الوردي .... عالم أجتماع وفقيه النقد الديني ج 2


عباس علي العلي
الحوار المتمدن - العدد: 7016 - 2021 / 9 / 11 - 21:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

وبالتالي فإن إعادة صياغة قواعد الشخصية غير ممكنة ما لم يتخلص العقل العراقي من الازدواجية هذه ليس من خلال الرغبة المعلنة فقط، ولكن من خلال فهم حقيقة واحدة أن الصراع المفتعل بعنوان نصرة الله ونصرة الدين والمذهب ليس له نتيجة ولا نهاية، طالما أننا نخضع ما لا يخضع عادة لمضمونية الصراع، الله لا يحتاج من ينصره وهو الذي بيده مفاتيح ل شيء والقادر عليها وهو الذي من يتولى حفظ الدين كما وعدنا وكما نؤمن، والدعوة التي يعتبرها البعض مقدسة للنصرة هي بالحقيقة تنتهي بنتائجها لنصرة شخص أو جهة أو رؤية قد أفلست مع الله، فأستدرجت البسطاء لهذا الصراع وإيهامهم أن الله والدين في خطر، حتى يجعل الأستجابة الفطرية من الناس وبخداعهم تتجه صوبه هو ليعوض إفلاسه مع الله ببديل جاهز وسريع الإنفعال.
هذا الحل وهذا التقرير مرتبط ايضا بتحرر المؤسسة الدينية من غربتها وأغترابها أولا، ومن بدويتها المفرطة التي تعني فصل الدين عن عوامل النصرة والحمية والأستثارة اللا مبررة والتي تجعل من الدين قيمة أقرب لمفهوم القبيلة والمشيخة والصراع من اجل البقاء، لتعود لفكرة الرسالة الأولى أي العيش في عقلية حرة ومتحررة من إرثها القبلي الذ طالما تغنت به من خلال أعتمادها مفاهيم قبلية تربط كل شيء بقريش وبطونها وصراع أجزائها ومكونتها من بطون وأفخاذ، هذا ينتصر لبني علي وذلك ينتصر لبني العباس وأخرون ينتصرون لبني أمية وكأن دين الله جوهره قريش وهدفه مجد قريش وقريش هم شعب الله المختار، ليعود مرة أخرى ليلقي اللوم على العقل البدوي البدائي وكأن البداوة هو الطبع الأصل في لشخصية العراقية غير قادر على الانفكاك منها والتخلي عنها.
لم يطرح الوردي حلا للمشكل الديني المذهبي الطائفي لا إجماليا ولا تفصليا وإن كانت النظرات النقدية والتحليلية له من الممكن العمل على بلورة صورة أو رؤية للحل، بل أن المنهجية المعتمدة في الدراسة الموضوعية والتي تعرض لها بالنقد والتحليل قد أفقدته القدرة على طرح مشروعه الفكري والقدرة على عرض المعالجة، ليس لأنه غير قادر على وضع الرؤية أو غير راغب، ولكن في مجتمع كالمجتمع العراقي المركب والمعقد سيكون ذلك نوعا من الأنتحار الفكري ربما قد يصل به للهلاك أو الحكم عليه بالهرطقة أو الخروج عن الملة والارتداد بتوقيت واقع وزمن عصره.
كما والظن عندي كباحث محايد أقرا ما بعد السطور أن الدكتور الوردي في لحظات صفاء فكري كان يؤمن لحد ما أن بعض تحليلاته كان يسودها التطرف أحيانا أو التجني إن لم نزيد، لآنه وإن يسوق الظاهرة للنقد لكنه غير قادر على إيجاد لبديل للواقع المنتقد، وأعتقد أيضا أنه كمفكر أكاديمي وباحث علمي ليس مطلوبا منه بالتأكيد بالصفة هذه أن يجترح الحلول، أو يؤسس لرؤية أجتماعية عامة في مجتمع منقسم على نفسه كما هو منقسم على ذاته، ولكنه بالتأكيد كان على استعداد للمساهمة في إيجاد منهج يقود للبديل أو يؤسس له لو توافر الظروف والنوايا الصادقة، وهذا شكل أيضا إخفاقه للفكر النخبوي في مسعاه نحو إعادة صياغة هوية جديدة.
في آخر أيام حياته آثر الوردي الصمت وهذا بتقديري يعود إلى أن كثيراً مما سيقوله "لم يحن وقته"، وهذا ربما يفسر أن كتبه السبعة التي أعلن عنها في ثنايا كتبه المطبوعة لم تر النور في حياته، لكن إرثه ما يزال يتكلم حاملاً في طياته رؤيته لحل لكثير من المعضلات التي استشرفها وفكك مسبباتها، فتنبأ أنه بدون الديمقراطية التي نهضت بالأمم الأخرى لا مناص من إعادة انفجار الأوضاع العربية بين فترة وأخرى، وقد تكون هذه ليس نبوءة غيب بقدر ما هي أستنتاج وخلاصة دراسة علمية بقوانينها المجردة، وقد أثبتت تلك الرؤية حقيقتها بالرغم من غيابه الطويل نرى الفوضى وعدم الأستقرار والتخبط السياسي والاجتماعي حتى مع وجود شكلا زائفا من الديمقراطية التوافقية التي تعني ديكتاتورية النخب السياسية فحسب.
هذه الفوضى والخراب الأجتماعي ناتج طبيعي بسبب قوة جذور العصبيات التي تتحكم بشخصية الفرد العربي والعراقي تحديداً، وهو يعيش واقعاً مجتمعياً أسيراً للتاريخ وثاراته وقيم وأعراف اجتماعية وعصبيات طائفية وعشائرية معقدة، ماتزال بقاياها كامنة في النفوس وتفرض واقعها العصي على التزحزح والأنانية عن مكانها التي أحتلته نتيجة قرينة المدينة وأريفة المجتمع، فضلاً عن الاستبداد السلطوي وأبواقه الذي طالما حذر منه، وهو يعيد إحياء رفات الرواسب الاجتماعية والثقافية التقليدية القديمة ويرسخها لمصلحته من جديد، كما نشهده اليوم، داعياً إلى أن "نحدث انقلاباً في أسلوب تفكيرنا الذي يسير على نمط ما كان يفكر به أسلافنا في القرون المظلمة".
يظن البعض أنه ليس من المهم أن تكتشف الخطأ بقدر ما أن تجد أسباب الوقوع في الخطأ والعلل الدافعة له، لأن في الحالة الأولى قد تفشل في التجاوز لأنك أصلا لم تهتدي للأسباب، أما لو أكتشفت الأسباب فمن البديهي العقلي أنك ستكون في حذر إن لم نقل في مأمن من الوقوع في نفس تلك المؤديات وتكرر نفس الفشل السابق، هنا نؤاخذ على فكر الدكتور الوردي أنه أكتشف الخطأ الذي عراه وجاهر به علنا، ولكنه لم يكن بوسعه البحث عن واقعية الأسباب وعلات وقوعيتها بنفس الجرأة التي كشف بها الأخطاء وخاصة في موضوع الدين والتدين بالرغم من أنه حاول وأشر للبعض منها، قد تكون أيضا الأسباب المتعلقة بأنتهاك التابو الديني والخشية من المواجهة الحدية مع قوى المجتمع المتنفذة كان لها الدور الأساس في ذلك، ومع أنه بدأ المشوار وخط الخطوات الأولى التي أسست للمنهج النقدي التاريخي بهذا قد سبق غيره وفتح الطريق لمن جاء بعده.
لقد أسس الدكتور الوردي فكرته العامة في دراسة المجتمع العراقي على نقد العقل العراقي المتردد في مواجهة المكنون النفسي الذاتي والمسحوق تماما بالعوامل التاريخية الإرثية الدينية والسياسية والأقتصادية، هذا المكنون العليل الذي لم يوفق في الكثير من مضامين نتاجه المعرفي على أدراك أساسيات التوافق بين العقل المجرد والنتائج السلوكية عامة، بأعتبارها الممثل الحقيقي لما يمكن أن تكون علية من انعكاس صادق وحقيقي له أي للعقل الإنساني الموصوف بملكة القوة عادة، وبذلك حمل العقل الجمعي والذاتي مسئولية هذا الفشل رابطا بينه وبين الفيما حولية التي أعزى لها علة التعطيل وأحال عليها المردود والموروث النسقي في أشكالية الازدواج السلوكي في شخصية الفرد العراقي.
إن المزج بين نظرية فرويد ومنهجه في التحليل النفسي والتي كانت واضحة في تأثيراتها في كتاباته وأفكاره بشكل عام، وفي التناقض الحاد بين العقل الظاهر والعقل الباطن، وبين الأنا العليا والأنا السفلى مع إيمان الوردي بصراع البداوة والحضارة، قدم لفهم مركب عنده أقام عليه مسألة الصراع وتصوريها كأنها تمثل البداوة في الأنا السفلى والحضارة في الأنا العليا، هو ذات الصراع بين العقل الباطن البداوة وبين العقل الظاهر الحضارة، وتبني الوردي لفكرة تنشز الأجتماعي التي مفادها أن الفرد في المجتمعات البشرية سريع التحرك والاستجابة والتفاعل في ما يتعلق بالجوانب المادية والحسية المرتبطة بشهواته ونزواته ومما يحرص عليه كحاجة وجودية طبيعية، وبين تكاسله وتثاقله في المجلات الأخرى التي تتعلف بالجانب الفكري والعقيدي، كلها صبها الدكتور الوردي في نظرية واحدة ليبني نظريته عن تدين المجتمع العراقي واصفا إياه أيضا بأقتران التطرف والتمييع معا كما أقترن فيها التخلف المحافظ على طائفيته وإلحاديته في آن واحد.