أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محيي هادي - العقل و الدين















المزيد.....

العقل و الدين


محيي هادي

الحوار المتمدن-العدد: 1755 - 2006 / 12 / 5 - 10:28
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تنتشر بين المتدينين مقولة " من لا دين له لا عقل له"، و يعتبرها البعض منهم بأنها نص شرعي، فهل يمكننا التصديق بذلك؟ أم أنها فكرة طرأت على أحدهم و جعلها نصا شرعيا، و لربما يعتبرها منزلة من السماء و أن لها أهمية مقدسة. و قد طور البعض هذه الجملة، ليجعلها جملة فلسفية و لكن على أسس جمل "علمية" كجمل مادة المتطابقات الرياضية و بهذا يقرب مفهوم الدين إلى قوانين العلم الرياضية، و الطبيعية، فكتب:

" لا عقل بلا علم و بلا دين، إذ لا عقل ولا علم لمن لا يؤمن.
ولا علم بلا دين و بلا عقل، إذ لا علم ولا دين لمَن لا يعقِل.
و لا دين بلا عقل و بلا علم، إذ لا دين ولا عقل لمَن لا يعلم."

و هكذا تصبح الجملة أكثر جاذبية.

و لكنني رأيت في هذا المنطق اشكالات عديدة:
فقد نُسخت إلى غير رجعة الآية التي تقول: لكم دينكم و لي دين، و التي ذكرت عندما كان الاسلام ضعيفا، و حلّ محلها: أن الدين عند الله الإسلام، و لن يُقبل غير الاسلام دينا، و هكذا فلن يقبل الشرع من الناس دينا غير الاسلام. تماما مثلما كان يقوم به المدافعون عن محاكم التفتيش الكاثولكية الذين لم يقبلوا بغير المذهب الكاثوليكي دينا، و ذهب الملايين من الناس من غير الكاثوليك ضحايا محارق الكنيسة، أو ما قام به المدافعون عن حكم الحزب البعثي الواحد، الذين أرادوا أن يجعلوا العراقيين كلهم بعثيين، و ثم جلبوا للعراق كل المآسي التي لا نزال نراها اليوم.
و هكذا فإن الجملة تصبح في عالمنا الاسلامي:
* من ليس له دين اسلامي فلا عقل له، أي عقل كان!!
*و من هو مسلم فله عقل!!
و بالنسبة للمدافعين عن هذه الجملة، من المتدينيين المسلمين، فلا المسيحيين و لا اليهود و لا البوذيين و لا الذين يؤمنون بالله بدون قيود الدين و لا الملحدين الذين لا يؤمنون لا بالله و لا بالدين، و لا و لا....، لهم عقول. و بجرة قلم حكمنا على أغلبية العالم بخلوهم من العقل.
فهل هذا صحيح؟
و إذا كان هذا صحيحا، فلماذا نجد الآلاف المؤلفة من المسلمين و هم يحزمون حقائبهم باحثين عن مأوى و مطعم و مشرب لهم في بلاد "الكفار المسحيين"، لا بل أن العراقيين قدموا ضحاياهم ليتركوا بلاد المسلمين "ذات العقل"، و انهزموا باحثين عن أي مأوى يمكن أن يحميهم، حتى و لو كا هذا المأوى هو جحيم الشيطان. و حادثة السفينة التي تحطمت في البحر الهندي و غرق فيها أكثر من أربعمائة عراقي كانوا متجهين نحو استراليا شاهدة على ذلك، و هذه الحادثة ليست بالشاهد الوحيد، لقد ذهب ضحية العقل الإسلامي الإجرامي و الإرهابي و التجويعي أهل لنا، هاربين نحو الذين لا عقل لهم (!)، و لا دين (!) و طالبين منهم الرحمة و الشفقة و الأمان..

مع الأسف إن هناك العديد من الأفراد، و خاصة من بين أهلنا الشيعة، يعتبرون المسيحي نجسا، و حذارِ أن يُلمس المسيحي و هو مبلل. و لي في هذا تجربة شخصية مع صديق شيعي زارني في أسبانيا.

إن منطق "من لادين له لا عقل له" ينطلق من الإستبداد و التقوقع و التكبر الأجوف و العداء للآخرين، لا يمكن الإيمان به، بل تنسخه الحياة، حياة البشرية التي تتطلع إلى الحب و المساوات و إلى الحرية في الاعتقاد و الايمان، و أن هذا المنطق يتحول إلى نكران جميل و عداء، خاصة و أن من كان مكرره يعيش في بلاد غير اسلامية تعطي له المأوى الآمن الذي لايجده في بلاده، بلاد "عقل" السجون و الاغتيالات و الفكر الواحد.
إن هذا التفكير هو أيضا تفكير النازيين و الشوفينيين، فأوروبا لا تزال تُعاني من عقدة الهتلرية التي تقول بتفوق العرق الآري، و هو نفس عقدة الديانة اليهودية التي تقول بأن اليهود هم الأفضل و أنهم شعب الله المختار.

و ببساطة و بدون الدخول في نظريات فلسفية، فإن العقل كما أراه هو القوة التي تمكن الانسان من استنباط العلوم و المعارف. و إذا اعتمدت على مقولة "من لا دين له لا عقل له" فإن الناس من غير المسلمين، بهذه المقولة، ليست لهم القدرة على الاستنباط، لا بل أنهم مجانين، و في هذا المكان أجد أن هناك خطأ فادحا في هذا الرأي، فها نحن نكتب على آلة لم يصنعها مسلم، و ننشر آرائنا على صفحات الانترنيت شاركوا في صنعها أشخاص غير مسلمين، و نرى التطور الهائل و العجيب في التكنوبوجيا و العلوم الأخرى الذي يقوم به أناس آخرون غير مسلمين، و يالتنا نرى يوما مسلما و من مجتمعنا و هو يبرز في هذا المجال و مجالات أخرى و يشارك غير المسلمين ليقدم الخدمة لعموم الإنسانية. فهل هؤلاء لا عقل لهم؟

إن البلدان غير الاسلامية مملوءة بالملايين من المسلمين، و إن أسواق البلدان الاسلامية مليئة بمنتوجات البلاد "الكافرة، غير المسلمة"، لا بل أن لحوما يأكلها المسلمون تصل إلى أفواههم من هذه البلاد، "مذبوحة على الطريق الاسلامية". و كذلك فإن كوادرنا العلمية الباقية، و التي لا تزال حية، تتطلع إلى تحسين و تطوير علومها في البلدان "الكافرة". إننا لا ننتقل إلا على سيارات و طائرات و سفن "كتب" عليها: مصنوعة في بلدان غير إسلامية(!).
و هل يمكن لأحد أن ينكر أن أدوية هذه الدول تُعالج الكثير من مرضانا، لا بل أن مستشفياتها استقبلت على أسرتها رجال دين معروفين.
إن هذا المنطق الاستعدائي، منطق شرط وجود العقل بوجود الدين و إلا فلا، هو كسقوط ذبابة في كأس مملوء بالحليب، فيرمى الحليب و ترمى الذبابة، فيرمى الذي يؤمن بهذا و يرمى منطقه أيضا، بل يؤكد على أن الخرافات التي تطغي على الدين، أي كان، قد أصبح لها رفيق جديد. فهل من يؤمن بالخرافات له عقل؟
و هنا لا أريد أن اقول أن كل من يؤمن بالخرافات لا عقل له، بل أن لكل شخص عقل معين:
*فللذي يؤمن بالخرافات له عقل يستنبط به أشياء كثيرة يدعم بها معرفته للخرافات.
*و الذي يؤمن بالعلوم الطبيعية يستنبط بعقله هذه العلوم و قوانينها.
*و الذي يؤمن بالعلوم اللاهوتية أو علم الكلام، أية كانت فرقته أو دينه، يستبط بعقله ما يريد لفكره الديني.
*و لأم الجنين الأندنوسي الذي "يقرأ" القرآن عقل، و لكنه عقل "بديع" "شيطاني"، ضحكت به على ذقن وزير الخارجية الأندنوسي، ذا الدين الاسلامي، الذي صدق بمعجزة جنينها و نشر المعجزة على شعبه، و لهذا الوزير عقله. (انظر مقالتي التقديس و الخرافة)
*و لن أجد في أي واحد من هؤلاء أي جنون.
و لكل واحد من هؤلاء، لدي، الاحترام الشخصي و أعطي له كل الحق في شعوره و تعبيره و حريته، بما في ذلك الذي يؤمن بـ "طوب أبو خزامة"، و كيف لا و مجتمعنا العربي و الاسلامي محكوم بالاضطهاد و تكميم الأفواه و السجن. و لو كنا نعيش في ظل مجتمعاتنا المعادية للحريات لكانت المقالة، هذه، في خبر كان.

إن الأديان، كلها، انتشرت بقوة السيف، و لم تعرف الرحمة عند استعمالها القوة، و الذي لا يوافقني على ذلك له كل الحرية في تعبيره حتى و لو كان هذا الشخص ينكر كتب التاريخ العديدة التي تتحدث عن ذلك.

لقد تحولت كلمات "إنا أرسلناك رحمة للعالمين" بسيف خالد بن الوليد إلى نقمة على بني جذيمة، و أصبح خالدا سيف الله المسلول الذي غدر بمالك بن نويرة و ركب عُرسه في ليلة الغدر. و لم يستطع أحد أن يوقف هذا السيف إلى أن وصل عمر بن الخطاب. و مثلما فعل مسلمو خالد ببني جذيمة و غيرهم فإن مسلمي فتح الأندلس ساروا على نهجهم و حولوا الرحمة إلى آلاف غفيرة من الأسرى الأسبان أرسلوهم إلى خليفة الله في دمشق، و إلى حرائق اندلعت في كنائس البلد المحتل، هذه الحرائق التي نراها اليوم على أرض عراقنا و هي تندلع في كنائس المسيحيين العراقيين. و لم تسلم كذلك أعناق الصابئة العراقيين، لا بل أن المساجد من هذا الجانب أم من ذاك لم تسلم من حاملي العقل الإجرامي.

لقد كتبت ُ"انتشرت" و لم أكتب "بدأت"، إذ أن كل الأديان، و منها الدين الاسلامي، كانت في بادئ أمرها مسالمة على طريقة " لكم دينكم و لي دين" لتتحول بعدئذ إلى "و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يُقبل منه". و فهمت كل طائفة من الدين الاسلامي ما فهمته، و روجت ما أرادته من "معجزات"، لا بل أن بعضها، و عندما ترسخت في الحكم، أجبرت الناس على اعتناق مذهب معين دون آخر، و لدينا في الأندلس مثالا عندما أُعلن أن المذهب الرسمي هو المذهب المالكي (اقرأ نفح الطيب للمقري). و في إيران لنا مثل آخر (اقرأ تاريخ علي الوردي).
و لا تحترم طائفة مسلمة طائفة مسلمة أخرى و تصل الخلافات بينها إلى حمل السلاح و اغتيال أتباع طائفة أتباع الأخرى. و لقد تحملت الطائفة الشيعية، بشكل خاص و ليست وحدها، ملاحقات الطوائف الأخرى، و اضطر أفرادها إلى عدم إظهار عقائدهم، و التزام التقية، وربما يُفيد في هذا المكان ذكر قول الزمخشري:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به........و أكتمــــــه كتمانـــــه لي أســـلم
فإن حنيفا قلت قالوا بأننـــــــي.........أبيح الطلا و هو الشراب المحرم
و أن مالكيا قلت قالوا بأننـــي .........أبيح لهم لحم الكلاب و هم هـــــم
و إن شافعيا قلت قالوا بأننــي.........أبيح نكاح البنت و البنت تحـــــرم
و أن حنبليا قلت قالوا بأننـــي ........ثقيل حلولي بغيض مجســـــــــــم
و لم يذكر الزمخشري الشيعة لأنه لا يحسبها من المذاهب الاسلامية.
و كل حزب بما لديهم فرحون.

و اليوم و قد أصبحت الدول الاسلامية في أسفل السلم الحضاري، و يتساءل البعض. "لماذا تأخر المسلمون، و لماذا تقدم غيرهم؟"، نرى كيف أن العقل الإجرامي الاسلامي يشع من منبع أرض الاسلام، شبه جزيرة العرب، على شكل موجات وهابية ارهابية، ملتحفة بالدين و مختبأة في ظلام مساجدها التي تنتشر هنا و هناك، و مدعومة من قبل حامي الحرمين.

و لدينا الآن في هؤلاء الإرهابيين مثالا إجراميا فظيعا إذ أظهروا للعالم كله ما يحملون من دناءة باغتيالهم الأبرياء و أعطوا أبشع الصور عن الاسلام و عن مسلمي الوقت الراهن، و في عراقنا لا زال أهلنا يكتوون بنيرانهم. و على هؤلاء الارهابيين يجب أن يطبق القانون مهما كان عنفه.
هنا حقا، و على الإرهابيين، ينطبق مفهوم "من له دين له عقل"، إذ أنهم مسلمون ناطقون بالشهادتين و لهم "عقل" إجرامي بشع، يبررون به اغتيال الأطفال و النساء و الشيوخ، طبقوه في مدريد و في لندن و في دول أخرى.

هناك أغنية أسبانية تقول:
Aquí cabemos todos,
O no cabe ni Dios:

هنا يتسع المكان للجميع،
و إلاّ،
فإنه لن يسع لأحد،
حتى و لا لله.

و العالم يجب أن يكون لجميع الشعوب، بكل عقائدها و أفكارها، و لكل من يؤمن بحرية الآخر، و لكل من يحترم الذي يفكر بفكر مخالف، و لكل من يؤمن بأن الآخر له عقل أيضا.
و إلا:
فليذهب، من يريد إزالة العقل عن الآخرين، إلى جنته، جنة البله و المجانين. (إقرأ مقالي جنة البله و المجانين).

التقديس و الخرافة
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=81796
جنة البله و المجانين
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=81550

محيي هادي-أسبانيا
04/12/2006





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,408,254
- التقديس و الخرافة
- جنة البله و المجانين... و الإرهابيين
- شهر رمضان بين الحروب و نوم الموظف الكسلان
- بين أشرار المسلمين و أخيارهم
- الحجر الأسود 05/05
- الحجر الأسود 04/05
- العشائر
- الحجر الأسود في كتب التراث 03 /05
- الحجر الأسود في كتب التراث 02/05
- قانا و مدننا العراقية
- الحجر الأسود في كتب التراث 01/05
- تجار الحروب و وعاظها
- وعدُ الشيخ الرفيق
- تعليم الحقد ضد الآخرين في مدارس الوهابيين
- إلى أمّي
- مجتمع الشرف
- حكومة إنقاذ أم انقلاب و ارهاب؟
- وطني
- أوغاد من منبع الارهاب الوهابي
- تأثير التاريخ في مجتمعاتنا


المزيد.....




- احتجاجات في بنغلادش بسبب منشور "مُسيء للنبي محمد" ...
- بطريرك موسكو وسائر روسيا يدين الانشقاق في صفوف الدين المسيحي ...
- في مقابلة مع الجزيرة نت.. الشيخ عبد الحي يتحدث عن أموال البش ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- اليهود الحريديم يحملون سعف النخيل احتفالا بعيد العُرَش ويؤدو ...
- السودان يترقب -مليونية 21 أكتوبر-.. و-فلول الإخوان- في الواج ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- في حضور وفد سوري رفيع المستوى.. الشئون العربية للبرلمان: الغ ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محيي هادي - العقل و الدين