في أوروبا الشرقية.. يحظرون أحزابا شيوعية ويتواطؤون مع صعود الفاشيين الجدد


رشيد غويلب
الحوار المتمدن - العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 22:40
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم     

تتعزز الانتقائية في عدد من بلدان أوربا الشرقية في التعامل مع أحزاب اليمين المتطرف واليسار الماركسي، ففي بولندا وجمهورية التشيك، حُظر نشاط الحزبين الشيوعيين، وفي رومانيا، تتتابع الخطوات لحظر نشاط الحزب الشيوعي في البلاد.

حظرٌ مع سبق الإصرار
في 3 كانون الأول 2025، أعلنت المحكمة الدستورية البولندية عدم دستورية الحزب الشيوعي البولندي. وفي 15 كانون الأول، أيَّدت محكمة وارسو المحلية شطب اسمه من سجل الأحزاب. وتحدثت القاضية كريستينا بافوفيتش عن "قرار تاريخي" وأعلنت بحزم: "لا مكان في النظام القانوني البولندي لحزب يُمجِّد المجرمين والأنظمة الشيوعية".
وُصِف الحزب الشيوعي البولندي، الذي تأسس عام 2002، ويضم قرابة ألف عضو، غير ممثل في مجالس السلطة التشريعية، وليس له تأثير كبير في الحياة السياسية في البلاد، بأنه تهديد للأمة. وبرَّرت المحكمة الحظر بالقول إن الحزب يتبنى "أساليب الشيوعية الشمولية"، ويُروِّج للكراهية الطبقية، ويُخطِّط لثورة عنيفة. لكن الوصف لا يتفق مع الواقع، ويبقى السؤال حول أسباب الحظر الحقيقة.

التاريخ كسلاح
رئيس الجمهورية البولندي الحالي كارول ناووركي، هو المدير السابق لمعهد الذاكرة الوطنية. لقد عملت هذه المؤسسة الحكومية لسنوات على الغاء الذاكرة التاريخية، وتشكيلها وفق اولوياتها: الشيوعية شر مطلق، والقومية إرث الأمة المشروع، واليسار كتهديد خفي. في اقتراحه لحظر الحزب، كتب ناووركي أن "الأيديولوجية الشيوعية" موجهة "ضد القيم الإنسانية الأساسية وتقاليد الحضارة الأوروبية والمسيحية".
ما يبدو مثيرًا للدهشة هو في الواقع توظيف قراءة سياسية للتاريخ كأداة للتسلط. من جانبه يعتبر الحزب الشيوعي البولندي نفسه وريثًا للحزب الشيوعي البولندي التاريخي (1918-1938)، وليس لحزب العمال الذي حكم بولندا خلال عقود التجربة الاشتراكية السابقة حتى عام 1989. لكن هذا التمييز لا يهم القضاة. فبالنسبة لهم، أي فكرة شيوعية مرادفة للستالينية والإرهاب.

طعن في شرعية المحكمة
شرعية تركيبة المحكمة الدستورية الحالية ملف مختلف عليه منذ سنوات. لقد تم تعيين العديد من قضاة المحكمة في عهد حكومة حزب العدالة والقانون اليميني الشعبوي، لهذا يطلق عليهم تسمية "القضاة المُكررون"، والذين تُشكك الحكومة الحالية والاتحاد الأوروبي في شرعيتهم. ولا يعترف الحزب الشيوعي بهذا الحكم، مُعتبراً إياه "خاطئ قانونياً" وسوف لا تعترف به السلطات الحالية.

الكيل بمكيالين
بينما يُجرَّم الحزب الشيوعي، ينمو اليمين المتطرف دون رادع. لقد أصبح "الكوفندرالي" وهو تنظيم يميني متطرف، الذي كان يُسخر منه سابقًا باعتباره ظاهرة سياسية غريبة، قوةً حقيقية تحظى بدعم قوي بين الناخبين الشباب. أبرز شخصياته: غريغورز براون، مخرج أفلام كاثوليكي أصولي وعضو في البرلمان، يُهدد أمناء المكتبات، ويُعطّل الاحتفالات العامة، ويستغل البرلمان كمنصة شخصية.
ومع ذلك، تُظهر الدولة، التي تُشنّ حملة قمع صارمة ضد الشيوعين، صبرًا ملحوظًا على تصرفات براون. الرسالة واضحة: اليسار عدو للدولة، واليمين المتطرف من أهل الدار.

بولندا ليست استثناء
بولندا ليست استثناء. ففي جمهورية التشيك، صدر قانون عام 2025 يُجرّم أي دعم للشيوعية، ويُعاقب عليه بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات. وفي رومانيا، تُناقش أحكام تصل إلى عشر سنوات. في الوقت نفسه، تفوز أحزاب اليمين المتطرف في الانتخابات، وتتعاون عبر الحدود، وتضمن لبعضها البعض اللجوء السياسي: فعندما فرّ العديد من سياسيي حزب القانون والعدالة اليميني المتطرف البولندي من الملاحقة القضائية، وجدوا ملاذاً في المجر بزعامة فيكتور أوربان.
ويردّ الاتحاد الأوروبي بنداءات جوفاء، بينما تبعد دوله الأعضاء بشكل منهجي قوى اليسار الماركسي من الساحة السياسية. ويجري تشبيه الشيوعية بالفاشية، وهي خدعة سياسية تهدف الى تجريد حركات المقاومة المناهضة للفاشية من شرعيتها، وجعلها أساساً لا صدار احكاما اعتباطية بالسجن.

تضامن أممي
أعلن الحزب الشيوعي البولندي أنه سيستأنف قرار الحظر. وأعربت أحزاب شيوعية ويسارية عن تضامنها. أدان الحزب الشيوعي اليوناني القرار "بأشد العبارات الممكنة" وحذر قائلاً: "إن مثل هذه القرارات المعادية للشيوعية تتزامن مع تصاعد استعدادات الاتحاد الأوروبي للحرب". ولخصت شبكة "تحول! أوروبا" التابعة لحزب اليسار الأوربي الأمر قائلةً: "إن ما يُحظر ليس حزباً، بل إمكانية محتملة". لا يتعلق الأمر بالتهديد الحقيقي الذي يشكله حزب سياسي بإمكانياته المعروفة، بل يتعلق بمنظومة فكرية -سياسية يجب ان تُحاصر.

مخاطر جدية
يُعدّ حظر نشاط أحزاب شيوعية مؤشراً على تطور خطير، إذ تُعيد حكومات أوروبا الشرقية كتابة التاريخ، وتُحجم مساحة الفعل السياسي، وتُحارب الرؤى الفكرية عبر المحاكم بدلاً من الحوار المفتوح. ان استهداف الشيوعيين اليوم، سيمتد غداً، ليشمل أيّ حزب يساري يُنادي بالمساواة الاجتماعية، أو يُناهض العسكرة، أو ينتقد الرأسمالية. بالإضافة الى هذا الواقع سيقود بالضرورة، الى إعادة تعريف الديمقراطية بشكل يُفرغها من محتواها.
أعلن الشيوعيون البولنديون أنهم سيواصلون نضالهم: "لن يمنع أيّ حظر الناس من المطالبة بالحياة والحقوق التي يستحقونها في القرن الحادي والعشرين". هذا الموقف يستحق الاحترام، والتضامن الأممي.