أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهدي بندق - مسرح شعري في مصر الفرعونية ؟!-الفصل الثاني















المزيد.....


مسرح شعري في مصر الفرعونية ؟!-الفصل الثاني


مهدي بندق

الحوار المتمدن-العدد: 1696 - 2006 / 10 / 7 - 09:52
المحور: الادب والفن
    



يقول حازم القرطاجنى "لا يمكن لناقد أن يمضى في مناقشة الأدب، دون أن تكون لديه مفاهيم أكثر شمولاً عن مهمة الإنسان في الحياة".
فما هي أعظم مهمة يمكن أن يضطلع بها المرء مختاراً إن لم تكن مقارعة الموت، الموت الفيزيقى، والموت الفلسفي أو ما يمكن تسميته بالنفي في الحياة؟ فأما الموت الفيزيقى فليس ما يقال بشأنه غير كلمة الفيزياء الحديثة، وكلمة علم البيولوجيا، فالأولى تؤكد أن فناء المادة (والطاقة) أمر مستحيل حتى مع التسليم بمبدأ الأنتروبيا، فالفوضى والتشتت هما جزء لا يتجزأ من النظام العام، ويبقى الكون في النهاية كما هو في البداية، أو بالأصح يبقى الكون بغير نهاية كما هو أصلاً بغير بداية. أما الثانية "البيولوجيا" فلا تبتعد كثيراً عما وصلت إليه علوم الفيزياء، حتى بعد اكتشاف الحامض النووى D.N.A الذي يبدو كما قد يراه البعض غائياً Teleogical، بيد أن الحقيقة غير ذلك، فلو أن النظام Order كان مستغرقاً لتشابهت كل الكائنات الحية، وواقع الحال يؤكد أن الاختلاف مرده إلى أن الطبيعة الوراثية كثيراً ما تتغير تبعاً لعامل المصادفة Chance . وهذه المصادفة، التي تتوازن مع الضرورة Necessity ، هي أيضاً جزء لا يتجزأ من القانون البيولوجى الشامل والذي ينص على أن جميع العناصر المكونة للكائن العضوى باقية ومستمرة إلى ما لا نهاية، وما الموت إلا ظاهرة عارضة تقع فحسب للأفراد دون النوع، أو قد تغطى – نتيجة كارثة بيئية مثلاً – النوع (بألف لام العهد) دون الحياة (بألف لام الجنس) ولكن هذا لا يعنى خلود الروح كما حسب أفلاطون، بل استمرار العمل فحسب.
والخلاصة أن الموت الفيزيقى ينبغى ألا يعمل له حساب في دورة الحياة الأبدية، فما دام جالنيوس في علمه يموت مثلما يموت راعى الضأن في جهله، ومادام الاثنان يهلكان هلاك الدودة والذبابة؛ فإن هذه النهاية المتشابهة ينبغي ألا تعنى شيئاً بجانب الاختلاف العظيم الذي حدث بينهم خلال فترة عيشهم المحدودة. وما هذا الاختلاف العظيم بينهم إلا أسلوب العيش ، الثقافة ، العمل الذي سوف ينقله كل منهم إلى من هو بعده، وهكذا فإن الحياة الحقة بالنسبة للفرد إنما ستكون اختياراً حراً – كما يطالب بذلك كيركجارد – لأننا إذ نتلقى الحياة من الآخرين (الآباء – الأجداد – الوطن – التاريخ ..الخ) فلسوف يلحق بنا العار ما لم نقدمها نحن بدورنا للآخرين أكثر روعة وأعلى قيمة.
وفي هذه المساحة الأخيرة – مساحة العمل والإنتاج المادى والعقلى – يقع (أو لا يقع) الموت الفلسفي، فالدودة والذبابة ميتتان فلسفياً حتى هما تسعيان على الأرض، فهما بلا ثقافة تعدل من أوضاع الطبيعة، بل هما تمتاحان من الطبيعة دون أن تضيفا إليها شيئا. وشأن الدودة والذبابة شأن الطبقات الاجتماعية، وكذلك الدول والحضارات التي جمدت فتوقف عطاؤها، تلك جميعا زبد لا غرو أن يذهب جفاء، بعكس ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
هنا يجوز أن نتوقف عند ظاهرة انقطاع الحضارة الفرعونية التي استمرت قرابة ثلاثة آلاف عام. ولكن قبل أن نتدارس أسباب انقطاعها.علينا أن نذكر بقيمة الإنجاز الفكرى لعالم الرياضيات شرودنجر (لما يتصل هذا الإنجاز بحديثنا القادم عن المسرح الشعري في ظل الحضارة الفرعونية) ذلك أن عالم الرياضيات هذا، رغم اتفاقه مع فيلسوف اللذة أبيقور Epicurus في أن الفوضى العشوائية موجودتان في الكون ، تراه يقرر أن مبدأ العلية causality ينكر فحسب حين يتعلق الأمر بالالكترون المفرد، أما الكمات (جمع كمية Quanta) الكبيرة جداً في الطبيعة كما في الأحياء فتتصرف بسلوكك غاية في الانتظام1 الأمر الذي يشجعنا على استخدام المنهج المادى التاريخي حين يكون حديثنا عن الحضارة الفرعونية ونظامها الطبقى الهيراركى Hierarchy. وأثر ذلك النظام على إجهاض جنين المسرح الشعري.
وأول ما نفيد من نتائج علمية توصل إليها شرودنجر ومن قبله ماكس بلانك وآينشتين،أن الكون الذي نعرفه ليس واحداً بالإطلاق، ومن المحال أن يحكمه قانون واحد. فالتنوع Variety يغالب التوحد Unification ، ولهذا فإن أية حضارة تتجاهل بنيتُها هذه الحقيقة بتغليبها عنصر الوحدة على عنصر التنوع (أو العكس) مآلها الذبول والاضمحلال لا مشاحة.
وهذا بالضبط ما حدث للحضارة الفرعونية، فلقد قامت هذه الحضارة على أساس انتاجى – يُعِّرفه علم الاجتماع الماركسى بالنمط الآسيوى Asiatic mode of production ، وقوامه أن البلدان التي عاشت على نظام رى الحياض (مثل مصر والهند والصين) كان طبيعياً أن تحتاج إلى حكومة مركزية قوية لتكون الفيصل في المنازعات بين المنتجين الزراعيين، فكان ضرورياً أن تقوى هذه الحكومات وأن يوكل إلى رأسها (الفرعون في حالتنا) مهمة سن القوانين وتنفيذها والقضاء بموجبها، أي أن دمج السلطات وليس فصلها كان استجابة منطقية لهذا النمط الإنتاجى. ومن الطبيعى أن يؤدى هذا الدمج إلى إعلاء كلمة الحاكم بصفة مطلقة، ثم إلى إعلاء الحاكم نفسه إلى مرتبة الإلوهية . ومن هنا يمكننا أن نضع أيدينا على الجذر التاريخي لتعبير "الكل في واحد" ذلك التعبير الذي سيظل يتردد منذ مينا وحتى جمال عبد الناصر. ومن هنا أيضاً يمكننا أن نفهم كيف رضى المصريون أن يعملوا – دون سخرة- لعشرين عاماً كاملة في بناء مقبرة للفرعون خوفو. لقد أقنعهم الكهنة أن خوفو هو ممثلهم الوحيد أمام ظاهرة الموت، وفي تخليد جثته تخليد لجثثهم التي ستدفن في الأرض العراء.
النمط الآسيوى للإنتاج إذن يُوّلد ظاهرة تنميط البشر Stereotype فالفلاح هو فلاح وليس إنساناً، إنه خلق ليكون في ذاته وليس لذاته، وحين يأتى البعث فإنه سوف يندمج في شخص ممثله His represntative الفرعون الذي سيحيا إلى الأبد إلهاً بين الآلهة.
ومع ذلك فالموت شئ جليل، فلا غرو أن تشمل شعائره كل شخص، وهكذا يبزغ الدين، وأيضاً يبزغ الفن. بيد أن الشعائر الدينية قد تؤدى إلى الحمل المنتج فتولد الدراما، وقد تؤدى إلى الحمل الكاذب فتتأبد فلسفة الجبر. وفي الحالة الثانية بأن ظهور المسرح يصبح محالاً، لأن المسرح يحتاج إلى شعور أصحابه بقوة الاختيار، وهذه القوة لا غرو إنما تعد نوعاً من تحدى الآلهة (هل نذكر أوديب؟) لكن المصريين القدماء جراء تنميطهم لم يستطيعوا قط أن يمارسوا هذه التجربة. لقد أرضعتهم الكهنة مع لبن الأمهات خشية الآلهة (لكى يتعلموا أن يخشوا الفرعون) وذلك مقابل الظفر بالاستقرار.
***
الشرط الأول إذن الذي يعد أساساً لظهور المسرح هو القدرة على تحدى القدر أو قل هو عصيان الآلهة، نقول الشرط الأول ولا نقول الوحيد. وآية ذلك اليهود. فتاريخ هذا الشعب هو تاريخ التشريد والكوارث منذ الأسر البابلى (حوالى 600 ق.م) فسقوط المعبد (70م) فالاضطهاد الفظيع على أيدى الرومان ثم الطرد الجماعى من أسبانيا (1492) ثم الذبح الجماعي على يد القوزاق (عام 1648) حتى محرقة أوشفتيز بأيدى النازيين في العصر الحديث، وإن تاريخاً كهذا كان ولا بد أن يقود أصحابه للهمس بأن الرب قد مات، ومع ذلك فأصحاب هذا التاريخ لم ينتجوا الدراما اليهودية مطلقاً . لماذا؟! لأنهم قالوا : ما دام الشيطان مازال حياً فلا بد من إحياء الرب ، وهذا الإحياء سيكون في المسيا (= المسيح اليهودى) غير أنه سيحيا بواسطة الشعب (المختار) وهذا الشعب ينبغى ألا يختلط بـ (أو يندمج مع) الغير، بل عليه أن يعيش في الجيتو (منعزلاً بحاله) حتى ولو أصبح هذا الجيتو دولةً (=اسرائيل)!
هذا الإنكفاء على الذات ربما يفسر غياب المسرح الشعري لدى اليهود (رغم تاريخهم الروحى الأليم) بقدر ما يفسر استقرارُ المصريين (بعد تنميطهم) غيابَ هذا المسرح . وبعيداً عن هاتين الحالتين فإن الإلهة فلسفياً مرتبطة بحياة الإنسان، وإذا كان للآلهة أن تتكلم، فعليها أيضاً أن تستمع.. إلى ماذا؟ إلى كلمة الإنسان الحر، وهذه الكلمة إنما تجد تعبيرها الأمثل في المسرح الشعري. لأن الموت هو التجربة الإنسانية العظمى التي ترفع الإنسان إلى مرتبة يكون فيها نداً للآلهة (وبالطبع للحكام المتأهلين) ولأن اللذة هي الإبنة الشرعية للخطر، فإن الأخطار الروحية والسياسية الناجمة عن مثل هذا التفكير لخليقة بخلق الفن الحقيقى (والفن خلق دون شك) بيد أن المصريين لم يواجهوا في تاريخهم الطويل مثل هذه التجربة الروحية والفكرية. صحيح أنهم عانوا طويلاً بسبب طغيان الحكام، إلا أن المعاناة الجسدية شئ، والعذاب الروحى شئ آخر. وغياب العذاب الروحى هذا عن قوم من الأقوام لا جرم يحيلهم إلى أنماط، يعيشون (لا يحيون) ويموتون في النهاية موتهم الفيزيقى، إنما الأسوأ أنهم يموتون أثناء العيش موتاً فلسفياً من حيث كونهم منفيين عن الحياة الحقيقية .. حياة الخطر*
***
تختلف حياة الأغريق في نمط إنتاجهم عن النمط المصري القديم والنمط اليهودى، نتيجة لندرة الأنهار في موطنهم الأول – على جانبى بحر إيجة – ولكثرة السلاسل الجبلية انحصرت الزراعة في مناطق محدودة اعتماداً على مياه الأمطار، واضطر الهلينيون الأوائل إلى خوض حروب عديدة بالضد على جيرانهم لأجل العيش ، وصار الاعتماد على التجارة والصناعات اليدوية (جنين البرجوازية) هو النمط السائد في الإنتاج، فكان طبيعياً أن ينعكس هذا النمط على البنية الفوقية super structure بهيئة تقديس الطبيعة أولاً ثم التمرد عليها بتقديس الإنسان المنتصر إدراكاً بأن هذا الإنسان هو من خلق الآلهةَ على صورته وليس العكس. ومع الوقت غدت المدينة Police (وهي تعنى تنظيم وإدارة المجتمع) هي مصدر الحماية للفرد. فكان ضرورياً أن تؤله هذه المدينةُ دون أن يتخلى الفرد عن مشاعره المتمردة الطبيعية الموروثة. وبين التقديس والتمرد ولدت النزعة الدرامية تعبيراً عن الصراع الكامن بين طبيعة الفرد وثقافة الجماعة.
(كتب الشاعر آيسخيلوس Aeschylus الثلاثية المعروفة بالأوريستية : أجا منون – حاملات القرابين – ربات الرحمة، عام 458 ق.م، عرض في الأولى لعودة أجا منون منتصراً في حرب طروادة حيث قتلته امرأته كليتمنسترا غدراً بالاشتراك مع أخيه أوجست. وفي المسرحية الثانية يقوم أوريست الأبن بتحريض من شقيقته إلكترا بالانتقام للأب بقتل العم أوجست و.. أمهما نفسها! وفي المسرحية الثالثة تنعقد محاكمة أمام معبد أبوللو حيث لجأ إليه أوريست فراراً من ربات العذاب المطالبات بقتله جزاء جريمته البشعة ألا وهي قتل الأم. ولكن ربة الحكمة أثينا تنحاز إلى أوريست فينجو من العقاب).
ولأن الأسرة كانت نواة المدنية والصورة المصغرة لوحدتها، فإنها تسعى لابتلاع الفرد, وتطويعه لصالحها، بيد أن للفرد مطامح أخرى، إنه يطالب بحرية اتخاذ القرار لحساب ما يراه عدلاً وحقاً، فمن الذي يعبر عن هذا الصراع الثقافي العنيف غير المسرح الشعري بقدرته على عرض الرأي والرأي الآخر ، استغفر الله، بل المصير والمصير المضاد بكل ما يتضمنه هذا الصراع من عواطف جياشة، ومخأوف عنيفة، ودمار روحى متوقع لأحد الطرفين حال حسم الصراع. ذلك ما كان بالنسبة لآسخيلوس، أما سوفكلس Sphocles الشاعر الأكثر جرأة فلقد مد إصبعه يريد أن يفقأ عين قانون المدينة ذاته، القانون المقدس الذي لا يسمح مطلقاً بإقامة شعائر الدفن لمن يستعدى الأغراب بالضد على وطنه. وهو قانون يبدو عادلاً تماماً للوهلة الأولى . لكن ما القول فيما إذا اصطدم هذا القانون (الثقافة المكتسبة) بقانون طبيعى ينبض به قلب المرء؟!
]في عام 440 ق.م كتب سوفكلس ثلاثيته : الملك أوديب – أوديب في كولونا – أنتيجون. انتصر فيها للثقافة بأن جعل أوديب يعاقب نفسه بفقء عينيه على جريمته البشعة: قتل الأب ومضاجعة الأم كزوجة، ولكنه يعود إلى تبرئته في القسم الثاني حيث ترفعه الآلهة إلى مصافها . فالأبوان الحقيقيان هما من يربيان، وليس مجرد والدين بيولوجيين كالقطط والكلاب، وماكان نبذ لايوس وجوكستا لطفلهما وهو بعد رضيع في المهد – خوفاً من نبوءة قاسية – إلا نوعاً من الضلوع في تنفيذ النبوءة. وآية ذلك أن أوديب الشاب حينما التقى لايوس واشتجر معه، قتله كغريب دون أن يعرف أنه أبوه، وكذلك حينما زوَجّته المدينة بالملكة الأرملة جوكاستا لم يكن يدرى أنه يمارس زنا الأقارب . Incest . وفي هذه المسرحية يبدو التمفصل Articulation واضحاً بين الطبيعة والثقافة فعقاب أوديب جرى نتيجة جهله بنداء الدم الموروث، وتبرئته أتت بمثابة احتجاج على ثقافة المجتمع المستخفة بشروط التربية الصحيحة.
أما المسرحية الثالثة أنتيجون فتمثل الإدانة الصريحة لثقافة الدولة – المدينة - ، تلك التي وإن حققت النظام واستبعدت الفوضى إلا أنها لم تنجح في تحقيق الحرية والسعادة للأفراد، فلقد كانت الواجبات الملقاة على عاتق الفرد أكبر بكثير من حقوقهم الطبيعية . لقد تصارع إبنا أوديب أتيوكل وبولينيس على السلطة بعد عزل الأب، فصار الاتفاق على أن يتولى كل منهما العرش عاماً ويتركه عاماً. غير أن أتيوكل رفض تسليم شقيقه السلطة فاستعان بولينيس بجيش من الأجانب كى ينال حقه، فكان أن قُتل الأخوان في المعركة . حينئذ تسلم خالهما كريون العرش، مصدراً قراره)القانون( بدفن الوطنى أتيوكل وتكريمه، مع إلقاء جثة بولينيس في العراء لتنهش لحمها الغربان والوحوش. عندئذ تقوم الأخت أنتيجون بخرق هذا القانون فدفنت شقيقها استجابة لنداء الدم. فما كان من كريون إلا أن أصدر قراره بإعدامها مضطراً، فالقانون هو القانون. وتنتهي المسرحية بانتحار هيمون ابن كريون حزناً على ابنة عمتـه )وحبيبته الوقت نفسه( ، بعدها تنتحر أمه حزناً عليه ليغرق كريون ممثل القانون والثقافة في ظلام الحسرة والندم[.
***
ذلك هو المسرح الشعري الذي أبدعه الإغريق في ظروف اتسمت بطابع الصراع بين الحرية والنظام، أو قل بين الطبيعة والثقافة، وهو صراع إن دل على شئ فإنما يدل على حيوية بالغة اتسم بها الطرفان، الفرد القادر على ممارسة النقد، والمجتمع ببنيته المفتوحة التي لا تخشى السقوط حين تجابه بمن ينقدها.
فأين هذا من المسرح الفرعوني، إن كان ثمة مسرح فرعونى؟! لقد حسم النظام المصري القديم أمره منذ بداية تأسيس الدولة المركزية مع مطلع الألف الثانية قبل الميلاد: لا يوجد أفراد! الدولة هي الكل ، والفرد تُرس يدور في آلتها، حسبه أن يطعم ويلبس ويتناسل. لم تعتمد الدولة في تحقيق هذه الاستراتيجية على القمع وحده، بل لجأت إلى ما هو أمضى وأعمق أثراً : الدين بما هو ثقافة شمولية من المهد إلى اللحد. ولسنا بحاجة إلى تكرار القول بأن في الشمولية طمساً للروح الفردية ونزعات المبادأة.
لقد وُضع المصريون القدماء، وظهورهم إلى حائط صخرى لا يمكن اختراقه، أمام سهل ضيق )مثل الوادى بين الصحرأوين الشرقية والغربية( سهل يعبر عن نمط الإنتاج الوحيد المحقق للاستقرار وللنظام، وحتى حين تعرضت البلاد لعصر كامل من الفوضـى من عـام 2270 إلى 2100 ق.م )وتسمى بالفترة المتوسطة الأولى تحت حكم الأسرات من السابعة إلى العاشرة( لم يتمكن الشعر من بلوغ مرحلة الدراما، فالمسرح الشعري ليس نتاج الفوضى، بل هو تعبير جَدْلى Dailectic عن الصراع بين الحرية والنظام. ويؤكد هذا المعنى أن الأشكال البدائية للشعر الدرامى لم تظهر إلا في وقت متأخر جداً من عصر الدولة الحديثة التي تدأولتها الأسرات من الثامنـة عشر )1550 ق.م (إلى نهايـة العصر الفرعوني بدخول قمبيز الفارسى مصر فاتحاً عام 525 ق.م. وفي عصر هذه الدولة الحديثة عثر على "نص منقوش في ضريح سيتى الأول )1309 – 1291 ق.م(في أبيدوس يتضمن بعض ردود في حوار مسرحى شبيه بالنصوص الدرامية..." ويضيف إتيين دريتون إلى هذا النص بعض نصوص أخرى وجدت في كتاب "فتح الفم" ضمن شعائر دفن الموتى مشابهة لما عثر عليه في بردية الرامسين التي نشرها البروفسير كورت زيته Sethe عام 1928 بعنوان "نصوص درامية في الطقوس الدينية المصرية القديمة".
ومع ذلك فإن من يسلم بإنتماء مثل هذه النصوص إلى "هامش" المسرح الشعري، لا يملك إلا أن يربط ما بينها وبين ما حدث من إصلاح دينى في عهد أخناتون ) 1367- 1350 ق.م ( وما تلاه من تفكك "نسبى" في النسيج الثقافي الضاغظ بطبعه، ولسوف يوافق بالتإلى على ما ذهب إليه ثروت عكاشة ) في مقدمته الوافية لكتاب دريتون( قائلاً بذكاء "ويلاحظ في هذه الحوارات جميعاً أنها تتنافي وقـواعد التطابق والتـرابط الملازمة لأي حدث درامى حتى وإن كان بدائياً"1 وألا يكفي أن هذه الحوارات الشعائرية كانت تتم بمعزل عن الجمهور كى نخرجها من السياق الدرامى، الذي يعد في أهم وظائفه حواراً بين الشعب وثقافته؟
وعند هذه النقطة الأخيرة يمكننا أن نلاحظ الشبه القوى بين غياب المسرح الشعري وبين عزلة العلم Science الذي صادرته لنفسها الانتلجنسيا Intellegentsia الفرعونية وكلها كانت من الكهنة وبعض الأمراء والوزراء . فماذا فعل هؤلاء بالعلم والأدب تطبيقاً لاستراتيجيتهم الثقافية؟ لقد احتكروا العلم بما هو تجريد عقلى، والأدب بما هو تجسيد سياسى جمإلى ، ليتسنى لمؤسسة الحكم )الفـرعون( الاستئثار بمصدر القوة power )المعرفة ( مضافاً إلى القوة المادية الجيش والشرطة والجهاز البيروقراطى( غير مبقين للشعب من دور – عدا أداء الطقوس الدينية الغامضة – إلا العمل كأدوات للإنتاج تجدد نفسها بالتناسل البيولوجى، فكان أبناء الشعب إذا تعلم أحدهم فـ... لكى يؤهل للعمل موظفاً بالأرشيف أو كاتباً بالحسابات أو ملاحظاً للعمال .
لقد حاول دريتون – جاهداً- بأن يؤكد وجود مسرح مصرى فرعونى، فراح يحاج بوجود نوعين من النصوص الدرامية، الأول للخاصة يعرض لقيم الثقافة العليا الحاكمة، وهذا ما لا شأن به للجمهور، أما الثاني فهو "المسرحيات" التي سمح بها أن تمثل أمام الناس. ونحن نعترف أننا بذلنا جهداً فوق الطاقة لكى نستنتج أية قيمة درامـية مـن تلك النصوص المشار إليها فلم نطمئن إلا إلى نص وحيد بعنوان "عودة سيت" ويتفق وجود هذا النص مع نظريتنا حول عزلة الانتلجنسيا الفرعونية عن الشعب. فالنص المشار إليه لم يكتب ولم يصرح بعرضه على الجماهير إلى لأسباب سياسية طارئة، قصد الرمز بـ (سيت) – إله الشر- إلى الغازى الفارسى قمبيز محطم المعابد وقاتل العجل المقدس آبيس ومحرق الموميأوات ومحطم القبور . كان النص إذن بمثابة تحريض سياسى للشعب أن يثور بالضد على المحتل الأجنبى – وهذا شأن وطنى لا غبار عليه – لولا أن الزمن كان قد دار دورته، وأصبح من المحال أن تستعيد الطبقة الحاكمة عرشها وامتيازاتها الطبقية، بل وأصبح من المحال أن تتجدد الحضارة الفرعونية ذاتها، فلقد بلغ بها الكبر مبلغ الشيخوخة وصار عليها أن تموت. ولأن الثقافة العليا لهذه الحضارة ظلت حكراً على الانتلجنسيا، دون أن تلتحم قط بعالم الجماهير، فلقد كان طبيعياً أن يجرى عليها ما نسميه بالقطيعة الثقافية Culutral break . وطوال الألف العام التالية للغزو القمبيزى تقلبت على مصر الغزاة من فرس وإغريق ورومان، حتى إذا جاء الفتح الإسلامي 641 ميلادي لم يجد الفاتحون صعوبة في تعريب المصريين، ولم يجد المصريون صعوبة في تقبلهم وقد جاءوهم بدين توحيدي يذكرهم بالتوحيد الاخناتوني الموءود ، كما ذكرتهم المسيحية القادمة إليهم من فلسطين بالثالوث المقدس أوزير – إيزيس – حورس.
لكن الدين ، وإن كان مهداً للدراما الشعرية، إلا أنه ليس كافياً لتنشئتها وتربيتها حتى تبلغ مرحلة الرشد والاستقلال ولهذا القول تفصيل، سوف نرتب له مبحثاً خاصاً، ولكن ليس قبل مساءلة العصر الإغريقى، ثم الرومانى، مثلما جرت مساءلة العصر الفرعوني عن أسباب غياب المسرح الشعري عن هذا البلد المركزى في الحضارات القديمة .. مصر.








كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,471,322,513
- قراءة تجريبية في دراسات المسرح الشعري - الفصل الأول
- الطريق إلى المسرح الشعري - مقدمة منهجية
- * الكتابة على سِفْر الاختيار
- * المدخلُ إلى علم الإهانة
- *قراءة سوسيولوجية للوحة العشاء الأخير- شفرة دافنشي الأخرى
- *الحرية بين العلم والدين والفلسفة
- المسرح الشعري ..الغايات والوسائل
- مكابدات الحداثة في المسرح الشعري
- الطابع المزدوج للثقافتين الأوروبية والعربية
- 2 البلطة والسنبلة .. التراث الفرعوني ومساءلة الأساس
- لا أنت غيثٌ ولا القومُ يستنكرون الظمأ - قصيدة
- البلطة والسنبلة.. إطلالة على تحولات المصريين1
- مشروع الإسلام السياسي وثقافة الأساطير


المزيد.....




- مصادر حزبية.. العثماني لم يفاتح أحدا في موضوع التعديل الحكوم ...
- شاهد كيف سرقت مترجمة لغة الإشارة الأضواء من مغني الراب
- جلالة الملك يتسلم كتابا حول الجهود الملكية لتحديث القوات الم ...
- 42 حفلا فنيا في مهرجان القلعة الـ 28 بالقاهرة
- محمد يعقوب يفوز ببردة شاعر عكاظ لهذا العام
- الإمارات تنعي كاتبها وشاعرها
- منشور ماكرون باللغة الروسية يثير غضب السياسيين
- ندوة لمناقشة ديوان -سيعود من بلد بعيد-
- فيل نيفيل يدعو لمقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي بعد تعرض بوغب ...
- بين الدراما الملحمية والكوميديا السوداء.. أربعة أفلام روائي ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهدي بندق - مسرح شعري في مصر الفرعونية ؟!-الفصل الثاني