أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلام عبود - مشكلة كركوك أم مشكلة الحرب على العراق؟















المزيد.....

مشكلة كركوك أم مشكلة الحرب على العراق؟


سلام عبود

الحوار المتمدن-العدد: 1897 - 2007 / 4 / 26 - 12:15
المحور: المجتمع المدني
    


في الثاني عشر من أبريل 2007 نشر موقع "الحوار المتمدن" بيانا تحت عنوان "حملة من اجل إنسانية مدينة كركوك وتقرير مصيرها بشكل حضاري" سعى فيه كاتبوه الى تقديم وجهة نظر مغايرة لما هو سائد في الوسط الثقافي القومي. وسعى الموقع الى منح الجميع حق إبداء وجهات النظر, بما في ذلك حق نقد محتوى البيان ومعارضته, وفعل كثيرون ذلك, فراحوا يسطرون كلماتهم المعارضة في قلب البيان.
وفي الخامس عشر من أبريل 2007 نشرت بعض مواقع الانترنيت " بيانا " الى الديمقراطيين حول مشكلة كركوك". أكد البيان على عدد من الأفكار, رأى كاتبوها أنها تشكل مفتاح الحل الأكيد لمشكلة كركوك, مذكرين بوجود "مؤامرة كبيرة" تحاك ضد المدينة, وأن التأخير في تنفيذ إلحاق كركوك بالإدارة الكردية " سيخلق ظروفا معقدة وقد تؤدي إلى نتائج كارثية على عكس ما تروج لها الدوائر الشوفينية والإقليمية", وأن المدافعين عنها سيردون " الكيد الى النحر". وقع على البيان أناس آمنوا أو حبذوا ما جاء في مضمونه وطالبوا بسرعة تنفيذ فحواه.
ولم يكن ظهور البيانين أمرا غريبا أو معيبا.
إن وجود وجهات نظر متعارضة حول مشكلة معقدة كقضية كركوك أمر طبيعي في مجتمع خضع طويلا لإرادات ظالمة. أما النقاش, بل حتى العراك والإختصام حول المشكلة, فهو أمر صحيّ أيضا في ظل وضع سياسي قلق , متغير, ومضطرب.
بيد أن ما فاجأ الجميع هو تحول الجدل, من لحظته الأولى, من قبل الفريقين, الى حوار سوقي, استهدافي, لا يتناسب مع كون القضية موضع النقاش "قدس أقداس كردستان" عند الفريق الأول, و موقف " إنساني وحضاري" عند الفريق الثاني. ثم تحول الجدل والخلاف من "مشكلة" كركوك, الى مشكلة أشخاص وأسماء لا يغير وجودها أو عدمها من طبيعة المشكلة أو من مسارات حلها تاريخيا.
لماذا أخذ النقاش هذه الوجهة الرديئة والمسيئة؟
الجواب الأول الذي يتبادر الى الذهن هو أن المتخاصمين كانوا مهيئين نفسيا وأخلاقيا وسياسيا لمعركة حاسمة كهذه, لا تقبل "التأجيل", يُستخدم فيها قاموس البذاءة والتجريح الشخصي كله. أقول مهيئين لمعركة حاسمة مرهونة بـ" زمن محدد", وليس لجدل يسعى الى ايجاد حل لمشكلة عويصة. فنحن في زمن الحسم والحواسم!
ولكن, هل يمكن لهذا الضرب من الحوار والسلوك أن يوصل المجتمع الى حل ما لمشكلة معقدة وكبيرة ومصيرية كمشكلة كركوك, بصرف النظر عن أي الفريقين بدأ مسلسل الاسفاف وتجييش المناصرين؟
هل هو حقا بحث عن حل, أم أنه مجرد مقدمة لغوية, لما ستأتي به الأيام؟
# # #
يرى البعض أن المناخ السياسي العراقي المضطرب والمشحون بالأنانيّة لعب دورا حاسما في دفع النقاش الى مستواه الضحل. فالصراع الدولي على العراق وصل الى نهاية حاسمة مع بدء تقدم مشروع الديموقراطيين الأميركيين وتراجع زخم الإتجاه الجمهوري الحاكم. ويرى هذا البعض أن الطرفين الأميركيين سيقتسمان الأرض في النهاية من طريق القبول بالشرط الديموقراطي : الانسحاب, ولكن متضمنا الشرط الجمهوري: التمركز في قواعد محددة داخل العراق. وهي قواعد اكتمل بناؤها, ولم يعد هناك من مهام سوى إتمام إنشاء ممرات أرضية تسهل تنقل القوات بين هذه القواعد العسكرية ومواقع القرار السياسي في المدن الرئيسة, بغداد خاصة, التي يجري تطويقها بأحزمة وبوابات, لغرض صناعة قنوات اتصال آمنة للقوات البرية, بعد أن تم احتكار الممرات الجوية احتكارا مطلقا, ووضعها خارج السيادة العراقية الى عقود عديدة قادمة.
وقد رافقت هذا الأمر نشاطات سياسية خارجية وداخلية لافتة ومتعجلة جدا, خارجيا تحت عناوين المؤتمرات الدولية, وداخليا تحت عنوان تقاسم الأرض مع بعض من كانوا يسمّون, حتى ليلة الأمس, بالإرهابيين وقادة جيش القدس وفدائيي صدام!
ولكن ما صلة هذا الأمر بمشكلة كركوك؟
خلال السنوات الأربع العصيبة الماضية جُرّبت في العراق كل أنواع الحروب: الاحتلال كصورة عليا للحرب الأجنبية, نشاطات المرتزقة الدوليين, حرب الميليشيات, الحرب الإرهابية التكفيرية , المعارضة المسلحة, الحرب الطائفية, الحرب المناطقية والعشائرية والأهلية. لوحة الحروب هذه لا تنقصها سوى حرب واحدة فحسب لكي تكتمل قائمة الحروب التي عرفتها البشرية منذ ولادتها حتى اليوم, تنقصها حرب اسمها الحرب القومية أو المعركة العرقية. وعلى الرغم من أن العراق مؤهل وجاهز للمعركة القومية, كما أظهر الجدل اللفظي بين مناقشي مشكلة كركوك, إلا أن هذه المعركة لم تستخدم عمليا بعد في الصراع القائم, لأنها الفصل الأخير من مسرحية الموت, الفصل الأكثر دموية و"كارثية" وتأثيرا على مستقبل العراق كله.
لماذا تم تأجيل هذه الحرب؟ وبمعنى أدق, الى أي مدى يمكن تأجيل هذه الحرب المشتهاة؟
لا يستطيع أحد "تأجيل" هذه الحرب,الى ما لا نهاية. لأنها جزء من برنامج له " زمن محدد" وعدت به بعض القوى قواعدها وعبأت به أنصارها, لا يمكن لها التنصل منه. لأن التنصل منه يعني أنها ستسقط سقوطا مدويا في أعين أتباعها. إذاً, مغامرة الحرب هي الخطوة الوحيدة الضرورية المتبقية لحفظ الموقع السياسي وحفظ ماء الوجه. لكنها الحرب الأكثر وحشية في تاريخ العراق, الحرب التي ستجعل من أبي مصعب الزرقاويلا أكثر من هاو في مدرسة العنف.
لذلك يبدو الخلاف حول كركوك كما لو أنه صراع مع الوقت, وسباق مع الأحداث الخارجية والعوامل الداخلية, صراع لا يقبل "التأجيل", لن يبدأ إلا بـالقضاء على "المؤامرة الكبرى" من طريق " رد الكيد الى النحر".
إنها معركة نحور!
هكذا يفسر البعض القضيّة.
ولكن, ليس كل من يفسر يصيب. فهناك من يرى أن معركة كركوك هي معركة العراق أيضا. أي هي معادلة واضحة المعالم تتركز في سؤال واحد: مع من أنت؟ مع العراق أم ضده؟
سيقول قائل: عن أي عراق تتحدث؟ عن "عراق صدام"؟ عن عراق" العفن"؟ "طز" بهذا العراق! وأنا أقول أيضا: نعم, "طز" بعراق صدام, إذا كان العراق حقا ملكا لصدام. بيد أن التاريخ القريب أثبت لنا أن صداما لم يتمكن من الاحتفاظ حتى بحفرة مظلمة, بل حتى بقبر! لذلك, فالعراق الذي نتحدث عنه هو عراق الشعب, عراق التاريخ, عراق الهوية المشتركة, عراق النهرين, ومهد الحضارات. ومن لا يعرف إلا وجها بشعا واحدا للعراق هو "عراق صدام", ما عليه إلا أن يبحث لنفسه عن تاريخ آخر, وجغرافية أخرى, وهوية أخرى. فالعراقيون لا يعرفون سوى عراق واحد, هو العراق الذي يحتضن قبور أجدادهم ومستقبل أبنائهم.
مع من أنت؟ مع العراق أم ضده؟ هذا هو السؤال المتعلق بمصير كركوك.
فهناك من يرى أن كركوك ملك قومي لعرق معين, وهناك من يرى أنها مدينة عراقية للتآخي التاريخي القومي والديني والمذهبي, سواء اختار الشعب أن تكون وحدة إدارية مستقلة, أو وحدة إدارية تابعة لإقليم معين, أو وحدة إدارية ضمن تكوين إداري أوسع. فالمشكلة ليست هنا, في التقسيم الإداري. المشكلة تتعلق بعراقيّة المدينة أو بملكيتها القومية كحق "مقدس".
لذلك نقول : هل أنت مع العراق أم ضده؟
سيقول قائل أنت تضيّق حدود المشكلة؟ والجواب : نعم, أضيقها الى أبعد الحدود, لكي يراها الجميع على حقيقتها. إما أن تكون كركوك عراقيّة, لكل سكانها من تركمان وكرد وعرب وآشوريين وكلدان, من مسيحيين ومسلمين, من شيعة وسنة, أو تكون " كردستانية" بقوة الحق المقدس! إذ لا توجد صورة أخرى في بيان الأخوة الديمقراطيين غير هذه الصورة. فهم صاغوا احتمالا واحدا حسب: مع العراق أو ضده, واختاروا موقعهم وأسموه: المادة 140 من الكتاب المقدس, وكركوك "الكردستانية" و "طز" بالعراق!
سيحاول البعض إخفاء رأسه في الرمال والإدعاء أنه يأنف من مناقشة هذا الأمر, حاله كحال كتاب وفناني الحرب في زمن صدام, الذين صنعوا آلة العنف الحربية عبر قصائدهم وقصصهم ولوحاتهم وتماثيلهم, وحينما تآكلت السفينة الحربية هجروها أو أخفوا رؤوسهم في الرمال, ثم ظهروا فجأة مرة ثانية في زي المتباكين على الديموقراطية المغدورة! نقول لهذا الفريق: لا خيار أمامكم: مع العراق أو ضده؟ وما تبذرونه الآن من كلمات قاتلة سيكون فتيلا للحرب القادمة, الحرب التي سيشعلها مشعلو الحرائق, والتي اختار لها البعض عنوانا خاليا من البهجة الوطنية اسمه "طز" بالعراق.
سيحاول البعض الفأفأة والتأتأة والحديث عن البيضة والدجاجة والعربة والحصان وغيرها من الترهات, لكي يراوغ ويتهرب من الجواب. ولكن, لا مفر: مع العراق أو ضد العراق؟ مع الحرب أو مع موقف إنساني حضاري لحل مشكلات الوطن؟
مع العراق أو ضده؟ لا يوجد خيار ثالث في معادلة الحرب العرقيّة, إذا قامت.
هذه هي المسألة. أقول هذا للجميع, أما موعدنا فسيكون غدا في طوزخرماتو. سنلتقي غدا حينما يبدأ الذبّاحون حفلات الدم, تحت راية الحرب العرقيّة المقدسة. سنلتقي لنعيد السؤال: مع من تقف؟ مع العراق أو ضده؟
ولكن, لم يزل أمامنا الآن متسع للحوار والنقاش, قبل أن تطلق المليشيات نفير الحرب.
لم تأزف الساعة بعد.
لم يزل في الوقت متسع للصراع الأخوي السلمي والأخذ والرد, ولكن لا من أجل فرض الحلول, ولا من أجل إلغاء الآخر وليّ الأذرع, ولا من أجل سد منافذ وطرقات العقل. فسواء أكانت كركوك قدس كردستان أو قدس العراق فإنها تستحق منا أن نحترم هذه القدسيّة بأفكارنا ومبادئنا سلوكنا.
هذا هو الحل الوحيد, الإنساني والحضاري الممكن, السابق للحرب العرقيّة. فلا تغلقوا أبوابه!
لا تغلقوا الأبواب! فبعد معركة كركوك ستدق الميليشيات نفير الحرب في سهل نينوى, وبعدها ستطفو على السطح حرائق ديالى, ثم تعقبها مشكلة ما يعرف بما وراء الجبل: علي الغربي وعلي الشرقي وبدرة وجصان, وتتزامن وتتآخى معها حروب استقلال الفيحاء المقدسة, والجنوب المقدس! إني أرى دخانا يصعد في سماء مدننا, وأكاد أرى وجوه النسوة المذعورات يحملن أشلاء أطفالهن. سيطول ويمتد فصل الحرب الأخيرة, وسيظهر لنا زرقاوي عرقي مُبتكر, وعيسى سوار عقائدي عصري, وما على المثقفين والكتاب سوى إعداد بياناتهم, بيانات إسباغ مشروعية قومية أو عقائدية على حرب " التحرير" المقدسة وأبطالها, حرب تمزيق العراق.
## ## ##
هل المادة 140 مقدسة وسماوية الى الحد الذي لا تقبل "التأجيل", حتى تستقر وتهدأ وتطمئن مشاعر ونفوس المواطنين المبتلين بالحروب القذرة والحلول "الكارثية"؟
علّمنا التاريخ أن الشوفينيات العرقيّة, جميعها, تبدأ نشيدها بالحقوق المقدسة, ولاتنتهي إلا على رماد الحروب المقدسة.
فهل أنت مع العراق أم ضده؟
وهل أنت مع الحرب المقدسة أم ضدها؟





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,473,003
- الجنس بين الرقيب الداخلي والرقيب الرسمي
- من زعم أن العراقيين لا ينتحرون؟ - دعوة رسمية لحضور حفلة انتح ...
- اجتثاثا البعث بين الحقيقة والوهم
- اغتصاب الزوجات وانعكاسه في النص الأدبي
- هل التربة العراقية صالحة لإنبات ثقافة مقاومة العنف؟
- هل العراقيون مؤهلون لخلق حركة ثقافية معادية للعنف؟
- تناقضات سياسة الاحتلال الأميركي المستعصية في العراق
- جواز سفر عيراقي, ولكن لغير العراقيين!
- هل كان الرصافي طائفيا؟
- نيران خفيّة: ما لم تقله جوليانا سيغرينا
- لقد سقط صدام, ولكن باتجاه السماء
- مقدمة لدراسة الشخصية العراقية
- خرافة اجتثاث البعث في التطبيق
- جيش الوشاة.. شعراء السيد القائد.. شعراء السيد العريف
- نوبل على مائدة هادئة
- اجتثاث البعث, دراسة تحليلية تاريخية حول قضية اجتثاث البعث وص ...
- البرابرة يستيقظون مساء ..رسالة شخصية الى مواطن اسرائيلي
- رسالة الى صديق لبناني
- الواقعيون العرب:من نظرية المؤامرة الى نظرية المغامرة
- العودة الى آل ازيرج


المزيد.....




- فيديو.. رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان: مصر تقود هذا الم ...
- إدانة أممية لأحكام الإعدام في السعودية.. ومطالبات بتعديل قان ...
- الأمم المتحدة: عدد القتلى المدنيين بيد القوات الأمريكية والأ ...
- حكم أولي بإعدام راهبين قتلا أسقفا في دير شمالي مصر
- كاليه الفرنسية تشهد ارتفاعا كبيرا في أعداد الأطفال اللاجئين ...
- السعودية تطلق سراح عاملتي منزل إندونيسيتين محكومتين بالإعدام ...
- إيطاليا تحث الاتحاد الأوروبي على إعداد خطة للتصدي لتدفق اللا ...
- حكم بإعدام راهبين أدينا بقتل رئيس أحد أكبر الأديرة في مصر
- إيطاليا تحث الاتحاد الأوروبي على إعداد خطة للتصدي لتدفق اللا ...
- الحكومة السودانية تؤكد التزامها بتلبية مطالب النازحين بمعسكر ...


المزيد.....

- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلام عبود - مشكلة كركوك أم مشكلة الحرب على العراق؟