أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض رمزي - العزلة في زمن الكورونا















المزيد.....



العزلة في زمن الكورونا


رياض رمزي

الحوار المتمدن-العدد: 6604 - 2020 / 6 / 28 - 03:45
المحور: الادب والفن
    


العزلة- في زمن الكورونا. عن حياة الواقفين وراء شبابيك منازلهم. رياض رمزي.

" ما يحدث الآن ليس غير عقاب مردّه عدم التزام بتعاليم الدين الحنيف من قبل أناس لم يلتزموا بتراث سلالة شرّفها الله بمعجزات، حين إنجاب ظلام الأمراض عن مشايعيها. ساعة التزموا بتعاليمها ونهجوا نهجا صالحا خلق الله لهم جدارا واقيا ضد الأمراض والشرور والدناءات. كان زمنا تموت فيه الذئاب مولّية وجوهها نحو القبلة". خطبة رجل دين.
الوحدة الكثيفة أجبرتني أن أكون صديق نفسي وهي التي أنعمت علي بعاداتي العقلية. جان جينيه
نُصح الشاعر العظيم قسطنطين كفافي بتغيير مسكنه في الإسكندرية. قال" أين يمكنني أن أحصل على موقع أفضل من هذا بين مراكز الوجود الثلاثة: خمارةٌ أسكر فيها، كنيسة تصفح عنّي، مستشفى أموت فيها".

ككل أنواع البلاء تحتاج المصيبة إلى ضحايا. الضحايا هنا هم مجموعة من أصدقائي. حدث معهم، بعد الجائحة، شيء غير اعتيادي، خلخل روتين حياتهم وزعزع من سيطرتهم على وقت لا يمكن تصريفه بحل كلمات متقاطعة. يذهبون الآن خفية، عن عيون عدو غير مرئي، إلى السوق ويعودون بسرعة. البقاء لفترة خارج البيت فترة أطول يسبّب اختلالا في حواس ترتاب بكل شيء: الهواء، لمس الجدار، العربات الوافدة في الاتجاهين، الكلاب، الخيول، الجدران.. وكل ما ينبض ولا ينبض بالحياة.
مجال واسع يفصح عن وجوده في أمكنة بعيدة وغير متوقّعة، مثل انفجار في مصنع ذخيرة يصل دماره إلى مرابع نائية. كنت أقول لأصدقائي لا منفذ لنا سوى القبول قسرا بالبقاء في بيوتنا. هم يفهمون ما يحدث لهم مفصحين عن وضعهم بعبارة: نهرب من عدو لا نراه ونشعر بوجوده إلى عدو نراه ونشعر بوجوده. حين أتساؤل من عساه يكون؟، يجيبون: الثاني مرضٌ لا يمكن معالجته إلا بالابتلاء به، أنه مرض الوحدة. كي تعالجه عليك أن تتحمل مصابه بأن تترك نفسك مصفّدا في البيت كي تنهشك مخالبه. تتطلّب هذا الأفعى الساكنة في البيت، على غير المتعارف عليه، أقصى درجات المسايرة. عليك أن تقول للوافدة الجديدة أصنعي بي ما شاءه هواك، فأنا ملك يمينك، لأن المرض الأخر كوفيد 19 منزوع الحياء لا يمكن أن يباريك في الأذى، ولا يُقارن بما تنفثيه في عقلي وروحي من سم زعاف، فهو لا يقبل بتسوية ودية لأن عزرائيل جمع كل خبراته فيه.
احتلت الكورنا الشوارع أما الوحدة فقد أمسكت بزمام البيت. أجهزت الكورونا( رقم 19) على كونٍ قمنا ببنائه خلال سنوات نفينا وبروتين أطبق بقبضته علينا حتى بات أشبه بتغريدة طير تترافق مع قدومه. ألقت سفينة المنافي مراسيها بنا في مقاهي منّت علينا بلقاءات نخوض خلالها مواجهات وهمية مع أعداء الوطن، تمدنا بإحساس وهمي بانتماء نعيش على وقعه: حرقة مفارقين له تحت ضغط أساءة أعدائنا لنا، أي هزيمة وانكسار على كثرتها تسبّب انكسارات في نفوسنا، نضع وزرها كله على الامبريالية والرجعية العربية... وكل الشركاء في أثم طردنا. كنّا قبل ذلك مواطنين لا يمكن إسقاطنا من حساب إيصال الوطن إلى ذرى العلياء كأننا نتمثل الآن بقول الشاعر: أضاعوني وأي فتى أضاعوا/ ليوم كريهة وسداد ثغر. حتى بتنا نقول : إن شئت أن تتذكّر وطنك فلا مناص من الإصابة برقم 19 التي تنقلك لجو حزين يُثخنك بالكآبة على وطن كان يغطيك وقت البرد كمعطف يتجاوز الركبتين. نعم تنتعش روحك وأنت تتذكر بلدا أبعدت عنه بطريقة تخلو من الذوق، بلدٌ يتكلم قادته الآن في المحافل والمنابر كزمرة من مؤمنين يؤمنون بيوم الدينونة ويشغلون وقتهم بالبحث عن علامات قدومه. سبب قدوم 19 يتمثّل في أقلاع غير متوقّع عن الدين، ما كان يمكن له أن يأتي لو تم الالتزام بتعاليم الدين.
ذكر رجل الدين الذي تلقى العديد من الجوائز الشرفية على لقيات معرفية أجازت له الجهات السماية العليا التوصل إليها وأذاعتها على الملأ، أن سكان بابل كانوا قوما موحّدين يؤمنون بالله، تجرئوا على بناء برجٍ للقاء الخالق عيانا. برج يعلو على مبنى التجارة العالمي بألف مرة، حتى أنه كاد يحجب نور الشمس. لم يرض الخالق على هذه الفعلة الرعناء ولا عن سواها، فوجّه لهم ريحا تفوق قوتها سرعة طائرات الإرهابيين بألف ألف مرة. زعزعت أسس البرج ثم أتبعها بأمطار ظلّت السماء دامعة بها لشهور ولم يكن يوقفها إلا عندما ينام. سامحا بعدها لنوح ببناء سفينته. لم يكن يسمح لأحد أن يطّلع على أسرار طريقته في عملية الخلق، وكيف كان يباعد ما بين قدميه خوفا من السقوط بسب شدة الإعياء الظاهر على الوجه. ولم يكن يسمح لأحد أن يعرف الوقت الذي يطفأ فيه النور كي يستريح.

أما نحن من ربت أعوامنا على عدة عقود في المنافي، فقد دمّر البلاء رقم 19 كيفية تصرّفنا بوقتنا. انهار كوننا الذي قمنا ببنائه في المحافل الثقافية وفي المقهى، أين كنا نتخاصم مع أبناء وطننا على كيفية تصريف وطننا لشؤونه بدوننا، نتفق معهم، نجلب أخبارا جديدة، نمارس نشاطا، على شكل استلام وتسليم أسرار وتحليلات عاجلة كما يقول سعدي يوسف" تحكي حكايتين عن الضياع/ وتشتم العصر المملّا/ وتخط رمزا في السياسة ليس يفهمه سواك". نشاط نمارسه كل يوم، نطالب بالحصول على مكسبنا كاملا من علاقات وأخوانيات وأسرار يطلق المقهى سراح أشدها خطورة. إضافة إلى طاقة مخبوءة غير مصرّفة تتمثل في تقديم رأسنا إلى الأمام مخفّضين صوتنا بالهمس عند الكلام عن الآخر بطريقة لا يبارينا فيها أحد، ثم نذهب إلى نفس ذلك الآخر ونقول له سنكون عونا في أوقات البلاء و إذا داهمك عدوٌ أو لحق بك ضرر فلا تظنّن نفسك وحيدا بعيدا، بل ستسمع الحمحمة في مرابط خيولنا. نقول من الآن: لو تخيّرك الموت فسيطلب منّا استئذانا. كيف له أن يتجاسر بعد أن نضبت قدراته من كثرة حصد أرواح أهلينا، فنحن، وبرغم كثرة ما اخترم منّا الردى من حيوات، ما زال كثيرٌ عديدُنا، حتى أنه قد حلّ به دوار وتولّته حالة من الغشية عاد بعدها مبهورا من السهولة المفرطة والتزام الصمت وهو يشاهد كيف أفسحنا له المجال من خلال مدّ رقابنا ورغبتنا في المغادرة مبكّرا. أمسك الردى، بعد أن عاد مفتونا بما رأى، عن زهق أرواح أهلنا بعد أن داهمه وهن غير مألوف، أليست ألأرض تتكلم عراقي من كثرة ساكنيها، أليست هي نفسها الأرض التي تهلّل عند ورود عراقي إلى جوفها" هله بالزايد فيضة/ الكاع اهتزت من غيضه" وهو يجيبها" أحنه اللي سوينا الموت فَرْدَةْ يمني". باختصار نحن أولئك الثوريون الذين كنا نسعى لبناء وطن حر ونجعل شعبنا سعيدا، تنكبنا عن طريق كنا متشبثين به في كل محفل نردّد فيه عبارات نقولها في كل مكان عن النور الذي سيأتي من جهة الشرق. حتى في منامنا كنا نرقد متأهبين في وضع الانقضاض على أعدائنا الطبقيين. كنا نتكلم عن سعادة العمال والفلاحين ونستمع لقادتنا يتكلمون عن المجتمع السعيد كمن يتحدث عن البر بالوالدين، وكنا نحمل شارة الحداد على شهداء يقعون صرعى في أنغولا، الموزمبيق والجزر الرأس الأخضر وكل ألوان الجزر.

لم يؤد الرقم 19 إلى انهيار طريقة تصريفنا لوقتنا فحسب، بل جعلنا مَحيطين بسكون سلب منّا عافيتنا، بسبب راحة سبّبت لنا نحولا ليس من سبيل للتعامل معها، فنحن مسجونون في سجن موصد بمفاتيح بأيدينا. نحن سجناء ليس في نيتنا الخروج منه. لسنا في دير يضم رهبانا منشغلين بأمور الميتافيزيقيا، بل نزيلي سجن بابه مشرّع لنا ولكننا لا نفكّر إلا بما يحدث وراء أسواره. سلامتنا تعيش على مضض في داخلنا، ولا نتمنى غير العيش وراء جدرانه، في مقهى نفتي فيها بقضايا عالمية بالغة الخطورة وبدقة مليمترية.

في الشوارع بسبب غياب العربات وتوقف المداخن تحلّى الهواء بنضارة وشفافية البلور، حتى أن أدوات قياس التلوّث توقفت عن العمل. العزلة لا تناسبها غير الأمطار، الرياح، اصطكاك الفكين... لكن الرقم 19 جاء مع شمس ساطعة وجو ربيعي ونسائم طرية، رفعت من عنصر التشويق لنتجاوز عتبة البيت، نلقي بالحذر جانبا، نستجمع أنفسنا ناهضين للخروج، إلى المقهى. اللقاء بالأصدقاء صورة لن تفتأ تعاودنا كل دقيقة، لأن البقاء في البيت حالة تفوق الاحتمال، خاصة بعد رحيل الشتاء المفاجئ، حيث راح العالم يبدو من نوافذ شبابيكنا منطقة يعمها الهدوء.
تمر سيارات الإسعاف بدون صافرات إنذار. لا أحد في الشارع يعيق الحركة، علام التحذير إذن؟. لا يوجد جزعٌ من الوصول ما دام الشخص المرمي في قعر سيارة الإسعاف قد مات، وما عليهم غير نقله إلى مكان يتحول فيه إلى ذرور رماد... يتحوّل السائر في يسار الشارع إلى يمينه ومن يساره إلى يمينه حينما يقابله سائر آخر، كأنهم في رقصة ينتقل فيها الراقصون من اليسار إلى اليمين وهو يطوّحون بأيديهم لحظة عبورهم..
حوّلَنا الرقم 19 إلى ما يشبه كومندانت ماركيز الذي خاض حروب التحرير وانتهى متقاعدا ينتظر راتبه الأزلي. كما أشخاص المطهر لدى دانتي ننتظر الدور ونحن ندير الوجه في كل الاتجاهات لنسمع هاتفا يدعونا للمثول.
تلقّينا توفيقا مُلهما خاصا بنا يناسبنا للخروج من السجن والبقاء فيه في آن واحد. كيف؟، عن طريق الشباك وتحويله إلى بعد خامس. كيف؟. الوقوف ورائه وجعل عيوننا تنزلق فتطفو طليقة على الطريق، وعلى مرأى من السائرين، ليس كمن يعرض سجنه على الملأ، بل كمشغولين بهواجس إبداعية نحصل منها على إلهام. وقوف خلع علينا مظهر المراقب المتأمل، ودفعا للالتباس من مظهر من هو غير محترف في النظر، فقد كنّا نرتدي ملابس الخروج، كمن أنهى عمله وما يشغله الساعة غير الخلاص من وهن شدة العمل في داخل البيت( free lance job). نقف ونحن نحيا على يقين قدرتنا على أيهام السائرين، على ندرتهم، بأن وقفتنا هي جزء من راحتنا من عمل في البيت يدور نشاطه حول كمبيوتر، كما كانت حياتنا في زمن الانقلابات والحروب تدور حول مدفأة علاء الدين. إذن الكورونا والأوامر الرسمية جعلتنا هائمين في منازلنا. ذلك كل ما استطعنا جنيه من منع التجوال.
كي لا نشعر بأننا نعيش بين أربعة جدران، قررنا تبنّي رؤية جديدة تجعل مسكننا ليس سجنا، بل بالزعم أننا قادرون على مبارحة المكان عن طريق الشبابيك، ولا يعرونا حرجٌ من ذلك. عند منبلج الصباح ليس ثمة فائدة من الوقوف في الشارع لأنه خالٍ عدا طيور الحمام التي تتنعم بوجبة حبوب شهية، ما كان يخطر لها على بال أن ساكني البيوت الذين كانوا يحتلون الشوارع موجودين تلك الساعة في أسرّتهم تنخرهم نفس المخاوف التي كانت تعمر قلوب أسراب الحمام في وقت ما قبل 19 . لا شك أن الحمام من خلال عشرة طويلة مع البشر لا يصدّق أنهم باتوا مغالين في التساهل معهم فقرروا الاحتجاب رفقا بالطيور ليعتنوا بصحتهم. وقفت القطط، التي تشبه، من شدة غبطتها، الآن حيتانا تتواثب في البحر وقت غياب سفن الصيد. لو أطلعتْ القطط على جلية الأمر لمارسن المواء بلغة الضاد ولأنشدن: مصائب قوم... ألخ.
الذئب الذي لا يُسمع صوته ولا يُرى بات يهدّد البسيطة كلها جاعلا أي تسكّعٍ حماقة غير مأمونة العواقب. حتى الفضاء بات خلوا من الطائرات. مع دنو ساعات العصر يأتي المساء فيغمر الغرف نورٌ ظامئ وردي اللون يثير شهوات الخروج، فيندفع الساكنون للذهاب في نزهات لمشاهدة الشارع من خلف الشباك بدلا من المقاهي. شارع على جانبيه أشجار حور ودردار وقيقب... وفي نهايته محطة حافلات مهجورة تشبه مخزن غلال في فترة جفاف. حين يحل ضياء ما بعد الغروب ويشعرون بأن المقام في البيت قد طال، يلجئون لترفّع مصطنع فيه شيء من وقار كاذب خوفا من نكدٍ نفسي أمده قد يطول وهم يردّدون" لسنا وحدنا، أنظر كل بلدان العالم تعاني منه"، يقول شخصٌ آخر " والعراق؟" فيجيبه أحدهم" وهل تحسبه بلدا؟".
بانسلاخهم عن الشارع تصبح العودة إليه فعلا إجباريا. يتقدمون نحو شبابيك بيوتهم يشاهدون عشاقا وأزواجا بسراويل قصيرة يهرولون نحو المنتزه القريب بأوجه تغلفها كمامات وبسراويل قصيرة تكشف عن سيقان ثلجية وزنود بدون أردان ذات لونٍ مرمري، تجعلهم يتمثّلون بأغنية " من الشباك لرميلك حالي".
بعد فترة صحو ربيعية يبدأ توافد مطر... تجعل الواقف يتذكّر أمطارا قديمة كانت ترمي بمياه لا منفذ لها غير المكوث في الشارع لأيام فتتضخم ذكريات المنفيين الذين سرعان ما يقولون" حتى أمطار بلادي أحلى". مثل امرأة مترهلة تشبه بَكْرة من الصوف تقول: لا يذهب بكم الظن أنني كنت هكذا في بلادي، كنت وردة لكنني شارفت على الذبول في المنفى، فهو الذي أساء إليّ بهذا الترهل. ثم تملّس يديها بثوبها وتصرخ باكية، وقد غلبتها العاطفة، على أيام زمان وراحت تلقي قصيدة تشيد فيها بمزايا الغبار في بلادها" حتى الغبار في بلادي يصلح مرهما للعيون".. لا يوجد في حوزة العاشقين لدينا غدرٌ بل صدود يعمل لحساب الحب، يشكّل أشد أنواع الإغراء الذي ينتج غزارة في الحب. ثم تقول، وهي تستشعر وجعا في القلب، بلادي تعرّضت لمكائد خارجية قادها كلٌ من السيد والمومن وأصحاب الثنيات تحت اللغد الذين يعششون قرب المزارات الدينية. سرب حيتان جاء من الخارج وأهلك سمكنا الوديع الطيّب، الحلقة الأضعف من سلسلة الأحياء في بلادي.

برغم المشاحنات، الخلافات، الخصامات... يعود الجميع إلى مقهى الفراديس التي يتوق لها كل كافر وتائب، يأتون في عز قواهم. بعد نحو نصف ساعة أو زهائها من رحيل المساء، يبدءون بإيراد أخبار حملتها وكالات الأنباء عن اكتشاف دواء أسموه الأعجوبة يشفي أمراض السرطان ويتلخص في شرب بول البعير، ويطالبون كل من لديه فضلة زائدة من البول بالذهاب إلى أقرب مسجد وحسينية بالتبرّع بع لغرض توزيعها على شكل سبيل للمحتاجين، مع مراعاة أن يشرب المحتاج فقط ما يكفيه وعدم السماح بتسريبه إلى الخارج خوفا من تهريبه |إلى الخارج، باعتباره وصفات سريّة سيستغلها أعداء السلالة والدين. عندما سئل رجل الدين عن جواز استخدام بول البعران الموجودة في خارج البلاد ضحك وهو يجيب أن بعراننا أصيلة ومقدّسة فهي من نسل من جاؤوا مع جند القادسية المحرّرين، من غطست رُكَب أجدادهم في رمال الغاضرية، من تحملوا بصبر موكب العقيلة ونقلوا بقايا الخيام إلى الشام مقر النذل يزيد بن معاوية، وهم، أي الجمال كانوا يسمعون النواح، فغشيتهم طهارة أبدية خالدة تمت مكافأتهم من الجهات العليا بجعل بولهم مرهما لكل أذى وألم ولكل التقرحات الجلدية والأمراض السارية وغير السارية، مرهمٌ يضمن هزيمة مؤكّدة لكل الأسقام والعلل. حتى أن أحد الجالسين اقترح تغيير أسم الوطن إلى " موطن البعران المقدّسة" التي وضعت خاتمة لكل العلل. سيتم تصدير الدواء بأواني من ذهب كمصدر للعملة الصعبة يفوق ما تدره الصناعة والزراعة والسياحة. وهناك من اقترح أن نضع الوطن بكامله تحت تصرّف البعران/ المغاوير الذين يطاردون الأمراض. أجاب عن هذا الاقتراح من قال: لِمَ؟، فالبلاد تحت مداس أقدامهم الآن. قال رجل من مرتدي العمامة السوداء" وسنبدأ قريبا استخدام سبائك بعراننا النفيسة التي سيترتب علينا تقديسها مودعين ثقتنا في فضلات فصيلة مقدّسة ستكون كفتها راجحة على كل موارد البلاد من بشر وبقر وعلى كل مختبرات وعلماء العالم. هناك من قال علينا كي تتحول بلادنا إلى جنان عامرة أن نحوّل شوارع ونوادي وبساتين بلادنا إلى أماكن راحة عامة وأركان ظليلة للحفاظ على راحة وعلى ما تدره البعران وكل ما يستخرج منها من غال ونفيس، ناهيك عن أنهم ذوي مرتبة قدسية يقصر عن بلوغها كثير من البشر. كلنا فداء لسلالة البعران المقدّسة التي حظيت بمحاباة إلهية".
من يعيش في بلد كهذا لا يحتاج لفحص عقله. لا يحتاج لكثير من العقل من عاش سحابة شبابه بمنأى عن استعماله.

من هم هؤلاء الواقفون وراء شبابيكهم؟. مجموعة أطلقتُ عليهم أسم نخبة فرسان ما قبل عصر الكورونا. يغلقون مصاريع شبابيكهم بإحكام في أيام غابت عنها البهجة وقد أمسكت بهم رعدة خوف مثل جنود فارّين سُدّت عليهم كل مخارج الطرق وباتوا أمام حالة تتجاوز قدراتهم على الهروب، وهم محاطون بظلمات ليالٍ شتائية باردة ومطيرة. هناك أحداث حدثت لهم أعرفها، وأخرى لا أعرفها على شكل يقين، بل سأرويها من وحي معرفة عامة برجال بلادي وفي نطاق ما تسمح لي انطباعات شقّت طريقها نحو رأسي.
هم خمس فرسان أحدهم قضى نحبه وآخرون ينتظرون.
الفارس الأول أبو سعود.
من لازمات قوله عندما أتصل به- أطبقت الكآبة علي.- كيف؟. الأرق حصانٌ أدميت فمه بشكيمة من أربعة أقراص منوّم. – والنتيجة؟. – ليس بوسع أقراص استسلمت ثيران كل الدنيا لها من فرض الرقاد عليّ. – كل ليلة؟. كلا أحيانا نخرج بنتيجة متعادلة؟ - كيف؟. يمارس الثور عنادا لعدة ساعات يكز بعدها على أسنانه حين تنتقم الرصاصة الرابعة من عناده وتطرحه في الساعات الأخيرة. أسأل أبو سعود مزحة هل علاج الأرق هو الانتحار؟. يضحك ويقول- لكنني لم أعش برغد حياة مارلين مونرو كي أنعتق من اللهو والجاه والثروة بالذهاب إلى الانتحار. لست غير مناضل شيوعي قديم فقدتُ السمع من أذني اليسرى نتيجة التعذيب.
يمقت أبو سعود كل من يسير على جانبه الأيسر ويدخله في نفق من ضياع. يقول، متذكّرا، أنه شعور أشد من العمى أن ترى شفاها تتحرك ولا تتمكن من الجزم إن كان يصغي إليك أو تصغي إليه حالة تذكّرني بأيام كنت أسير متجاورا مع مسئولي الذي يسير أو يجلس على جهة اليسار يروّح عن نفسه بكلام ولا يصل إليّ منه شيء. كذلك كانت حياتي في العمل السياسي أسير وأرى ولا أفهم ما يحدث. اكتشفت أن تجربتي السياسية هي مناشدات صامتة بين القادة والرفاق.
بعد مطاردات عديدة هرب أبو سعود من العراق إلى بلغاريا حيث أكمل دورة حزبية هرب بعدها إلى عدة بلدان استقرّ به الحال في اليمن حيث شهد حرب الأخوة الأعداء ثم جاء إلى لندن. ضحك أبو سعود وهو يقول أنا محمي الآن من نظام كنت على استعداد لدفع حياتي ثمنا وأنا أشتمه.
يا أبو سعود كيف تقضي يومك؟. قال- في بيت لا تختفي خلف بابه مفاجآت أسرّي بها عن نفس، فأهرب إلى الذكريات. أيام نبذّرها بالعطل لا توجد فيها ذكريات لشدة تشابهها. هل أتذكر يومي من خلال فطور يتألف من بيض وفول، لقد شبعت من هذا الفطور في مدينتي، فهو فطور من كثرة استهلاكي له لم يعد موضة أتذكّرها. أتذكر تلك الأيام التي كان يعطيني فيها والدي عشرة فلوس تصبح مثل أحافير متحجرة لن تبلى أبدا، أتذكّر ما اشتريته من سكاكر فتتفتح طفولتي على كامل مداها. أيام – كما قال- بدون ذكريات لا تزن شيئا. المشكلة أنها تورث هدوءً أواجهه بأعماق مصطخبة. ثم قال كلاما يشبه شعر المعلّقات: أحلامنا تلاشت وتراجع زمننا إلى مرحلة الطفولة السعيدة، لأن حاضرنا ومستقبلنا تساقط نُتفا. رضينا باليمن ولم نكن نبال بحجارها الصخرية كي نعود إلى بلانا. الدكتاتور والإسلام السياسي جعلانا نوقن أن أمور بلادنا لن تكون على ما يرام أبدا. ليجعل ما قاله أكثر رسوخا كان يطيل التحديق في السماء ثم يضيف رافعا سبابته نحو السماء: بمختصر الكلام حتى لو تدخّل من لا يمكن تصديق كلامه. كنا نثق بمن قالوا أنهم نواطير بساتين بلادنا وأنها تحت عهدتهم ستعطي ثمارا ذهبا، لكنهم أول من شاركوا بقطع الماء عنها.

الفارس رقم 2 أمير.
كي تفهم أخطاء حياتك ومقدار ما جلبت تلك الأخطاء من رزايا، عليك أن تنتظر مجيء رقم 19، ليس للبحث عن تسرية في البيت بل لكي تكون ممتنا وأنت تجلس وتسرح بذهنك تستدعي ما دفعته من تضحيات سعرها زهيد، وكيف تركت نفسك ترتكب أخطاء لا يجدي معها رفع اليد تضرّعا بعد فوات الأوان.
قال لي أمير كيف أن حادثة وقعت له أوقعته فريسة حمى لشدة تشابهها مع امتحان لم يستطع اجتيازه قبل هذه الحادثة بسنوات. في ليلة شتائية أنجز فيها حتى الفجر رسوما لسوّاح حصل منها على مبلغ من المال وضعه في حافظة نقوده في جيب سرواله الخلفي وأغلقه بسحابة حديد. واجه امرأة ترتجف من البرد في فمها سيجارة غير مشتعلة تطلب منه أن يقرّب الطرف المشتعل من سيجارته نحوها كي تشد منه أنفاسا. عندما شعرت بالراحة وهي تسحب خيطا رفيعا من الدخان عانقته بقوة وظلّت تعانقه حتى ضعف إدراكه لما يحدث، عندما تأكدت أن أحساسة بالخدر ارتفع سحبت نفْسها بعد أن أوقعت فيه اضطرابا في وقت منتقى بعناية بعد عمل ليلي متواصل في البرد. عندما عاد إلى البيت وجد أن ثمن القبلة هو ليلة عمل بكاملها، كأنه راهن على قبلة بريئة بمبلغ( 120 باون) هو كل ما كان يملك.
قال أمير أن ذلك حدث قبل شهر أو زهائه من منع التجول. عندما بدأت إجراءات العزل اكتشفت أن ذلك ما حدث لي في حياتي ولكن بطبعة مكبّرة. شعور لم استطع وصفه فما حدث لي قبلها كان من قياس كبير.
بعد أن روى لي ما حدث له تغيّرت شكل ابتسامته، ابتسامة من يخضع لاختبارين ويرسب لأنه لم يستبن قصد من جاء إليه مواجهة جعله يستبعد الخديعة. تابع أمير قائلا أن الخدعة الأولى حدثت على دفعات صغيرة مثل ماء متعفّن من يراه يحسبه مغادرا فلا يتأهب له مسبقا. لكن إن أردنا للتراجيديا البشرية أن تكتمل فلابد لها أن تحدث على دفعات صغيرة وهي تختار هدفها بعناية: يتجمّع الماء لدرجة يصعب كسحه باليد وبالمكنسة. في البداية هو أمر غير متوقّع وعندما تنتشر رائحة الماء العفن في الجو تجتاح القلب رعشة الانتقام والإشفاق على النفس في آن واحد. لكنه قرر التخلي عن الانتقام مرضاة لراحة القلب والرأس.
جهلّ خلّاق سمح لثعبان متجمّد أن يظل
بلا حراك، وهي حالة سبات تأخر في التعرّف عليها؟ بعد أن حصل الثعبان على دفئ وذرية ومنزل ارتعش قلبه من فكرة وجود آدمي يشاركه وجْره وكأن هناك عيب قرر تصحيحه. ظل الثعبان ينتظر اللحظة التي يطلق فيها تنهيدة خلاص. أفاد من مهنته في اللدغ وقال لا وقت للانتظار، عيبٌ لا تصلحه غير لدغة من فمٍ مليءٍ بالسموم، يزول الملدوغ فلا تقع على منظره أبدا. انتهت الحكاية بخاتمة تقول: لم يمض سوى وقتٌ قصير حتى أصبح الثعبان سلطانا. انتهت الحكاية حيث الشرير راح يمجّد جريمته والطيّب يلعن طيبته. لم يقتض الأمر من أمير طويلا ليقف على جلية الطبيعة البشرية. دحضت تجربة أمير الدعوى التي تقول أن الشرير يغدو جيدا عندما تكون جيّدا معه: الخير ليس نورا ينفذ إلى القلب. الشر فعلٌ لا يتم طواعية واختيارا. كلما عظم الشر في النفس الشريرة كلما لم تجد بدّا في الانغماس فيه حتى نهاية الشوط كي تفوز. تردُّد الشرير قاتل، أي تراجع سيورده مورد الهلاك، عليه إذن أن يكمل معروفه مع نفسه. هذا هو كوجيتو الشرير: أستعين بالشر كي أحصل على نتائج لا يمكن نوالها بطريقة نظيفة. ماذا تبقى لأمير: مجّة من سيجارة وقرار مفاده ألا تطوف على قلبه الضغائن كي يعيش ما تبقّى له من سنين بأفضل ما يستطيع. ماذا يفيد؟. هو من جلب الماء للشيطان ليغسل أدرانه وناوله منشفة، لكن الشيطان ناوله السم كبادرة شكر. عرف أمير مقدار الفساد في الطبيعة البشرية.
تمكّن أمير من إعادة اكتشاف ذاته من خلال الوحدة أنه لا يسمع شيئا غير الموسيقى التي تعلّم العزف على آلة الجيتار، ناهيك أنه رسام محترف. السير إلى الأمام- كما قال- يقتضي سعة في العقل، الرسم والموسيقى أخرجتاني من كارثة كدت أضيع في شعابها.
محمود، الفارس رقم 3
فارسٌ في حمأة المواجهة انكسرت حربته. حادثة حينما تقع يجب أن يتدبّر من وقع فيها أمر تفسيرها. أُعلن منع التجوال وأُغلقت المنافذ كما في زمان الانقلابات والمجازر في العراق حيث لا أحد يمكنه أن يستجلي كنه ما يحدث في الشارع الأخر. قال محمود لنفسه ولنا، نحن أصدقائه، للكورونا مخاطرها وعلينا حماية أنفسنا. جلس في بيته مرتاحا بعد أن أنذرته الجهات الطبية بعدم الخروج قائلين له الوباء جني خرج عن طاعة ملك الجن، وها هو يطوف في الربوع، سينقض على كل من يصادفه يطبق بيديه على من يلاقيه ، تنتقل عدواه لكل من يلقاه حتى بطريقة النظر. إن كانت البيوت تغلق أبوابها في الليل فعليها فعل ذلك الآن كل وقت. والطعام؟. ستسلّمه جهات متطوّعة أليك خلسة من الشباك. والدواء؟. ستستلمه مع الطعام.
لمقاومة الوباء يجب أن تكون لديك سمة متعالية عليه وعلى كل ما يحدث حولك: تُهمل وجوده كي لا ينتبه لوجودك. أن تكون لا أباليا لكل ما يحدث حولك، ليس لؤما بل بحثا عن نجاة. ضعْ نظارة سوداء حول عينيك كي لا ترى، شريطا لاصقا حول أذنيك كي لا تسمع. ما لا يحدث في بيتك لا شأن لك به.
لكن القدر- كما يقال- يُفصح عن نفسه بعلامات. قال محمود أنّه حلم في أحدى الليالي بوجود نار تتحرك بفضول نحو مقصدٍ وحيد: اجتازت كل البيوت وخيّمت أمام شباك داره، مثل جوقة من ميليشيات مسلّحة. تقدّم نحوهم من سألهم عن وجهتهم أجابوا: لا تُشغل بالك، لدينا معطيات كاملة عمن نبحث عنه. في لحظات الحلم- قال محمود- لم أدرك سبب تجمع النار بهذا الضرام أمام بيتي فأنا لم أرتكب ذنبا يستوجب قدوم مسلّحين يغمر وجوههم كرهٌ واضحٌ لي. عندما نهض من النوم تذكّر أنه شاهد رعبا في منامه. تذكّر واحدة من تفصيلات الحلم: كانت النار تتقدّم نحو بيته وقد تحوّلت إلى أمواج تندفع نحو الشاطئ تحاول سحب ترخيص حمامة جريحة تجلس على البر واضعة رأسها بين كتفيها من شدّة البرد.
" لم يدُرْ في خلدي أن الحمامة الجريحة هي ابنتي. بعد فترة من نهوضي هاتفتني لتقول لي أن الأطباء أخبروها بانتشار السرطان فيها مثل النار في أرجاء جسمها. وكأنه يطبق تعليمات مشدّدة لا مجال للتراجع عنها بات الحلم واقعا تخطى الخيال من درجة واقعيته".
عندما سمعتُ الخبر اتصلتُ بصديقي أبا طيف قائلا عن نوع المواساة التي نقدّمها لصديقنا؟. قال لي النكبات لن تفت من عضده. قال لي أبا طيف أنه بعد أن تكلّم معه عن محنته راح يتكلم عن المخاطر التي تمر بها البلاد في ظل الوباء وكيف يمكن مواجهتها. ما يبين رجولة محمود- الكلام لأبي طيف- أن الفضاء والأرض مقفلتين وعليه أن ينتظر موت الكورونا كي يرى ابنته. قلت له هذه معركة لا يوجد فيها تكافؤ ولا تحدث دائما. ردّ أبا طيف قائلا أن مزاج محمود يشبه مزاج جندي يرابط على الخطوط الأمامية ينتظر انكسار عدوّه أو حدوث هدنة مؤقتة.
علي الفارس رقم 5
في واحدة من قرى العراق التي مرّ عليها التتار ثمة فلاحٌ واحد نجا من مذبحة. بيوت ظلّت بعد الكارثة أما مشرعة أبوابها بعد دفن أهلها وأما نوافذها مسدلة طوال الوقت لهروب ساكنيها. بيت واحد ظلّت أبوابه مشرعة ونوافذ بيته مُسدلة. من هو مالك ذلك البيت؟. فلاح أنفق سنينا من عمره في حفر سرداب جمع فيه الغذاء من بقوليات وطحين وماه... لفترة عقد من الزمان. قال هذه الكارثة ستكون وطأتها ثقيلة وستطول. حينما كان يُسأل ما الذي يدفعه لفعل ذلك كان يرفع أنفه ويستروح الهواء ويقول أنفي قادرٌ على استرواح الهواء وانتزاع تلميح عن ما الذي سيحدث. لا سر في الأمر كما قال عليك معرفة مضمون زمانك، وعندما تقع عيناك على جوهره سيوفّر الحماية. كنت- كما قال- أتوقع قدوم التتار من رائحة العفن الذي استوطن الهواء. هل يوجد من توقّع مجيء الرقم 19؟. كل حدث كما قال الصديق علي إن لم تحسن توجيهه فهو كارثة، وإن تهيأت له وأحسنت وفادته فهوة منقبة.
يقول علي: هل كان الشارع جميلا ونحن لم نر جماله، أم أن الكارثة دفعتنا لروية وسبر جماله؟. إن جلبت يسروعا وألقيته وسط دالية عنب لن تحصل منه على حرير إن لم يبد عليه الارتياح ويبدأ بعزف مقطوعة الحرير. أجبرت العزلة علي على غزل ثوب من حرير لا يتوانى عن تذكيره بقصة اليسروع الذي رفض إنتاج الحرير، ولكن علي أنصت له بجدية فكيّف نفسه للعيش وفق نصائحه. بدأ يشاهد الأفلام وبرنامج عد الحميد عبد الله وقراءة الكتب التي خزنها في حاسوبه، لا بل أنه في زمن الشح راح يوزّع بطاقات تموين للجالسين في بيوتهم من أفلام وكتب. عندما يسأل عن مهنته يقول أحاول فض ارتباط الجالسين في بيوتهم بالعالم الخارجي. الوقت مثل الجنّي إن لم تحبسه في القمقم خرج عن طاعتك وسيكون من الصعب أعادته. لذلك صار يستشهد بأقوال وأشعار يستدل على زمنه كي يسترعي الانتباه وكي تلقى حياته في البيت صدى فيستطيب بقائه في البيت. هل هناك ألذ من العيش بصحبة البحتري والمتنبي..؟. والوقت الفائض يا علي هل هو عدوٌ أم صديق؟. فيجيبني شعرا" من نكد الدنيا على الحر أن يرى/ عدوا له ما من صداقته بدُّ". قال هذه حالة سبق لأبي الطيب مواجهتها أنظرْ ماذا فعل؟. هكذا بدلا من مواجهته فأنه يبعثر العدو يزيح تهديده وشراسة طبعه بتقليم مخالبه التي سهر سنينا على شحذها، عن طريق أكرام وفادته ومن ثم حلّ أنجاد سيفه.
يقول علي أن عناد المرء يقوى عند مواجهة هجوم الهموم. أن سمح لها بالقدوم ستقتات عليه حين تضعه في بؤرة تركيزها. السبيل أن يتعلم المرء مهنة تحرم الهموم من مصدر ربحها. تعلّم علي ألاعيب الكمبيوتر وهي مهنة عادت عليه بنتائج: التزام اللامبالاة إزاء الكارثة كمن يغلق نافذة بيته عندما تهب عاصفة يخبو تناوحها وتسرف في الصمت ما دام الشباك مغلقا.
فؤاد فارسٌ آذن له قلبه بالانصراف نهائيا. الكورونا هي التي دلّت المنية على قلبه بأصبعها فتلقاه القلب برضا وامتثال مثل مجنّد تلقى إيعازا بعدم السير.
عندما أخذ رقم 19 مواقعه في شوارع وحدائق ومباني المدن لم يترك الرقم مكانا يفوته. كان يردّد " كما عزرائيل لكل الأيام مسموح له بمباشرة نشاطه، هذه الأيام هي أيامي حصرا". سار نحو منطقة هولبرن بارك متلافيا التوقف في المنعطفات وكأن لديه أمرا ملزما بالقبض على مواطن بدون وطن. ما أن أمسك بمجرم متهم بحنينٍ مزمن نحو وطن يسمى وطنا من قبيل المجاملة، تبيّن أن وطنه يقع في مقهى عند تقاطع ناصية الشارع. ما أن أكمل فؤاد الاستدارة نحو المقهى الفارغ من مواطنيه حتى لحق به الرقم 19 نازعا عنه الحياة جاعلا قلبه يُطلق صوتا كصوت تمزق القماش. سلّمه إلى بناته الاثنتين على شكل مسحوق يزن ربع كيس طحين موضوعا في حقيبة صغيرة، لا أحد يمر ويراها يقول هذه بقايا الحجّي فؤاد كما كان يحب أن يكنّى. لو حدث أن سقطت القارورة وتبعثر المسحوق البشري على الأرض هل سيستقر به المقام منشورا مثل ملاءة رملية تطوف كغبار بين الشوارع؟، هل تبقى بقاياه متأهبة للسفر في ظل بلدان عرف مسالكها لكنها أسقطت عنه الجنسية: العراق وإسرائيل؟. حياة عاشها في أربع دول: العراق، إسرائيل، البيرو موطن زوجته، بريطانيا وكل أراضيها الشاسعة بعيدة عن متناول لحدٍ له. حرره الرقم 19 من أغلال التفكير بخوف مقيم في قلب تقطّع من الحنين لأرض ألفها ولحقته منها إساءات.
أتساءل الآن: هل يمكن أن يتناهض هذا الدقيق حال سماعه بوق النشور يستدعيه إلى يوم الحشر؟ وإن سأله كاتب التسجيل عن وطنه ماذا سيقول؟. لا يسعه الصعود إلى السلم الذي تتجمع فيه الخلائق تمهيدا لتوزيعها حسب العائدية، لكثرة أماكن الطرد والترحيل في سجل حياته كمن له سوابق عدلية غامضة. لن يأخذ قلوب حراس المحشر الإشفاق عليه. لن يصرف مسئول الحرق حطبة لإشعاله فهو جاهزٌ ولا صعاب أمام المسئول عن مخازن النار لتذليلها. حدجه مسئول مواقد النار بنظرة مريبة وقال له: ستشكر طالعك السعيد لأنك ستستوطن مكانا يفْضل وطنك، بدون أن يفصح عن الوجهة. كل ما قال له: سيجري عليك حكم الله كما جرى حكمه على وطنك الذي حشرك في هذا الموضع. عرف فؤاد الموقع لأن سكان الأوطان الأخرى كانوا يأخذون جهة اليسار بعد استلامهم علاقة مفاتيح غرفهم. خلص فؤاد إلى نتيجة أن المقام سيستقر به في مكان النفي الأبدي يعمل في موقع يجز فيه أعشابا ضارة ما أن تّجز حتى تعاود النمو ثانية وبقوة مثل صخرة سيزيف.
ليلة ما قبل الموت. حينما بدأت فترة العصر تقترب من نهايتها لم يَطل الغروب من مكوثه بل حلّ الظلام بسرعة، ما كان ليدع نفسه تنشغل ببرك الضياء في الليل، بل قام باستحضار تفاصيل منسية من ذكريات كمخلفات حرب تربّعت على وجدانه. وضع مرفقيه على حافة الشباك وهو يفكر بنتائج تعوّد أن يلقي بالا إليها عندما يكون وحيدا. عندما بدأت آلام الليل تبسط سلطتها عليه قرّر استرداد سلطته على نفسه حين ألقى قنوط يشبه رائحة الملابس القديمة ثقله عليه، قال سأخرج حتى لو ارتفع الرقم 19 لعدة مراتب؟. في ذلك الوقت بالضبط مرّت من تحت الشباك سيدة انجليزية استبانت لها وحدة الواقف وراء الشباك أرسلت له بسمة هي من لازمات التهذيب الانجليزي، لتسهل الحياة وتغدو أكثر يسرا. برغم ابتسامتها لم يتمكن، ربما زادت من بلائه، من التحكم في غيظه والتوجّه نحو الفراش مدركا أنه، أي الفراش، ليس مرصودا للحظات كتلك، لأن نومه في تلك الساعة سينتهي بهزيمة مؤكّدة. خطا بعزم خارج الدار.
في اليوم التالي خرجت من الدار كومة قماش محمولة من أربعة أشخاص مثل جزّة من أعشاب ضارة. قال الحانوتي القريب" مات اليهودي( دون أن تداخله رعدة أسف) لم يسلم من الرقم 19". جاء شخص من المتجمعين وقال" مات العراقي". قالت الانجليزية " لو أعرف هل هو يهودي أم عراقي؟". قال شخص عندما يستفيق يوم الحشر ويُسأل هذا السؤال سيقول من هو. قبل أن تفر مذعورة شاهدت سيارة إسعاف تنقل شخصا مغطّى بملاءة بيضاء. قالت الانجليزية دعنا نتصل بأهله بسرعة وبسعي عاجل. ضحك أحد الواقفين وعندما سُئل عما يضحكه. قال من يدعي ملكيته لطريد وحيد طوال عمره يقف في مرمى التصويب منذ عهد تهجير نبوخذ نصر والفرهود و التنكيل؟. هو لا يشكّل تهديدا لأحد لأنه لم يّأخذ على محمل الجد: يهودي، عراقي، يساري، مطرود من البلدين، مطلّق... ببساطة لا تحكم وضعه أية قوانين وضعية.
بدأ يوم المحشر اليهودي ببعث الأجساد المدفونة في الصحراء في وادي يوشافاط. المدفونون هناك يكوّنون أولى طلائع المتوجهين نحو السماء السادسة، أين يتجمّع مليارات الخلائق. جاء فؤاد متأخرا لأن تجميع رماد جسده على هيئته الآدمية السابقة استغرق وقتا. جاء وحجز مكانه على الأرض متربعا. كانت هناك غيوم على شكل سفنٍ مسيّرة تراقب الجموع. حدَسَ فؤاد أن الساعة تقارب الخامسة عصرا موعد توجّهه نحو المقهى. سأل المتربعَ بجانبه – كم الساعة الآن؟. جاءه الجواب على شكل برقٍ يلَعْلع من جوف السماء السابعة محذّرا" ويحك يا فؤاد أنها الأبدية".




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,857,126,872
- عفيفة لعيبي: تحويل صناعة الأحزان إلى كسبٍ مشروع، أو الحزن حا ...
- موت مواطن لا ينتمي إلى وطنه. رياض رمزي
- فائز الزبيدي مقاتل أجبر على هدنة أبدية
- الميليشيات والاغتيالات
- بعض ما يحدث في جمهورية الإسلام السياسي
- صادق الصائغ لا بر إلا ساعداك
- تصفيق لأول من قال عبارة: الدولة أهم من دماء مواطنيها
- إلى نور مروان. وجهٌ جميل لا تليق به غير البسمة.
- يا وطن سائقي التك تك احبك الان اكثر
- محدثو النعمة-العراق نموذجاً
- بديهية كجملة - يطوف البط على الماء-
- فتوى صادقة
- رسالة مفتوحة إلى لجنة البوكرز العربية


المزيد.....




- هذا هو محمد أيت واعلي سفيرالمملكة الجديد بالجزائر
- الوفي تؤكد خضوع مغاربة العالم لبرتوكول صحي خاص حين عودتهم إل ...
- بوريطة في لقاء مع رؤساء الفرق حول تقرير امنستي: المغرب سيدا ...
- نجوم المسرح الموسيقي الروسي يقدمون عرض الموسيقى الحية لسائقي ...
- هذه هي التوجهات العامة لمشروع قانون المالية المعدل
- قبل احالته على البرلمان .. مجلس حكومي الثلاثاء للمصادقة على ...
- بالاجماع .. لجنة الداخلية تصادق على مشروع قانون بتغيير مرسوم ...
- المسرح: دير الكاهن، و سوط الجلاد
- كواليس: غابت المسرحية الواقعية فأنحسر الجمهور
- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام العالمية الإيطالي إنيو موريكوني


المزيد.....

- ( قراءات في شعر الفصحى في أسيوط ) من 2007- 2017م ، دراسة نقد ... / ممدوح مكرم
- دراسات فنية في الأدب العربب / عبد الكريم اليافي
- العنفوان / أحمد غريب
- العنفوان / أحمد غريب
- السيرة الذاتية لميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- السيرة الذاتية للكاتبة ميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- الوجه الآخر لي / ميساء البشيتي
- لغز إنجيل برنابا / محمد السالك ولد إبراهيم
- رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) / الحسان عشاق
- سارين - محمد إقبال بلّو / محمد إقبال بلّو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض رمزي - العزلة في زمن الكورونا