فائض بمليارات الدولارات.. والتعرفات الكمركية لا تُعيق نمو الصين
رشيد غويلب
الحوار المتمدن
-
العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 00:41
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
يقول اقتصاديون، إن الصين ستدخل عام 2026 بخطة خمسية جديدة، بعد أن حققت معظم أهداف الخطة السابقة. وأن الصين حققت وفق توقعات نموًا حقيقيًا في الناتج الإجمالي المحلي قدره 5 في المائة في عام 2025. ورغم أن هذا النمو السنوي الحقيقي لم يعد في خانة العشرات، إلا أنه ما يزال ضعف نمو الاقتصاد الأمريكي، الذي بلغ في أفضل الأحوال 2.5 في المائة، بينما كافحت اقتصادات مجموعة السبع الأخرى لتحقيق نمو يتجاوز 1 في المائة فقط.
تُظهر المعطيات الصادرة في أوائل كانون الأول 2025 أن الصين حققت فائضًا تجاريًا في السلع بلغ 1.076 تريليون دولار خلال الأشهر الإحدى عشر الأولى من عام 2025. ويُعدّ فائض الصين التجاري مع بقية دول العالم كبيرًا بالفعل، إذ يتجاوز تريليون دولار أمريكي. مع ذلك، تُعاني الصين أيضًا من عجز في تجارة الخدمات بقيمة 100 مليون دولار، كما أن فائض حسابها الجاري الإجمالي كنسبة مئوية من الناتج الإجمالي المحلي، والذي يتراوح ما بين 4 -5 في المائة، لا يتجاوز مثيله في اليابان وألمانيا. وعلى عكس الادعاءات القائلة بأن الصين "عازمة تجاريًا على البيع دون شراء"، فقد ظلت ثاني أكبر مستورد في العالم لمدة 16 عامًا متتالية.
تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن!
تُظهر معطيات تشرين الثاني الفائت انهيارًا مذهلاً سنويا في الصادرات إلى الولايات المتحدة: قدره 28.6 في المائة، وهو الشهر الثامن على التوالي الذي يشهد انخفاضًا قدره 16.9 في المائة في الأشهر الإحدى عشر الأولى من عام 2025. وذلك نتيجة لتجدد الحرب التجارية. لكن في علم الاقتصاد، هناك دائما مسارات بديلة قد تُشلّ العقوبات اقتصادًا صغيرًا، لكنها لن تُشلّ اقتصادًا كبيرًا ومتقدمًا كالاقتصاد الصيني.
بينما يتزايد الضغط الأمريكي من خلال التعريفات الكمركية والاحتكاك وانعدام الثقة السياسية، ينفتح مسار جديد أمام الصادرات الصينية: زيادة سنوية قدرها 5.9 في المائة، وهو نمو يتجاوز جميع التوقعات ويبين أن تدفق إنتاج بكين لا يمكن إيقافه، بل يمكن ببساطة إعادة تشكيله.
فائض تجاري قياسي
لقد حققت الصين، بين شهري كانون الثاني وتشرين الثاني 2025، فائضاً تجارياً قدره 1.076 تريليون دولار، بزيادة قدرها 21.6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. ويعود ذلك الى جغرافية تجارية أوسع وأكثر تعددًا: تركيز أقل على الولايات المتحدة، وتركيز أكبر على جنوب شرق آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا. والنتيجة: نمو الصادرات، رغم أن الصين تخسر، بفعل حرب الكمارك قرابة ثلث صادراتها لصالح الولايات المتحدة.
بعد انخفاض قدره 1.1 في المائة في تشرين الأول 2025، وهو أول تراجع في الصادرات الصينية منذ شباط يُعزى الانتعاش إلى حيوية أسواق جنوب شرق آسيا (حيث ما تزال رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) الشريك التجاري الرئيسي لبكين)، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية. وشهدت الشحنات في هذه المناطق ارتفاعًا ملحوظًا بفضل الطلب على السلع الاستهلاكية والإلكترونيات والسيارات والتكنولوجيا الوسيطة اللازمة لتوسيع الصناعات المحلية. وتؤكد المعطيات الرؤية الصينية، بأن الغرب يقيم حواجز بينما يفتح الجنوب العالمي أبوابه.
تشير المعطيات إلى أن هذا ينطبق أيضاً على الاتحاد الأوروبي. فقد زادت صادرات الصين إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 14.2 في المائة، بينما لم تتجاوز الزيادة في قيمة ما استوردته الصين 1.6 في المائة. وبين عامي 2014 -2024، تضاعفت صادرات الصين بأكثر من الضعف (+101 في المائة)، لتصل قيمتها إلى أكثر من 500 مليار يورو. وارتفعت صادرات الصين إلى ألمانيا بنسبة 15.5 في المائة في عام 2025، في حين انخفض ما استوردته منها، مقارنة بالعام السابق، بنسبة 4.2 في المائة.
يتزايد عجز الاتحاد الأوروبي التجاري، وقد دفعه اختلال الميزان التجاري إلى حالة تأهب قصوى. وصرح إيمانويل ماكرون، لدى عودته من بكين، بأنه حذر الرئيس الصيني شي جين بينغ من أن الاتحاد الأوروبي قد يفرض رسوماً كمركية على المنتجات الصينية إذا لم يتم خفض الفائض الصيني.
تجارة 2025 وتبادل الأدوار
بينما كانت الصين قبل بضع سنوات تصدر السلع الاستهلاكية والآلات البسيطة، فإن نموها السريع اليوم مدفوع بالبطاريات والخلايا الشمسية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف الذكية. وتشكل السلع عالية التقنية الآن حوالي 30 في المائة من إجمالي الصادرات الصينية. بالإضافة إلى ذلك، هناك تبادل للأدوار: في السابق، كانت الصين، بوصفها "ورشة العالم"، تستورد قطع الغيار وتُجمعها في منتجات نهائية؛ أما اليوم، فتنتج الصين قطع الغيار التي يستوردها ويُجمعها الآخرون. بعبارة أخرى، تترك الصين لبقية العالم، بشكل متزايد، مهمة أن يصبح هو الصين التي كانت سائدة في مطلع العقد الثاني من الألفية. لقد أصبح العالم ورشة عمل الصين، بينما تحتل الصين مكانة متقدمة في سلسلة انتاج القيمة، بعد أن حلت محل مورديها السابقين (معظمهم من الغرب والدول الآسيوية المتقدمة) كمصنعين لمنتجات وسيطة ذات قيمة أعلى. بينما تشكل المنتجات الوسطية، قرابة نصف إجمالي الصادرات الصينية الآن.
يمكن العثور على المكونات الكهربائية الصينية، ولوحات الدوائر، والأنظمة الهيدروليكية، والمحولات الكهربائية، والمفاتيح في كل آلة مصنع أمريكية أو أوروبية، بالإضافة إلى المواد الأولية في الصيدلة والوسائط الكيميائية الضرورية للصيدليات والمستشفيات الأمريكية والأوروبية.
كان حظر الصين تصدير المكونات النهائية لشركة نيكسبيريا في هولندا كافياً لشلّ صناعة السيارات الأوروبية والأمريكية بأكملها. فلا سيارة "صنع في ألمانيا" بدون رقائق "صنع في الصين".
استقلال تكنولوجي واقتصاد محلي متنامٍ
في عام 2015، أعلنت الحكومة الصينية عن مبادرة الاستراتيجية الصناعية "صنع في الصين 2025" بهدف تحويل الصين من "ورشة عمل العالم" إلى رائدة عالمية في مجال التكنولوجيا المتقدمة ونقل مركز الابتكار إلى الصين.
ستواصل الخطة الخمسية الجديدة هذا السعي نحو الاستقلال التكنولوجي، وهذه المرة من خلال نشر الذكاء الاصطناعي في العمليات الصناعية والسلع الاستهلاكية والرعاية الصحية والتعليم والإدارة الرقمية.
تتوقع الخطة أن ينتشر الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 على نطاق واسع كالكهرباء أو الإنترنت، ليصبح بذلك محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي. وتؤكد الحكومة أن الصين تهدف إلى أن تصبح "مجتمعاً ذكياً" بحلول عام 2035. وفي الوقت نفسه، يجري العمل على استراتيجية "الدورة المزدوجة" (التجارة الداخلية والخارجية)، أي أن النمو الاقتصادي يجب أن يكون مدفوعاً ليس فقط بالصادرات ولكن أيضاً بالاستثمارات في الاقتصاد المحلي.
"توسيع الطلب المحلي خطوة استراتيجية"، هذا هو عنوان مقال نشره زعيم الحزب والدولة شي جين بينغ في كانون الأول 2025: أن الصين "يجب أن تجعل الطلب المحلي المحرك الرئيسي والركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي"، لأن "الاعتماد المستمر على توسيع الاستثمار وحده لتعزيز النمو له فعالية محدودة، والعوائد الهامشية آخذة في التناقص".
لقد شهدت المبيعات المحلية ازدهاراً كبيراً في السنوات الأخيرة، لدرجة أن نسبة صادرات الصين إلى الناتج الإجمالي المحلي قد انخفضت فعلياً. وكتب ريتشارد بالدوين، أستاذ الاقتصاد الدولي، في دراسة: "نما الاستهلاك الصيني للسلع المصنعة في الصين بوتيرة أسرع من الإنتاج الصيني على مدى عقدين تقريباً. وبعيداً عن عجز الصين عن استيعاب الإنتاج، فقد نما استهلاكها المحلي من السلع المصنعة في الصين بوتيرة أسرع بكثير من إنتاج الصناعات التحويلية الصينية".
إن اعتبار شي سياسة مالية أكثر استباقية وتعزيز الطلب المحلي كأولويات لعام 2026 يرتبط بالتركيز على تعزيز اقتصاد مستدام.