أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى محمد غريب - * باختريف الالتصاق















المزيد.....

* باختريف الالتصاق


مصطفى محمد غريب
الحوار المتمدن-العدد: 1839 - 2007 / 2 / 27 - 12:53
المحور: الادب والفن
    


كان مساء البارحة ثقيل كأنه جبل من رصاص يجثم على أنفاسه ويغلق منافذ تأملاته التي تتزاحم أحياناً لتبضع هدوئه الممزوج بالقلق الملازم له، أوجعه التمازج ما بين هدوئه ولجاجة نفسه وبقى يتنفس مرارة أشجانه المنغرسة في ذاته كحزم الشوك البري توقظه في كل رمشة عين سريعة بوخزاتها، لم يتسع له الوقت في التتابع ما بين حدود هزائمه وانتصاراته الوهمية فقيمة الانتصار كانت مغيبة عنده تماماً أمام هذا الهزال في الأمل وفقدانه الحمية في الاستمرار بدل الارتخاء النفسي والجسدي وعدم المقاومة لقنوات تلك الشجون المتدفقة من شعور الابتعاد والوحدة التي عشقت فيه خدره المستميت في ذروة تشبعه بالوهن وبقنوطه وتسلسل حركاته البطيئة التي تكاد بالحين تشبيهها بزحف سلحفاة بحرية انتهت فوراً من وضع بيضها وهي تتجه بصعوبة أنثى ولدت لتوها نحو البحر، قنوط كأنه جثة ميت ألقت بظلالها على روحه التعبانة ، جعلته في وضع ممقوت وبائس وبتقتير لأحاسيسه بالأمل ، بل العكس، بالقرف المتأصل فيه من لا شيء وبخاصة عندما يعاوده القنوط كفحل مصاب بالشبق الجنسي يبتغى أنثى بالسرعة المطلوبة . تطلع إلى جسده الراقد وبطول ساقيه والشعر المتفرق عل فخذيه وأظافره المصابة بالفطريات، فألفى الجميع كعامود من الفولاذ المصاب بداء الصدأ تلمع جوانبه الصفراء تحت أضواء المصباح المترهل الخافت الذي يشع نوره بنرجسية مذهلة، يقتر أضوائه مثلما تتقتر أحاسيسه في هذه اللحظة المقرفة حتى آخر كلمات قواميس القرف الموجودة في جميع لغات العالم.. رفع رأسه المصدع بعد جهد من وسادة الريش البيضاء، كان ينوي الجلوس على إليتيه بمساعدة كوعي ذراعيه أولا، فالحركة السريعة تضره، ربما وفي هذه اللحظة بالذات كلمة واحدة تضره حتى لو كانت ساذجة بريئة ، كلمة تجعله أكثر نفوراً من العالم وأكثر نفرزة من القرف الذي هو فيه، فحركة غير صحيحة تلهب مفاصله بصعقة كهربائية مفاجئة تشل جميع أطرافه.. ظل يفكر كيف يمكن إنـــ هل أناديها لكي تساعدني ؟
قرف من السؤال، يريد إن يجلس لوحده بدون مساعدة ، مستقيماً بواسطة كوعيه ثم يدير قدميه بهدوء يتبعها جسده الخرتيتي المتهاوي المصاب بداء الفولاذ المتصلب القوي، أو ينقلب على جانبه الأيمن ليستقيم بعد ذلك ويحط إليته على حافة السرير كما تحط طائرة عجلاتها على الممر الأسمنتي الطويل، تستقبلها الأضواء المختلفة على جانبي الممر كعروس عائدة من شهر العسل مشبعة بالعطور المختلفة وبعطر الفحولة.
لم يكن قد استقر على رأي، فلا هو الفحل ولا هو الأنثى، وبدلاً من التصميم راح يتابع جدران غرفته التي استقبلته البارحة.. مسح بعينيه الحليبية اللون، والسقف الأبيض ثم عاد إلى المصباح المعلق كرأس مشنوق في الوسط، تابع محتوياتها متصوراً أنها شخوصاً تتحرك على مرأى منه أو تجالسه وتشاركه الغرفة.. جهاز التلفزيون القديم على طاولة الموزاييك البني، وبجانبها طاولة صغيرة متحركة للطعام، أدار رأسه صوب النافذة القريبة المطلة على الخارج، تخيل أنه يضع حنكه على حافة برواز النافذة ليتطلع إلى غابة صنوبرية صغيرة، وعبْر الزجاج راح يتابع حركة الأغصان البطيئة والفراشات الصغيرة البيضاء والملونة وهي ترفرف بأجنحتها الشفافة تنتقل ما بين الزهور البرية المتناثرة على حدود الغابة..
انتبه على نفسه فاصطدمت عيناه بالكرسيين المبطنين بقماش أزرق غير غامق وطاولة على ما يبدو للكتابة، وضعت في وسطها مزهرية صغيرة أطلت منها ثلاث زهور قرنفلية حمراء.. تذكر أنها كانت موجودة منذ البارحة حين وصوله للغرفة.
تعب وماتت رغبته في التتبع والتطلع أكثر فعاد يفكر كيف يمكن نقل جسده من السرير إلى الكرسي أو فتح التلفزيون، يجب أن يستقر على اليتيه ، لماذا هذا القرف العجز من الانتظار، أخيراً استقر على رأي آخر، أدار جسده بهدوء حذر على جانبه الأيمن ثم دفع قدميه بميكانيكية نحو حافة السرير وراح يدفع، ويدفع إلى أن وصل الفراغ إلى ركبتيه، عند ذلك دفع بكوعه الأيمن فراش السرير وببطء أخذ يصعد بجسده نحو الأعلى بينما كانت قدميه تهبطان نحو بلاط الغرفة المطاطي الأصفر، شعر وهو يرى حركاته كأنها رابوت آلي يتحرك بمفاصل صناعية، أخيراً استقام جسده وهاهو على إليتيه، صعد ببصره فإذا به يواجه النافذة مباشرة، امتد ناظره إلى الخارج، كانت السماء مملوءة بقطع الغيوم البيضاء والرمادية التي تشبه أكوام من القطن الأبيض وكثبان رملية متناثرة، تتخللها أنهار زرقاء متشعبة الاتجاهات والطرق، جداول صغيرة وانهار طويلة وبحيرات متصلة ببعضها البعض بينما رؤوس أشجار الصنوبريات تمتد لتشكها في خاصرتها بهدوء وراحة، ابتسم قليلاً بقرفه المعهود فزاد في خلوته إخطبوط الانكفاء داخل ذاته لكي يبحث عن مفارقة تعيد له صفاء الماضي في لحظات حلم بعيدة، سرعان ما نفرها بقسوة الانقطاع وعاد يتفحص ستائر النافذة الوردية ذات الرسوم الملونة بالأحمر والأخضر والأزرق والأخضر والبنفسجي تأكد أنها تشبه أوراق الأشجار.. طفرت نظراته إلى زجاج النافذة مرة أخرى فظهرت حديقة واسعة تحيطها أشجار الشوح والصنوبر والصفصاف الشامخة.
من بعيد تراءى له رجل في الحديقة كان يدفع ماكينة لحصد الحشيش الأخضر الذي بدا كسجادة تغطي مساحة الأرض الماثلة أمامه، استطاع بعد جهد الوقوف على قدميه بالإتكاء على طاولة الطعام القريبة وسار باتجاه النافذة ثم هبط بالطريقة نفسها واضعاً إليتيه على الكرسي ، تنفس الصعداء، أحس بانفعال سببه قرفه من وضعه هذا، حاول الهروب إلى الماضي ولكنه قرف من ذكرياته، يريد الواقع بدلاً من متاهات العودة إلى الوراء، مدّ بصره لكي يتابع الرجل في الحديقة، به فضول ملح لرؤيته عن قرب، لكنه لا يستطيع لأن الحواجز كثيرة، الغرفة بجدرانها وسور الحديقة وبُعْد الرجل عنه، لكنه صمم على المتابعة ولا سيما انه ما زال يملك بصراً قوياً ليس كجسده الخاوي المصاب بالالتصاق..
كان الرجل الذي يدفع الحاصدة الميكانيكية الصغيرة يبدو مزهواً بعمله، شعر انه سعيد ويدندن بشيء ربما أغنية أو نشيد وطني، هم يحبون بلدهم ويقدسونه، يرتدي قميص أحمر مخطط باللون الأسود وسروال رصاصي وحذاء اسود طويل.. وجه أحمر عريض وشعر ابيض مسترسل إلى الخلف بينما النظارات المعتمة تحط على عينيه لتحجبها عن الناظرين أو عن أشعة الشمس.. كان يدفع الحاصدة الميكانيكية بهدوء ، يذهب إلى نهاية الحديقة حيث شتلات الجوري البرية ثم يلف حولها ليعود إلى حضن أشجار الصفصاف المرابطة بشكل منسق على أطراف الحديقة من الجهة الثانية.. ظل يراقبه ويفكر
ـــ كم من العمر يبلغ ؟
لم يستطيع الإجابة عاد إلى تتبع حركة الحاصدة
ــ وماذا يشعر الآن بالذات وهو يدفع هذه الماكنة التي تزين وجه الحديقة لتجعله أكثر بهاء ورونقاً ؟ هل يفكر بالوقت الذي سيقضيه معها.. أو مع هذه الخضرة المتناهية؟
تطلع إلى ابعد فوجد إن الجبال المحيطة القريبة قد كستها أشجار مختلفة الأصناف والألوان، فمنها الطويل ومنها القصير، الأخضر الداكن أو الفاتح ومنها يميل إلى اللون الأصفر قليلاً لكن الخضرة هي العامة، جبال تبدو كغابات تمتد في سلسلة طويلة بلا حدود ..
تفاجأ بصوت الماكنة وحركتها الميكانيكية الذي توقف على حين غرة، رأى الرجل يهبط
على ركبتيه ويمدّ يده ثم سحب صندوق صغير من تحت الماكنة، بهدوء أخرج كيس من النايلون أسود ثم سكب ما في الصندوق فيه.
انشغل فترة قصيرة بحركات الرجل الأخرى، حركة رأسه مسح جبهته بيده اليمنى لكنه انتبه فجأة بعدما عاد صوت الماكنة يهدر ، أبصر من جهة المبنى امرأة متوجهة نحو الرجل، كانت ترتدي ملابس بيضاء ، طويلة القامة ، ذات شعر أصفر، تحمل في يدها كأساً مملوء ربما باللبن أو الحليب ظهر من اللون الموجود في الكأس، كما لمح أنها تحمل شيئاً آخراً بيدها الأخرى لم يميزه، وقفت المرأة قريباً من الرجل ، دقق فيها كانت تبتسم وتهز رأسها وهي تتحدث بسرعة، توقفت الماكنة مرة ثانية وراح يتطلع في وجهها ويهز رأسه هو الآخر، سلمته القدح ومسكت يده وأخذته إلى الكنبة الخشبية المطروحة قرب الجدار الأحمر ، جلسا وهما يتحدثان ويضحكان بين فترة وأخرى، اقسم مع نفسه
ــ انه سيدفع حياته ثمناً لمعرفة ما يدور بينهما
كانت المرأة حانية على الرجل تكاد تلتصق به، لا بل كأنها تريد الولوج إلى داخل جسده لتكون وحدة ممتزجة إلى الأبد، كان الرجل يبادلها النظرات ويشرب ما في الكأس ثم امتدت يدها لتعطيه ساندويجاً أخرجته من كيس صغير، كتفاهما متلاصقان تماماً.
شعر بألم في ساقيه ووجع شديد في عاموده الفقري المنتصب كعامود من الرخام ، بقلق حرك جسده قليلاً، ظلت صورة الرجل والمرأة ماثلة في مخيلته
ــ آه لو يعرف ما يدور بينهما.
الشمس أصبحت ساطعة بعدما تخلصت من كتل الغيوم، أخذت تملأ ساحة الحديقة وتكسو بأشعتها الأشجار وسطوح المنازل وقمم وضلوع الجبال القريبة، الجميع يتدفأ بحرارتها، البعض يركض للقبض على أشعتها، عندما تغيب ينتظرونها بعشق صوفي قريب إلى العبادة، هذه الكرة النارية التي يهرب الناس في بلدي منها و يلجأون إلى الأماكن المظللة الباردة، يتفنون في إيجاد تكوينات للظل حاجبين نورها وحرارتها عنهم متفنّنين في إيجاد الرطوبة والمبردات والمكيفات، حتى النوافذ الخارجية يضعون عليها أكاليل من الشوك لتبدو قطعة محبوكة المظهر ثم يرشونها بالماء كي تترطب وتُبرد دفعات الرياح السمومية التي تلج الغرف من بين الفتحات الصغيرة جداً..
لم يعد مهتماً بالرجل فكل الرجال يفكرون في كثير من الأحيان بما موجود بين أفخاذهم وكما يسميه " بداية سر الخليقة " عدم الاهتمام كان مرده دقاً خفيفاً على باب غرفته، ثم على حين غرة فتح الباب وإذا بأربعة جثث تدلف عليه ثلاث رجال وامرأة ممشوقة ذات شعر بني داكن، وجوه مبتسمة ولكن كيف يعرف صدق الابتسامات أو أسبابها، الوجه البارز كان ذو لحية وشارب يميل إلى الصفرة، جميل مشرق بعينين زرقاوين كزرقة اللون الصافي.. ابتسم كالعادة ولا يعرف لماذا بادلهم الابتسامة نفسها.. هو كثيراً ما كان يحس بالاستغراب من تصرفاته وتصرفات الآخرين، لأنه يعتبرها مصطنعة تهدف إلى إنجاز عمل أو مهمة ما.
ظل شارداً وهو يتابع الأربعة ثم حط بنظره على وجه صاحب اللحية.. كان يتكلم بهدوء وهو يتابع أوراقاً ، بين فترة وأخرى، يرفع ناظره ويشد على البعض من كلماته، شرح ببطء ممل أسباب العلة التي ابتلى بها، لم يفهم اللغة، كانت صعبة بمصطلحاتها الطبية اللاتينية، لكنه بمرور الوقت أخذ يفهم هدف الشرح الهادئ الممل لحد أللعنة، إنهم يريدون بقائه أطول فترة ممكنة لكي يجنبونه مضاعفات مرضه.. أفاق على كلمة " يجنبونه " وعندما ظهرت على وجهه علامات الاستفسار بادره صاحب اللحية
ـــ بختريف.. اسم روسي، " ضحك بصوت مسموع " هذا المرض نوع من أمراض الروماتيزم.. " ضحك مرةً أخرى " الروس أذكياء.. قدموا للعالم الكثير.
أحس انه بدأ يهذي تذكر توليستوي ودسوتفيسكي وجوجول وبوشكين وتشيخوف وغوركي ولينين وكالنين ، وتروتسكي وكروبسكايا وستالين وخروشوف وبريجنيف وغغارين والسيد قربا تشوف والمهرج يلسن.. بصق في داخله اشمئزازاً من قربا تشوف ويلسن وبوتين.. أسماء ما عاد يذكرها ..
ـــ نعم الروس أذكياء قدموا الكثير لكنهم أيضا أخروا الكثير.
ظلت الضحكة على محياه وهو يدمغه بنظرات حيادية.. عاد للحديث بعد فترة من الصمت..
ـــ لا يوجد حل آخر سوى مراقبة المرض لنجنبك مضاعفات خطرة..
أحس بلهفة.. عليه أن يقول شيئاً أي شيء حتى لا يظنّه مجرد ملتقي
ـــ الروس الأوائل عظماء شرخوا عالمكم وقدموا أكثر مما تتصور، ولولاهم لكنتم الآن عبيداً لهتلر وحزبه النازي، لكن البعض ينسى بغباء الايجابيات ويلهث خلف السلبيات، انظر الآن ماذا يوجد الدعارة والمافيا والمخدرات والبطالة وكل ما هو معيب ولا أخلاقي، انه الامتثال الذي يشدّ البعض بالهوس الغربي المتهتك.
تفاجأ صاحب اللحية ، التفت إلى مصطحبيه وكأنه يريد العون، لكن لا فائدة، استمر في الحديث بدون مبالاة
ـــ أما لأنهم أضاعوا كل شيء فهذا يخصهم وحدهم ومع هذا فان العالم تضرر من هذا الخسران وهذه يطول شرحها، أنهم خسروا كل شيء ليربحوا بعض مما موجود عندكم مثلما قلت لك، الدعارة والمافيا وأفلام الجنس والمخدرات وجميع الموبقات الأخرى..
لم يجب صاحب اللحية، كان يتطلع بهدوء حذر إلى شفتيه المتورمتين وهما تنفتحان وتنغلقان كمغارة جبلية قرب أخدود البحر الهائج..
بقى الحديث عبارة عن منطاد يتنقل من مكان لآخر حسب اتجاه الريح، بينما عاش هو التنقلات بدون أي إحساس بأهمية الموضوع، وبقى يراقب ردف الممرضة الممشوق وتفرس أكثر في صدرها البارز ككرة القدم وانتقل إلى فتحتي فخذيها الأماميتين يلسعها بفضولية نظراته النارية المتقلبة ، أحست الممرضة بالحرج وبهدوء توارت خلف صاحب اللحية وهي تضع يدها على مقدمة فخذيها، ضحك في سره كان قد راهن على أنها ستحجب نفسها عن نظراته البلهاء لكنه لم يكن متوقعاً من حركة يديها السريعة وأيقن أن لها علاقة بالذي حجبت نفسها خلفه، هكذا وببديهية بسيطة فالمرأة تحمي جسدها العاري بفارسها الذي امتطاها لأنها تحس بالأمان أكثر من غيره ولأنها تعرف انه يعرف كل خلجة من خلجات جسدها وكل زفرة من زفرات صوتها وكل لحظة استرخاء من لحظاتها معه..لم يعرف كيف صافحه صاحب اللحية ولم يهتم لابتسامات الآخرين وكان قد أهمل الممرضة إهمالاً مطلقاً مما أدى بها لتخرج متأخرة عنهم وهي تلتفت بين فينة وأخرى لكي تتأكد انه لم يبق يصليها بنظراته النارية الحارقة..
مسألة خارجة عن أرادته أن يكون عدوانياً في بعض الأحيان، عدوانياً حتى مع نفسه، تتشاجر أعضاؤه الداخلية مع بعضها وتتقاتل في الكثير من الأوقات حتى النفس الأخير، يحس ذلك من خلال أنفاسه المتصارعة التي تسيطر على كل زفرة تخرج من خياشيمه، مسألة خارجة عن إرادته أن يفكر أحيانا بالجنس ومضاجعة امرأة سوداء مثل الفحمة أو بيضاء مثل الثلج أو صفراء مثل خوخة لم تنضج تماماً أو سمراء مثل فرس عربية تعيش تحت أشعة الشمس في واحة صحراوية.. مسألة خارجة عن إرادته عندما يفكر بالسياسة والحروب والسجون والاضطهاد وحقوق الإنسان والهيبز والمخدرات والشذوذ الجنسي ويربط كل ذلك بمقولة المصادفة والضرورة.. رجل الحديقة مازال يلتصق بالمرأة والمرأة مازالت ملتصقة به ، ليس عن طريق تلاصق الأعضاء أو تلاصق الجسد وإنما هناك تلاصق من نوع آخر.. نوع يطلق عليه أطباء السيكولوجيات النفسيين " التصاق نفسي " لا يعرف ما معناه فهو لم يجرب أن يلتصق نفسياً مع امرأة أو حتى مع حائط، كما كان وما زال يتمناه إن يلتصق بها جسدياً، أما الالتصاق الذي يحس به الآن هو التصاق فقراته ومفاصله وهو على ما يبدو ارفع التصاق من جميع الالتصاقات المعروفة في العالم.. رجل الحديقة والمرأة مازالا ملتصقين نفسيا وروحياً، وهو أمر ليس بالغريب فقد التصق مجنون وليلى وجميل بثينة وروميو وجوليت وكثير من أبطال روايات وأساطير بالالتصاق النفسي، لكن امرأة العزيز أرادت أن تلتصق جسدياً بالنبي يوسف فرفض لأنه لم يكن على استعداد لترك التصاقه بالروح الإلهية التصاقاً روحياً من اجل التصاق مادي زائل.. فكر بجدية "الالتصاق الجسدي" لكنه التصاق لذيذ لحد أللعنة أما التصاق فقراته ومفاصله فهما من نوع آخر ، نوع لا مفر منه حتى بعد الممات، لكل التصاق نهاية حياتية ، الجسدي والنفسي إلا التصاقه هو فشبه ابدي قد يطول إلى مئات لا بل إلى آلاف السنين إذا ما حفظ الجسد في مكان آمن.
مازالا رجل الحديقة والمرأة ذات الرداء الأبيض ملتصقين ولكن ليس جسدياً في الظاهر أما الباطن فهو علة العلل ومصيبة المصائب.. الباطنية فلسفة بلا حدود تصحو على حسب القياسات في الزمن والمكان المحددين.. " بالــوجه امراية وبلكوفه سلايه " أزاح عن كاهله ترهله وراح يعاود فكرة مراقبة الاثنين" صحيح .. كل العرب غير العراقيين لو اجتمعوا لما عرفوا معنى المثل العامي الدارج في العراق" لا يهم فقد تذكر الكثير من العرب جاءوا إلى العراق بمهمات مختلفة ، استثناهم قائلاً بصوت مسموع
ـــ العرب الذين سمعوا ووعوا غير ملزمين بالتفسير الباطني .
حرك عجزه بعد شعور بالخدر اجتاح القسم الأعلى منه
ـــ من هو الذي عليه لزوميات التفسير؟
سأل بصوتٍ خفيض وهو يدقق في حركات يد الرجل بعدما وضعها على كتف المرأة، لاحظ أصابعه تتحرك وكأنها تضرب على أزرار بيانو مهمول في ركن قليل الضوء، هذه سبابته ترتفع وإبهامه ينخفض ، بنصره يدق بسرعة ، كتف المرأة رابض على عامودها الفقري يميل مع كل نقرة إصبع وكأنه يشعر بنوع اللحن المتواصل من الأصابع وكنسيج كهربائي يدفع الأحاسيس إلى الالتصاق مع النقر وصوت حركة الأصابع كنوتات موسيقية مؤثرة تشيع الترنيم داخل مهجة المرأة التي تركت حالها فريسة لشيء لذيذ لا يمكن الابتعاد عنه.
جدد ترتيب أفكاره تاركاً الرجل والمرأة لحالهما واستدار بهدوء وراح يتطلع في هسيس الأضواء المنبعثة من شاشة التلفاز الصغير كان ثمة شيء يتحرك داخله لرفض ما يجري والتحرر من وجعه ومنفاه ورغبته في الجلوس محصوراً ما بين ما يتخيله أو يشاهده ومن هنا قرر إن ينطلق ولو فترة زمنية قصيرة يعبر فيها مرحلته الراهنة إلى مراحل أكثر نضجاً ورفاهية عن مآسيه المرضية، فكر بعمق بالتغييرات التي حصلت على حياته وراح يستعرض محطاته وتنقلاته وعلاقاته المتنوعة وببطء سحب جسده إلى السرير وبعد أن وضع رأسه على الوسادة شعر بتعب وإرهاق وثقلت أنفاسه ودلف في دهليز لا نهاية له وما بين مشيه السريع ووقفاته كان يلتقي بسرب من الخفافيش الكبيرة تضرب وجهه بأجنحتها اللحمية وتصدر اصواتاً تشبه أصوات الفئران الحقلية، بعد فترة شعر أن الدهليز أصبح أكثر ضيقاً وراحت موجات من الضباب والظلام الكثيف تغزوه حتى أصبح بلون ليلة خريفية، تعثرت قدماه لكنه بقى يتوجس في مشيه بدون هِداية ولا رؤيا، دهليز طويل لم يستطع رؤية ما في داخله ثم أنقطع عنه كل شيء بدون مقدمات جديدة.. الضباب والظلام والمشي وأنفاسه التي راحت تتقطع ثم أصبحت ثقيلة وانتهت إلى شخير خافت غير مسموع ..
* باختريف: مرض التصاق المفاصل بوخاصة العامود الفقري





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,011,985,171
- المشاريع الثقافية والمثقفين العراقيين في الشتات
- إعلان للصراخ وهدم تماثيل الجدار
- برامج فضائيات أساءة لقضايا المرأة وحقوقها وأخرى وسعت دائرة ا ...
- شوفينية هزيلة عجباً ... فرق الموت أكثرها كردية
- تداعيات الحل العسكري وضرورة تزامنه مع الحل السياسي
- ذكرى 8 شباط 1963 الملعون ونسف الأمن الداخلي في الظروف الراهن ...
- صحة فيدل كاسترو وعقدة الإدارة الأمريكية
- الإدعاء بالمظلومية تجني وتسفيه الإستشهاد
- المصلحة الوطنية في القضاء على الإرهاب والطائفية
- العللة في الصمت وفي العزلة
- العلة في الصمت وفي العزلة
- عنجهية حكام تركيا وتدخلهم في شؤون العراق الداخلية
- الخطة الأمنية الجديدة والتسلح -بالفالة والمكوار-
- هيئة دفاع طفيلية لعبتْ على الحبلين من أجل المال والشهرة
- زيارة الطلباني وتوطيد العلاقة الأخوية مع سوريا
- ضمائر في مهب الريح
- إيران والتدخل في الشؤون الداخلية للعراق
- التدخلات في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى
- تحريض ثابت الالوسي ضد نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد
- رجل خُلق وكأن حبل المشنقة حول رقبته


المزيد.....




- صدر حديثاً كتاب «الإنترنت وشعرية التناص فى الرواية العربية» ...
- #ملحوظات_لغزيوي: حكاية خاشقجي..حزن بلا حدود !
- علاء الأسواني: السيسي نمر جريح وأسوأ من مبارك
- باسل الخياط في عمل رمضاني مرتقب من إخراج رامي حنا
- مهرجان سينمائي بالخرطوم يحتفي بفاتن حمامة وجميل راتب
- جائزة مهرجان لندن السينمائي لفيلم عن ضحايا الاستغلال الجنسي ...
- مهرجان فاس للثقافة الصوفية وصدى جلال الدين الرومي
- ترامب: ثمة خداع وأكاذيب في الروايات السعودية حول قضية خاشقجي ...
- -اللجوء وحق العودة-... العناوين الأبرز لـ-أيام فلسطين السينم ...
- بعدسات الجمهور: أسواق حول العالم


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى محمد غريب - * باختريف الالتصاق