أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جواد البشيتي - قصَّة الْخَلْق















المزيد.....



قصَّة الْخَلْق


جواد البشيتي
الحوار المتمدن-العدد: 1611 - 2006 / 7 / 14 - 10:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في "النسخة الفلسفية" مِنْ "قصَّة الخَلْق"، لن يكون "مِنْ أين جاء الكون؟" هو السؤال الصحيح، فهذا السؤال إنَّما هو "مِنْ أين جاءت المادة؟"، فـ "الكون"، بكل ما يشتمل عليه مِنْ مجرَّات ونجوم وكواكب وأجسام وجسيمات وقوى، وغير ذلك، لا يَعْدِل "المادة"، وإنَّما يَعْدِل، جزءاً، فحسب، مِنْ وجودها.

أعْلمُ أنَّ هذا "السؤال الصحيح" يقوم على "فرضية خاطئة"، علمياً وفلسفياً، هي فرضية "أنَّ المادة جاءت.."؛ وكل ما يجيء يذهب؛ وكل ما يجيء ويذهب ليس بالسرمدي. ولكن دعونا نبدأ بها، فكَمْ مِنْ فرضية خاطئة أفضت، في البحث العلمي المنطلق منها، إلى ما يدحضها، ويقيم الدليل، بالتالي، على صواب نقيضها!

"الخَلْق" إنَّما هو خَلْق "المادة" مِنَ "العدم"، أو تحويل "العدم" إلى "وجود"، على يديِّ "قوَّة غير مادية"، فـ "الخَلْق" ليس له مِنْ معنى إلا إذا سلَّمْنا، أوَّلاً، بالفكرة الآتية: كان "الخالِق" ولم يكن شيء، فـ "الخالِق" كان قَبْلَ "الخَلْق"، وقَبْلَ "المخلوق". وإذا كان مِنْ معنى لعبارة "كان العدم ولم يكن مِنْ وجود للمادة" فيمكننا أنْ نقول: "كان الخالِق، وكان العدم". ثمَّ أراد "الخالِق" خَلْق "المادة" مِنَ "العدم"، فخُلِقتْ.

في "المنطق" ليس إلا، لا يمكننا أنْ نقول إنَّ "س" جاءت، أو انبثقت، مِنْ "ص" إلا إذا أقمنا الدليل، أوَّلاً، على وجود "ص"، فقَبْلَ وجود "س" لا بدَّ مِن وجود "ص"، ولا بدَّ، بالتالي، مِن أنْ نتمكَّن مِن إثبات وجود "ص".

قياساً على ذلك، ينبغي لنا، قَبْلَ القول بخَلْق "المادة" مِنَ "العدم"، أنْ نقيم الدليل على أنَّ "العدم" كان قَبْل "المادة" و"الوجود"، فأين هو الدليل "المنطقي" على أنَّ "العدم" كان قَبْل "المادة" حتى نقول بمجيء "المادة" مِنَ "العدم"؟!

لا تَقُلْ لي إنَّ دليلي هو أنَّ كل شيء "ينشأ"، ثمَّ "يزول"، وأنَّ هذا "الشيء" الذي تدعونه "المادة" قد "نشأ" هو أيضاً، ولا بدَّ له، بالتالي، مِن أنْ "يزول". لا تَقُلْ ذلك؛ لأنَّ ما نراه مِنْ "نشوء" و"زوال" لـ "الأشياء" لا يقيم الدليل على أنَّ "الشيء" ينشأ مِنْ "لا شيء"، أي مِنَ "العدم"، كما لا يقيم الدليل على أنَّ "الشيء" بزواله يذهب إلى "العدم". ما نراه إنَّما يؤكِّد "التحوُّل المادي" ليس إلا، فكل شيء ينشأ مِنْ شيء (أو أشياء) وكل شيء يتحوَّل، في زواله، إلى شيء آخر (أو أشياء أخرى).

كل شيء ينشأ، وكل شيء يزول؛ ولكن "المادة" ليست بـ "الشيء المحدَّد الملموس" حتى ينشأ ويزول، فهذا الذي ينشأ ثمَّ يزول إنَّما هو شكل مِنْ أشكال لا عدَّ لها ولا حصر لـ "المادة"، التي هي "ثابت التغيُّر"، فبَعْد كل زوال تبقى "المادة"، أي يبقى هذا "الجوهر"، الذي لم ينشأ حتى نقول بزواله.

في الفيزياء، التي لم تتطهر بَعْد مِن "الميتافيزيقيا"، نرى كثيراً من النظريات والتصوُّرات التي يحاول أصحابها الوصول إلى ما يسمُّونه "المادة الأوَّلية" حتى يصبح ممكناً القول بمجيئها مِنَ "العدم". إنَّهم، الآن، يعتقدون بوجود "المادة الأوَّلية" في جسيمات مثل "الإلكترون" و"الكوارك".

سوف يستنفدون الوقت والجهد لإثبات أنَّ "الإلكترون"، مثلاً، هو نوع من أنواع "المادة الأوَّلية"؛ ولكنَّ محاولتهم ستتمخَّض، أخيراً، عن نتائج تصيبهم بالخيبة والإحباط. ولسوف يقوِّض هذا الجسيم، أي "الإلكترون"، اعتقادهم بـ "المادة الأوَّلية" كما قوَّضته "الذرَّة" مِنْ قَبْل.

سوف يكتشفون الآتي: الإلكترون يتألَّف هو، أيضاً، مِنْ جسيمات ليست "أوَّلية".. يتألَّف مِنْ جسيمات، كلٍّ منها، أصغر منه، فالجزء لا يمكنه أنْ يكون أكبر مِنَ الكل. وكلٌّ منها موجودٌ (في داخل الإلكترون) بـ "مقدار". وكلٌّ منها في حركة دائمة، أي أنَّه ينتقل مِنْ موضع إلى موضع، ولو كان انتقاله هذا في شكل "اهتزاز". وكلٌّ منها يُرْسِل ويستقبل "مادة". وسيكتشفون أنَّ الإلكترون يتألَّف، أيضاً، مِن "فضاء"، أو "فراغ"، فهذا الجسيم، وكلُّ جسيم، لا يُوجَد إلا إذا كان مِنْ حوله فضاء، وفي داخله فضاء، يمكنه "التمدُّد"، ويمكنه "التقلُّص". قصارى القول، سوف يكتشفون أنَّ الجسيم الذي يعتقدون أنَّه جسيماً أوَّلياً ليس سوى "الذرَّة مصغَّرةً"!

"الذرَّة" لا تحتاج إلى "العدم"، تفسيراً لـ "وجودها"؛ ذلك لأنَّها جاءت مِن "اتِّحاد" جسيمات عدة، كالبروتون والنيوترون والإلكترون. أي لأنَّها "مُركَّب"، وليست بـ "مادة أوَّلية". أمَّا ما يسمُّونه بـ "الجسيم الأوَّلي"، كـ "الكوارك" و"الإلكترون"، فيحتاج، في معتقَدِهم الفيزيائي، أي في وهمهم الفيزيائي، إلى "العدم"، تفسيراً لـ "وجوده"، فإذا لم يأتِ "الجسيم الأوَّلي" إلى الوجود مِنْ خلال اتِّحاد "عناصر مادِّية"، فمِنْ أين، وكيف، أتى؟ إنَّهم، ومِنْ أجل الوصول إلى هذا السؤال الذي يسألون، يستمسكون بـ "المادة الأوَّلية"؛ وليس مِنْ جواب يملكون عن سؤالهم هذا سوى الجواب الآتي: لم يأتِ إلا مِنَ "العدم"!

جسيمهم الخرافي الميتافيزيقي هذا لا يتألَّف مِنْ شيء، ولكنَّه يَدْخُل في تكوين كل شيء. وهذا الجسيم "البسيط"، "غير المُركَّب"، لا بدَّ، في تصوُّرهم ومعتقدهم، مِنْ أنْ يكون قد انبثق مِنْ "لا شيء"، أي مِنَ "العدم"!

هل يزول؟ جوابهم: أجل يزول، فـ "الإلكترون" ومضاده "البوزيترون"، مثلاً، يمكن أنْ يفني كلاهما الآخر. وهذا "الفناء المادي" معناه عندهم هو تحوُّل الجسيمان الأوَّليان المتضادان إلى "طاقة خالصة"، أي إلى "فوتونات"، يمكن أنْ تنشأ منها جسيمات أوَّلية متضادة، مثل "الإلكترون" و"البوزيترون".

نظرية "البيضة والدجاجة"!

وهكذا تنشأ "الجسيمات الأوَّلية المتضادة" مِنْ "طاقة خالصة"، أي مِنْ "فوتونات"، وتتحوَّل "الفوتونات" إلى "جسيمات أوَّلية متضادة". هذه هي نظرية "الدجاجة والبيضة"، التي بها يُفسِّرون، أيضاً، "الجسيمات المُركَّبة المتضادة"، كـ "البروتون"، وضده "البروتون السالب"، الذي يتألَّف كلاهما مِنْ ثلاثة أنواع مِنَ "الكواركات"، فعندما يفني كلاهما الآخر تنشأ "طاقة خالصة"، يمكنها التحوُّل إلى "جسيمات أوَّلية (أو مُركَّبة) متضادة".

على أنَّ نظرية "الدجاجة والبيضة" لا تحلُّ، في حدِّ ذاتها، مشكلة "مِنْ أين جاءت المادة؟"، فهذه النظرية يمكنها أنْ تُخْبِرنا بتحوُّل "الطاقة الخالصة"، أي "الفوتونات"، إلى "جسيمات متضادة أوَّلية أو مُركَّبة"، وبتحوُّل هذه الجسيمات عبر فنائها المتبادل إلى "طاقة خالصة"؛ ولكنَّها لا تُجِيب عن سؤال "مِنْ أين جاءت الدجاجة والبيضة معاً؟".

لقد أجابوا عن السؤال، ولكن ليس في طريقة فيزيائية، وإنَّما في طريقة ميتافيزيقية، وإنْ ألبسوا إجابتهم مفردات وعبارات فيزيائية.

بحسب إجابتهم، كان الـ "Big Bang" هو "القوَّة" التي خلقت "البيضة والدجاجة معاً"، ففي "نقطة مفردة"، تَعْدِل "العدم" في خواصِّها، وقع "الانفجار الكبير"، فخُلِقَ إذ وقع كل شيء. خُلِقَ به، وبفضله، الزمان والفضاء والقوى.. لقد خُلِقَ "كل شيء" مِنْ "لا شيء". وهذا "الخَلْقُ" تسمح به، حسب زعمهم، "ميكانيكا الكم".

هُمْ، أوَّلاً، اخترعوا "المادة الأوَّلية"، أو "الجسيم الأوَّلي". ثمَّ قالوا بتحوُّله إلى "طاقة خالصة"، وبتحوُّل هذه "الطاقة الخالصة" إليه. ثمَّ قالوا بانبثاق "الكون"، الذي يفهمونه على أنَّه "كل العالم المادي"، مِنْ "بيضة العدم"، أي مِنْ تلك "النقطة المفردة"، الميتافيزيقية الخواص والماهية. أمَّا هذا "الخالق الجديد، الذي خَلَقَ "كل شيء" مِنْ هذا الـ "لا شيء" المسمَّى "النقطة المفردة"، فدعوه "الانفجار الكبير" Big Bang. هنا تقاطعت قصة "الخَلْق التوراتية" القديمة والشهيرة مع نظرية الـ "Big Bang" في الخَلْق، فـ "المادة" Matter "نشأت" مِنَ "العدم"، ولسوف تعود إلى "العدم"، فـ "الزوال" إنَّما هو العاقبة الحتمية لـ "النشوء".

"المادة"، مهما كان شكلها أو نوعها، ومهما كان حجمها، يجب، ويجب، أنْ تكون "مُركَّبة"، فـ "البسيط" لا وجود له في العالم المادي، الذي ليس فيه مِنَ "النشوء"، أو "الزوال"، إلا ما يؤكِّد "التحوُّل"، فلا شيء ينشأ مِنْ لا شيء، ولا شيء ينتهي إلى "العدم".

معنى ذلك، أنَّ "السلسلة المادِّية" لا نهاية لها، فـ "الكوارك"، مثلاً، يجب أنْ يكون "مُركَّباً"، أي مؤلَّفاً مِنْ "جسيمات"؛ وكل جسيم من هذه الجسيمات، يجب أنْ يكون هو، أيضاً، مؤلَّفاً مِنْ جسيمات.. وليس لهذه السلسلة مِنْ نهاية.

و"العالم المادي" إنَّما هو قصة "نشوء" و"زوال" أشياء لا عدَّ لها ولا حصر؛ ولكن ليس مِنْ معنى لـ "النشوء" و"الزوال" غير معنى "التحوُّل المادي"، فأين هو هذا "الشيء" الذي نشأ مِنَ "العدم"، أو الذي بزواله عاد إلى "العدم"، حتى نقول بفكرة "الْخَلْق مِنَ العدم"؟!

سلِّموا بـ "الحقيقة"، التي ترونها بالعين والعقل، والتي تُؤكِّد ذاتها بذاتها دائماً.. سلِّموا بـ "حقيقة" أنَّ "المادة مُركَّبة"، وأنَّ "التحوُّل المادي" هو كل معنى "النشوء" و"الزوال". سلِّموا بها؛ لأنَّ "العِلْم" لم يأتِ قط، ولن يأتي أبداً، إلا بما يقيم الدليل على صدق ذلك.

حجَّة "النظام" في الكون

ولكن، هل انتهت وتقوَّضت كل حججهم؟ كلاَّ، لم تنتهِ ولم تتقوَّض بعد، فهناك "أحجية"، أو "حجَّة"، ما يسمُّونه "النظام الدقيق والمُحْكَم" للكون.

قبل اكتشاف قانون "القصور الذاتي"، كانوا ينظرون، في دهشة وحيرة، إلى حركة الكواكب في السماء، فحركتها كانت "مستمرة"، و"منتظَمة"، أي أنَّ حركة الكوكب لا تتوقَّف، لا تزيد، ولا تنقص، ولا تتغيَّر في الاتِّجاه.

تملَّكتهم الدهشة والحيرة؛ لأنَّهم كانوا يرون أنَّ "الكرة" المتحرِّكة على "سطح مستوٍ" لا تظلُّ تتحرَّك إلى الأبد، فحركتها تقلُّ شيئاً فشيئاً حتى تتوقَّف تماماً. فإذا أردتَ أنْ تستمر "الكرة" في حركتها فعليكَ أنْ تدفعها بين الفينة والفينة.

قياساً على ذلك، قالوا بضرورة وجود "قوَّة ميتافيزيقية" تعمل، في استمرار، على بقاء الكواكب في هذا النمط مِنَ الحركة، أي في حركة دائمة لا تتوقَّف، ومنتظَمة، وغير متغيِّرة الاتِّجاه.

هذه "الأحجية" ما عادت بـ "الأحجية" إذ اكتشفنا قانون "القصور الذاتي"، فالكوكب، الذي لا يتعرَّض لتأثير قوَّة، كـ "قوَّة الاحتكاك" بين "الكرة" و"السطح المستوي"، يظل يتحرَّك، إلى الأبد، بالسرعة ذاتها، وفي الاتِّجاه ذاته، أي أنَّ "قصوره الذاتي"، وليس تلك "القوَّة الميتافيزيقية"، هو الذي يبقيه في هذا النمط مِنَ الحركة.

ماذا بقي مِنْ هذه "الحجة"؟ بقي آخر بقاياها، وهو "الدفعة الأولى"، فهُم قد يوافقون على هذا التأثير لقانون "القصور الذاتي"، ولكنهم سيستمسكون بـ "الدفعة الأولى"، فثمَّة "قوة ميتافيزيقية" قامت بـ "دفع" الكوكب "الساكن"، ثمَّ تولَّى قانون "القصور الذاتي" إنجاز "بقية المهمة"!

وأحسب أنَّ "السوبر نوفا"، مثلاً، يدحض آخر بقايا تلك "الحجة"، فـ "سحابة الهيدروجين الضخمة" يستحيل وجودها إذا لم تكن "الجاذبية" Gravity جزءاً لا يتجزأ منه.

لنتَّفق، أوَّلاً، على هذه "المقدِّمة" التي لا غنى عنها، فإذا هُم أثبتوا لنا أنَّ هذه "السحابة" ممكنة الوجود مِنْ دون "الجاذبية" فإننا، عندئذٍ، نسلِّم بأنَّ "القانون الطبيعي"، أو "النظام الطبيعي"، مثل قانون "الجاذبية"، قد أُدْخِلَ إدخالاً في "العالم المادي".

وبعد الاتِّفاق على أنَّ "سحابة الهيدروجين" و"قانون الجاذبية" هما "شيءٌ واحد"، نقول إنَّ الجاذبية تقوم بتركيز "المادة" في "السحابة"، وإنَّ هذا التركيز، أو التقليص المستمر والمتزايد لحجم "المادة" في "السحابة"، ثمَّ في "النجم العملاق" المنبثق منها، هو الذي يُهيئ أسباب "الانفجار"، الذي بـ "قوَّته"، وليس بـ "قوَّة الدفعة الأولى الخفية"، تُقْذَف أشلاء وشظايا الطبقة الخارجية لـ "النجم العملاق" بعيداً في الفضاء. كل شظية مِنْ تلك، أكانت كبيرة أم صغيرة، تستمر، بفضل قانون "القصور الذاتي"، في الحركة، بالسرعة ذاتها، وفي الاتِّجاه ذاته، إلا إذا تأثَّرت بقوَّة خارجية.

"المادة"، أو "الطبيعة"، الخالية، أو المُفْرَغة، مِنَ "القانون"، أو "النظام"، لم تُوجَد قط، ولن تُوجَد أبداً. إنَّ "سلك النحاس" يتمدَّد بالحرارة. وكذلك سائر "المعادن". وهذه "الظاهرة الفيزيائية" كشفت وأكَّدت وجود وعمل "قانون فيزيائي أو طبيعي موضوعي" هو قانون "التمدُّد الحراري للمعادن". فهل كان ممكناً تَصَوُّر وجود "سلك مِنَ النحاس" قَبْلَ أنْ تُدْخِل "قوَّة خارجية ميتافيزيقية" هذا "القانون"، أو "النظام"، فيه، وفي "المعادن" على وجه العموم؟!

قديمأً، كانوا ينسبون الظاهرة الطبيعية كلها إلى "الروح"، أي إلى "قوَّة ميتافيزيقية خالِقة خارقة"، فحيث يعجز "العِلْم" عن التعليل والتفسير تتولَّى "الخرافة" المهمة، فتحل "العلَّة المثالية" محل "العلَّة المادية". الآن، لا يجرؤن على ذلك، فـ "العِلْم" اكتشف "القانون الطبيعي الموضوعي" للظاهرة الطبيعية التي حيَّرتهم، وبَسَطَ "أسبابها"، التي يكفي أنْ تجتمع حتى تتكرَّر الظاهرة ذاتها.

على أنَّ نجاح "العِلْم" في التعليل والتفسير، وفي الإمساك بمزيدٍ مِنَ "القوانين الطبيعية الموضوعية"، لم يَسْتَنْفِدَ، بَعْد، قدرتهم على تطوير "العلَّة المثالية"، فهُمْ، في موقفهم من "القانون الفيزيائي الموضوعي"، يوافقون، على سبيل المثال، على أنَّ "الحرارة" تُنْتِج "التمدُّد" في "المعادن"، ولكنَّهم يبتنون "جسراً مثالياً" بين ذاك "السبب المادي"، أي "الحرارة"، وهذه "النتيجة المادية"، أي "التمدُّد" في "المعدن"، فـ "الحرارة"، في "المعادن"، ما كان لها أنْ تُنْتِج "التمدُّد" إلا بفضل تلك "الإرادة الميتافيزيقية العليا"، فـ "الروح" يجب أنْ تظل مقيمة في عمق "القانون الطبيعي"!

وهكذا يعيدون كتابة "القانون الطبيعي" في طريقة ميتافيزيقية، فيقولون، مثلاً، إنَّ "الإرادة الميتافيزيقية العليا" هي التي سمحت لـ "الحرارة"، في "المعادن"، بأنْ تُنْتِج "تمدُّداً!

وعليه، يتحدُّونكَ على أنْ تُجيب عن سؤالهم الساذج الآتي: لماذا هذه "الحرارة" تُنْتِج، في "المعادن"، "تمدُّداً"، ولا تُنْتِج، مثلاً، "صوصاً"؟!

أمَّا لو أنتجت "صوصاً"، لجاء سؤالهم الساذج الفاسد على النحو الآتي: لماذا أنتجت "صوصاً" ولم تُنْتِج، مثلاً، "تمدُّداً"؟!

لو كان لهم "مصلحة" في "التصالُح" مع "الموضوعية" في التفكير، والنظر إلى الأمور، لأدركوا أنَّ "التمدُّد الحراري" هو مِنَ "الخواص الجوهرية" للمعادن، وليس ممكناً، بالتالي، أنْ يُوجَد أي شيء إلا ومعه، وفيه، "خواصُّه الجوهرية"، فالمعدن الذي لا يتمدَّد بالحرارة لا وجود له.

يمكننا أنْ نشرح "كيف" تؤدِّي "الحرارة" إلى "تمدُّد المعدن"؛ ولكن ليس مِنَ العِلْم في شيء أنْ نسأل عن السبب الذي يجعل "الحرارة" تُنْتِج "تمدُّداً" في المعادن، فليس مِنْ جواب عن هذا السؤال الساذج، وأمثاله، سوى الآتي: "لأنَّ هذا هو طبيعة الشيء"، فالمعدن طبيعته أنْ يتمدَّد بالحرارة.

في "القانون الطبيعي"، نرى أنَّ "اجتماع الأسباب ذاتها" يؤدِّي، حتماً ودائماً، إلى "النتيجة ذاتها"، على أنْ نفهم "اجتماع الأسباب ذاتها" على أنَّه اجتماع للأسباب ذاتها، في جانبيها "النوعي" و"الكمِّي". قد نرى اجتماعاً للأسباب، في مكان ما، أو في زمان ما، ولكننا لا نرى "النتيجة ذاتها"، فيحملنا ذلك على القول بانتفاء "القانون الطبيعي"، و"الحتمية الطبيعية". هنا ينبغي لنا أنْ نمعن النظر، فثمَّة "نقص في المقدِّمات".. نقص "نوعي"، أو "كمِّي"، أي أنَّ "الأسباب ذاتها" لم تجتمع وتتهيَّأ بالكامل، في جانبيها "النوعي" و"الكمِّي". إنَّ في "التكرار" يكمن "القانون"، فإذا ما "تكرَّرت" الظاهرة، أو النتيجة، الطبيعية ذاتها فهذا إنَّما يدلُّ على وجود وعمل "القانون الطبيعي".

كل "النظام" في "الكون" إنَّما يُفسَّر، أي يمكن ويجب أنْ يُفسَّر، بـ "قانون موضوعي"، هو جزء لا يتجزأ مِنَ "المادة". فهل مِنْ "نظام" في "الكون" يمكن أنْ يشذَّ عن هذه القاعدة حتى نتساءل في استغراب ودهشة قائلين: "مِنْ أين جاء هذا النظام إلى الكون؟!".

"الكون" مُنَظَّم تنظيماً مُحكماً بـ "قوانينه الذاتية الموضوعية".. كان كذلك مِنَ "الأزل، وسيبقى كذلك إلى الأبد. "الفوضى" لم تَسُدْهُ حتى نخترع "قوَّة خارجية ميتافيزيقية"، نَنْسِب إليها فضل "تنظيمه"!

وما نراه "نظاماً" في هذا الجانب أو ذاك مِنْ] جوانب الكون إنَّما هو "ظاهرة مؤقَّتة" مهما طال عُمْرها، فـ "القمر"، مثلاً، بينه وبين "الأرض" مسافة معيَّنة، ويدور حولها بسرعة معيَّنة.. هو في هذه الحال، تقريباً، منذ ملايين السنين. هذا يدعونا إلى السؤال عن "سرِّ" هذا النظام الدقيق المُحْكَم؛ ثمَّ "افتراض" وجود "قوَّة خارجية ميتافيزيقية"، يعود إليها الفضل في "خَلْقِ" هذا "النظام" واستمراره. ولكن هذا "المشهد" لن يستمر إلى الأبد، فالقمر، بعد ملايين السنين، لن يبقى في مداره حول "الكوكب الأرضي"، أي أنَّ هذا "النظام" الذي أدهشنا وحيَّرنا لن يدوم طويلاً. سيصبح "قمرنا"، بعد ملايين السنين، في "نظام جديد"، فانتهاء "النظام القديم" لا يعني أبداً حلول "الفوضى"، وإنَّما حلول "نظام جديد".

ونحن في حديثنا عن "مظاهر النظام والتنظيم" في الكون لا نضرب صفحاً عن حقيقة أنَّ في الكون مظاهر مِنَ "الفوضى" و"المصادفة"، ولكننا نفهم هذه المظاهر فهماً "نسبياً"، فكل ظاهرة نَنْظُر إليها على أنَّها نُتاج "فوضى"، أو "مصادفة" إنَّما هي، في الوقت نفسه، نُتاج "قوَّة الضرورة الطبيعية"، فلو أنَّ "أسبابها الموضوعية" لم تجتمع وتتهيأ لما قامت لها قائمة.

هذه "الشجرة" كان لا بدَّ لها مِنْ أنْ تطرح ثمارها؛ لأنَّ "الأسباب الموضوعية" لطرحها ثمارها قد اجتمعت وتهيَّأت. ولكن، هبَّت، على حين غرة، ريح عاتية، فاقتلعت الشجرة مِنْ جذورها.

هذا "الحادث المباغت" نفسِّره بـ "الفوضى" و"المصادفة"، وليس في هذا التفسير مِنْ "خطأ" ما دام يَعْدِل "نصف الحقيقة" فحسب، ففي نصفها الآخر، يمكننا وينبغي لنا، أنْ نرى "الضرورة"، و"القانون"، و"النظام"، في هبوب تلك الريح، التي لو لم تجتمع وتتهيأ "أسباب" هبوبها لما هبَّت.

ليس مِنْ شيء في الكون حَدَثَ إلا وكان حدوثه ضرورة وحتمية، فأين هو هذا الشيء الذي حَدَثَ وكان حدوثه مخالفاً لـ "قانون طبيعي"، أو لم تجتمع وتتهيأ بَعْد "أسباب" حدوثه؟!

حُدوث الشيء إنَّما هو في حدِّ ذاته خير دليل على وجود وعمل "القانون الطبيعي الموضوعي"، وعلى أنَّ "أسباب" حدوثه قد "اكتملت"، فـ "الواقع" إنَّما ينطوي على "الضرورة الطبيعية"!

حجَّة "لغز الحياة"

في "الكائن الحيِّ"، وخواصِّه، تكمن "حُججٌ" أخرى، فالفرق الجوهري بين "المادة الحيَّة" و"المادة غير الحيَّة"، يحمل على الاعتقاد بضرورة وجود "القوَّة الخارجية الميتافيزيقية".

في هذه "الحُجج" يقولون إنَّ في الكائنات الحيَّة، وفي الإنسان على وجه الخصوص، مِنَ الخواص والصفات ما يقيم الدليل على أنَّ "المادة الحيَّة" لا يمكن أنْ تكون قد جاءت مِنَ "المادة غير الحيَّة"، فبين "الحجر" و"الحياة" هوَّة سحيقة يستحيل اجتيازها إلا بـ "قوَّة خارجية ميتافيزيقية"، أي أنَّ "الطين" يمكن أنْ تُدْخَل فيه "الحياة"، و"الوعي (في مثال "الإنسان")"، بفضل تلك "القوَّة" فحسب.

وهكذا، فهموا "الحياة" على أنَّها "مادة طينية" أُدْخِلَ فيها، عَبْرَ تلك "القوَّة"، "جوهر لا مادي"، فمنحها كل تلك الخواص والصفات التي أحدثت هذا "الفرق الجوهري" بين "المادة الحيَّة" و"المادة غير الحيَّة".

قصارى قولهم هو إنَّ "المادة الحيَّة" و"المادة غير الحيَّة" نقيضان، ولا يمكن، بحسب فهمهم للعلاقة بين "النقيضين"، أو "الضدين"، أنْ تتحوَّل "المادة غير الحيَّة"، مِنْ داخلها، وبقواها الذاتية، وبقوَّة الضرورة الطبيعية، إلى "مادة حيَّة".

هذا القول إنَّما يعكس خللاً في طريقة التفكير والنظر إلى الأشياء وتطورها، فنحن لو فهمنا "التطور"، الذي لا ينكره إلا كل مَنْ له مصلحة في محاربة البديهيات، على أنَّه "تحوُّل الشيء (كل شيء) إلى نقيضه (في الخواص والصفات..)" لما فسَّرنا هذا "الفرق الجوهري" بين "المادة الحيَّة" و"المادة غير الحيَّة" في تلك الطريقة الميتافيزيقية.

إنَّ "التضاد" في الخواص والصفات بين شيئين هو خير دليل على أنَّ كلاهما ينبثق مِنَ الآخر، ويتحوَّل إليه، فـ "المادة غير الحيَّة" يمكن ويجب أنْ تتحوَّل إلى نقيضها (في الخواص والصفات) وهو "المادة الحيَّة".

بين "الشيء" و"نقيضه" هوَّة، وهوَّة سحيقة. وهذه الهوَّة، كما كل هوَّة، لا يمكن اجتيازها إلا بـ "قفزة واحدة لا غير". وهذه "القفزة"، في التطور في العالم المادي، هي "الطفرة (أو القفزة) النوعية".. هي "التحوُّل النوعي". وهذا "التحوَّل النوعي" إنَّما هو "تحوُّل الشيء إلى نقيضه".

لدينا "مادة" تتألَّف مِنْ مقادير مِنْ غازي الأوكسجين والهيدروجين. أُنْظروا إلى خصائص هذا "الخليط المادي". إنَّه خليط مِنْ مواد قابلة للاشتعال. الآن، تهيأت "أسباب" تحوُّل هذا الشيء (أي الخليط الغازي) إلى نقيضه، وهو "مُركَّب الماء". أُنْظروا إلى هذا "النقيض". إنَّه شيء لا يشتعل، غير قابل للاشتعال، وفي مقدوره أنْ يُطفئ النار. أليس بين هذا الشيء ونقيضه "هوَّة سحيقة"؟! أليس بينهما هذا التضاد الجليِّ في الخواص والصفات؟! أليس هذا التضاد مُماثِلٌ، نسبياً، لذاك التضاد بين "المادة الحيَّة" و"المادة غير الحيَّة"؟!

مثال آخر هو "الفوتون". فهذا الجسيم ليس له شحنة كهربائية، ولكنَّه هو "واسطة نقل" القوى الكهرومغناطيسية!

في منطق التطور، يمكن (ويجب إذا ما اجتمعت وتهيأت الأسباب الطبيعية) أنْ تتحوَّل "المادة غير الحيَّة"، أي جزء مِنْ هذه المادة، إلى "نقيضها (في الخواص والصفات)". فما هو هذا "النقيض" إذا لم يكن "المادة الحيَّة"؟!

"المادة"، في خاصِّية مِن خواصِّها الجوهرية، يجب أنْ تكون "مُرَكَّبَة"، فليس مِنْ شيء، ليس مِنْ جسم أو جسيم، لا مُكوِّنات له. كل شيء "مُرَكَّب". كل شيء له "مكوِّنات".

وعندما نتحدَّث عن "مكوِّنات" شيء ما يجب أنْ نتذكَّر، على الدوام، حقيقة في منتهى الأهمية، هي أنَّ "بعضاً مِنْ هذه المكوِّنات" لم نكتشفه، ولم نعرفه، بَعْد، فنحن، مثلاً، لم نكتشف، ولم نعرف، حتى الآن، إلا بعضاً مِنْ مكوِّنات الذرَّة.

وثمَّة حقيقة أُخرى لا تقل أهمية، وينبغي لنا أنْ نتمثَّلها، وإلا نضرب صفحاً عنها. وهذه الحقيقة هي أنَّ "خواص المركَّب"، وكل شيء "مركَّب"، تختلف، دائماً، عن "خواص مكوِّناته"، فـ "خواص مركَّب الماء"، مثلاً، تختلف عن "خواص مكوِّناته" مِنْ غازي الأوكسجين والهيدروجين.

إنَّ "المكوِّنات"، بخواصِّها المختلفة، تتفاعَل وتتَّحِد، لتَخْلِق "مركَّباً"، تختلف خواصُّه، تماماً، عن خواص مكوِّناته. وغني عن البيان أنَّ خواص المركَّب ليست حاصل جَمْعٍ لخواص مكوِّناته، فجَمْعُ خواص الأوكسجين والهيدروجين لا يعطينا خواص مركَّب الماء.

هذا هو، على وجه الدِّقة، "منطق التفاعُل"، فـ "التفاعُل" إنَّما هو القوَّة التي بها تُخْلَق "مركَّبات مادية"، لها خواص مختلفة تماماً عن خواص مكوِّناتها. وهذا "الاختلاف" يُظْهِر وجود ما يشبه "الهوَّة السحيقة" في الخواص النوعية بين "المركَّب" و"مكوِّناته".

"المادة الحيَّة" هي، أيضاً، "مركَّب مادي"، لا بد مِنْ أنْ يَظْهر فيه ما يشبه تلك "الهوَّة" بينه وبين مكوِّناته مِنْ كربون وأوكسجين وفسفور.. فمِنْ كل هذه العناصر أو المكوِّنات المادية غير الحيَّة يَنْتُج، عبر تفاعُلها، "مادة حيَّة".

إنَّ "الهوَّة السحيقة"، في "الخواص النوعية"، بين "المادة الحيَّة" و"مكوِّناتها مِنَ المادة غير الحيَّة" هي ذاتها، مِنْ حيث المبدأ، التي نراها، دائماً، بين كل "مركَّب مادي" و"مكوِّناته".

وفي "الخواص"، بقي أنْ نقول إنَّ بين "الشيء" و"خواصِّه" وحدة عضوية لا انفصام فيها، فـ "المادة الحيَّة" لا تُوجَد إلا ومعها، وفيها، خواصُّها الجوهرية. جَرِّد "المغناطيس" مِنْ "خواصِّه الجوهرية"، فهل يبقى مِنْ وجود للمغناطيس ذاته؟!

كذلك يكفي أنْ تُجرِّد "المادة الحيَّة" مِنْ خواصِّها الجوهرية حتى لا يبقى مِنْ وجود لهذه المادة.

في الاختلاف النوعي في الخواص بين مركَّب الماء ومكوِّناته ما قد يحملنا على الاعتقاد بأنَّ الماء لا يمكن أنْ يكون قد جاء مِنْ غازي الأوكسجين والهيدروجين. وعليه، نتصوَّر أنَّ الماء الذي لا أثر فيه لخواصِّه الجوهرية هو الذي خُلِقَ أوَّلاً مِنْ هذين الغازين، ثمَّ قامت "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" بإدخال هذه الخواص في ذلك الماء!

النظرة الـ "لا تاريخية"

بعد ذلك، أي عندما تَعْجَز "حُججهم" عن الإقناع، يتحدُّونكَ على أنْ "تَخْلِقَ" إنسان في مختبر!

في الردِّ نقول إنَّ "خَلْقَ" أي شيء (خَلَقَهُ التطور الطبيعي) في المختبر يستلزم، أوَّلاً، أنْ نستجمع، في المختبر، كل الأسباب الطبيعية والفيزيائية التي "خَلَقَت" ذلك الشيء (في الطبيعة).

وقَبْلَ، ومِنْ أجل، استجماعها، ينبغي لنا أنْ "نعرفها جيِّداً". على أنَّ الأهم أنْ ننظر إلى "الشيء" ونفهمه على أنَّه "ظاهرة تاريخية"، أي أنَّه ثمرة تطور طبيعي استغرق مِنَ الزمن ما استغرق، فكان له "ماضٍ"، ولسوف يكون له "مستقبل". وهذا الشيء، في حاضره، ليس هو ذاته في ماضيه، فـ "الإنسان" الآن ليس هو الإنسان قبل مئات الآلاف (أو الملايين) مِنَ السنين. الإنسان لم يُخْلَق كما يُخْلَقُ "المنزل" حتى نَخْلِقَهُ في المختبر، أو كما نَخْلِق المنزل.

إنَّه، في خواصِّه وصفاته التي هو فيها الآن، ثمرة تطور طبيعي استغرق ملايين السنين، فإذا كان "الشيء"، أي شيء، يمكن أنْ ينشأ ويتطور في غير بيئته الطبيعية، وفي غير زمانه ومكانه، فإنَّ خَلْقَهُ في المختبر يصبح ممكناً!

إنَّ عجز الإنسان عن أنْ يَخْلِق ما خَلَقَهُ التطور الطبيعي عبر ملايين ومليارات السنين لا يُبرِّر، ويجب إلا يُبرِّر، الاعتقاد بالمعجزات.

ردَّاً على ذلك، قد يقولون إنَّ الإنسان يستطيع أنْ "يَخْلِق" في المختبر "مُركَّب الماء" مثلاً.

هذا صحيح، فالإنسان لديه مِنَ العِلْم والمعرفة، ومِنَ الوسائل والأدوات والأساليب والتكنولوجيا، ما يسمح له بتحويل مقادير مِنْ غازي الأوكسجين والهيدروجين إلى مقدار مِنَ الماء، الذي هو ثمرة تطور طبيعي استغرق ملايين ومليارات السنين.

ولو امتلكَ الإنسان مِنَ العِلْم والمعرفة، ومن الوسائل والأدوات والتكنولوجيا، ما يسمح له بتحويل "مقادير معيَّنة" مِنْ "مواد (غير حيَّة) معيَّنة" إلى "مادة حيَّة" لفعل ذلك. ولكن هذا الكائن الحي المسمَّى "الإنسان" لم يأتِ، أو يتطور، مباشَرة مِنْ "مادة حيَّة بدائية مجهرية" حتى يتحدُّونا على خَلْقِهِ في المختبر!

لقد تطوَّر منها، أو مِنْ شبيه لها، ولكن عبر ملايين السنين. وهذه "المادة الحيَّة البدائية المجهرية" اجتازت مراحل عديدة مِنَ التطور قبل أنْ يصبح ممكناً ظهور الإنسان، الذي تطوَّر مباشَرة مِنْ كائن حيواني محدَّد. ثمَّ أنَّ تطور هذه المادة الحيَّة في اتِّجاه محدَّد قد خضع لتأثير عوامل طبيعية أرضية وكونية، ينبغي لنا إلا نضرب عنها صفحاً.

"الصنعة" و"الصانع"

بقي مِن حُجج "الْخَلْق الميتافيزيقي" حُجَّة "الصَنْعَة والصانع"، التي، في جوهرها أو عمقها الفلسفي، تقوم على فكرة أنَّ "اللا مادي"، أي هذا الذي مِنْ "ماهيَّة الفكر (أو الوعي)"، هو "الخالق"، دائماً، لـ "المادي"، أو "المادة".

هذه "الفكرة" إنَّما جاءت مِنْ تجربة البشر في "الخَلْق"، فـ "اللا مادي" في الإنسان، أي "الوعي"، وغيره مِنْ صُوَر "المثالي" فيه، هو الذي "يَخْلِق" الأشياء ضمن، وعَبْرَ، "المجتمع البشري"، فهذا "المنزل"، مثلاً، كان قَبْلَ "خَلْقِه" كامناً في عقل (وإرادة) الإنسان، أي كان "صُورة مثالية".

بحسب هذه التجربة البشرية في "الخَلْق"، وُجِدَت، أوَّلاً، "فكرة المنزل"، ثمَّ "خُلِقَ" المنزل على مثالها، فلولا عقل الإنسان وإرادته لما وُجِدَ هذا المنزل.

وهكذا فهموا "خَلْق الكون"، أو "العالم المادي"، كما فهموا "خَلْق منزل"، فقوَّة مِنْ طبيعة "لا مادية" هي التي "تَخْلِق" كل ما هو "مادي".

ولدحض هذه "الفكرة" لا نحتاج إلى أنْ نخرج مِنَ التجربة ذاتها، ففيها كل الأدلَّة على أنَّ المادة لا تُخْلَق مِنَ العدم، وعلى أنَّ هذا العنصر "اللا مادي"، كالعقل والإرادة، لا يستطيع، في حدِّ ذاته، أنْ "يَخْلِق" أي شيء، فهو، بخضوعه وتبعيته لـ "القوانين الموضوعية" في العالم المادي، وبمعونة "المادة" و"قواها"، "يَخْلِق" الأشياء، أي أنَّه يقوم بأعمال مِنْ قبيل "التركيب"، و"التفكيك"، و"التحويل"..

قُلْنا إنَّ فكرة "الصَنْعَة والصانع"، التي مؤدَّاها أنَّ لـ "كلِّ صَنْعَة صانعاً"، قد جاءت مِن "التجربة البشرية" في "الخَلْق"، أي في صُنْع الأشياء، كصُنْع "النجَّار" لـ "طاولة"، مثلاً. وأهمية هذه الفكرة في تشويه طريقة التفكير تشويهاً ميتافيزيقياً تكمن في كونها تُقْنِع الذهن البشري، في طريقة ساذجة، بـ "وجود الدليل" على "وجود القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة للكون"، فهُم في ذلك يقولون إنَّ "النسيج" يدلُّ على "النساج"، و"الرسم" على "الرسام"، و"النقش" على النقاش"، و"الطاولة" على "النجار".

الإنسان هو "حيوان صانع للأدوات". وهو الحيوان الوحيد الذي يصنع "أدوات". إنَّه، وبمعونة "قوى طبيعية مختلفة"، ومنها قواه الجسدية.. يده، مثلاً، وفي المقام الأوَّل، يصنع مِنْ "مواد الطبيعة المختلفة" أشياء مختلفة (المنزل مثلاً). هذا "الصُنْعُ"، أو "الخَلْقُ"، إنَّما يتمُّ في طريقة لا تدع مجالاً للشكِّ في أنَّ "المادة" لا تُخْلَق مِنَ "العدم"، ولا تفنى، أي لا "تتحوَّل" إلى "عدم"، وإنَّما تتحوَّل مِنْ شكل إلى آخر.

الإنسان جزء مِنْ تلك "القوى الطبيعية"، التي بـ "تفاعله" معها تُخْلَق "الطاولة"، وغيرها. أمَّا ما "يَخْلِقُ" الكواكب والنجوم والمجرَّات والذرَّات والجزيئات والبروتونات والإلكترونات.. فهو "قوى الطبيعة"، التي ليس مِنْ بينها "الإنسان وقواه".

بـ "تفاعُل" القوى الطبيعية تتحوَّل "المادة" مِنْ شكل إلى آخر، أي "تُخْلَقُ" الأشياء في الكون. وكل "قوى الطبيعة" إنَّما تؤكِّد، في عملها، وجود "القوَّة المادية السرمدية"، التي تقوم بـ "تركيز" أو "تشتيت" المادة. إنَّ "التفاعُل" بين مكوِّنات وقوى "السحابة الهيدروجينية" هو الذي يَخْلِقُ "النجم". وإنَّ "تفاعُلاً" بين مكوِّنات وقوى طبيعية أُخرى، من بينها الإنسان وقواه، هو الذي يَخْلِق "الطاولة الخشبية". والدماغ أو المخُّ البشري هو "المادة" التي بقواها يتفاعل الإنسان مع الطبيعة، تفاعُلاً مُنْتِجاً لأشياء كثيرة.

"المادة" في "جوهرها الروحي"!

القائلون بـ "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" لا يُخالِفونكَ الرأي في أنَّ الدماغ البشري هو "مادة"، ولكنَّهم يفهمونه، كما يفهمون "المادة" في وجه عام، أي أنَّهم ينظرون إليه على أنَّه "مادة خاملة"، لا يمكنها أنْ تقوم، تلقائياً أو مِنْ تلقاء نفسها، بالعمل الذي تقوم به، فهي ليست سوى "أداة مادية" في "يد لا مادية خفيَّة"، اسمها "الروح"، فالدماغ البشري ليس أكثر من "قفاز" تلبسه هذه اليد!

"الروح" هي التي تأمر هذه "المادة"، أي الدماغ البشري، فتُطيع وتُنفِّذ. تقول لها إفعلي هذا فتفعل، ولا تفعلي هذا فلا تفعل!

فإذا أنا عطِشْتُ، فشربتُ الماء، فإنَّ عملي هذا هو نتيجة "أمر" أصدَرَتْهُ "الروح"، التي اتَّخذت "الدماغ" وسيلة مادية لنقل "الأمر" إليَّ، فنَفَّذْتُهُ إذ تناولتُ كأس الماء وشربت!

الدماغ البشري، في تصوُّرهم هذا، إنَّما هو "مادة" عاجزة عجزاً مطلقاً عن أنْ تقوم بما تقوم به مِنْ عمل ونشاط مِنْ دون ذلك "الأمر" الذي يجيئها مِنْ تلك "القوَّة اللا مادية الخفيَّة" التي اسمها "الروح".

وهذا "العجز" إنَّما هو "الخاصِّية الجوهرية" لكل "مادة"، وليس لمادة الدماغ البشري فحسب، فلولا "روح أُخرى"، ولولا "الأمر" الذي تُصْدِر، لما كانت المعادن، مثلاً، تتمدَّد بالحرارة، فهناك "أمرٌ روحاني"، عملاً به، استطاعت "الحرارة" أنْ تكون "قوَّةً" يتمدَّد بها "المعدن"، الذي بامتثاله لـ "أمر روحاني" آخر تمدَّد إذ ارتفعت درجة حرارته!

هذا "النظام مِنَ الأوامر الروحانية"، الذي وِفْقه تعمل الطبيعة، إنَّما هو "قانون السببية" الذي خلقته "الروح"، أو تلك "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة للكون"، ثمَّ "غَرَسَتْهُ" في الطبيعة، في الكواكب والنجوم والمجرَّات والذرَّات والجزيئات والجسيمات..

وإذ "غَرَسَتْهُ" دبَّت الحياة في الطبيعة، فامتلكَ كل شيء خواصَّه وقواه، وشرع يؤثِّر ويتأثَّر بغيره مِنَ الأشياء. بفضل هذا "الإدخال" لـ "قانون السببية"، بعد خلْقِه، في الطبيعة صار ممكناً، مثلاً، أنْ يرتفع الحجر الذي قذفناه في الهواء، فيسقط بعد حين. صار متعذَّراً، مثلاً، أنْ يبقى هذا الحجر معلَّقاً، إلى الأبد، في الهواء!

كل "الخواص" و"القوى" في الطبيعة، والتي هي جزء لا يتجزأ منها، إنَّما أُدْخِلتْ فيها ادْخالا، فـ "الروح" خَلَقَت "قانون السببية"، ثمَّ قامت بادخاله في الطبيعة، أو المادة. لقد انتقلوا، في تفكيرهم غير السوي، مِن "التصوُّر المستحيل" إلى "التعليل الميتافيزيقي".

هُمْ، أوَّلاً، تصوَّروا "المادة" على أنَّها "شيء" عديم الخواص، والقوى، والقوانين. وهذا هو "التصوُّر المستحيل"، فكيف لي، مثلاً، أنْ أتصوَّر "وجود الشمس" قبل أنْ تُدْخِلَ فيها "الروح" الجاذبية، وقبل أنْ "تأمر" الروح نوى ذرَّات الهيدروحين، في الشمس، بأنْ تتفاعَل في طريقة تسمح بتكوُّن نوى ذرَّات الهيليوم، مع "حرارة" و"ضوء"؟!

كيف لي أنْ أتصوَّر وجود الإلكترون قبل أنْ يأتيه "أمر" الروح بالدوران حول النواة في الذرَّة؟! كيف لي أنْ أتصوَّر وجود مادة المغناطيس قبل أنْ يُجْعَل قطباها المتماثلان يتنافران؟! كيف لي أنْ أتصوَّر وجود مادة سائلة لم يُدْخَل فيها بَعْد "القانون" الذي اكتشفه آرخميدس؟! كيف لي أنْ أتصوَّر وجود شيء لا خواصَّ له، ولا قوى فيه؟!

هذه هي "المقدِّمة" في كل منطقهم. إنَّها مقدِّمة يقولون فيها: أوَّلاً، خُلِقَت "المادة" من "العدم"، الذي ليس في الطبيعة ما يدعو إلى افتراضه. وهذه "المادة" كانت عديمة الخواص والقوى والقوانين والنظام.. ثمَّ قامت "الروح"، أو "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" بخلق الخواص والقوى والقوانين والنظام.. ثمَّ قامت بإدخال كل هذه المخلوقات في ذاك المخلوق البدائي، أي "المادة". وهكذا قادهم ذاك "التصوُّر المستحيل" إلى هذا "التعليل أو التفسير الميتافيزيقي"!

أُنْظروا إلى أرسطو كيف شقَّ لهم طريقاً فلسفياً إلى "السبب الميتافيزيقي الأوَّل"، أو "العلَّة الأولى". قال أرسطو: الكرسي جاء مِنَ الخشب، والخشب جاء مِنَ الشجرة، والشجرة جاءت مِنَ..

رأى أرسطو أنْ لا نهاية لهذه "السلسلة" في الطبيعة، فأنهى البحث قائلاً بـ "ضرورة" أنْ ينتهي هذا "التسلسل" إلى "السبب الأوَّل"، أي السبب الذي لا سبب له، وإلى "المحرِّك الأوَّل"، أي المحرِّك الذي لا محرِّك له.

في سعيهم لتأكيد "الضرورة" التي أدْخَلَتْها "الروح"، أو "الروح العليا"، في الطبيعة والمادة يشنون حرباً لا هوادة فيها على "المصادفة"، التي هي، أيضاً، يفهمونها في طريقة ميتافيزيقية، فيقولون وكأنَّهم يأتون بحُجَّة مفحمة: لو ألْقَيْنا "حروف مطبعة" في الهواء، فلن تتمكَّن "قوَّة المصادفة" مِنْ تحويل هذه الحروف المبعثرة إلى قصيدة لشكسبير، فقبل أنْ تتحوَّل الحروف إلى قصيدة، ومِنْ أجل أنْ تتحوَّل، لا بدَّ مِنْ شاعر يقوم بهذا العمل.

في هذه الطريقة يفهمون "المادة" و"القوى" العاملة فيها، فالطبيعة، من حيث عجزها وقصورها الذاتيين، كحروف المطبعة التي ألْقَيْناها في الهواء، فعجزت عن التحوُّل، من تلقاء نفسها، إلى قصيدة لشكسبير. وليس في مقدور "قوى المصادفة" أنْ تقوم بما عجزت عن القيام به تلك الحروف.

هذا "العجز الثنائي" هو عجز مطلق، ولا حلَّ لمشكلته إلا بـ "الشاعر"، أي بـ "الروح العليا"، التي تُحوِّل "حروف المادة" إلى "قصائد"، أي إلى أشياء ذات خواص وقوى!

إذا عجز الإنسان عن "خلق شمس" سيقول: إذا أنا الذي لديَّ الروح عجزتُ، فهل في مقدور "الطبيعة" أنْ تَخْلِق مِنْ تلقاء نفسها "شمساً"؟! جوابه: كلا، ليس في مقدورها!

بعد هذا الجواب عن ذاك السؤال الفاسد، يقول مقرِّراً: لا بدَّ مِنْ "روح عليا" تَخْلِق "الشمس".. وكل الكون!

الروح

في الدين، "الروح" حقيقة لا ريب فيها، ولكن لا البشر، ولا حتى الأنبياء منهم، يعرفون، أو في مقدورهم أنْ يعرفوا، "ما هي الروح"، أي "ماهيتها"، فهي مِنْ أمر الخالِق وحده، أي أنَّ معرفتها ليست مِنَ المعارف التي يَسمح الخالِق للبشر بالوصول إليها.

على أنَّ إدراج "الروح" في عداد "الأسرار الإلهية" لم يحُل بين البشر وبين "السعي المعرفي" في تمييز "الكائن الذي فيه روح" مِنَ "الكائن الذي لا روح فيه"، أو الذي كانت فيه، ثمَّ غادرته.

فـ "الكائن الذي فيه روح" يجب أنْ يكون "كائناً حيَّاً"، ولكنَّهم لم ينتهوا، في سعيهم هذا، إلى "القول الفصل"، الذي فيه يقرِّون بوجود "الروح" في "كلِّ" كائن حي، أكان مِنَ "النبات" أم مِنَ "الحيوان"، فالقائلون بـ "الروح" في "الإنسان" لم يقولوا بوجودها في سائر الكائنات الحيَّة.

حتى "الجنين البشري" لا "تُوضَع" فيه "الروح"، بحسب بعض وجهات النظر الدينية، إلا بعد استنفاده "مرحلة ما قبل الروح" مِنْ تطوره في رحم أُمِّه.

إنَّ القائلين بوجود "الروح" لا يجرؤون على القول بوجودها في الكائنات الحيَّة الأقل تطوراً مِنَ البشر، فـ "الخالِق" بدأ خَلْقِه لـ "البشر" بخَلْق "الرجُل الأوَّل" مِنْ "طين"، ثمَّ "نَفَخَ فيه مِنْ روحه"، فتحوَّل مِنْ "جماد" إلى "كائن حي". أمَّا "المرأة الأولى" فلم تُخْلَق كما خُلِق "الرجل الأوَّل".

وبعد خَلْق "الرجل الأوَّل" و"المرأة الأولى"، بدأ التكاثر البشري، ولكنَّ "الروح" لا "يضعها" الخالِق في الجنين البشري إلا بعد انقضاء مرحلة، أو مراحل، مِنْ تطوره في رحم أُمِّه.

وهكذا يتألَّف "الإنسان" مِن عنصرين: عنصر مادي (طيني) وعنصر روحي. وهذا "العنصر الروحي" إنَّما أدْخَلَهُ "الخالِق" في "التمثال الطيني" إذ "نَفَخَ فيه مِنْ روحه"، أي مِنْ روح الخالِق ذاته، فشيء مِنْ "معدن" الخالِق دَخَلَ في "تكوين الإنسان"، فدبَّت "الحياة" في "الكائن الطيني".

ولكن، هل في الطريقة ذاتها دبَّت الحياة في سائر الكائنات الحيَّة.. في "الأميبا"، و"البعوضة"، و"النملة"، و"السمكة"، و"الخلية النباتية"، مثلاً؟!

مَنْ قال بوجود "الروح" في الإنسان إنَّما قال بذلك لاعتقاده بأنَّ الإنسان لا يمتُّ بصلة إلى غيره مِنَ الكائنات الحيَّة.

في "حواره مع صديقه المُلحِد"، يُميِّز مصطفى محمود "الروح" في الإنسان ممَّا يسمِّيه "النفس الحيوانية"، فيقول: "الإنسان له طبيعتان، الأولى مادية، تشمل الجسد، وطائفة مِنَ الانفعالات والعواطف والغرائز، وغير ذلك مِنْ مكوِّنات نفسه الحيوانية. أمَّا الثانية فروحيَّة. إنَّها الروح التي تشمل العقل، والضمير، والحسِّ الجمالي، والحسِّ الأخلاقي، وغير ذلك مِنَ الأنا أو الذات. والجسد، في علاقته بالروح، تابع وليس متبوعاً، مأمور وليس آمراً. الجسد هو الوجود الثانوي، والدليل على ذلك هو أنَّ شخصية الإنسان لا تتغيَّر إذا ما بُتِرت يده أو ساقه، أو إذا ما زُرِعت فيه كلية، فالإنسان ليس هذه الأعضاء، وإنَّما هو الروح التي تُدير الجسد بأعضائه كافة. والمخ ليس أكثر مِنْ قفاز تلبسه هذه اليد الخفية التي اسمها الروح. الموت إنَّما يُدْرِكُ الطبيعة الثانوية الزائلة، أي الجسد. أمَّا الطبيعة الجوهرية الحاكمة، أي الروح، فتخلد خلود عالمها الذي إليه تنتقل مِنَ الجسد عند الموت". وفي "تحضير الأرواح" يقول: "تحضيرها أمرٌ مشكوك فيه، فالذي يحضر في جلسات تحضير الأرواح ليس الروح وإنَّما القرين، الذي هو الجن الذي كان في صحبة الإنسان قبل موته. وهو بفضل هذه الصحبة يعرف أسراره. وهذا الجن يبقى بعد موت صاحبه، ويقلِّد صوته وسلوكه ليسخر مِنَ الموجودين، على عادة الجن في عدائهم للإنسان. أمَّا الأرواح البشرية فهي في عالم آخر هو عالم لبرزخ، ولا يمكن استحضارها. ولكنَّها قد تتصل بمن تحب في الحلم أو في اليقظة". وبعد كل هذا الشرح للروح وماهيتها وخواصها، يقول إنَّها لغز، وإنَّ أحداً لا يعلم عنها شيئاً، فهي مِنْ أمر الخالِق!

في "الروح" يكمن، في رأي مصطفى محمود، سرُّ بقاء شخصية الإنسان على ما هي عليه على الرغم مِنْ بتر عضو مِنْ أعضائه، أو زرع عضو في جسده.

لو قُطِع لسانه لقال لنا: "ألمْ أقُلْ لكم إنَّ شخصيتي لن تتغيَّر بقطع لساني، فهي مِنْ صُنْع الروح، والروح ليست لساني ولا أي عضو آخر مِنْ أعضاء جسدي؟!". أمَّا لو قُطِع رأسه فلن يقول شيئاً، ولن يسمعنا ونحن نقول له: "لقد فنيت روحكَ إذ قُطِع رأسكَ!".

"الروح" قد نُقِرُّ بوجودها إذا كانت "الريح" مِنْ معانيها. و"النَفْسُ" قد نُقِرُّ بوجودها إذا كان "النَفَسُ" مِن معانيها. إنَّ "النَفَسَ" هو الريح تَدْخُل في الحيِّ ذي الرئة، وتَخْرُج منه.

عند الموت، كان البشر يحاولون تمييز خواص الحيِّ مِنْ خواص الميِّت، فرأوا أنَّ "الحيَّ" يتنفس، أي تَدْخُل فيه الريح (الهواء) وتَخْرُج، مِنْ أنفه وفمه. أمَّا الموت فكان "التوقُّف عن التنفُّس" مِنْ أهم علاماته.

مِنْ هذه الظاهرة، ومِن حقيقة أنَّ "الريح (أو الهواء)" ليست بالشيء المرئي، أنشأوا مفهوم "الروح"، أو "النَفْس".

"الميِّت" قد نراه في المنام، نُحدِّثه ويُحدِّثنا. ومِنْ ذلك، أنشأوا مفهوم "الروح التي تبقى خالدة بعد موت صاحبها"، ومفهوم "ثنائية الجسد والروح"، فإذا كانت "الروح" لا تموت بموت صاحبها فإنَّ الجسد يفنى ويتحوَّل إلى "تراب".

وكان يكفي أنْ يروا الجسد يتحوَّل، بعد الموت، إلى "تراب" حتى يقولوا بـ "خَلْق الإنسان مِن طين". وهكذا نظروا إلى الجسد على أنَّه "آلة" تقوم "الروح" بتحريكها وإدارتها كيفما شاءت.

"الحياة" إنَّما هي "المادة الحيَّة". و"المادة الحيَّة" هي "امتداد"، وتَجاوز، في الوقت نفسه، لـ "المادة غير الحيَّة"، فبينهما خواص وصفات مشتركة، ولكنَّ لـ "المادة الحيَّة" مِنَ الخواص والصفات ما يميِّزها مِنَ "المادة غير الحيَّة".

و"المادة الحيَّة" درجات في "سُلَّم التطور"، فالإنسان غير البعوضة على ما بينهما مِنْ صفات وخواص مشتركة.

و"الوعي" إنَّما هو خاصِّية الدماغ البشري، التي تظلُّ كامنة، غير ظاهرة، حتى يستوفي "الوعي" شرطه الاجتماعي، فـ "الوعي" هو خاصِّية دماغ "الإنسان الاجتماعي".

إذا كانت "الروح" هي "الوعي"، فإنَّ "الوعي" لا يُوجَد، ولا تقوم له قائمة، مِنْ دون ثلاثة أشياء: "الدماغ البشري"، و"العالم المادي الخارجي"، أي كل ما يُؤثِّر في حواسِّنا مِنْ مادة، و"المجتمع".

قد يُحيِّرني مشهد "المغناطيس يَجذب إليه برادة مِنَ الحديد بقوَّة غير مرئية"، فأتصوَّر خَلْقاً لهذا المعدن (المغناطيس) مشابهاً لـ "خلق الإنسان". قد أتصوَّر أنَّ المغناطيس خُلِقَ مِنْ "معدن يخلو مِنْ خاصِّية الجذب"، ثم قامت "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" بإدخال هذه الخاصِّية فيه، فدبَّت فيه "المغناطيسية".

هذا التصوُّر إنَّما ينبثق مِنْ "خَلَلٍ" في فَهْم العلاقة بين "الشيء" و"خواصِّه". إنَّ الشيء المجرَّد مِنْ خواصه لا وجود له، وإنَّ الخواص المجرَّدة مِنْ شيئها لا وجود لها، فالمغناطيس المجرَّد مِنَ المغناطيسية لا وجود له، والمغناطيسية المجرَّدة مِنَ المغناطيس لا وجود لها.

لـ "المادة الحيَّة" خواصها الجوهرية التي تشترك فيها كل الكائنات الحيَّة، أكانت نباتية أم حيوانية. ولكنَّ هذا "التماثُل" في الخواص، يرتبط عضوياً بـ "الاختلاف" فيها، فالكائنات الحيَّة درجات في "سُلَّم التطور".

"أبجدية" المادة

إذا كانت العالم المادي يشبه "كلاماً"، بعضه "نثر"، وبعضه "شِعر"، فلا بدَّ مِنْ أنْ تكون له "أبجديته"، التي هي "جسيمات". وإذا كانت له "أبجدية" فلا بدَّ مِنْ أنْ ننظر إلى كل حرف منها على أنَّه "لغة" لها هي، أيضاً، "أبجديتها". ولن نصل، أبداً، إلى "الأبجدية النهائية".

و"حروف المادة" ليست بـ "الحروف الميِّتة". ليست كمثل "حروف مطبعة" ألْقَيْناها في الهواء، فعجزت عن التحوُّل إلى قصيدة، وعجزت "قوى المصادفة" عن تحويلها إلى قصيدة.

إنَّها "حروف" "تَجْمعها" و"تُبعثِرها" القوَّة المادية السرمدية المتأصِّلة فيها، أي "قوَّة التركيز والتشتيت". إنَّها في تفاعُل دائم، وتملك في ذاتها كل قوى التفاعُل.. كل القوى التي عبرها تتبادل التأثير. فالمادة التي لا تملك في ذاتها قوى التفاعُل لا وجود لها. والقول بـ "روح" تُدْخِلُ في المادة تلك القوى إنَّما هو "فرضية" لا حاجة لها.

ليس في "العالم المادي" كله مِنْ جسم أو جسيم لا يتبادل التأثير مع غيره، أي لا يتفاعَل مع غيره، حتى "النيوترينو"، وهو جسيم متناهي في الصِغَر، سيُقيم الدليل، مستقبلاً، على أنَّه يؤثِّر ويتأثَّر بغيره مِنْ مكوِّنات المادة.

يترتَّب على ذلك أنَّ الكون لا يشبه، أبداً، "حروف مطبعة" ألْقيناها في الهواء، فهذا المثال إنَّما يجعلنا ننظر إلى "المادة" على أنَّها "حروف" عاجزة عن أنْ يؤثِّر بعضها في بعض، أي عاجزة عن أنْ تتجمَّع، مِنْ تلقاء نفسها، في "كلمات"، و"عبارات"، و"جُمَل".

الأجسام والجسيمات التي نراها منفصلة عن بعضها بعضاً في فضاء الكون، أو في فضاء الذرَّة، كانفصال الجُزُر في البحر، إنَّما هي في تفاعُل دائم، فعَبْرَ الفضاء الذي "يفصل" بينها، وبه، تتبادل المادة في استمرار، فليس مِنْ جسم أو جسيم إلا وفي داخله مِنَ "القوى" ما يجعله مُطْلِقاً أو مُمْتصَّاً لـ "مادة"، تحمل "التأثير المادي"، عَبْرَ الفضاء الذي "يفصله" عن غيره. وهذا "التأثير" إمَّا أنْ يشدَّه إلى غيره، فـ "تتركَّز" المادة، وإمَّا أنْ يُبْعِدَه عن غيره، فـ "تتشتت" المادة".

وفي هذه "الجدلية الدائمة" مِنْ "تركُّز" و"تشتُت" المادة، تتحوَّل "حروف" المادة" إلى "كلمات"، و"عبارات"، و"جُمَل"، أو تتفكَّك وتنحل "الكلمات"، و"العبارات"، و"الجُمَل"، متحوِّلةً، بالتالي، إلى "حروف"، أي إلى "البسيط" مِنَ "المادة"، ولكن ليس بالمعنى الميتافيزيقي لـ "البسيط"، فكل "بسيط" يشتمل على "المُركَّب"، وكل "مُركَّب" يشتمل على "البسيط".

وتبادُل التأثير، أو التفاعُل"، بين "حروف" المادة ليس دائماً بـ "المحسوس"، أو "الملحوظ". على أنَّ ذلك يجب ألا يحملنا على الاعتقاد بأنَّ التأثير المتبادل "معدوم"، فـ "غير المحسوس"، أو "غير الملحوظ"، مِنَ التفاعُل، هو، أيضاً، تفاعُل.

و"خواص" الجسم أو الجسيم إنَّما "يَظهر بعضها"، أو "يختفي"، بحسب بيئته الطبيعية (الفيزيائية). فبعض خواصِّه تَظهر في بيئة، ولكنَّها تختفي في بيئة أُخرى، فهناك، مثلاً، اختلاف في الخواص بين "النيوترون الحر" و"النيوترون في داخل نواة الذرَّة".

ويختلف التفاعُل (في قواه وتأثيراته ونتائجه) بين جسمين أو جسيمين بحسب اختلاف "المسافة الفضائية" الفاصلة بينهما، ففي "مسافة فضائية محدَّدة" تفصل بين "بروتونين" تنشط "القوَّة النووية الشديدة"، فإذا زادت هذه المسافة واتَّسعت تلاشى تأثير هذه القوَّة. ولكن هذا التلاشي لا يعني أنَّ هذين البروتونين قد توقَّفا عن التفاعُل وتبادُل التأثير، فضمن "المسافة الجديدة" لا بدَّ لقوى أُخرى مِنْ أنْ تنشط.

وهكذا نفهم الطبيعة على أنَّها العلاقة الجدلية الدائمة بين "الخالِق (الطبيعي)" و"المخلوق (الطبيعي)"، ففي الطبيعة، كلُّ خالِق مخلوق، وكل مخلوق خالِق.

ليس في الوجود كله ما يصلح دليلاً على أنَّ "المادة" قد جاءت مِنَ "العدم"، ولا بدَّ لها مِنْ أنْ تعود إليه. وهذا يعني أنَّ "الوجود" ليس دليلاً على وجود، أو على ضرورة وجود، "المُوجِد الميتافيزيقي".

لو أنَّنا رأينا في "زوال" الشيء ما يؤكِّد "معنى العدم" في هذا "الزوال"، لسلَّمْنا بأنَّ هذا الذي انتقل إلى "العدم" إذ "زال" لا بدَّ له مِنْ أنْ يكون قد جاء مِنَ "العدم"، فـ "العدم"، وليس "الوجود"، هو، وحده، ما يصلح دليلاً على "المُوجِد الميتافيزيقي"، فأين هو هذا "العدم"؟!

كيف لي أنْ أقول بـ "العدم" بينما "الطبيعة" تقول لي، دائماً، في "مقدِّمتها الأولى والعظمى": لا شيء يأتي مِنَ العدم، ولا شيء يذهب إليه!

في الطبيعة، كل شيء خالِق ومخلوق في الوقت نفسه, وهذا الخالِق والمخلوق إنَّما هما "مادة خالصة". وعلى القائلين بوجود، أو بضرورة وجود، "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" أنْ يجيئونا بـ "العدم" دليلاً، فليس مِنْ دليلٍ سواه!

ما قَبْلَ "الْخَلْق"!

"الخَلْق" لا معنى له، ولا مبرِّر، إلا إذا فهمنا "مرحلة ما قَبْلَ الخَلْق" على النحو الآتي: كان "المُوجِد الميتافيزيقي"، أو "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة"، أو "الروح العليا السرمدية"، ولم يكن مِنْ وجود لـ "المادة". فكيف خُلِقَت، أو وُجِدت "المادة"؟ في كيفية مِنْ كيفيتين: أنْ "يتحوَّل" هذا "المثالي" ذاته، وبذاته، إلى "مادة". وهذا "التحوُّل" لا تُجيزه "الخاصِّية الجوهرية" لهذا "المثالي". والكيفية الثانية هي أنْ يَخْلِق هذا المثالي المادة مِنَ العدم.

وهكذا ينبغي لنا، قَبْل، ومِنْ أجل، القول بضرورة وجود "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" أنْ نُثْبِتَ أنَّ "المادة" قد جاءت، أو يمكن أنْ تجيء، مِنَ "العدم"، فمِنْ أجل ذاك "القول" لا بدَّ مِنْ هذا "الإثبات"!

الإنسان قد يكون هو "المُنْتَج المادي" الأكثر تطوراً ورقيَّاً، إذ فيه (وربَّما فيه وحده) وَعَت المادة ذاتها. ولكن هذا التطور والرقي لا يعني، ويجب ألا يعني، أنَّ في مقدور هذا الكائن المادي أنْ يَخْلِق كل شيء خَلَقَتْهُ، وتَخْلِقَهُ، "قوى الطبيعة"، فهو، على تطوُّره ورقيِّه، لن يتمكَّن، مثلاً، مِنْ أنْ يَخْلِق "نجماً"، أو "مجرَّة"، أو يُخْرِج كوكب "المشتري" عن مداره حول الشمس.

هذا "الكائن المادي" الأكثر تطوراً ورقيَّاً لا يستطيع أنْ يأتي بما تأتي به كائنات مادية أقل منه تطوراً ورقيَّاً كالنجوم والمجرَّات والثقوب السوداء..

غير أنَّ هذا "العجز الإنساني الطبيعي" لا يدعو، ويجب ألا يدعو، إلى اتِّخاذه دليلاً على وجود، أو على ضرورة وجود، "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة".

هناك شيء واحد تقوله "المادة"، دائماً، لـ "العقل".. إنَّها تقول له: إعْمَل بحسب تعليماتي (أي بحسب "القوانين الموضوعية") إذا ما أَرَدْتَ النجاح!

وهي في قولها هذا إنَّما تُخاطِب ذاتها؛ لأنَّها تُخاطِب "الدماغ" في الكائن البشري (الاجتماعي) الحي. فهذا "الدماغ" إنَّما هو جزء منها. و"المادة" بفضل هذا "الجزء" تعي ذاتها، وكأنَّ "الدرجة العليا في تطور المادة" هي أنْ تأتي "المادة"، أخيراً، بهذا "الشيء"، أي "الدماغ البشري"، الذي عَبْره تعي ذاتها.

في العقل (البشري) تنشأ وتتطور "الصُوَر المثالية"، وليس مِنْ "صورة"، أي ليس مِنْ "فكرة"، إلا ولها "أصل مادي"، فـ "الشيء" الذي لا وجود له البتَّة في "العالم المادي" يستحيل أنْ تُوجَد له "صورة" في العقل، الذي مهما أبدع مِنْ "صُوَر مثالية" فإنَّه لن يقدر أبداً أنْ يُبدع "صورة مثالية" لا أصل لها، أو لـ "عناصرها"، في "الواقع المادي".

إنَّكَ، ومهما أُوتيتَ مِنْ خصب وسعة الخيال، لن تستطيع أبداً تَخَيُّل أو تَصَوُّر "العدم"؛ لأنَّ "العدم" ليس بالشيء الذي له وجود في "العالم المادي". وهذا ما يُفسِّر انتفاء "معنى العدم" في كل النظريات والتصوُّرات التي تحدَّثوا فيها عن "العدم"، فما مِنْ "عدم" تحدَّثوا عنه إلا وتضمَّن شيئاً مِنْ "معنى المادة"!

ليس في كل الوجود مِنْ وجود إلا لـ "المادة"، التي في جزء منها، في منتهى الضآلة، ولكن في منتهى التطور والرقي، امتلكتْ خاصِّية "التفكير"، أي خاصِّية تصوير العالم المادي بصور ليست مادِّية في ماهيتها.

ولمَّا كانت "المادة" هي "المطلق" فإنَّكَ لا تستطيع أنْ "تُعَرِّفها" كما تُعرِّفَ كل شيء، فمِنْ مقوِّمات "التعريف" أنْ تَنْسِبَ "الخاص" إلى "العام"، فـ "الأوكسجين"، في تعريفه، هو "غاز"، و"شجرة البرتقال"، في تعريفها، هي "نبات"، و"الشمس"، في تعريفها، هي "نجم"..

تعريف "الفرد" إنَّما يبدأ بذِكْر "العائلة" التي ينتمي إليها، فإدراج "الخاص" في "العام" هو المبتدأ في كل "تعريف".

في غير هذا المعنى لـ "التعريف" يمكننا وينبغي لنا تعريف "المادة"، فيزيائياً وفلسفياً. وهذا "التعريف" الشاذ عن كل تعريف إنَّما هو اكتشاف ومعرفة مزيد مِنَ "الخواص الجوهرية" لـ "المادة"، ومزيد مِنْ "تركيبها".

مِنَ "العجز" إلى "المعجزات"!

طبيعة وخواص القوَّة، أو القوى، الميتافيزيقية (أو المثالية) الخالِقة اختلفت وتطوَّرت، عبر التاريخ، وبحسب اختلاف وتطور طبيعة وخواص المجتمع البشري (أو الجماعة البشرية) في جانبيِّ حياته، المادي والفكري.

وأحسب أنَّ هذه "القوَّة اللا مادية" الخالِقة، كانت في كل تبدُّل يطرأ على محتواها وشكلها، على طبيعتها وخواصِّها، "حلاًّ" لـ "مشكلة"، أو "مشكلات"، احتاج الناس إلى حلِّها، ولكنَّهم فشلوا، أو عجزوا، فـ "الاعتقاد بالمعجزات" هو ميل فكري نراه، دائماً، عند كل جماعة بشرية أصابها "العجز" عن حل مشكلة (مادية أو فكرية) كبرى، تحتاج إلى حلِّها، ولها مصلحة واقعية في حلِّها.

مِنْ هذا "العجز (النسبي)" كانت تُولَدُ، وتنمو، الحاجة إلى الاعتقاد بـ "معجزة ما"، وكانت تتحدَّد، بالتالي، طبيعة وخواص "القوَّة" التي يعتقد البشر أنَّها تأتي بما "يعجزون" عن الإتيان بمثله.

في صراع البشر، وفي صراع كل جماعة بشرية، مِنْ أجل البقاء، نشأت واشتدت الحاجة إلى "الحليف الميتافيزيقي"، الذي لديه مِنَ "القوى الخارقة" ما يسمح له بحمايتهم "غذائياً"، وبدرء المخاطر الطبيعية والاجتماعية عن "أمنهم الغذائي"، وما يسمح له، أيضاً، بحمايتهم مِنَ "الأعداء" في الطبيعة، كالوحوش، و"الأعداء" مِنَ البشر.

في هذا الصراع، نشأ وتطوَّر "الخوف مِن.. وعلى.."، الذي ينبغي لنا فهمه وتفسيره استناداً إلى "الحاجات والمصالح الواقعية الكبرى" لـ "الجماعة البشرية"، فـ "الخوف الإنساني الجماعي" إنَّما يتحدَّد، محتوى وشكلا، بتلك الحاجات والمصالح، التي، في علاقتها بـ "التاريخ" و"التطور التاريخي"، تشبه "قطرات ماء" في "نهر هيراقليطس" العظيم.

وهكذا تطوَّرت "القوى الميتافيزيقية الخالِقة"، عبر التاريخ، تطوُّراً يطابق، في محتواه وشكله، تطوُّر المجتمع البشري، فكانت "السماء" نسخة مِنَ "الأرض"!

ونحن لو دَرَسْنا وحَلَّلْنا "الخواص الكوزمولوجية الجوهرية" لـ "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة"، عبر التاريخ، لتوصَّلْنا إلى استنتاج أنَّ هذه "القوَّة" قد اجتازت في تطوُّرها التاريخي الكوزمولوجي طورين أساسيين: الطور الذي سادت فيه فكرة أنَّ "الأرض" هي "مركز الكون"، والطور الذي دُحِضَت فيه وانهارت هذه الفكرة.

في الطور الأوَّل، كانت صورة "الكون" مِنْ اختراع عقل إنساني جماعي، "طفولي" في معرفته، أي في ما يستوطنه مِنْ "حقائق" و"أوهام"، فـ "الأرض" هي، في حجمها، كل الكون تقريباً. هي "مركزه"، أو "محوره"، الذي حوله تدور السماء بكل ما فيها.

ومع أنَّ القول بـ "كروية" الأرض كان ممكناً لو أمعن البشر النظر في معاني "الأُفُق"، أي في معاني هذا الخط الدائري الذي يرى فيه المُشاهِد السماء كأنَّها ملتقية بالأرض، فإنَّ القول بـ "عدم كرويتها"، أي بـ "انبساطها"، ظلَّ هو السائد. حتى "البحر" نظروا إليه على أنَّه ليس بجزء مِنَ "الأرض"، التي كانت تَعْدِل، فحسب، اليابسة، بجبالها ووديانها..

أمَّا "السماء"، أو هذه "القُبَّة الزرقاء"، فهي هذا "الشيء" الذي يعلو "الأرض"، والذي فيه تُوْجَد (وتدور) الشمس والقمر وتلك النقاط المضيئة ليلاً، أي الكواكب والنجوم.

نفترض أنَّ البشر البدائيين كان لديهم مِنَ التجربة ما يمكِّنهم مِنْ معرفة الحقيقة الفيزيائية الآتية: كلَّما ابتعد الجسم عن عيوننا بدا لنا أصغر حجماً.

على أنَّ معرفة هذه الحقيقة ما كانت لتسمح لهم بالاعتقاد بأنَّ الشمس، في حجمها الواقعي الحقيقي، أكبر كثيراً مِنَ "الأرض"، التي كانوا يجهلون حجمها الحقيقي النهائي. ربَّما اعتقدوا أنَّ الشمس البعيدة في السماء هي في حجم جبل مثلاً. لقد فهموا "الشمس" على أنَّها "سراج كبير (في حجم جبل مثلاً)"، يزوِّدنا النور والحرارة، نهاراً. وفهموا "القمر" على أنَّه مصدر لنور بارد، يعتم نهاراً، ويضيء ليلاً. أمَّا "النجوم" فليس لها أهمية الشمس في حرارتها ونورها، ولا أهمية القمر في نوره. إنَّها في الليل، حيث تظهر، تشبه "الزينة"، فهي "نقاط مضيئة" في سماء ليلية يملؤها نور القمر. وإذا كان مِنْ "غاية" لوجودها فإنَّ إرشاد المسافر، ليلاً، إلى "الجهات الأربع" هو "الغاية".

لم يكن في مقدورهم أنْ يعتقدوا لا بـ "كروية" الأرض، ولا بـ "دورانها" حول محورها وحول الشمس، فـ "الشمس" مع سائر مكوِّنات "القُبَّة الزرقاء (نهاراً والسوداء ليلاً)" هي التي تدور.. إنَّها "تستيقظ" فنستيقظ معها، ثمَّ "تجري" في السماء النهارية، ثمَّ "تختفي"، أو تذهب إلى "النوم"، فننام معها!

في تلك "الكوزمولوجيا البدائية"، رأوا أنَّ هذا "السراج"، أي الشمس، يجيئهم مِنَ "المشرق"، ثم "يجري" في السماء، ثم يذهب إلى "المغرب"، مختفياً فيه حتى "الصباح". أمَّا "الأبعاد الكوزمولوجية للمكان" فكانت على النحو الآتي: "تحت" تُوْجَد "الأرض"، و"فوق" تُوْجَد "السماء"، التي "فيها"، أو "تحتها"، أو "فوقها"، تُوْجَد الشمس والقمر والكواكب والنجوم..

وبسبب "اختلاف مواقع" تلك "المكوِّنات" لـ "القُبَّة الزرقاء"، قالوا بـ "طبقية السماء"، فالسماء، سماوات، أو "طبقات"، متراكبة، يعلو بعضها بعضاً. وهكذا كان "الكون كله" يشبه "بناية" مؤلَّفة مِنْ "طابقين": "الأرض" و"السماء (أو السماوات)". و"بَيْن" هذين "الطابقين" تُوجَد "أشياء أُخرى"، مثل الشمس والقمر والكواكب والنجوم.. والشهب والنيازك، التي تشبه ألعاباً نارِّية حاروا في فهمها وتفسيرها.

ومِنْ "مركزية الأرض" اشتقُّوا "مركزية الإنسان"، فكل شيء في الأرض والسماء مُسخَّرٌ للبشر، فالكون كله لم يُخْلَق إلا لـ "غاية" هي "خدمة الإنسان".

غير أنَّ "الخَلْق" لم يكن ممكناً أنْ يبلغ مِنْ "تجريد الفكرة" ما بلغ الآن، فـ "كفَّة الملموس" كانت راجحة على "كفَّة المُجرَّد"، فقصصه القديمة خلت مِنْ فكرة "خَلْق المادة Matter مِنَ العدم Nothingness".

وهكذا جاء "الخَلْق"، في قصصه القديمة، مماثلاً لـ " مُثلَّث المهنة (أو "الحرفة")"، في أضلاعه الثلاثة، أي "القوَّة الخالِقة"، و"المخلوق"، و"الشيء" الذي منه خَلَقَت "القوَّة الخالِقة" كل "مخلوق".

هذه "القوَّة" امتلكت مِنْ "قوَّة الصفات والخواص الإنسانية" ما جعلها قادرة على الإتيان بما يعجز عنه البشر، فكانت "القدرة" التي جاء بها "العجز (النسبي)" للبشر مِنْ أجل مساعدتهم على التغلُّب عليه وتخطِّيه.

"الخَلْقُ" هذا لم يكن لـ "المادة"، وإنَّما لأشياء محدَّدة، مثل "الأرض"، و"الشمس"، و"القمر"، و"النجوم".. ومثل "الإنسان"، والحيوان"، والنبات"، و"الريح" و"المطر"..

تارةً، كان يُخْلَقُ هذا الشيء، أو ذاك، مِن "لا شيء"، وطوراً كان يُخْلَقُ مِنْ شيء، أو مِنْ أشياء، ولكن في طريقة ميتافيزيقية، وميكانيكية.

الإنسان ينشد، دائماً، معرفة الحقيقة.. حقيقة كل شيء، والحقيقة في كل شيء. بعض مِنَ "المعرفة" إنَّما يريده ويطلبه الإنسان "الاجتماعي" حُبَّاً بالمعرفة ليس إلا. وبعضه يعدُّ "شرط بقاء"، ووسيلة لتلبيته حاجة لا بدَّ له مِنْ تلبيتها، أو لخدمة مصلحة واقعية له.

و"المعرفة"، أكانت حُبَّاً بالمعرفة أم شرطاً لـ "التغيير الواقعي"، إنَّما هي، في المقام الأوَّل، "التفسير" و"التعليل"، فبَعْدَ معرفة "متى"، و"أين"، لا بدَّ مِنَ الانتقال، في الفكر والتجربة، في النظرية والممارَسة، إلى الـ "كيف"، والـ "لماذا"، أي لا بدَّ مِنْ معرفة "كيف" حَدَثَ هذا الذي حَدَث، و"لماذا" حَدَث. وهذه الـ "لماذا" درجات، أعلاها تلك التي تشقُّ للعقل طريقاً إلى "الجواب الأعمق"، فلسفياً وعِلْميَّاً، كمثل تلك الـ "لماذا" التي استخدمها نيوتن إذ نظر في ظاهرة "الجاذبية".

ليس مِنْ ظاهرة طبيعية عرفها البشر، أو كان لها تأثير قوي في حياتهم، إلا واجتهدوا في "تفسيرها" و"تعليلها". أُنظروا، مثلاً، إلى ظاهرة "هطل المطر". لقد عرفها البشر مُذْ وُجِدوا. ولقد كان لها، دائماً، تأثير قوي في وجودهم وحياتهم. وهذا التأثر دفعهم، دائماً، إلى السعي في معرفة هذه الظاهرة، ليس حُبَّاً بالمعرفة فحسب، وإنَّما مِنْ أجل بسط سلطانهم، قدر المستطاع، على هذه "القوَّة الطبيعية"، المفيدة والضارة في الوقت نفسه.

قديماً، كان مِنَ الصعوبة بمكان أنْ يفهم البشر "الغيم" في السماء، والذي منه يهطل المطر، على أنَّه نُتاج "التبخُّر"، فـ "بخار الماء"، الذي يصعدُ في السماء، والذي تُنْتِجُهُ حرارة الشمس عَبْرَ تأثيرها في مياه البحار والأنهر، هو "غاز غير مرئي". لقد تعذَّر عليهم، بالتالي، أنْ يفهموا "غيم السماء" على أنَّه، في مصادره وأُصوله، جزء مِنَ "المياه السطحية"، أي مياه البحار والأنهر، وغيرها.

رأوا "الغيم" يحتشد ويتجمَّع ويتحرَّك في السماء. ورأوه، في فصل الشتاء، يتحوَّل إلى "مطر". ولو سألْتَهم "مِنْ أين يأتي المطر؟"، لأجابوكَ على البديهة قائلين: "يأتي مِنَ الغيم في السماء".

أمَّا "الجزء الأهم" مِنَ "الجواب"، وهو أنَّ الغيم والمطر هما، في الأصل، جزء مِنْ مياه الأرض السطحية، قد صعد إلى السماء بَعْدَ، وبسبب، "التبخُّر"، فكان متعذِّراً.

كانوا يعرفون أنَّ "المطر" يأتي مِنَ "الغيم" الذي يتجمَّع ويتحرَّكَ في السماء. وكانوا يعرفون، أيضاً، أنَّ فصل الشتاء هو وقت سقوط الماء، أو المطر، مِنْ هذا الغيم، وأنَّ "الريح" هي التي تُحرِّك الغيم. ولكنَّهم كانون يجهلون "مَصْدَر" هذا الغيم، الذي يهمهم أمره كثيراً.

وهكذا حاروا في إجابة السؤال ألآتي: مِنْ أين يأتي هذا الغيم الذي يجيء بالمطر في فصل الشتاء؟ ومِنْ رحم هذا "السؤال العلمي" جاءت "الفرضية الميتافيزيقية" جواباً، فهذا الغيم تُرْسله "قوَّة ميتافيزيقية"، وتُرْسِل معه "الريح" لتحريكه، فإذا جاء فصل الشتاء قامت القوَّة ذاتها بحشده وتجميعه، ثمَّ قامت بتحويله إلى مياه، أي إلى مطر، لا بدَّ منه لاستمرار حياة البشر.

مِن عجزهم المعرفي لـ "البخار" و"التبخُّر" وُلِدَ اعتقادهم بهذه "المعجزة"، فالمطر "ظاهرة غيبية"، تُفسَّر على خير وجه تفسيراً ميتافيزيقياً. لقد خَلَقوا خالِقاً ميتافيزيقياً يَخْلِق لهم المطر، الذي فيه نفعٌ لهم وضرر. وتأسيساً على هذه "البرغماتية البدائية" خَلَقَوا قواعد وأصول وطقوس للعلاقة بينهم وبين هذا "الخالِق الميتافيزيقي" للمطر، أكان خيراً أم شرَّاً في تأثيره في حياتهم المادية.

وظلَّ البشر مستمسكين بهذه "الفرضية الميتافيزيقية" تفسيراً لظاهرة المطر، بخيرها وشرِّها النسبيين، حتى جاءتهم الفيزياء بتفسيرها، فوصَلَ ذاك "السؤال الفيزيائي" إلى "جوابه الفيزيائي"، فانتفت الحاجة إلى "التفسير الميتافيزيقي"، الذي يملأ، دائماً، "الفراغ" في كل "جواب"، أو "تفسير"، فيزيائي!

"الفساد" في "السؤال"

وليس "تاريخ المعرفة"، في معنى مِنْ معانيه، أو في جانب مِنْ جوانبه، سوى هذا الصراع الدائم بين "التفسير الفيزيائي" للظواهر الطبيعية و"التفسير الميتافيزيقي"، والذي فيه، وبه، تَرْجَحُ، في وجه عام، كفَّة التفسير الأوَّل على الثاني، فما فُسِّر، مِنْ قَبْل، تفسيراً ميتافيزيقياً، يمكن ويجب تفسيره، الآن، ومستقبلاً، تفسيراً فيزيائياً.

ونحن يكفي أنْ نفهم "المادة"، بتكوينها وخواصِّها وقوانينها، فهماً عِلْميَّاً موضوعياً حتى تنتفي الحاجة المعرفية لدينا إلى أي تفسير ميتافيزيقي. وهذا الفهم لن تقوم له قائمة إذا ما ظللنا مستمسكين بـ "الفاسد" مِنَ "السؤال"، كمثل سؤال "مِنْ أين جاءت المادة؟".

نقول بـ "فساد" هذا السؤال؛ لأنَّ "المادة" لم تجئ، ولن تذهب بالتالي، فكل شيء ينشأ ويزول، ولكن ليس ثمة مِنْ شيء ينشأ عن "لا شيء"، كما ليس مِنْ شيء يذهب، بزواله، إلى "العدم".

أمَّا إذا سألْتَ "مِن أين، وكيف، جاء الكون؟"، فهذا ليس بالسؤال "الفاسد"؛ لأنَّ الكون، على قِدَمهِ واتِّساعه وتنوُّع مكوِّناته، هو "المادة في أحد أشكال وجودها". وكل شكل مِنْ أشكال وجود المادة يجب أنْ يكون محدوداً في "الزمان" و"المكان".

"المادة" تُحدِّثكَ عن نفسها، وعن خواصِّها الجوهرية، في طريقة ينبغي لها أنْ تُقْنِعكَ بانتفاء الحاجة إلى كل "تفسير ميتافيزيقي" لظواهر الطبيعة (والمجتمع).

وعندما اكتشف الناس، بعض الناس، أنَّ لهم "مصلحة اجتماعية واقعية" في "الجواب الميتافيزيقي" قاموا بتوسيع نطاقه ليشمل، أيضاً، "الظواهر الاجتماعية"، فـ "الثواب" و"العقاب" يجب أنْ يكونا سماويين أيضاً، فالعمل بما يتَّفق مع "الجواب الاجتماعي الميتافيزيقي" يستلزم "الثواب السماوي"، بينما يستلزم العمل بما يخالفه "العقاب السماوي"!

المعرفة الحقَّة تبدأ، دائماً، بـ "السؤال الصحيح". هذا السؤال لن يظلَّ إلى الأبد بلا جواب (علمي) فالمتعذِّرة إجابته، اليوم، مِنَ الأسئلة، لا بدَّ مِنْ أنْ تصبح ممكنة غداً. والبشر كان لديهم، وسيبقى لديهم، مِنَ "الأسئلة" ما يزيد عن "الأجوبة"، التي بعضها يجيء بكثير مِنَ "الأسئلة الجديدة"، فالمعرفة لا تكون علمية وصحيحة إلا إذا أتت بمزيدٍ مِمَّا يمكن تسميته "الجهل السقراطي"، فلولا بلوغه الدرجة العليا مِنَ المعرفة في عصره لما قال سقراط: "كل ما أعرفه هو أنِّي لا أعرف شيئاً!".

إذا أرَدْتَ "الجواب الصحيح" فعليكَ أنْ تسألَ "السؤال الصحيح". وليس مِنْ "سؤال صحيح"، غير فاسد، لم يُجِبْهُ العِلْم، أو لن يتمكَّن، أبداً، مِنْ إجابته.

ولا شكَّ في أنَّ "التاريخية" في النظر إلى الأشياء والظواهر، وفي فهمها، هي مِنْ أهم شروط "السؤال الصحيح". فلو أنتَ، على سبيل المثال، نبذتَ "التاريخية" في النظر والفهم لتساءلتَ في دهشة واستغراب: كيف خَرَجَ هذا الرجل الضخم مِنْ رحم أُمِّه؟!

الاستمساك بهذه "التاريخية" تعصمكَ مِنْ هذا السؤال الفاسد وأمثاله؛ لأنَّها تُلْزِمكَ أنْ تنظر إلى كل شيء على أنَّه "ظاهرة تاريخية"، فالشيء، أي شيء، في ماضيه كان مختلفاً عمَّا هو في حاضره، ولسوف يختلف، في مستقبله، عمَّا كان في ماضيه، وعمَّا هو في حاضره.

هذا الرجل الضخم، في مثالنا، كان في ماضيه في حال تسمح له بأنْ يعيش زمناً في رحم أُمِّه، وبأنْ يخرُجَ منه مِنْ ثمَّ.

في "الطور الكوزمولوجي الحديث"، ما عادت "الأرض" بـ "مركز الكون"، وقد صٌوِّر الكون تصويراً يتناسب مع ما توصَّل إليه البشر مِنْ اكتشافات ومعارف فلكية وفيزيائية وكوزمولوجية. وبما يتَّفق مع هذه "الصورة الكونية الكوزمولوجية الجديدة" أُدْخِلَ كثير مِنَ التعديل والتغيير (بعضه كان "حَرْفيَّاً"، وبعضه كان "تفسيريَّاً") على "قصَّة الخَلْق"، فرجحت فيها "كفَّة المُجرَّد" على "كفَّة الملموس".

ويمكننا القول إنَّ "قصَّة الخَلْق الحديثة" هي مزيج مِنْ عناصر، بعضها مأخوذ مِنْ "قصَّة الخَلْق التوراتية" القديمة، وبعضها مأخوذ مِنْ نظرية الـ "Big Bang".

في هذه النظرية الكوزمولوجية، اختُرِعَ مفهوم "العدم الفيزيائي"، أي "العدم" الذي عبَّروا عنه بـ "لغة فيزيائية" ليس إلا. وأستطيع القول إنَّهم جاءوا بهذا "المفهوم" مِنَ ذاك "النقص"، و"المسخ"، و"التشويه"، في مفهوم "المادة"، التي لو نظروا إليها بـ "العين المجرَّدة الموضوعية" لـ "الفيزياء" و"الفلسفة" لما رأوا مِنْ مبرِّر (فيزيائي، أو كوزمولوجي، أو فلسفي) لـ "العدم"، "وجوداً"، و"مفهوماً".

أُنْظروا كيف أفضى هذا "النقص" و"المسخ" و"التشويه" في مفهوم "المادة" إلى "العدم"، "وجوداً"، و"مفهوماً". في البدء، بحسب هذه النظرية، لم يكن مِنْ شيء، فـ "النقطة المفردة" هي كلُّ ما كان. كلُّ "مادة" الكون كانت تكمن في هذه "النقطة"، المعدومة الحجم، ذات الكثافة المطلقة، وذات الجاذبية المطلقة. هذه "النقطة" إنَّما جاءت مِنَ "العدم"، فالفهم الحديث لـ "ميكانيكا الكم" يسمح بذلك، حسب قولهم. هذه "النقطة" انفجرت انفجاراً لا مثيل له في فهم البشر وتجربتهم. هذا "الانفجار الكبير" Big Bang هو "القوَّة" التي "خَلَقت" الزمان والمكان.. وكل شيء!

وهكذا خلطوا مفهوم "المادة" بمفهوم "العدم" خلطاً سمح لهم بكسو عظام "قصَّة الخَلْق التوراتية" لحْماً فيزيائياً وكوزمولوجياً!

"المادة" هي في واقعها الملموس "الجسم"، و"الجسيم"، و"الشيء"، فـ "المحدَّد" في كل أبعاد وجوانب وجوده، في خواصِّه وسماته، في مكانه وزمانه، هو، وحده، ما يشتمل عليه "العالم المادي". في هذا العالم لا وجود، مثلاً، لـ "الإلكترون العام"، فالذي يُوجَد إنَّما هو "هذا" الإلكترون. إنَّ "هذا" الإلكترون له "تاريخ"، وينبغي لنا أنْ نفهمه على أنَّه شيء له "ماضٍ"، و"حاضر"، و"مستقبل". و"ماضي" هذا الإلكترون يشمل، أيضاً، "ماضي أُصوله وأسلافه ومكوِّناته". و"تاريخية" الشيء إنَّما تعني أنَّ هذا الشيء لا بدَّ له مِنْ أنْ يكون قد نشأ عن أشياء أُخرى، كما لا بدَّ له، عندما يزول، مِنْ أنْ يُنْتِج بزواله أشياء أخرى.


انتفاء الحاجة إلى "الخَلْق مِنَ العدم"!

"المجتمع البشري" يقوم على تداخُل وامتزاج وتفاعُل بيئتين: "البيئة الطبيعية"، و"البيئة الاصطناعية"، التي تَعْدل قطرة في بحر "البيئة الطبيعية".

"البيئة الاصطناعية" تشتمل على كل ما يُنْتِجه، أو يَخْلِقه، البشر، في مجتمعهم وعَبْرَ التاريخ، مِنْ أشياء، أو كائنات مادية، فهُنا تُوجَد تلك الأشياء التي لا تُنْتِجها "الطبيعة" بنفسها، فهذا "الكائن المادي" المسمَّى "القطار" لا تَخْلِقه "الطبيعة" مِنْ تلقاء نفسها.

الإنسان، ضِمْن مجتمعه، وعَبْرَ التطور التاريخي، هو الذي قام بخَلْقِه. وهذا "المخلوق"، أي "القطار"، هو شكل مِنْ أشكال الوحدة بين "الذات" و"الموضوع". ولكن هذه الوحدة لا تعني، أبداً، أنَّ لـ "القطار" جوهراً "روحيَّاً"، فـ "الوعي" الذي خَلَق "القطار" لم يَخْلِق، ولا يستطيع، أبداً، أنْ يَخْلِق، تلك "القوانين الطبيعية"، التي باتِّفاقه معها تمكَّن مِنْ خَلْق "القطار".

وغنيٌّ عن البيان، أيضاً، أنَّ "الوعي" لم يَخْلِق مِنَ "العدم" تلك "المواد"، التي منها صَنع، أو خَلَق، "القطار".

أُنْظروا، مثلاً، إلى "خَلْق" كمِّية مِنَ الماء في مختبَر. هذا "الوعي الإنساني" الذي خَلَقَها لم يَخْلِقها مِنَ "العدم"، وإنَّما خَلَقَها مِنْ كمِّية مِنْ غازي الأوكسجين والهيدروجين. وهذه الكمِّية مِنَ الغازين لم يَخْلِقها هي، أيضاً، مِنْ "العدم"، فقد أتى بها مِنَ "الطبيعة"، التي مِنْ تلقاء نفسها، خَلَقَت الأوكسجين والهيدروجين. وعَبْرَ "تفاعُلٍ" بين "الغازين"، يتولَّى "قانون طبيعي (موضوعي)" تقرير نتائجه، يُنْتَج "الماء"، فلو كان في مقدور "الوعي الإنساني" خَلْق "القانون الطبيعي"، أو تعطيل عمله، لجَعَلَ هذا "التفاعُل" المُنْتِجَ لـ "الماء" مُنْتِجاً لـ "الزيْت" مثلاً.

إنَّ كل ما يقوم به "الوعي الإنساني" لا يتعدَّى "إدارة" عمل القوانين الطبيعية، التي "لا يملكها"، وإنْ كان في وسعه "استخدامها". وفي عمله "الإداري" هذا، يَسْتَعْمِل "مواد"، لا يستطيع ادِّعاء خَلْقِها مِنَ "العدم". أمَّا هذا "الوعي الإنساني" ذاته فهو، على الرغم مِنْ طبيعته الـ "لا مادية"، ليس سوى "خاصِّية" لـ "مادة متطورة"، تُدعى "الدماغ البشري". وليس مِنْ "خاصِّية" يمكن أنْ تبقى إذا لم يبقَ حاملها المادي، وهو "الشيء"، فمِنْ قَبْلِه، ومِنْ بَعْدِه، لا وجود لها.

وهذه "الخاصِّية"، أي "الوعي الإنساني"، إنَّما هي ثمرة "التفاعُل المادي"، أي التفاعُل بين "المادة" المسمَّاة "الدماغ البشري" و"العالم المادي الخارجي"، الذي يتضمَّن، أيضاً، جسد الإنسان وقواه الطبيعية. ويتولَّى "الوعي الإنساني" إدارة هذا التفاعُل المادي. وهذه "الإدارة"، مِثْل كل إدارة، إمَّا أنْ تتكلَّل بالنجاح وإمَّا أنْ تُمنى بالفشل. إذا راعى الوعي القانون الطبيعي (الموضوعي) واتَّفق معه تكلَّل العمل بالنجاح، وإلا مني بالفشل.

قُلْنا إنَّ "الطبيعة" لا تُنْتِج "القطار"، مثلاً، مِنْ تلقاء نفسها. ويناءً على ذلك قالوا بـ "العجز الذاتي" لـ "المادة". قالوا بذلك بعدما تساءلوا: إذا كانت الطبيعة لا تستطيع مِنْ تلقاء نفسها أنْ تَخْلِق "قطاراً"، مثلاً، فكيف لها أنْ تَخْلِق "الشمس" و"الأرض" و"القمر" و"النجوم" و"المجرَّات" و"الذرَّات".. و"الحياة"؟!

سؤالهم الفاسد كان، دائماً، مِنْ قبيل: أُنْظرْ إلى هذا "القطار"، "الطبيعة" لم تَخْلِقه مِنْ تلقاء نفسها، فهل يمكن أنْ يَخْلِق نفسه بنفسه؟!

الجواب عن هذا السؤال الفاسد هو "كلاَّ، لا يمكن أنْ يَخْلِق نفسه بنفسه"، فهذا الـ "لا مادي الماهيَّة"، أي "الوعي الإنساني"، هو الذي "خَلَق" هذا "القطار". وقياساً على ذلك، وبئس القياس، يقولون إنَّ شيئاً مِنَ "الماهيَّة ذاتها" هو الذي "خَلَق" الشمس، مثلاً؛ لأنَّ هذا النجم لا يمكنه، كما "القطار"، أنْ يَخْلِق نفسه بنفسه. لقد استنسخوا مِنَ "الوعي الإنساني" كائناً مِنَ الماهيَّة ذاتها، هو "الكائن الروحيSpiritual Being الخالص الأعلى". ولا شكَّ في أنَّ أشياء مِنْ قبيل "الموت"، و"النوم"، و"الحلم" هي التي حَمَلَت الإنسان البدائي على الاعتقاد بـ "الروح المنفصلة والمستقلة عن الجسد".

هذا "القياس المنطقي" كان فاسداً؛ لأنَّهم ضربوا صفحاً عن "مضاداته"، التي ينطوي عليها المثال ذاته، أي "مثال القطار"، فـ "الوعي الإنساني" خَلَق القطار، ولكنَّه لم يخلقه مِنَ العدم. لقد خَلَقَه مِنْ "مواد" أنْتجتها "الطبيعة"، في تطوُّرها اللا نهائي، مِنْ تلقاء نفسها. وهذه "المواد الأوَّلية" لا تعود في "أُصولها" إلى "مواد جاءت مِنَ العدم". وبعض تلك "المواد الأوَّلية" أنتجها الإنسان مِنْ خلال "تفاعُلات مادِّية". و"الوعي الإنساني" ما كان في مقدوره أنْ "يَخْلِق" القطار لو لم يُراعِ "القوانين الموضوعية" ويتَّفق معها، فخَلْقه للقطار لم ينفِ، وإنَّما أكدَّ وأثبت عجزه المطلق عن "خَلْق" القانون الفيزيائي. وهذا "الوعي الإنساني الخالِق" ما كان له أنْ يكون كذلك، أي أنْ يكون "خالِقاً"، لو لم يكن ثمرة تفاعُلٍ مادي، بين جزء مِنَ العالم المادي، هو "الدماغ البشري"، وسائر العالم المادي.

"الشمس"، في مثالنا، لم تُخْلَق مِنَ "العدم"، وعلى القائلين بغير ذلك، أنْ يأتوا بـ "الدليل" على أنَّ "الشمس" قد خُلِقت مِنَ "العدم". و"الشمس" لها "تاريخ". وكل مَنْ قرأ تاريخها يعرف أنَّ "الشمس"، في ماضيها، ليست هي ذاتها في حاضرها، فهذا النجم، في حاله وخواصِّه التي نعرف، كان شيئاً "آخر". كان "سحابة مِنَ الهيدروجين". كانت، في ماضيها، شيئاً "آخر"..

وهكذا كل شيء، فليس مِنْ شيء جاء مع حاله وخواصِّه التي نعرف، بغتةً، مِنَ "العدم". ويكفي أنْ نفهم الشيء، أي كل شيء، على أنَّه "ظاهرة تاريخية"، وثمرة تطوُّر مادي لا بداية له ولا نهاية في الزمان، حتى تنتفي الحاجة إلى نظرية "الخَلْق مِنَ العدم".

أنماط مِنَ "الخَلْق"

القائلون بـ "الخَلْقِ مِنَ العدم"، والبدائيون والقدامى منهم على وجه الخصوص، فهموا هذا "الخَلْق" على أنَّه "خَلْقٌ لأجسام وأشياء"، وليس لـ "المادة"، فـ "الجُسمانية"، أو "الشيئية"، كانت هي جوهر مفهوم "الْخَلْق".

ولا شكَّ في أنَّ هذا الفهم "الجُسماني"، أو "الشيئي"، لـ "الخَلْق" يضرب صفحاً عن "التطوُّر" و"الصيرورة"، وكأنَّ "الشمس"، على سبيل المثال، قد خُلِقت مِنَ العدم، ولم تأتِ مِنْ "تطوُّر" شيء آخر.. كأنَّها لم تكن في ماضيها سحابة مِنْ غاز الهيدروجين، أو جزءاً مِنْ هذه السحابة.

الشمس، بحسب منطق الخَلْق هذا، هي الشمس. هي ذاتها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. قد تختلف، عَبْرَ الزمن، ولكن ليس في "الماهية" و"النوع" و"الخواص الجوهرية". وهذا الاختلاف قد يكون مِنْ قبيل الاختلاف في "الحجم" مثلاً، فـ "خالِقها" إنَّما خَلَقَها على هيئة الشمس التي نعرف. وهذا "الخَلْق"، بحُكم تعريفه ومعناه، ليس فيه شيء مِنَ "التعاقب"، فالقول بنشوء، أو تطوُّر، "س" عن "ص"، لا يتَّفِق مع مفهوم "الخَلْق" هذا. إنَّ الأشياء، في مفهوم "الخَلْق"، تتجاور، ولكن لا تتعاقب.

وإذا كان هذا هو "الخَلْق" في مفهومه الديني القديم فإنَّ "الخَلْق" في مفهومه الكوزمولوجي الجديد يختلف بعض الشيء، فليست "الشمس"، مثلاً، هي التي خُلِقَت مِنَ العدم وإنَّما "المادة الأوَّلية"، أو "الأبجدية المادية"، فبعض مِنَ "الجسيمات المتناهية في الصِغَر" هو الذي جاء مِنَ "العدم" في معناه "الفيزيائي".

حتى "الخالِق"، هُنا، ألبسوه اللبوس الفيزيائي، فهو الـ "Big Bang"، أي هذا "الانفجار" الذي خَلَق "كل شيء" مِنْ "لاشيء"!

هذا "الخالِق" كان في "النقطة المفردة" Single Point. كان حيث "الزمان" و"المكان" و"الجسيمات الأوَّلية".. لم تُخْلَق بَعْد. كان في ذلك "الشيء" الذي ليس كمثله شيء. ثمَّ كان الـ "Big Bang"، الذي بـ "قوِّة سحرية" خَلَقَ "جسيمات المادة الأوَّلية" و"الجسيمات الحاملة للقوى"، وأشهرها "الفوتون"، فخُلِقَ مِنْ هذه الجسيمات وتلك كل شيء.. خُلِقت المجرَّات والنجوم والكواكب والحياة..

هُنا، لم تُخْلَق "الشمس" ذاتها مِنَ العدم، وإنَّما "المادة الأوَّلية" التي منها (وعَبْر التطوُّر) جاءت الشمس، فـ "الأبجدية" مِنَ "المادة" وليست "المفردات" و"العبارات" هي التي خُلِقَت مِنَ العدم!

هذا هو "الفَرْق الجوهري" بين "الخَلْق الديني" و"الخَلْق الكوزمولوجي". وهذا "الاختلاف" إنَّما هو جزء لا يتجزأ مِنَ "التماثُل"، الذي يكمن في القول بـ "الخَلْق مِنَ العدم"!

وعلى النسق ذاته مِنَ "الاختلاف" و"الاتِّفاق" جاء "الاختلاف" و"الاتِّفاق" بين "الدين" و"الكوزمولوجيا" في شأن "الفناء" بَعْدَ "الخَلْق". فإذا كانت "الشمس"، في المعنى الديني لـ "الفناء"، تظلُّ شمساً، ثمَّ "تفنى"، فإنَّها، في المعنى الكوزمولوجي لـ "الفناء"، تنطفئ، وتتحوَّل إلى نجمٍ مِنْ نوع مختلف، ثمَّ تصبح جزءاً مِنْ "مادة"، تتحوَّل إلى "لا مادة" في نقيض الـ "Big Bang"، وهو "الانسحاق الكبير" Big Crunch. لقد جاءت مِنْ "مادة أوَّلية" لترجع إلى "مادة أوَّلية"، تتحوَّل إلى "لا مادة" بفضل "القوَّة السحرية الثانية"، أي قوَّة "الانسحاق الكبير"!

القدامى مِنَ القائلين بـ "الخَلْق مِنَ العدم"، لم يكونوا على عِلْمٍ بالمفاهيم الفيزيائية الآتية: "الكتلة"، الحجم"، "الكثافة"، "الجاذبية". والأهم مِنْ ذلك هو جهلهم للصلة المتبادَلة بين تلك المفاهيم في واقعها الفيزيائي.

كانوا ينظرون إلى الأشياء على أنَّها "تتجاور في المكان" ولا "تتعاقب في الزمان"، فالشمس، مثلاً، لم تنشأ عن "شيء غير الشمس"، ولن تتحوَّل، في زوالها، إلى "شيء غير الشمس".

أمَّا الآن فنرى القائلين بـ "الخَلْق مِنَ العدم"، في معناه الكوزمولوجي، يتَّخِذون الصلة المتبادَلة بين "الكتلة" و"الحجم" و"الكثافة" و"الجاذبية" أساساً نظرياً لقولهم بـ "الخَلْق مِنَ العدم". إنَّهم يرون "الجاذبية" تقوم بـ "تركيز" المادة. يرون "الكتلة" ذاتها تتركَّز في حيِّزٍ صغير، أو متناهٍ في الصِغَر. يرون هذا "التركيز"، الذي تقوم به "الجاذبية"، يُنْتِجُ تضاؤلاً متزايداً في "الحجم"، وتزايداً مستمراً في "الكثافة". ثمَّ يستنتجون الآتي: لا بدَّ لـ "الجاذبية" مِنْ أنْ تصل في تركيزها للمادة إلى "الكثافة المطلقة" و"الحجم المعدوم". وعندما تصل إلى هذا الحدِّ مِنَ التركيز للمادة لا بدَّ، أيضاً، بحسب استنتاجهم، مِنْ أنْ يصل "الزمان ـ المكان" Space – Time في انحنائه وتقوُّسه إلى "الصفر المطلق"، أي إلى "شيء" ينعدم فيه "الزمان" و"المكان"، فـ "الجاذبية" في تركيزها للمادة تُنْتِجُ حتماً في آخر المطاف، على ما يزعمون، تلك "النقطة المفردة"، التي ليست مِنَ "المادة" في شيء، والتي تظلُّ تنتظر الـ "Big Bang" الجديد الذي يَخْلِقُ "المادة" مِنْ هذا العدم الجديد!

إنَّ "الصيرورة" هي جوهر "حياة" المادة.. كل مادة. "الشيء"، أي كل شيء، إنَّما هو، في ظاهِرِهِ، "العَيْنِيَّة"، أو "الهُوِيَّة". أمَّا في باطنه فهو "الغَيْرِيَّة"، التي هي "صفة ما هو غَيْر". و"غَيْرِيَّة الشيء"، الكامنة في "عَيْنِيَّتِهِ"، أو "هُوِيَّتِهِ"، إنَّما هي مَيْله الدائم للتحوُّل إلى "نقيضه"، فـ "الشيء" ما أنْ ينشأ حتى يشرع يزول، ففي "نموِّه" الظاهِر إنَّما يُعِدُّ ويُهيِّئ "أسباب زواله" الحتمي. "نشوء" الشيء هو، دائماً، "الزوال" بالنسبة إلى "شيء آخر"، أو "أشياء أُخرى". و"زواله" هو، دائماً، "النشوء" بالنسبة إلى "شيء آخر"، أو "أشياء أُخرى".

هذا هو "قانون تطوُّر المادة"، التي لا وجود لها إلا وهي تلبس لبوس "الشيئية"، أو "العيْنيَّة"، فالمادة "غير الجُسمانيَّة"، أي "غير المحسوسة"، لا وجود لها البتَّة. ينبغي لها أنْ تكون "جسماً (أو جسيماً)"، أي ينبغي لها أنْ تكون "محدَّدة (أو "ملموسةً")" في كل نواحيها وأبعادها وخواصِّها.. وفي "المكان" و"الزمان" مِنْ ظروف وجودها. وهكذا ليس مِنْ شيء، مهما كَبُرَ أو صَغُرَ، يمكن أنْ يُوْجَد بغير "الصيرورة"، فهل، ومتى، جاء شيء إلى الوجود بغير "الصيرورة" حتى يصبح ممكناً القول بـ "خَلْقِهِ مِنَ العدم"؟!

"الشيء"، أي كل شيء، إنَّما هو "تاريخ"، فليس مِنْ شيء له "حاضر"، ولكن ليس له "ماضٍ"، ولن يكون له "مستقبل". ونحن يكفي أنْ "نسافِر معرفياً" في ماضي الشيء حتى نكتشف "الحقيقة الكونية العظمى" وهي أنَّ هذا الشيء، ومثله كل شيء، قد "نشأ" عن "زوال" شيء آخر، أو أشياء أُخرى.

هذه الحقيقة لم نكتشفها بَعْد في بعض الأشياء، كـ "الكوارك" أو "الإلكترون"؛ لأنَّنا لم نذهب، حتى الآن، بعيداً في "سَفَرِنا المعرفي" فيها. عندما نصل، ولسوف نصل حتماً، إلى نهاية رحلتنا المعرفية في ماضي "الكوارك"، أو "الإلكترون"، سنكتشف أنَّ هذا الجسيم المتناهي في الصِغَر ليس بـ "مادة أوَّلية"، أو "جسيم أوَّلي"، فهذا الجسيم، وتلك المادة، لا وجود لهما إلا في "عقل فيزيائي" مُثْخنٌ بجراح "الوهم الميتافيزيقي". وسنكتشف، أيضاً، أنَّ كلاهما قد "نشأ" عن "زوال" شيء آخر، أو أشياء أُخرى.

هل مِنْ نهاية لهذه "الصيرورة"، التي لم يطقها عقل أرسطو؟ كلاَّ، ليس مِنْ نهايةٍ لها، فهذه "سلسلة" لا حلقة أولى، ولا حلقة أخيرة، لها!

"الخَلْق"، في معناه الديني والميتافيزيقي، إنَّما هو "الخَلْقُ مِنَ العدم"، أي خَلْقُ شيءٍ مِنْ لا شيء. إنَّكَ يكفي أنْ تتمثَّل "قانون الصيرورة" حتى تنتفي حيثيات قولكَ بـ "العدم"، الذي يكفي أنْ تنتزعه مِنْ "مُثلَّث الْخَلْق" حتى يَفْقِدَ هذا "المُثلَّث" ضلعيه المتبقيين، فلـ "مُثلَّث الْخَلْق" ثلاثة أضلاع هي: "العدم"، و"الخالِق"، و"المخلوق".

"الْخَلْق" الوحيد الذي نُقر إنَّما هو "الْخَلْق الإنساني"، فالإنسان "يَخْلِق"، و"يُبْدِع"، و"يَبْتكِر"، ولكنَّه لم يَخْلِقَ، ولا يَخْلِقَ، ولن يَخْلِقَ، شيئاً مِنَ العدم. إنَّ هذا "الخَلْق" لا يتعدَّى استخدام الإنسان لقوى الطبيعة وقوانينها الموضوعية في "تحويل شيء إلى شيء"، وفي إنتاج أشياء مِنْ خلال "التفكيك"، أو "التركيب"، أو "التفاعُل".

"العدم" لا "وجود" له البتَّة لا في "الأشياء" ولا في "الفضاء"، أو "الفراغ" مهما كان الفراغ "فارغاً". "الفضاء الكوني" لا يختلف في خواصِّه الجوهرية والعامة عن "الفضاء الداخلي للذرَّة"، فليس مِنْ "مواضع" في هذا الفضاء، أو ذاك، يمكن النظر إليها على أنَّها "العدم".

ولكن هذه "الحقيقة الكونية العظمى" لا تُرى، دائماً، في وضوح كافٍ، فالفيزيائيون قد "يرون" جسيمات تنشأ، ثمَّ تزول، في هذا "الموضع" أو ذاك مِنَ "الفضاء الكوني". ولـ "نقصٍ"، لن يستمر إلى الأبد، في "أدوات المعرفة الفيزيائية" لديهم يظنُّون، أو يتوهَّمون، أنَّ تلك الجسيمات قد جاءت إلى الوجود مِنَ "العدم"، وأنَّها سرعان ما عادت إلى "العدم"، أي أنَّ وجودها "العابر"، الذي "لا يحسُّ به" قانون "حفظ المادة"، لم يُنْتِج زيادة في "الكتلة"، أو في "الطاقة"، في الكون.

في الردِّ على هذه "الهرطقة الفيزيائية"، نقول: تخيَّل أنَّ أمامكَ على الطاولة تسع تفاحات، وأنَّ تفاحة عاشرة قد ظهرت بغتةً. سوف تقول لي الآتي: على الرغم مِنْ الظهور المباغت للتفاحة العاشرة فإنَّ عدد التفاحات على الطاولة لم يزد. إنَّني لم "أرَ" التفاحة العاشرة، فظهورها استغرق زمناً متناهياً في الضآلة حتى أنَّ عينيَّ تعجزان عن "رؤية" تلك التفاحة في هذا الزمن المتناهي في الضآلة. وإنَّني، في الوقت نفسه، لا أملكُ مِنَ الأدوات والوسائل والطرائق ما يسمح لي بتأكيد ظهور التفاحة العاشرة، أي أنَّني لا أستطيع الإتيان بأي دليل موضوعي على أنَّها قد وُجِدَت أو ظهرت. حتى قانون "حفظ المادة" لم "يشعر" بوجودها. ومع ذلك فأنا مصرٌّ على أنَّ التفاحة العاشرة قد ظهرت ووُجِدت، ثمَّ اختفت مِنَ الوجود!

وفي النصف الآخر مِنْ هذه الهرطقة، يقول لي الآتي: إنَّ على سطح الطاولة "موضع" ينعدم فيه وجود المادة، وإنَّ التفاحة العاشرة قد جاءت إلى الوجود مِنْ هذا "الموضع"، الذي لا أستطيع إقامة الدليل على "وجوده". وهذا "الموضع" أدعوه "التموُّجات (أو "التقلُّبات") الكمِّيَّة للفراغ" Quantum Fluctuations.

إنَّكَ لا تستطيع أنْ تقول "س جاءت مِنْ ص" وأنتَ لا تملكَ أي دليل موضوعي على وجود "ص"، فكيف يقولون بنشوء جسيمات عن "فراغٍ" في الفضاء الكوني، ينعدم فيه وجود المادة وهُم لا يستطيعون إثبات أنَّ هذا "الفراغ"، أو هذا "الموضع" مِنَ الفضاء الكوني، هو "العدم بعينه"؟!

ليس في الفضاء، في أي فضاء، مِنْ "موضع"، أو مِنْ "فراغٍ"، ينعدم فيه وجود المادة، أو يمكن النظر إليه على أنَّه "العدم". فإذا ظهرت جسيمات مِنْ موضع في الفضاء، نظنُّ أنْ لا وجود ولا أثر للمادة فيه، فينبغي لنا أنْ ننظرَ إلى ظهورها المباغت على أنَّه خير دليلٍ موضوعي على أنَّ هذا "الموضع" هو جزء لا يتجزأ مِنَ "الوجود المادي". وعلى هذا الأساس فحسب، يمكن ويجوز أنْ نفترض أنَّ جسيمات تَظهر بغتةً، في موضع في الفضاء، في أي فضاء، لتختفي فوراً، أي أنَّ وجودها ربَّما لا يدوم سوى "جزءٍ مِنْ مليار (أو أكثر) جزء مِنَ الثانية الواحدة"، فليس مِنْ "حدٍّ أقصى" لضآلة زمن وجود الشيء. هذا افتراضٌ قد يكون صحيحاً ولو ظللنا إلى الأبد عاجزين عن إثباته.

إنَّ "الشيء الذي لا وجود له" هو، وحده، الشيء الذي لا يمكنكَ "إثباته" أو "نفيه"، فهل تستطيع، مثلاً، أنْ تُثْبِتَ، أو تنفي، وجود "العنقاء"؟! و"العدم" كمثل "العنقاء"!

"المُكَوِّن" هو كل مادة تَدْخُل في تكوين الشيء. و"مُكَوِّنات الشيء"، بعضها "داخلي"، وبعضها "خارجي"، فـ "الذرَّة"، مثلاً، لا تتكوَّن مِنْ إلكترونات وبروتونات ونيوترونات (وجسيمات أُخرى) فحسب، فـ "الذرَّة"، كمثل كل شيء، لا تقوم لها قائمة إذا لم تكن جزءاً لا يتجزأ مِنْ كلٍّ، هو الوجود المادي برمَّته. إنَّها، دائماً، ضمن "بيئة"، تتبادَل معها "التأثير المادي"، أي أنَّها "تؤثِّر" و"تتأثَّر"، دائماً، في بيئتها. وهذا التأثير المادي هو ما يجعل للذرَّة "مُكَوِّنات خارجية" أيضاً. وهكذا ليس مِنْ شيء إلا ولَهُ "تكوينان": "تكوين داخلي"، و"تكوين خارجي". إنَّ الشيء الذي لا مُكَوِّنات داخلية له لا وجود له. وإنَّ الشيء الذي له "مُكَوِّن داخلي واحد فحسب" هو، أيضاً، لا وجود له، فالشيء، أي كل شيء، في "تكوينه (النوعي) الداخلي"، يجب أنْ يتكوَّن مِنْ أكثر مِنْ "عنصر مادي"، فالشيء "مُركَّب" compound. وليس مِنْ "مُركَّب" يتألَّف مِنْ "عنصر مادي واحد فحسب".

"المُرَكَّب" إنَّما هو "الخاصِّية الجوهرية" للشيء، لكل شيء، مهما كان متناهياً في الصِغَر. وهذا يعني أنَّ "الأوَّلي" مِنَ "المادة" أو "الجسيمات" لا وجود له البتَّة، وأنْ لا شيء يَخْرُجُ مِنْ "رحم العدم".

القائلون بـ "الخَلْق"، أي بـ "خَلْق الكون (أو المادة)"، يقولون، في الوقت نفسه، بـ "العدم"، ولكنَّهم ينكرون "الْخَلْق الذاتي" للمادة مِنَ العدم. وحُجَّتِهم "المفحمة" يعرضونها، دائماً، على النحو الآتي: ليس مِنَ المنطق في شيء أنْ تقول إنَّ الكون قد جاء مِنْ "لا شيء"، فـ "اللا شيء" هو "العدم"، والعدم لا يمكنه أنْ يُعطي وجوداً.

إنَّهم، في حُجَّتِهم "المفحمة" تلك، يقرِّون، أوَّلاً، بأنَّ "العدم" كان "قَبْلَ" الوجود، أي "قَبْلَ" الكون، أو "العالم المادي". وبَعْدَ ذلك يَقْذِفون عقلكَ بالسؤال "الذكي" الآتي: إذا كان الكون لم يَخْلِقه خالق مِنَ "العدم"، فكيف يصبح ممكناً أنْ يُعطي العدم وجوداً؟!

وبعدما فرضوا عليكَ أنْ تُفكِّر في الأمر بحسب طريقتهم تلك في التفكير، يتوقَّعون أنْ تُجيبهم قائلاً: ليس ممكناً أنْ يُعطي العدم وجوداً، ففاقِد الشيء لا يعطيه، ولا بدَّ، بالتالي، مِنْ "قوَّة ميتافيزيقية" تَسْتَخْرِج "الوجود المادي" مِنَ "العدم"!

لا خلاف معهم في أنَّ "العدم" لا يتحوَّل إلى "وجود"، ولكنَّ الخلاف معهم يبدأ بـ "المقدِّمة"، أي بقولهم بأنَّ "العدم" كان "قَبْلَ" الوجود، فلِمَ قالوا بهذا "العدم الْقَبْلي"، أي العدم الذي كان "قَبْلَ" الوجود؟!

جوابهم يكمن في "العلَّة والمعلول"، فليس مِنْ شيء في الكون تنعدم "علَّة (أو سبب) وجوده"، فـ "ص" هي علَّة وجود "س"، و"م" هي علَّة وجود "ص"، و"ن" هي علَّة وجود "م"..

هذا تصوُّرٌ لا غبار مِنَ الشكِّ عليه، فلوجود "الشمس" علَّة، ولوجود "مجرَّة درب التبانة" علَّة، ولوجود أصغر، أو أكبر، شيء في هذا الكون علَّة. وليس مِنْ علَّة لا تحتاج إلى علَّة، فكل علَّة لها علَّة، أي تحتاج إلى علَّة. مِنْ هذا "التسلسل" السليم، منطقاً وواقعاً، يتوصَّلون إلى "استنتاج" غير سليم، فـ "التسلسل" يجب أنْ ينتهي، في رأيهم، إلى "العلَّة التي لا تحتاج إلى علَّة"، وهذه "العلَّة" هي "الخالق" الذي خَلَق "الكون" مِنَ "العدم". هُنا "تعسَّفوا" في "الاستنتاج"، ففي ظواهر "النشوء" و"التطوُّر" و"الزوال"، في العالم المادي، ليس مِنْ "موجِب موضوعي" للاعتقاد بـ "العلَّة التي لا تحتاج إلى علَّة"، ولاتِّخاذها "سكِّيناً"، يقطعون بها ذلك "التسلسل" الذي ينطوي عليه قانون "السببية".

مِنْ أين جاء "الكون"، أي كل العالم المادي؟ جاء مِنَ "العدم". الخالِق هو الذي خَلَقَهُ مِنَ "العدم"؛ لأنْ ليس ممكناً، بغير الخالِق، أنْ يُعطي العدم وجوداً. ذاك سؤالهم، وهذا جوابهم. فلنمعن النظر في السؤال أوَّلاً.

"الشمس" ليست "الكون"، إنَّما هي "جزء" منه. و"القمر" كذلك. و"الأرض" كذلك. و"الإنسان" كذلك. و"الحيوان" و"النبات" كذلك. و"مجرة درب التبانة" كذلك. و"مجرة آندروميدا" كذلك. و"جزيء الماء" كذلك. و"ذرَّة الحديد" كذلك. و"البروتون" و"الإلكترون" في "ذرَّة الحديد" كذلك. و"الكوارك" في داخل "البروتون" في داخل "ذرَّة الحديد" كذلك. كل شيء، مهما كان كبيراً أو صغيراً، كذلك.

و"الكون" هو هذا الذي يشتمل على كل تلك الأجزاء والأشياء والأجسام والجسيمات.. كاشتمال الجسد، أو الكائن الحي، على أعضائه. وكل جزء، أو مُكوِّن، مِنْ أجزاء، أو مُكوِّنات، الكون، ومهما كان صغيراً أو كبيراً، لا بدَّ مِنْ علَّة لوجوده. أمَّا هذا "الكل"، المسمَّى "الكون"، والذي يشبه، في علاقته بأجزائه ومُكوِّناته، "الكائن الحي"، فـ "علَّة وجوده"، يجب أنْ تكون، بحسب معتقدهم، مِنَ نمط "العلَّة التي لا تحتاج إلى علَّة". وهذه "العلَّة" هي "الخالِق الميتافيزيقي"، الذي، على يديه فحسب، صار ممكناً أنْ يُعطي "العدم" وجوداً.

تخيَّلوا أنَّ شخصاً يعيش "في داخل جزيء ماء"، وأنَّ هذا الجزيء هو جزء مِنْ مياه بحرٍ. هذا الشخص سيرى، في داخل جزيء الماء، جسيمات متناهية في الصِغَر، وبروتونات ونيوترونات وإلكترونات ونوى ذرِّية وذرَّات. وسيرى "فوتونات"، وغيرها مِنَ الجسيمات الحاملة للقوى. وسيرى أنَّ لكل جزء مِنْ هذه الأجزاء، أو لكل مُكوِّن مِنْ هذه المكوِّنات، "علَّة"، و"تاريخاً"، فهذا "الجزء"، أو "المُكوِّن"، الذي يراه، الآن، كان له "ماضٍ"، ولسوف يكون له "مستقبل". وسيرى أنَّ هذا "الجزء"، أو "المُكوِّن"، كان مختلفاً في ماضيه، ولسوف يختلف في مستقبله. وهذا الشخص، الذي لم يرَ إلا جزءاً، وجزءاً ضئيلاً، فحسب مِنْ "جزيء الماء" الذي يعيش في داخله، سيعتقد أنَّ هذا "الجزيء" هو "الكون"، الذي هو كل "العالم المادي". وسيعتقد أنَّ هذا الجزيء يحتاج في وجوده إلى "علَّة لا تحتاج إلى علَّة"، أي سيعتقد أنَّ هذا الجزيء قد خَلَقَه الخالِق مِنَ العدم.

"كوننا" إنَّما هو كمثل "جزيء الماء" ذاك. هو "جزء" لا يتجزأ مِنَ "العالم المادي"، الذي لا نهاية له، لا في الزمان، ولا في المكان. و"كوننا" هذا لا يشذ، في وجوده، عن قانون "السببية"، فلوجوده علَّة، ولكن مِنَ نمط "العلَّة التي تحتاج إلى علَّة". إذا جاء، بـ "قوَّة الانفجار الكبير" Big Bang مِنْ تلك "النقطة المفردة" Single Point فإنَّ هذه "النقطة" المتناهية في الصِغَر لم تأتِ مِنْ "لا شيء"، أو مِنَ "العدم". لقد جاءت، حتماً، مِنْ "مادة قَبْلية"، أي مِنْ رحم مادة كانت قَبْلها في الوجود. لقد كان لوجود هذه "النقطة" علَّة تحتاج هي أيضاً إلى علَّة. وهذا "التسلسل" لا نهاية له، ولا يمكن أنْ يُقْطَع بـ "سكِّين العلَّة التي لا تحتاج إلى علَّة"، فالعالم المادي، أو الوجود، لا "عدم" قَبْلُهُ، ولا "عدم" بَعْدَهُ؛ لأنْ لا "قَبْلَ" له، ولا "بَعْدَ" له.

لا شكَّ في أنَّ "البعرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المسير". وعليه، لا شكَّ في أنَّ "نشوء" هذا الشيء، أكان "الذرَّة" أم "الكون"، يدلُّ على "التحوُّل"، أو "الصيرورة"، فهو إنَّما نشأ عن "زوال" شيء آخر، أو أشياء أُخرى. فما مِنْ شيء إلا وينشأ عن زوال شيء آخر، أو أشياء أُخرى، وما مِنْ شيء يزول إلا وينشأ عن زواله شيء آخر، أو أشياء أُخرى.

لا بدَّ للمخلوق مِنْ خالِق، وللمصنوع مِنْ صانع، فالعدم لا يَخْلِق. هذا قول لا غبار عليه مِنَ الشك. ولكنَّ هذا "الخالِق" مِنْ معدن "المخلوق"، وهذا "الصانع" مِنْ معدن "المصنوع"، وكلُّ مخلوق خالِق، وكلُّ مصنوع صانع، وكلُّ خالِقٍ مخلوق، وكلُّ صانعٍ مصنوع. وليس مِنْ خالِقٍ، أو صانعٍ، أوَّل، وليس مِنْ مخلوقٍ، أو مصنوعٍ، أخير.

"المادة" في تطوُّرها خَلَقَت "الإنسان"، الذي خَلَقَ، ويخلِقُ، أشياء كثيرة، لم تَخْلِقها، ولا تَخْلِقها، ولن تَخْلِقها، "الطبيعة". فالإنسان هو الذي، على سبيل المثال، خَلَقَ "السدِّ العالي"، الذي تعجز "الطبيعة" عنْ خَلْقِهِ. ولكنَّ "الطبيعة" هي التي خَلَقت "الشمس"، التي يعجز "الإنسان" عن خَلْقِها.

على أنَّ كلا "المخلوقين"، أي "السدِّ العالي" و"الشمس"، لم يُخْلَقَ مِنَ "العدم". وكلا "المخلوقين" لم يُخْلَق إلا على أيدي "قوى الطبيعة" و"قوانينها". "الطبيعة" هي "الخالِق" الذي لا عقل له ولا إرادة. أمَّا "الإنسان" فهو "الخالِق" الذي له عقل وإرادة.

ولكنَّ "المشترَك" بين "الخالقين" هو أنَّ كلاهما لا يستطيع أنْ يَخْلِق أي شيء مِنَ العدم، أو أي شيء لا تسمح "قوى الطبيعة" و"قوانينها" بـ "خَلْقِهِ". وهذه "القوى" و"القوانين" هي و"الطبيعة" شيء واحد، فلا "طبيعة" تخلو مِنْ "قواها" و"قوانينها"، ولا "قوى" و"قوانين" كانت "في خارج الطبيعة"، ثمَّ أُدْخِلِت فيها. فإذا كان ممكناً أنْ نتصوَّر "الذرَّة" التي ليس فيها مِنْ وجود أو عمل لـ "القوَّة النووية الشديدة" ولـ "القوَّة الكهرومغناطيسية" فإنَّه يصبح ممكناً أنْ نتصوَّر وجوداً لكلتا القوَّتين حيث لا وجود لـ "الذرَّة" و"المادة".

ولكنْ، هل ما زال ممكناً حماية فكرة "الخَلْق الميتافيزيقي للمادة مِنَ العدم"؟ أجل، ما زال ممكناً، ولكنْ في طريقة واحدة فحسب هي تلك التي تنتفي فيها الحاجة الفلسفية والعلمية إلى الفكرة ذاتها!

بحسب هذه الطريقة، يمكن تصوُّر هذا "الخَلْق" على النحو الآتي: كان "الخالِق الميتافيزيقي" ولم يكن مِنْ شيء، فقرَّر أنْ يخْلِق "المادة" مِنْ "لا شيء"، أي مِنَ "العدم".

لقد خَلَقَ "المادة" مع "قواها" و"قوانينها"، أي أنَّ خَلْقه لـ "المادة" و"قواها" و"قوانينها" كان "متزامناً". ونتخيَّل، أيضاً، أنَّ هذا "الخالِق" قد بدأ "الخَلْق" بخلق "مقادير" مِنْ "بعض أنواع الجسيمات"، التي لا تمت بصلة إلى مفهوم "المادة الأوَّلية"، أي أنَّ كل جسيم منها، ومهما مَضَيْنا قُدماً في تفكيكه وحلَّه، لن نعثر فيه، أبداً، على أي "عنصر" يمكن النظر إليه على أنَّه "مادة أوَّلية"، فـ "الخالِق" أراد أنْ تكون المادة "مُرَكَّبَة" في "طبيعتها".

ومِنْ تلك المادة التي خَلَقَها مِنَ العدم، أي مِنْ تلك الجسيمات والقوى والقوانين، التي هي جميعاً في "وحدة عضوية"، بُني كل شيء في الكون، فنشأ الكون، وتطوَّر بفضل قواه وقوانينه. وجاء نشوءه وتطوُّره متَّفقين كل الاتِّفاق مع "إرادةِ وعِلْمِ الخالِق"، الذي يشبه مُبْتَكِراً، أو صانعاً، لـ "لعبة ميكانيكية".

هذا التصوُّر قد يبدو في منتهى "القوَّة المنطقية"، ولكن "مقتله" يكمن في انتفاء حيثياته والحاجة إليه، فـ "الطبيعة" هُنا ليس فيها مِنْ أوجه العجز والقصور ما يشدِّد الحاجة إلى "التفسير الميتافيزيقي". فبحسب هذا التصوُّر تستطيع أنْ تفسِّر كل شيء، وكل ظاهرة، في الطبيعة تفسيراً عِلْمياً تاماً، على أنْ تضيف إلى هذا التفسير جُمْلة لا مبرِّر لها، لا تضر ولا تنفع، هي: "الخالِق أراد ذلك وقرَّره". فأنتَ تقول، على سبيل المثال، إنَّ "القوَّة النووية الشديدة" هي التي تحفظ لـ "نواة الذرَّة" وحدتها وتماسكها؛ لأنَّ "الخالِق" أراد وقرَّر ذلك!

"التفسير الميتافيزيقي" جاء دائماً مِنْ رحم العجز (النسبي والمؤقَّت) عن "التفسير العلمي"، ولا حاجة "معرفية" إليه، بالتالي، حيث يتَّسع نطاق نفوذ "التفسير العلمي". ونحن لو أمْعَنَّا النظر في هذا "التصوُّر الميتافيزيقي" لَمَا رَأيْنا فيه ما يدعو إلى القول بالحاجة إلى "الخالِق الميتافيزيقي" لـ "المادة"، التي هي في هذا التصوُّر تملكُ مِنَ "الخواص" و"القوى" ما يجعلها في غنى عن تلك "القوَّة الخالِقة"، التي، في حالها هذه، إنَّما تشبه شخصاً يراقب عملاً يقوم به غيره، ولكنَّه يزعم أنَّه هو "القوَّة الخفيَّة" التي خَلَقَت مِنْ "لا شيء" كل شيء يتألَّف منه هذا العمل!

"المادة" ليست بـ "عاجزة"، فـ "العاجز"، الذي عن عجزه ينشأ الاعتقاد بـ "المعجزات"، إنَّما هو نحن، فـ "العجز المعرفي" لدينا، والذي هو "نسبيٌ"، و"مؤقَّت"، هو ما يُسوِّل لنا النظر إلى "المادة" على أنَّها في حالٍ مِنَ العجز، الذي يُوَلِّد الحاجة إلى "الخالِق الميتافيزيقي".

إنَّ ظاهرة طبيعية لا أملكُ، حتى الآن، مِنَ المعرفة والعِلْمِ ما يسمح لي بـ "تفسيرها"، أو لا أملكُ مِنَ القوى ما يمكِّنني مِنْ خَلْق مثيل لها، يجب إلا تتحوَّل على يديِّ هذا "الجهل الإنساني النسبي والمؤقَّت"، أو على يديِّ هذا "العجز الإنساني الموضوعي"، إلى قوَّة خَلْقٍ لـ "الخالِق الميتافيزيقي".

كم مِنْ "سؤال طبيعي" شقَّ على البشر أنْ يجيبوا عنه إجابةً عِلْمِيَّة، خالصةٍ مِنْ الوهم والخرافة، فقاموا بملء هذا "الفراغ المعرفي" بـ "جواب الميتافيزيقا"، ليكتشفوا، بعد حين، أنْ لا حاجة إلى مثل هذا الجواب، الذي تنبذه "المادة" بما تحمل في ذاتها مِنْ "خواص" و"قوى".

لقد اتُّخِذَ هذا "الجهل الإنساني النسبي والمؤقَّت" مبرِّراً للقول بالحاجة إلى "الخالِق الميتافيزيقي". واتُّخِذَ "العجز الإنساني الموضوعي" عن خَلْق بعض الأشياء والظواهر الطبيعية مبرِّراً آخر، فإذا عجز الإنسان عن خَلْقِ شمسٍ مثل شمسنا (ولسوف يظلُّ على عجزه هذا إلى الأبد) قيل استنتاجاً: لا بدَّ لهذا العجز مِنْ أنْ يكون خير دليلٍ على أنَّ الشمس مِنْ خَلْق "كائنٍ ميتافيزيقي" يستطيع ما يعجز عنه الإنسان!

لقد سُئِلَ أحدُ القائلين بـ "الخالِق الميتافيزيقي" عن حُجَجِهِ "المفحمة"، فأجاب قائلاً: "هناك احتمالان لا ثالث لهما، فإمَّا أنْ يكون هذا الخَلْق مِنْ غير خالِق، وهذا أمر مستحيل وتنكره العقول إذ لا بدَّ للمخلوق مِنْ خالِقٍ، وللمصنوع مِنْ صانعٍ، فالعدم لا يَخْلِق، وإمَّا أنْ يكون البشر هُم الذين خلقوا أنفسهم، وخلقوا الكون، وهذا أمر مستحيل أيضاً، ولو ادَّعى مُدَّعٍ ذلك لاتُّهِمَ بالجنون والهذيان، ففاقِد الشيء لا يعطيه. ولا شكَّ في أنَّ في ذلك خير وأقوى دليل على أنَّ للكون "خالِقاً ميتافيزيقياً".

وهكذا نرى أنَّ "الخالِق الميتافيزيقي" يجيء، دائماً، مِنْ رحم "حقيقتين" لا غبار عليهما مِنَ الشكِّ، هما: "العدم وحده لا يَخْلِق مادة"، و"الإنسان يعجز عن خَلْقِ نفسه وخَلْقِ الكون".

في "حقيقتهم الأولى" اتَّخذوا غير المُثْبَت مُسَلَّمَةً، يقيمون بها الدليل على وجود، أو على ضرورة وجود، "الخالِق الميتافيزيقي". كان عليهم، أوَّلاً، أنْ يقيموا الدليل على أنَّ "العدم" كان "قَبْلَ" الوجود المادي. فهاتوا برهانكم (إنْ كنتم صادقين) على أنَّ "العدم" كان "قَبْلَ" المادة، أو الوجود، حتى نقول معكم بوجود، أو بضرورة وجود، تلك "القوَّة الميتافيزيقية" التي جعلت العدم وجوداً!

أمَّا في "حقيقتهم الثانية" فاستولدوا مِنْ ذلك "العجز الموضوعي" للبشر "الكائن الميتافيزيقي" الذي لا يُعْجِزه ما أعجز، ويُعجز، البشر. وقد كان ينبغي لهم أنْ يفهموا هذا "العجز البشري" على أنَّه دليل على أنَّ "الطبيعة" ليست بـ "العاجزة"، كما "البعرة" دليل على "البعير"، وكما "الأثر" دليل على "المسير"!

إذا كان الإنسان لا يستطيع أنْ يَخْلِق شمساً مثل شمسنا، فهل تعجز السُحب الكونية الضخمة والمؤلَّفة، في المقام الأوَّل، مِنَ الهيدروجين عن خَلْق الشموس؟!

لقد حُلَّت "المشكلة الكبرى"، فليس مِنْ "عدمٍ" لا "قَبْلَ" الوجود المادي، ولا "في خلال وجود الوجود المادي".. و"الطبيعة"، وحدها، تَخْلِق ما عجز، ويعجز، البشر عن خَلْقِه!

القائلون بـ "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" للكون يجيئون، دائماً، بـ "حكاية قارِب مِنْ دون صانع"، لإثبات "سُخْف" رأي ومنطق معارضيهم مِنْ غير القائلين بهذه "القوَّة". جاء في هذه "الحكاية" أنَّ إنساناً حضر أحد مجالس بغداد الفكرية في العصر العباسي ليناقش في خَلْقِ الكون، فأرسلَ صاحب المجلس رسولاً إلى أحد العلماء ليدعوه إلى حضور المجلس والإدلاء برأيه في الأمر. ذهب الرسول إلى العالم، وأخبره بالأمر، فقال له العالم: سألحق بك على الفور. انتظر الحضور ساعات، وكادوا أنْ يتفرقوا.. وفجأة دخل العالم، وبادرهم بالقول: أعتذر عن التأخير، لأنِّي صادفتُ في طريقي أمراً عجيباً. قالوا له (وهم في دهشة): وما هو هذا الأمر؟ أخبرنا؟ قال العالم: خرجتُ مِنَ البيت، حتى وقفتُ على شاطىء نهر دجلة. رأيتُ شجرة كبيرة تسقط في النهر، وتتحوَّل إلى قطع هندسية مختلفة، ثمَّ أبصرتُ مسامير تركض مِنْ بعيدٍ لتشد القطع الخشبية وتصنع منها زورقاً في غاية الدقة والإتقان. قالوا له: وبعدها ماذا حدث؟ قال: تقدَّم الزورق نحو الشاطىء الآخر مِنْ غير مجداف وربَّان، فنزلَ جميع مَنْ ركب عليه بسلام. هنا أخذ الرجل في الضحك والسخرية، وقال: "إنِّي آسفٌ لإضاعة الوقت في انتظار مثل هذا الجاهل الأحمق.. كيف يمكنني الحوار مع رجلٍ يدَّعي العِلْم، ويتحدَّث عن شجرة تسقط وتتقطع، تلتحم، وتتحوَّل إلى زورق يحمل الناس مِنْ غير مجداف أو ربَّان!
التفتَ العالم، وأجاب: لقد ضحكتَ، وسخرتَ، وتكلَّمتَ بكلام سيء.. ومِنْ حقِّي الآن أنْ أردَّ عليكَ بالدهشة والتساؤل: إذا كان وجود الزورق البسيط مِنْ تلقاء نفسه أمراً عجيباً ويدل على الجهل والحمق.. فالعجب سيكون أكثر حين تقول بأن الكون وُجِدَ مصادفةً!
فسكت الرجل.

في هذه الطريقة، يفهمون وجود الكون وتطوُّرِهِ. ولو أنَّ الكون، في وجوده وتطوُّرِهِ، كمثل ذلكَ الزورق، لَقُلْنا معهم بـ "ضرورة وجود القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة". ومع ذلك، نرى في حكايتهم ما يؤكِّد أنَّ "الخَلْقَ" ليس خَلْقاً مِنَ "العدم"، فأين هو هذا "العدم" في تلك الحكاية؟!

لا بدَّ للزورق مِنْ "خالِقٍ"، أو "صانعٍ". ولكنَّ هذا "الخالِق"، أو "الصانِع"، لم يجئ بهذا الزورق مِنْ "لا شيء"، أو مِنَ "العدم". لقد احتاج، في خَلْقِهِ للزورق، إلى "مواد أوَّلية".. احتاج، مثلاً، إلى "قِطَعٍ خشبية" و"مسامير". واحتاج، في تشغيله للزورق، إلى "قوى".. احتاج، مثلاً، إلى "المجداف" و"الربَّان". فهل كان "خَلْق الكون" في الطريقة ذاتها، أي في الطريقة التي لا أثر فيها لفكرة "الخَلْق مِنَ العدم"؟!

هذا الزورق لا يستطيع خَلْقَهُ (مِنْ أشياء أُخرى، وبمعونة قوى أُخرى) سوى "البشر"، فـ "الطبيعة" القادرة على خَلْقِ "الأعظم منه"، كمثل "المجرَّات" و"النجوم" و"الأرض" و"الحياة"، تقفُ عاجزة عن خَلْقِهِ. و"الطبيعة" خَلَقَت، وتَخْلِق، وستَخْلِق، أشياء وظواهر لا عدَّ لها ولا حَصْر، ولكن ليس في طريقة الخَلْق التي تصوَّرها ذلك "العالِم".. ليس في طريقة "شجرة تسقط وتتقطع، تلتحم، وتتحوَّل إلى زورق يحمل الناس مِنْ غير مجداف أو ربَّان"!

"الخَلْق الذي يقوم به البشر" يَشْتَرِك مع "الخَلْق الذي تقوم به الطبيعة" في أنَّ كلا "الخَلْقين" ليس بـ "خَلْقٍ مِنَ العدم"، ولكنَّه يختلف عنه في كونه ثمرة تفاعُلٍ بين "الذات" و"الموضوع"، فـ "الوعي" و"الإرادة" هما مِنْ "مقوِّماته الذاتية". وليس لـ "وعي الإنسان" و"إرادته"، ولا لأي "وعي آخر" و"إرادة أُخرى"، مِنْ وجود، أو أثر، في "الخَلْق الذي تقوم به الطبيعة"، فهذا "الخَلْق" إنَّما هو العاقبة الحتمية لفعل "القوى" و"القوانين" الطبيعية (الموضوعية).

وفي "حكاية مضادة" أقول الآتي: لقد "رأيتُ" مقدارين مِنْ غازي الهيدروجين والأوكسجين. و"رأيتُ" هذين المقدارين يتفاعلان تفاعُلاً كيميائياً. ورأيتُ مقداراً مِنَ الماء ينشأ عن تفاعلهما. ورأيتُ أنَّ هذا المقدار مِنَ الماء قد تحوَّل إلى جليد إذ بلغت درجة حرارته، في هبوطها، حدَّاً معيَّناً..

إنَّ أحداً لا يستطيع أنْ يضحكَ ويسخرَ إذا ما رويتَ له تلك الحكاية؛ لأنَّ أحداً لا يستطيع أنْ يزعم أنَّ كل هذا الذي حَدَثَ، في الحكاية التي رَوَيْت، يشذُّ عن "منطق التطوُّر في الطبيعة"، أو أنَّه قد حَدَثَ "مصادفةً". في هذه الطريقة فحسب، تصنع الطبيعة "زوارقها"، فهل مِنْ معتَرِض؟!

"الطبيعة"، بـ "قواها" و"قوانينها"، "خَلَقَت" الماء مِنْ غازي الهيدروجين والأوكسجين، ثمَّ حوَّلَتْهُ إلى جليد. وفي طريقة الخَلْق ذاتها، خَلَقَت "الطبيعة" المجرَّات والنجوم والأرض والحياة..

قَبْلَ أنْ تسألَ "مَنْ خَلَقَ هذا الشيء؟"، عليكَ أنْ تسألَ "هل خُلِقَ هذا الشيء؟". وقَبْلَ أنْ تسألَ "هل خُلِقَ هذا الشيء؟"، عليكَ أنْ تسألَ "ما معنى الخَلْق؟".

"الخَلْقُ" في الدين، وفي "المثالية" على وجه العموم، إنَّما هو "العدم وقد تَحَوَّل بقدرة قادر، هو الخالِق الميتافيزيقي، إلى وجود مادي"، أي أنَّه "انبثاق الشيء، بأمرٍ مِنْ هذا الخالِق، مِنَ اللاشيء".

وهذا "الخَلْقُ" جاء إذْ كان "الخالِق" ولم يكن مِنْ شيء، فـ "الخالِق" و"العدم" كانا هما "المبتدأ". و"الخَلْقُ"، إذا ما شَبَّهْناهُ بـ "الخَلْق اللغوي"، قد يكون خَلْقاً لـ "عبارة"، أو "كلمة"، أو "أحرف (أبجدية)"، فـ "الخالِق" قد يكون خَلَقَ "الشمس"، مثلاً، أو خَلَقَ "سحابة الهيدروجين"، التي منها جاءت الشمس بَعْدَ انقضاء "زمن الخَلْق". وقد يكون خَلَقَ "الأبجدية المادية"، أي ما يسمَّى "الجسيمات المادية الأوَّليَّة"، مثل "الكوارك"، فجاء الكون وكل شيء، بَعْدَ ذلك، مِنْ تلك "المادة الأوَّليَّة". ولا بدَّ مِنْ أنْ تتطوَّر "المادة المخلوقة"، بَعْدَ انقضاء "زمن الخَلْق"، وِفْقَ "خُطَّة روحانية مُحْكَمَة"، ووِفْقَ "أوامر وتعليمات روحانية"، قد نسمِّيها "قوانين وقوى طبيعية".

على أنَّ كل ذلك لا ينفي، وإنَّما يؤكِّد، المعنى الديني الجوهري لـ "الخَلْق"، وهو "مجيء المادة مِنْ رحم العدم"، فالدين قد يقر بـ "مجيء مادة مِنْ مادة"، أو "شيء مِنْ شيء"، أي قد يقر بـ "التَحَوُّل المادي"، ولكنَّه يَفْقِد منطقه، ويُفْقِد "الخَلْق الميتافيزيقي" منطقه، إذا هو لم يُعِدْ الكون بكل ما فيه إلى "أُصول (أبجدية) مادية"، خَلَقَها "الخالِق" مِنَ "العدم"، فنفي "العدم" إنَّما هو ذاته "نفي "الخَلْق" و"الخالِق".

والآن، دعونا نسأل هذا السؤال: "ما هو، وأين هو، هذا الشيء الذي ثَبُتَ بالدليل العلمي القاطع أنَّه لم ينشأ، ولا يمكنه أنْ ينشأ، مِنْ شيء، وأنَّ العدم، بالتالي، هو منشؤه؟". في الطبيعة كلها، ليس مِنْ شيء لا مكوِّنات له، وليس مِنْ شيء لا ماضي له، وليس مِنْ شيء كان في ماضيه (وسيكون في مستقبله) مثلما هو في حاضره. كما ليس مِنْ شيء، مهما كان متناهياً في الصِغَر، لا يملأ، أو يشغل، جزءاً، أو حيِّزاً، مِنَ "الفراغ"، أو "الفضاء"، الذي لا نهاية له. وليس مِنْ فراغٍ، أو فضاء، يُحيط بالشيء مِنْ كل جوانبه، ولا يقوم في داخله، في الوقت ذاته، فالفراغ، أو الفضاء، يقوم، دائماً، في خارج الشيء، وفي داخله. مثل هذا الشيء الذي خَلَقَهُ "الخالِق الميتافيزيقي" مِنَ "العدم" إنَّما هو المستحيل بعينه. والفيزياء لن تتمكَّن، ولو بَعْد مليون سنة، مِنْ أنْ تأتي بدليل لا ريب فيه على أنَّ "هذا الشيء قد جاء إلى الوجود مِنْ حيث لا وجود للمادة".

قد يتوهَّم بعض الفيزيائيين أنَّ جسيماً ما قد انبثق مِنْ حيث ينعدم وجود المادة، وأنَّه لم يبقَ على قيد الحياة إلا زمنا متناهياً في الصِغَر، فلم يحس به، بالتالي، قانون "حفظ المادة". ولكن يكفي أنْ يمعنوا النظر في "مكان ميلاده" حتى يتأكَّدوا أنَّ هذا الجسيم قد انبثق مِنْ مادة، فـ "الفراغ" مهما "فَرَغَ" لن يَفْرَغَ أبداً مِنَ "المادة" لـ "يُمْلأ" بـ "العدم".

في "الوجود المادي" لا "وجود" لِمَا يسمَّى "العدم". وقَبْلَ "الوجود المادي" لا "وجود" لـ "العدم"؛ لأنْ لا "قَبْلَ" قَبْلَهُ. وبَعْده، لا "وجود" لـ "العدم"؛ لأنْ لا "بَعْدَ" بَعْدَهُ". والقول بـ "العدم" إنَّما يعكس فَهْماً مشوَّها، جزئيَّاً، ناقصاً وغير موضوعي لـ "المادة" Matter لدى القائلين به، مِنْ أمثال أولئك الذين أخرجوا "الطاقة"، و"الفوتون" وأشباهه مِنَ الجسيمات، و"الفراغ" أو "الفضاء"، مِنْ مفهوم "المادة"، الذي يشمل كل شيء في الوجود باستثناء "الفكر"، الذي ليس مادياً في ماهيته، والذي، مع ذلك، لا يمكنه الاستقلال بوجوده عن "مادة خاصَّة"، هي "الدماغ البشري".

وفي العلاقة بين "المادة" وبين ما تُوَلِّدَهُ مِنْ "إحساس" فينا، نقول إنَّ كل ما "نراه" بـ "العين المجرَّدة"، أو بـ "العين الاصطناعية"، كمثل "الميكروسكوب" و"التلسكوب"، يجب أنْ يكون "مادة"، ولكن ليس كل "مادة" يمكننا أنْ نراها بهذه العين أو تلك، فهناك مِنَ "المادة" ما لا يمكننا إدراكه حسِّيَّاً لأسباب موضوعية، بعضها "إنساني"، وبعضها "تكنولوجي". على أنَّ هذا لا يمنع مِنْ أنْ نُدْرِكه حسِّيَّاً في طريقة غير مباشِرة، أي مِنْ خلال آثاره وتأثيراته (المادية).

إنَّكَ لا تُخْطئ إذا أنتَ قُلْتَ بـ "الأبجدية المادية"، فالوجود المادي إنَّما هو "جُمَلٌ" و"مفردات" عديدة، تتألَّف مِنْ "حروف" قليلة العدد. ولكنَّكَ تُخْطئ إذا أنتَ لم تَنْظُر إلى كل "حرف" على أنَّه "نصٌّ" يشتمل، حتماً، على "جُمَلٍ" و"مفرداتٍ" عديدة.

إنَّكَ لا تُخْطئ إذا أنتَ قُلْتَ بأنَّ كل كتلة النجم، مثلاً، يمكن ضغطها وتركيزها في حيِّزٍ متناهٍ في الصِغَر. في حيِّز يشغله "إلكترون" مثلاً. ولكنَّكَ تُخْطئ إذا أنتَ فَهِمْتَ "التركُّز الأقصى" لـ "الكتلة"، أو "المادة"، على أنَّه "انعدام للحجم"، بأبعاده الثلاثة، فهذا "التركُّز الأقصى (في المعنى النسبي لـ "الأقصى")"، لن يأتي بـ "شيء عديم، أو صفري، الحجم"، فليس مِنْ شيء لا يَشْغُل حيِّزاً، أي لا "يملأ" جزءاً، ولو متناهياً في الضآلة، مِنَ "الفراغ"، أو "الفضاء"، فالمادة "جُسْمانيَّة" مهما كانت متناهية في الصِغَر.

و"جُسْمانيَّة" المادة في وحدة عضوية مع "فراغِيَّتِها"، فـ "الفراغ"، أو "الفضاء" يُحيط بكل شيء، ويقوم، في الوقت نفسه، في داخل كل شيء. وكل "فراغ"، أو "فضاء"، إنَّما هو شكل مِنْ أشكال وجود "المادة". إنَّما هو "حقل" تنمو فيه، وبه، "بذور المادة". وهذه "البذور" هي وهذا "الحقل" كلٌّ واحدٌ غير قابلٍ للاجتزاء.

وإذا كان لـ "الخَلْق" مِنْ معنى علمي فلا بدَّ لنا مِنْ أنْ ننظر إلى "الوجود المادي" على أنَّه الوحدة العضوية بين "الخالِق المادي" و"المخلوق المادي"، فكل شيء إنَّما هو "خالِقٌ" و"مخلوق" في الوقت عينه؛ لأنَّ كل شيء هو "نتيجة" و"سبب" في الوقت عينه، فليس مِنْ شيء لم يَنْتُجَ عن شيء، وليس مِنْ شيء لا يُنْتِجَ شيئاً.

في "الطبيعة ذاتها"، وليس في "ما وراء الطبيعة"، نرى "الخَلْق" بشطريه: "الخالِق" و"المخلوق". ونرى فيها، أيضاً، أنَّ كل خالِقٍ مخلوق، وكل مخلوقٍ خالِق.

مِنَ "المُقَدِّمات" تأتي "النتائج" و"الاستنتاجات"، فأين هي في الطبيعة تلك "المُقَدِّمات" التي منها يمكننا أنْ نستنتج أنَّ "المادة" يمكن ويجب أنْ تنشأ مِنَ "العدم"؟!

إذا كان إثبات وجود هذه "المُقَدِّمات" يعدل "المستحيل"، فكيف غدا ممكناً القول بـ "مجيء المادة مِنَ العدم"؟!

ليس في الطبيعة مِنْ وجود إلا لتلك "المُقَدِّمات" التي تسمح لنا، فحسب، بالقول بأنَّ "المادة" لا تفنى ولا تُخْلَق مِنَ "العدم"، فلماذا نضرب صفحاً عن تلك "المُقَدِّمات" لنزعم، بَعْدَ ذلك، أنَّ "المادة" خُلِقَت مِنَ "العدم"، وأنَّها فانية لا محالة؟!

لو أنَّ القائلين بـ "العدم"، وبـ "الخَلْق الميتافيزيقي" بالتالي، فهموا "النشوء" و"الزوال" على أنَّهما "تَحَوُّل مِنْ مادة إلى مادة" لانْتَفَت لديهم الحاجة إلى القول بـ "العدم"، بدايةً لـ "الوجود المادي"، ونهايةً له، فالشيء إنَّما ينشأ عن شيء، أو أشياء، فإذا زال، ولا مهرب له مِنَ الزوال، فلا بدَّ مِنْ أنْ ينشأ عن زواله شيء، أو أشياء.

في الطبيعة ليس مِنْ وجود إلا لـ "الأشياء". وليس مِنْ "شيء" إلا و"مقارنته" مع كل الأشياء ممكنة، فـ "أوجه التماثُل والاختلاف" نراها (يمكننا وينبغي لنا أنْ نراها) بين كل الأشياء، فالشيء الذي يُماثِل غيره مماثَلةً "مطلقة"، أو يُخالفه مخالفَةً "مطلقة"، لا وجود له البتَّة.

على أنَّ ذلك لا يعني أنَّ الشيء، كل شيء، لا يشبه "بصمة الإبهام"، فالشيء، وعلى الرغم مِنْ صفاته وخواصِّه وسماته المُشْتَرَكة مع غيره، ومع كل الأشياء، لديه مٍِنَ الصفات والخواص والسمات ما يُمَيِّزَهُ، ويجعله نسيج وحده كـ "بصمة الإبهام". وهذا يعني أنَّ "هذا" الشيء لن نرى مثيلاً له، أي ما يُماثِلَهُ مُماثَلةً "مطلقة"، إذا زال، فـ "التكرار"، في هذا المعنى، إنَّما هو المستحيل بعينه. إنَّ "الشيء" كمثل "هذا" الإنسان الذي أعْرِف، والذي يُدْعى..

هذا الشيء "الفَرْد"، الذي يشبه "بصمة الإبهام"، لا وجود له إلا إذا اشتركَ مع غيره، ومع كل الأشياء، في الصفات والخواص والسمات، فهو يشتركُ في بعض منها مع طائفة ضيِّقة مِنَ الأشياء، وفي بعضٍ ثانٍ، مع طائفة واسعة مِنَ الأشياء، وفي بعضٍ ثالثٍ، مع طائفة أوسع مِنَ الأشياء. وليس مِنْ نهايةٍ لهذا التوسُّع في الصفات والخواص والسمات المُشْتَرَكة، ففي "الفَرْد" مِنَ الأشياء يكمن "العام" في درجاته ومستوياته كافَّة.

إنَّ هذه البرتقالة التي في يدي هي الشيء "الفَرْد"، الذي هو نسيج وحده كمثل "بصمة الإبهام". ولكنَّ "هذه" البرتقالة تشتركُ مع كل البرتقال في بعض الصفات والخواص والسمات، وتشتركُ مع كل النبات في بعضٍ ثانٍ مِنَ الصفات والخواص والسمات، وتشتركُ مع كل الكائنات الحيَّة في بعضٍ ثالثٍ مِنَ الصفات والخواص والسمات، وتشتركُ مع كل الأشياء قي بعضٍ رابعٍ مِنَ الصفات والخواص والسمات. وفي الطبيعة، ليس مِنْ وجود إلا للبرتقالة الفريدة المتفرِّدة، فـ "البرتقالة العامَّة" لا وجود لها البتَّة؛ لأنْ لا وجود لـ "العام" إلا في "الخاص"، أو "الفرد".

والشيء "الفرد" هو الذي "ينشأ"، وهو الذي "يزول"، ولا مهرب له مِنَ الزوال؛ لأنَّه "نشأ". وهو عند نشوئه يشرع يزول. وهذا السير في طريق "الزوال الحتمي" إنَّما هو ذاته "مسار النمو"، فالشيء لا يمضي قُدُماً في طريق الزوال إلا وهو ينمو، ويمضي قُدُماً في النمو.

نقول: "هذا الشيء نشأ". فهل نشأ مِنْ "لا شيء"، أي مِنَ "العدم"؟! أُنْظروا في هذا "النشوء"، ولسوف ترون أنَّ هذا "النشوء" قد جاء مِنْ هذا "الزوال"، فثمَّة شيء (أو أشياء) قد زال، ومِنْ زواله، وفي الوقت عينه، جاء "النشوء". ونقول: "هذا الشيء زال". فهل زال مِنْ غير أنْ يتمخَّض عن زواله، وفي الوقت عينه، نشوء شيء (أو أشياء) آخر؟!

هذا هو الذي نراه دائماً في الطبيعة، فهل رَأيْنا ما يشذ عن ذلك، حتى نقول بـ "خَلْق شيء مِنْ لا شيء"؟! وهل رَأيْنا ما يحملنا على القول بوجود شيء يَدْخُلَ في تكوين كل شيء، أو في بعض الأشياء، ولكنَّه هو ذاته لا مكوِّنات له، أو لا منشأ له مِنْ زوال غيره؟!

ليس مِنْ شذوذ في الطبيعة عن هذه "القاعدة"، التي ينبغي لنا، وِفْقها، أنْ ننظر إلى ما ينشأ مِنَ الأشياء على أنَّه شيء قد نشأ مِنْ زوال غيره، وإلى ما يزول منها على أنَّه شيء قد زال لينشأ غيره. وأنتَ لا ترى إلا ما نشأ مِنَ الأشياء، وما ينبغي له أنْ يزول بالتالي. لا ترى إلا ما له "بداية" و"نهاية" في "الزمان". لا ترى إلا ما يشغل حيِّزاً، ولديه ثلاثة أبعاد مكانية، ويختلف عن غيره في "الخصائص المكانية". لا ترى إلا الذي له ماضٍ، وحاضر، ومستقبل، والذي يختلف باختلاف زمانه، فهو مختلفٌ في ماضيه ومستقبله عمَّا هو في حاضره، ولا بدَّ لنا مِنْ أنْ ننظر إليه في اختلافه باختلاف زمانه، فـ "صورته الذهنية" يجب أنْ تتغيَّر مع كل تغيُّرٍ في واقعه. إنَّ "تجميد الصورة الذهنية" يزيد "العقل" اغترابأ عن "الواقع"، فيتَّسِع البون بين "التفسير" و"التغيير".

إذا كان لديكم ما يكفي ويُقْنِع مِنَ "الأدلَّة" على أنَّ الشيء يمكن أنْ ينشأ مِنْ "لا شيء"، و"المادة" يمكن أنْ تُخْلَق مِنَ "العدم"، فلن أركب رأسي، ولسوف أُقرُّ معكم بأنَّ إقرار "العدم"، علمياً وفلسفياً، هو المَدْخل إلى الإقرار بوجود، وبضرورة وجود، "الخالِق الميتافيزيقي". أمَّا إذا فشلتم، ولسوف تفشلون فشلاً لا ريب فيه، فلن أمنعكم مِنْ أنْ تركبوا رؤوسكم؛ ذلك لأنَّ في عنادكم هذا مِنَ "المصالح الواقعية" ما يمنعكم مِنَ التسليم ببديهية "1+1=2"!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,001,586,554
- حلٌّ متبادَل ولكن غير متزامن!
- الحرب المعلَنة في هدفها غير المعلَن!
- فرحٌ رياضي أفسدته السياسة!
- إنها -آراء- وليست -مواقف-!
- تهافت منطق -التأويل العلمي- عند الدكتور زغلول النجار وآخرين!
- -حرب صليبية- جديدة على -مادِّية- المادة!
- خبر -صعقني-!
- إما -صمت- وإما -توسُّط-!
- كم أحسدك يا شاليت!
- من حجج الاعتراض على -الاستفتاء-!
- هل هذه -حرب-؟!
- إرهاب التوجيهية!
- -التسيير- و-التخيير- بين الدين والعِلْم!
- من -الرأسين- إلى -الرقبة والرأس-!
- قُلْ لي كم لدينا من الديمقراطيين أقول لك كم لدينا من الديمقر ...
- -حماس- في حوار -الناسخ والمنسوخ-!
- الملف الذي فتحه -النواب الأربعة-!
- -الإرهاب- و-الإصلاح السياسي- كما يتصوَّرهما البخيت!
- خطة اولمرت لتفكيك -القنبلة الديمغرافية


المزيد.....




- ترامب ينقل عن الملك سلمان قوله إنه -يجهل- مصير خاشقجي ويعلن ...
- بوتين يصدر قرارا استراتيجيا بشأن العلاقات مع مصر
- 4 خطوات لتجنب الشعور بالحسد على إنستغرام
- لقاء حصري مع ليلى علي علمي.. أول نائبة محجبة تحت قبة البرلما ...
- عن قضية اختفاء جمال خاشقجي
- وظائف شاغرة في بي بي سي عربي
- -المشهد- مع نادرة عمران
- لقاء حصري مع ليلى علي علمي.. أول نائبة محجبة تحت قبة البرلما ...
- زجاجة نبيذ فرنسي تباع بسعر قياسي تجاوز نصف مليون دولار في مز ...
- خيبات ألمانيا.. ابحث عن نوير


المزيد.....

- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جواد البشيتي - قصَّة الْخَلْق