النصر للمقاومة… الوحدة لفتح… وطول العمر للرئيس


عدنان الصباح
الحوار المتمدن - العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 14:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

قد يبدو هذا العنوان، للوهلة الأولى، متناقضًا أو أقرب إلى مزيج من الدعاء السياسي أو حتى صلاة يائس، لكنه في جوهره ليس كذلك. إنه خلاصة قانون تاريخي تكرر في تجارب الشعوب الواقعة تحت الاحتلال: حين تنقسم الجبهة الداخلية، يتقدم الخارج لقطف النتيجة—وغالبًا ما يكون هذا الخارج هو العدو. أما حين تتماسك، حتى في أضعف حالاتها، يصبح كسرها بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.
درس التاريخ… حين تخسر الشعوب من داخلها
التاريخ لا يقول فقط إن الانقسام خطير، بل يؤكد أن معظم الهزائم الكبرى بدأت من الداخل.
في الثورة الجزائرية، كادت الصراعات داخل جبهة التحرير أن تعصف بالمشروع الوطني، خاصة عندما بدأ التنافس على “وراثة الثورة” قبل أن تنتهي.
وفي المقابل، تقدّم حرب فيتنام نموذجًا معاكسًا، حيث كانت وحدة القيادة شرطًا للانتصار، وهو ما عبّر عنه هو تشي منه بقوله " عندما يتحد الشعب، لا توجد قوة تستطيع كسره. "
ولعل تجربة الهند تضيف بعدًا آخر؛ إذ أدرك المهاتما غاندي أن أخطر ما يهدد مشروع التحرر ليس فقط الاستعمار، بل الانقسام الداخلي، خاصة حين يتخذ طابعًا دينيًا أو فئويًا.
أما في الحالة الفلسطينية، فقد تحوّل الانقسام منذ عام 2007 من أزمة طارئة إلى بنية قائمة، أعادت تشكيل السياسة والوعي معًا، حتى أصبح الانقسام واقعًا يوميًا بدل أن يكون حالة استثنائية، بعد ان مضى عليه جيلا كاملا.
الانقسام كأداة بيد المستعمِر
لم يكن الاستعمار يومًا متفرجًا على الانقسامات، بل صانعًا لها أو مستثمرًا فيها عبر سياسة فرق تسد.
وقد أشار نيكولو مكيافيلي إلى أن إضعاف الخصم من داخله أكثر فاعلية من مواجهته خارجيًا، بينما حذّر فرانتز فانون من أن النخب المنقسمة تعيد إنتاج أدوات السيطرة داخل مجتمعاتها.
وفي تجارب حديثة، من العراق إلى لبنان، لم يكن التفكك نتيجة مباشرة للقوة الخارجية فقط، بل نتيجة تفاعلها مع انقسامات داخلية عميقة.
المشهد الراهن… انقسام يتجاوز السياسة إلى الوظيفة
الوضع الفلسطيني اليوم قد يكون في أسوأ حالاته منذ عقود، ليس فقط بسبب الاحتلال، بل بسبب تآكل القدرة الداخلية على إدارة الصراع.
في قطاع غزة، تتحرك حركة حماس في مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة وإسرائيل عبر وسطاء دوليين مثل نيكولاي ملادينوف، لكنها تفعل ذلك شبه منفردة، دون غطاء وطني جامع. الأخطر أن هذا المسار يجري تحت ضغط الواقع، فيتحول من تفاوض إلى تلقي إملاءات.
في المقابل، تخضع السلطة الفلسطينية، بقيادة حركة فتح، لضغوط من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لا تتعلق فقط بالسياسات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل بنيتها، بما يجعلها أكثر قابلية للتكيّف مع شروط الخارج، حتى لو جاء ذلك على حساب جوهر المشروع الوطني.
أما الرئيس عباس، فيبدو في موقع من لا يملك المساحة أو القدرة الكافية للتواصل مع شعبه، أو تقديم تفسير واضح لما يجري. وفي ظل هذا الغياب، يتقدم سؤال خطير: من يشرح؟ من يقرر؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
وفي هذه الأثناء، تواصل إسرائيل سياساتها الهادفة إلى تفريغ السلطة من مضمونها، وتحويلها إلى إطار إداري بلا سيادة، وقد يصل الحال حد القول ان السلطة تبدو وكأنها لا حول لها ولا قوة.
ثم تأتي الانتخابات البلدية لتكشف عمق الأزمة: غياب قوى، حضور منقسم، ومشهد يعكس تفككًا أكثر مما يعكس تنافسًا ديمقراطيًا. وفي مثل هذا الواقع، لا يكون الرابح إلا الاحتلال.
فتح بين الدور التاريخي وخطر التفكك
لا يمكن فهم الحالة الفلسطينية دون التوقف عند حركة فتح، لكن الحركات التاريخية ليست محصّنة ضد التآكل، ويكفي ان نتذكر فتح، حين كانت لا تسعى لتشكيل الكتل الانتخابية، بل تترك الجميع يفعل ما يشاء، ويشكل القائم كما يشاء، فقد كانت واثقة بان من ينتصر سينتمي اليها فورا، في حين جاءت الانتخابات البلدية الأخيرة، اقرارا من فتح بتنازلها عن ذاك الدور، الذي كانت تملكه وحدها دون غيرها.
في جنوب أفريقيا، نجح نيلسون مانديلا في الحفاظ على وحدة الحركة، إدراكًا منه أن الانقسام بعد النصر قد يكون أخطر من الهزيمة.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن الخطر يكمن في أن الصراع الداخلي يتقدم على الصراع مع الاحتلال، حد ان ما يسود اليوم في المزاج الشعبي، بل وفي تصور المراقبين المحايدين ان الأولويات عند الفلسطينيين، هي صراعاتهم الداخلية وليس الصراع مع المحتل، وهو ما يعني انقلاب في الأولويات يهدد بإعادة تشكيل المشروع الوطني نفسه.
إشكالية الشرعية والفراغ القادم
رغم اية ملاحظات او اختلافات، فان شخصية الرئيس عباس، لا زالت تمثل مرجعية، لكن التاريخ - من الاتحاد السوفييتي بعد جوزيف ستالين إلى تجارب أخرى - يؤكد أن غياب القيادة في ظل الانقسام لا ينتج انتقالًا طبيعيا، بل صراعًا على الشرعية.
وفي حالة فتح، فإن غياب التوافق المسبق يعني فتح الباب أمام تعدد " الشرعيات "، وهو أخطر من غيابها، لأنه يؤسس لصراع مفتوح بلا مرجعية.
المقاومة والسياسة… وحدة المسار أو طريق الانهيار
كل تجارب التحرر تؤكد حقيقة واحدة:
المقاومة دون غطاء سياسي موحّد تتحول إلى استنزاف، والسياسة دون وحدة داخلية للشعب وقواه، تتحول إلى إدارة أزمة بلا أفق.
معادلة البقاء
التاريخ لا يمنح دروسه مرتين بسهولة، لكنه يكرر تحذيراته بوضوح:
• الانقسام الداخلي أخطر من العدو الخارجي.
• وحدة الصف ضرورة وجودية لا ترف سياسي.
• الشرعية إن لم تُجدّد وتُعمّق تتحول إلى محل نزاع.
• الفراغ في بيئة منقسمة يولّد الفوضى لا البدائل.
• والاستعمار لا يحتاج أن ينتصر… يكفيه أن نختلف.
لذلك، فإن عبارة:
" النصر للمقاومة… الوحدة لفتح… وطول العمر للرئيس "
ليست شعارًا، ولا تعبيرًا عن اصطفاف سياسي، بل توصيف دقيق لمعادلة بقاء.
فأي غياب مفاجئ للرئيس عباس - بغضّ النظر عن الموقف من شرعية الموقع أو تقييم تجربته - في ظل هذا التشظي القائم، ودون وحدة داخلية حقيقية، ودون ترسيخ شرعيات متفق عليها، ودون برنامج وطني جامع، لن يكون مجرد حدث سياسي عابر، بل لحظة كاشفة قد تتحول سريعًا إلى نقطة انهيار.
فالمشكلة لا تكمن في غياب الشخص بحد ذاته، بل في غياب الإطار الذي ينظّم ما بعده. حين تغيب القيادة في بيئة منقسمة، لا يحدث انتقال منظم للسلطة، بل ينفتح المجال أمام تعدد مراكز القوة، وتنازع الشرعيات، وتضارب المرجعيات، بحيث يصبح كل طرف قادرًا على الادعاء بأنه الأحق، دون وجود معيار حاسم يحتكم إليه الجميع.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يتحول التصدّع القائم إلى تفكك فعلي، لا على مستوى السلطة فقط، بل على مستوى فكرة الوطن ذاتها، ككيان موحد سياسيًا وجغرافيًا.
ذلك أن المشروع الذي عمل عليه الاحتلال طويلًا لم يكن يهدف فقط إلى منع قيام دولة فلسطينية، بل إلى إعادة تعريفها بشكل مشوّه. فبدل الدولة، يجري الدفع نحو واقع أقرب إلى “الكانتونات” أو المعازل المنفصلة - جغرافيًا وسياسيًا - حيث تتحول كل محافظة إلى وحدة شبه مستقلة، يعيش فيها السكان ضمن حدود مغلقة، دون سيادة حقيقية، ودون قدرة على ربط هذه الأجزاء في كيان وطني جامع.
هذا التصور ليس خيالًا سياسيًا، بل يتقاطع مع سياسات ميدانية قائمة تقوم بها إسرائيل، من تقطيع الأوصال الجغرافية، إلى التحكم بالحركة، إلى إضعاف المركز السياسي، بحيث يصبح الانفصال أمرًا واقعًا، حتى دون إعلان رسمي.
والأخطر من ذلك، أن هذا المشروع لا يحتاج بالضرورة إلى فرض كامل من الخارج، بل يمكن أن يتحقق - كما تُظهر تجارب تاريخية عديدة - عبر الانقسام الداخلي ذاته. أي أن تتحول القوى المحلية، دون قصد مباشر، إلى أدوات في تكريس هذا الواقع، حين تعجز عن بناء وحدة، أو تتورط في صراعات على السلطة والشرعية.
بمعنى أكثر وضوحًا: ما عجز الاحتلال عن فرضه بالقوة، يمكن أن يتحقق بفعل الانقسام.
وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة، لأن الخطر لم يعد فقط فيما يخطط له الآخر، بل فيما قد نفعله نحن بأنفسنا، حين نسمح لحالة التشظي أن تتحول إلى بديل عن الوحدة، وللواقع المفروض أن يصبح قدرًا مقبولًا.
لذلك، فإن التحذير هنا ليس مبالغة، بل قراءة في اتجاهات قائمة:
غياب القيادة في ظل غياب الوحدة، وغياب الوحدة في ظل غياب شرعية متفق عليها، وغياب هذه الشرعية دون برنامج وطني جامع… ليست حلقات منفصلة، بل سلسلة واحدة إذا انكسرت حلقة منها انفرط العقد كله. هذه ليست معادلة تُنتج فراغًا مؤقتًا يمكن احتواؤه، بل تُمهّد لولادة واقع جديد، واقع قد لا يبقى فيه مكان لفكرة الوطن كما عرفناها، لا كجغرافيا موحّدة ولا كمشروع سياسي جامع.
وتتضاعف خطورة هذا المسار إذا ترافق مع عجز عن تحقيق انتصار للمقاومة، أو حتى عن تثبيت حالة معنوية وسياسية تُكرّس هذا الانتصار وتحمي رمزيته. فالمقاومة، في الوعي الجمعي، ليست فقط فعلًا ميدانيًا، بل هي أيضًا معنى وشرعية وأفق. وإذا تآكل هذا المعنى، أو جرى التشكيك فيه، فإن الفراغ لن يبقى فارغًا طويلًا.
حينها، سيتقدم خطاب بديل كان ينتظر اللحظة المناسبة: خطاب يرى في المقاومة “عبئًا” أو “ذريعة” تُستخدم لتبرير استمرار الاحتلال وجرائمه. وسيتحوّل أصحاب هذا الطرح - الذين كانوا على الهامش أو منبوذين - إلى حكماء، يقدّمون أنفسهم بوصفهم " واقعيين " أو " حماة الحياة اليومية " بينما يدفعون باتجاه القبول الكامل بشروط الخارج.
في هذا السياق، لا يعود الحديث عن حقوق أو سيادة أو مشروع وطني، بل عن " إدارة البقاء ": الحفاظ على الحد الأدنى من الحياة، القبول بما يُقدَّم من فتات، والتكيّف مع واقع يُفصل فيه السقف عن الأرض؛ منازل نعيش فيها، لكن أرضها ليست لنا، " حياة تُدار ... لا وطن يُبنى ".
وهنا تكمن ذرة الخطر، حين يتحول التنازل من خيار اضطراري إلى قناعة، ومن تكتيك مرحلي إلى استراتيجية دائمة، وحين يُعاد تعريف الممكن ليصبح أقل بكثير مما كان يُعتبر حدًا أدنى.
لذلك، فإن حماية فكرة الوطن لا تنفصل عن حماية معنى المقاومة، ولا عن بناء وحدة تستند إلى شرعية متجددة وبرنامج جامع. فبدون هذه العناصر مجتمعة، لا يكون الخطر فقط في خسارة معركة، بل في إعادة تعريف القضية نفسها على نحو يُفرغها من مضمونها.
باختصار شديد " إن لم تتحقق هذه الشروط - أو ما يعادلها من وحدة حقيقية وشرعية متجددة - فإن ما يبدو اليوم تحذيرًا، قد يصبح غدًا واقعًا مفروضًا.