الحوار نداء العقل ورسالة الحياة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 13:36
المحور: المجتمع المدني     

في زحام الحياة وتعقد الظروف التي نعيشها، تسجل الوقائع التاريخية واليومية سلسلة طويلة من الصراعات والخلافات القائمة على المصالح الضيقة؛ صراعات ابتعدت كثيراً عن الأسس البنيوية للمجتمعات الحية، والتي تقوم في أصلها على لغة حضارية راقية تُدعى "الحوار".
إن الحوار ليس مجرد ترف فكري أو كلمات تتطاير في الهواء، بل هو الأكسجين الذي تتنفسه المجتمعات لتستمر، والجسر الوحيد الذي يعبر بنا فوق ظلمات التعصب والتهميش؛ غير أن الواقع المؤلم يضعنا أمام ظاهرة متفشية؛ إما بتجنب الحوار كلياً، أو ممارسته كـ "حوار طرشان" لا يستمع فيه أحد للآخر، حيث يسيطر هاجس إقصاء المخالف وإلغائه، في تناقض صارخ مع فلسفة الحوار القائمة على التقبل، الاحترام، والإيمان بأن الاختلاف هو إثراء للجميع لا تهديد لأحد، بينما الخلاف يهدم القلاع.
إن الحديث عن الحوار يبدأ من أعمق نقطة في الإنسان (حوارك الذاتي مع نفسك) فقبل أن تحاور العالم من حولك، هناك حديث سرّي يدور في داخلك يحدد نبرة يومك وطبيعة سلوكك، وإن الحوار الذاتي المتزن والإيجابي يمنحك المرونة والقدرة على ضبط النفس، فتنظر إلى المواقف الصعبة كفرص للتفاهم والتعلم، بينما يدفعك الحوار الداخلي المشحون إلى التعامل مع كل رأي مخالف بأسلوب دفاعي أو عدائي.
ومن هذه البؤرة الفردية، ينعكس أثر الحوار على بيئة العمل والمؤسسات؛ حيث يتحول إلى فن في الإقناع وبناء الاحترام، فالنجاح المؤسسي لا يُبنى بفرض الآراء أو تهميش الآخرين، بل بحسن الاستماع، والتركيز على المضمون بدلاً من شخصنة الأمور، والبحث الدائم عن المساحات المشتركة التي تجمع ولا تفرق؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه بغصة؛ لماذا يتكسر الحوار أحياناً على صخرة الجدال العقيم وينتهي بالقطيعة والمحاربة؟
إن عقبات الحوار تكمن في "الأنا المتضخمة" التي تسعى لكسر الآخر بدلاً من البحث عن الحقيقة، وفي لغة الاستعلاء التي تجرح الكرامة، وفي التعبئة المسبقة التي تُغلق العقول، وهذه العقبات، حين تتراكم، تُشخص لنا واقع الحالة الفلسطينية اليوم؛ حيث تحولت الخلافات وعدم تقبل الشراكة السياسية والمجتمعية إلى أزمة مستعصية، فعندما تغيب ثقافة التشاور في العمل المؤسسي والتنظيمي، ويحل محلها التجييش والاستقطاب الحاد، يفقد المجتمع قدوته، وينعكس ذلك احتقاناً يسري في العروق، ليصبح الحوار وكأنه مفهوم منسي وسط ضجيج الخصومة.
من هنا، وأمام هذه الأخطار التي تهدد نسيجنا الأهلي، لا بد أن ينطلق نداء عاجل ومسؤول يضع مستقبل المجتمع وأمنه فوق كل اعتبار:
• إلى المتحاربين وأطراف النزاع، إن لغة القوة والعنف لم تبنِ يوماً مجتمعاً، ولن تحقق أماناً لأحد، والخسارة في انقسام المجتمع هي خسارة للجميع بلا استثناء. وتغليب لغة الحوار ليس ضعفاً، بل هو أعلى درجات الشجاعة والمسؤولية الوطنية والأخلاقية؛ فضعوا أمن أبنائنا وحقهم في الحياة فوق كل شبر من الخصومة.
• إلى الزملاء في العمل والمؤسسات، إن التنافس لا يعني العداء، والاستحواذ يقتل الإبداع؛ اجعلوا الحوار والتشاور والاحترام المتبادل هو المحرك الأول، فنجاح المؤسسة وتماسكها هو حماية لجهدنا جميعاً.
• إلى أبناء التنظيمات والقوى السياسية (وخاصة القوى الكبيرة والمؤثرة)، أنتم قدوة الشارع، والتجييش المستمر لا ينتج إلا القطيعة وتفتيت الوطن، التزامكم بالحوار وتقبلكم للشراكة الوطنية ولبعضكم البعض هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على القضية؛ فلا تجعلوا الشخصنة والمصالح الفردية والفئوية والانتماء التنظيمي أسمى من سلامة المجتمع الذي نعيش فيه.
ولكي لا يبقى الحوار مجرد شعار نردده، يتوجب علينا تحويله إلى منهج تربوي أصيل بنشأة أبنائنا عليه منذ الصغر؛ فالطفل الذي يتربى على استخدام لسانه للتعبير عن رأيه بدلاً من "مد اليد"، هو طفل يتعلم منذ نشأته ضبط النفس وتهذيب السلوك، والشاب الذي يبني علاقاته على قاعدة الاحترام مع أقرانه وأصدقائه يكون حصناً منيعاً لمستقبل مجتمعه، فنمو الحوار بالمجتمع يكون على أيدي أفراده؛ لذا لنعمل ولنضغط بكل الوسائل لتدريب كل مكونات المجتمع على الحوار وضوابطه ومنهجيته وأساليبه المميزة؛ فالمحاور الجيد يملك القدرة على تحقيق الأهداف والنجاح والتميز، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، لأنه يستطيع ببساطة أن يكسب قلوب الناس وعقولهم.
الخلاصة: إن الحوار ليس خياراً مريحاً نلجأ إليه وقت الفراغ، ولا ترفاً نتحاور فيه حين نبتسم، بل هو الخيار الوحيد والمصيري للنفاذ من مضايق الأزمات وبناء السلم الأهلي، وإن تماسك المجتمع وتناغمه هو الأمان الحقيقي للفرد والجماعة على حد سواء؛ فلنستمع أكثر مما نتكلم، ولنتعلم كيف نلتقي عند المساحات المشتركة، ولنعلِ لغة العقل والوصل، وليكن منا دائماً من يسعى لتقريب وجهات النظر والتأسيس للحوار المثمر الذي يحقق النتائج التي تخدم الجميع، وتحفظ المستقبل وتضمن استدامة العلاقات؛ فبالحوار وحده نحمي أنفسنا، ونحفظ مجتمعنا، ونبني مستقبلاً يليق بأجيالنا القادمة.