي الطلبة الإعتصام في ميدان التحرير تم فضه بالقوة فجر 25 يناير بعد (عشرة أيام مجيدة ).
و مظاهرات 3 يناير 1973، لطلاب جامعة القاهرة كرد فعل على اعتقال قادة وكوادر الحركة الطلابية في الجامعات المصرية ..فخرجوا إلى الشارع يرفعون شعارات عن قضايا الحريات، والعداء لإسرائيل، ثم كيف قمعتهم قوات الأمن المركزي بكلّ قسوة فجر يوم 4 يناير ، و أعلنت الحكومة إغلاق الجامعات لمدة شهر بدعوى إجازة نصف السنة .
وبإنتفاضة الخبز 18 و 19 يناير 1977 التي سماها السادات بإنتفاضة الحرامية .. و كان نتيجتها الرجوع عن الأجراءات التي أوصي بها مندوبي صندوق النقد حتي يتم تمهيد الأرض لفرضها قسرا.
وقريبا منها إنتفاضة عساكر الأمن المركزى يوم 25 فبراير 1986 من أجل تحسين مستوى حياتهم و أعلان مبارك بعدها حظر التجول ..
ثم إنتفاضة الشباب في 25 يناير 2011 و التي إستمرت لمدة ثلاثة أسابيع رافعة شعار عيش و حرية .. و عدالة إجتماعية و إنتهت بتمكن نظام حكم أمني عسكري .. فرض علي الناس كل تعليمات صندوق النقد و البنك الدولي .. فزادت الديون .. و إنخفضت قيمة الجنية .. و تضاعفت أسعار السلع عشرات المرات .. و دخلنا في متاهات نظام إقتصادى مركب .. يزيد الفقراء فقرا و يراكم الملايين للمليارديرات .
مع هذا الشهر تهب روائح الإنتفاضة وناسها .
و نتذكر هؤلاء الذين غادرونا موتا أو سجنا أو هربا... و من يعيش اليوم مهزوما ،حزينا ، مكلوما ، متضررا .. في مجتمع مبتلي بالإنفصام و نظام غير قابل للإصلاح .
وضع هذه الإنتفاضات جنبا إلي جنب قد يؤدى تأملها بالبعض إلي فهم أمرين
أن الحكام يتعلمون و يحسنون أساليب قمعهم و أدواتها بمساعدة خارجية ..أما الشعب فيكرر الأخطاء رغم أن جذوة الثورة منذ يناير 1952 لا زالت مشتعلة تحت ركام الخوف لم تخبو. بعد
الأمر الثاني أنه لم يكن مقدرا للهبات السابقة أن تؤدى الي تغير الأنظمة ..أو حتي الإصلاح ..و كان لهزيمتها وقع سيء جعل للخصوم اليد الطولي و السيطرة ليزداد غيهم و إصدار قوانينهم المعيبة و يتمادى جباتهم و إرهابيهم في النهب و السيطرة .
ما يحدث منذ يناير 1952 .. حتي يناير 2011 هو محاولات لم تنجح (حتي الأن )...وذلك لان التاريخ يقول أن ثورات التحرر لا تحدث بهبات تلقائية بقدر ما تتطلب أن يقودها أحزاب مثل الوفد المصرى أو المؤتمر لغاندى أوالمؤتمر الوطني لمانديلا ..أو البلاشفة للينين .. أو أحزاب ماوتسي تونج و كاسترو و هوشي منه.
حزب له خططة و إستراتيجياته .. و سياستة .. وشعبيته ..و قدرته علي قراءة تخته الرمل . و المناورة بين الهجوم و الدفاع .. وقبول الفشل و الإستمرار حتي النجاح
و هو أمر لم نتعرف علية منذ سقوط حزب الوفد 1954..فلم تتوفر لكل الإنتفاضات السابقة القيادة الحزبية الواعية التي تطورها للوصول إلي الأهداف القومية .
نعود للإقتباس من الدكتور جمال حمدان الذى يرى ((أن مصر كانت على مدى تاريخها الطويل سجناً كبيراً بسبب طبيعة الدولة المركزية..و أن الشرط المسبق للتقدم هو ثورة على النفسية المصرية نفسها، لتغير العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغير مادي أو سياسي)).
.
بكلمات أخرى ان المصريين بحاجة إلى ثورة نفسية (ثقافية ) وتغيرات جذرية في العقلية والأيديولوجيا قبل أي بجرى تعديل كيانهم ومصيرهم ..
مشيراً إلي ندرة الثورات الحقيقية التي تنبع من تراكم الظلم الاجتماعي والوطني... و تعدد الإنقلابات التي في الغالب كانت لتغيير الوجوه.
و مع ذلك فالتاريخ يحكي عن ثورة ماوتسي تونج وشعب زراعي أكثر منا بؤسا و تخلفا .. ضد الإستعمار البريطاني و جيوش عملاؤة شانج كيشيك ..
فهي قدفشلت لأكثر من مرة ..و كان القائد يقول إنه مجرد فشلنا الرابع أو الخامس و يستمر في الصراع .. حتي إنتصر
كل عام و حضراتك تذكرون كفاح أهلنا في زمن حكم بيبي الثاني و ألايام
المجيدة التالية التي عبر فيها الشعب عن سخطة..
وتعملون علي تجاوز الهزيمة بالتجمع حول حزب يقود التوق المستمر للرغبة في الإنعتاق رغم إنقلابات يوليوية عديدة . .. ترددون بأمل و تفاؤل إنه مجرد فشلنا السادس


ا