أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (19)















المزيد.....


-خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (19)


احمد جمعة
روائي

(A.juma )


الحوار المتمدن-العدد: 6581 - 2020 / 6 / 2 - 02:32
المحور: الادب والفن
    


كان نهاراً ماطراً بدا كأسيجةً على الليل، البرد لا يقاوم سرى حتى في الحجر عندما تلمسه يبدو لك كقالب الثلج الذي له دلالته عند سفيان في الصيف حينما يأتي به السائق من مصنع والده الصغير الكائن في ضاحية العاصمة قرب قرية صغيرة يُطلق عليها أم الشجيرة، اختفت الروائح العفنة من الشوارع رغم تراكم الزبالة عند بعض المنازل وفي الممرات والطرق المُكْتَظة بالمستنقعات والأوحال نظراً لتواصل هطول الأمطار، بدا الشتاء في ذروته وهو يوشك أن يختتم آخر صقيعه، إذ كان شهر فبراير قد شارف على الرحيل وجرت بعض احتفالات قرب مقر قوات الاحتلال عند القاعدة العسكرية شمال مدينة المحرق مع توارد أخبار الهزائم الشنيعة التي تعرضت لها جيوش هتلر، كانت البحرين التابعة للاحتلال تذيع أخبار تلك الهزائم، أَوْقَد السكان المدافئ رغم نضوب الفحم، حالها حال المواد الغذائية التي اختفت أو تم تخزينها، صار الناس يستخدمون الأخشاب المهترئة ومخلفات الحطب الذي يُجْمع من بعض المحارق التابعة للبلدية، في خضم هذا الطقس الجارف الذي أجبر السكان على البقاء في منازلهم، توسل تقي السائق رغم تحذير والده عبد الرحيم المرجاني للسائق بعدم المغامرة والخروج في هذا الطقس، ربما حماية للسيارة الوحيدة لديهم، لكنه هدد السائق مقبول وغافل والده وأرْغَمهُ على عبور الجسر، وصولاً لمنزل راشد.
حمل معه أكياس الفحم والجريش والأُرز والسكر والملح والسمك المملح والمجفف الذي عادة يتم تخزينة وحفظه منذ أواخر الصيف وبدايات الخريف مع وفرة الصيد لمثل هذه الأجواء الباردة والرياح الشديدة التي يعجز فيها البحارة عن بلوغ البحر، وتصعب عليهم الحياة أكثر حيث تنقطع أرزاقهم، جلب كل تلك المواد، ساعده السائق على حملها، ثم طلب منه أن ينتظره في السيارة رغم شدة البرد الزمهرير. لم يكن هناك مارة وسط هذا الصقيع وإلا ثار فضولهم وجود سيارة قرب المنزل المعزول، سأل عن رقية الكفيفة أخبره راشد بأنها بدأت تتخيل أشباحاً لأشخاص من أهلها توفوا منذ سنين وقد عادوا يزعجونها، كانت تصرخ طوال الوقت وتدعو عليهم بالمرض والموت لأنهم راحو يهددونها بسلب المنزل منها، كما بدا يتهيأ لها رجال ونساء يدخلون ويخرجون، تفسح لهم جوري الطريق، وأَقْسمت له بأنها رأت جوري عدة مرات تتسلل في الليل وتضع عند باب غرفتها حفنة روبيات، وقدمتها له، لكنه ضحك وفسر وجود المال معها منذ سنوات كانت توفره، جلس الاثنان في غرفة راشد حولهما إبريق الشاي وبعض الجمر الذي يوشك على الانْطفاء.
"يبدو أن عمرها بدا ينطفئ لشدة ما عانت في الحياة.
قال راشد ذلك وهو على يقين كما بدا من أُفُولها، كان وحده يلملم حياته بعد اخْتفاء جوري، واعتاد العمل والخروج ومتابعة البطاقة التموينية التي أقرتها السلطات الحكومية بترتيب من المستشار البريطاني، صار يتكئ على عكازه واعتمد على نفسه تدريجياً، فلم يكن هناك بديلٌ من تَجَشّم النهوض لرعاية نفسه ووالدته، الصعوبة الوحيدة التي ظلت تلاحقه عدم قدرته على العمل في وقت أضحت فيه الحياة شاقة وعسيرة، فكر تقي له في عمل يتماشى مع قدرته لكن أفضى به ليأس في وقت اسْتَعْصى على الأسوياء الحصول على عمل خاصة بعدما تَشَبعت شركة النفط بالعمال الذين هجروا الغوص والتحقوا بها.
"الزمن لغز لن تعرف حله أبداً.
رد عليه راشد وقد اكتسب حكمة من تأمله الدائم في حالته.
"لا بل تعرف حله عندما تعرف أين اخْتَفت جوري، لقد ضاعت منا.
قالها بحسرة، وقد غَصّت نبرته بألم خفي أظهرت ملامحه الصارمة وهو ينطق اسمها، ما لفت انْتباه الآخر تقي، هو قوله "ضاعت منا" وكأنه أَقَر بنصيبهما فيها دون غِيرَة أو ضَغِينة كما تَبَدَّى في البدء.
"هذه حال دنيانا.
بعد لحظة صمت استدرك تقي قائلاً بنبرة وداعية.
"من المقرر لو انْتَهَت الحرب قريباً كما يُشاع، أن أُسافر إلى الخارج للدراسة، وربما لن نلتقي، لقد ..
تعثر بالكلمات، بدا متأثراً فيما الآخر نظر له ببرود عَكَسَ شعوراً في داخله لم تفصح عنه ملامحه بعد.
"سامحني.
قالها تقي وهو يعاني حسَّاً غائراً في أعماق روحه، حين نهض وترك مظروفاً على الكنبة، تأهب للخروج معتذراً بأن السائق ينتظره في البرد، نهض الآخر وعانقه وقبل أن يغادر استأذن منه أن يلقي نظرة على رقية والدته.
"تقبع في وجداني.
قالها متأثراً وبعدها القى نظرة وغادر الدار، حينها جلس راشد على عتبة الفناء وانخرط في البكاء.
"سامحتك.
****
لم يبدأ الصيف بعد، كانت حرارة الطقس مرتفعة حين دَلَف الربيع وإنْقَشَعت طبقات الضباب واخْضَرت أوراق الأشجار، تنفس السكان الصعداء إثر البرد والأمطار التي ما انْفَكت تعود من وقت لآخر على شكل رذاذ، هو من تداعيات الشتاء الذي أفْتَى بعض الأهالي أَنهُ أسوأ شتاء مر بهم خلال فترة الحرب، أَقر تقي بنهاية حياة جوري، آمَنَّ بإستسلامه لقدرها المحتوم، ترحم عليها وتابع حياته مستعداً للسفر حينما وضع خططه في ضوء الإشاعات التي تلاحقت من حوله، حتى حَسَمَتها الإذاعة، كانت ليلته طويلة، محبطة لم يغيرها حتى نبأ إعلان نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما نقلت إذاعة البحرين التي أنشاتها قوات الاحتلال الخبر، انْتهت تلك المرحلة ومعها المحنة بإانْتهاء الحرب واسْتسلام ألمانيا في 7 مايو 1945، لكن الخبر لم ينتشر بين السكان إلا يوم 8 مايو. أدرك تقي نهاية الحقبة التي عاشها بين العسل ومرارة الفراق وخداع الذات، لم يَفق من تلك الحقبة، إلا حين اسْتدعاه عبد الرحيم المرجاني لمجلسه في الواجهة الأرضية من المنزل وبارك له نهاية الحرب ونصحه بالاستعداد النفسي للسَفر للندن حالما ينقشع دخان المعارك الذي ذَرَته خمس سنوات مَضَت ملأ أجواء الدنيا وسكان المحرق.
"لقد كبرت على اللعب، حان وَقْتك كي تصبح رجلاً لِتَحلَ مكاني وتحمل اسمي التجاري.
وَدَ أن يهمس في اذنه "لكن جوري لم تظهر بعد ولم يعلن نبأها" ولكنهُ لم يجرؤ، لو لم تكن عاهرة لفعل، أقَرَ في داخله بأنه أَحَبَها وما زال. بعد شهرين غادر تقي عبدالرحيم إلى لندن ولم يتمكن من زيارة راشد، لم يرغب في رؤية الحزن والوحدة في عينيه، كانت الوحدة أشد، أما وجه رقية العجوز الكفيفة فقد انْحَفَر في ذاكرته، وصوتها ظل عالقاً منذ بداية الحرب حينما كان يتسلل إلى الدار ويقبض على جوري من الفناء، شعر للتو مع انْسياب الذكرى، مرت عليه لحظة وعى لها الآن فقط، كانت خلالها الكفيفة تعرف عن تسلله، حفرت صورة المحرق كلها في عقله وهو فوق السحاب، حملته الطائرة لبلاد الضباب وما زالت آثار الحرب قائمة وشبح مصرع الجندي البريطاني في عراكه معه بِفناء دار دلال، واحْتضان جوري له وَتَهْريبه وإخْفاؤه عندها، لم تكن مجرد ذكريات، وإنما وجوه تلتقي وتصادف بعضها، "نتذكر بعضهم، وبعضهم يمضون بلا أَثَر كنسمات هواء تمر وتزول" تأمل تقي السُحب الكثيفة وهو فوقها، لم يَعْبأ باهْتزاز الطائرة كالريشة في الهواء، أو بدوي محركاتها، رغم كَوْنها المرة الأولى التي يركبها، ابْتَسم لِحَياة عاشها بمرارتها وعَسَلها، سَرَح في المجهول الذي يَنْتظره في لندن بعد الحرب، من حسن الحظ أن عبدالرحيم المرجاني وقف لجانب الحُلفاء ومولهم بالمواد ونسج علاقة شخصية مع المستشار البريطاني، مما سهل سفره على رغم ظروف نهاية الحرب، كان سعيداً بانتصار بريطانيا، وحزيناً للضابط الذي لَقي مصرعه على يديه، لم يكن ينوي قتله "لكن الأحداث تقع وليست بأيدينا" هذه واحدة من مصادفات الحياة حين لقاءنا بأشخاص لا نعلم أين ينتهي طريقنا معهم. زاد اهْتزاز الطائرة، ظن أنها على وشك التَدَهْور للقاع، تطلع من النافذة رأى الغيوم سوداء، كتلاً متراصة، أدْرَك من هدوء الركاب أن لندن ما زالت بعيدة بساعات.
دَوِي خافت، تَرَنح على إثره ضوء الغرفة وتدفق كالماء على الجدران، اهتز صمت الأنفاس كرعد تسلل بين شرفات الهواء، وصدحت الأجساد بعويل هجس أمتد على مدى زمن طويل من الاحتقان حتى بلغ وشوشة الآذان وهي تستقطب صوتها المبحوح وقد زفر كأنه يستنطق الحجر ينوي تفتيته، كانت كالوردة حين تشذبها النحلة وهي في طريقها لامتاص الرحيق، انتزعت منه في تلك الثانية من الزمن المارق مهجته ولاقته عند بوابة درب الحية حيث تصادم الإثنان كغيمتين مشتعلتين أحدثا ذاك الدوي الذي ثقب أوزون الكون.
شَهَق وهو يبتلع أَنْفاسه التي كاد يختنق بها، أطلق تنهيدة وقذف برأسه للوراء وكأنه أطلق مارداً بداخله إثْرَ احْتِباس بعد سِنْ الْبلُوغَّ، منذ أن نضج ورأى الأجساد بشتى جنسياتها وألوانها وأحجامها وروائحها، لم يصل للذورة، وهذا ما رسخ عقدة الخلل الهرموني، أخيراً "سقط الزَنْد"
"ماذا؟
سألت شيري بنبرة متقطعة تلهث وهي تسبح في بحيرة عرقها رغم حدة برودة مكيف الهواء، كانت عارية وقد توهج جسدها كأنه عود ثقاب مشتعل في ضوء الغرفة المسكون بالصمت إلا من الأنفاس التي تكاد تُسْمع من بعد أمتار، ما عاد مصدقاً بأنه ذاق طعم القذف للمرة الأولى في حياته، لم يكن قادراً سوى على إطلاق تلك الكلمتين اللتين رمى بهما بعد بلوغه الذورة.
" سقط الزَنْد ديوان أبو العلاء المعري وعنى به المتطاير من النار عند اشْتعالها، والزَنْد هو عود الثقاب، أو أي قطعة تُقدح بها النار، وما يتطاير على أثرها من شظايا في الهواء.
صمت برهة ثم اسْتدرك وما زال صوته مبحوحاً ولم يتوقف لهاثه مع بقائه عارياً إلى جانبها وهو ينظر لجسدها المنساب كأنه لوحة زيتية في الضوء المنكسر عليه من مصباح عمودي بجانب السرير.
" المعري عَنى بسقوط الزَنْد أشعاره التي شبهها بالساقط من شرارعند الاشتعال، والشظايا المتطايرة منه، وقد شَبَّه قصائده بالنار.
"فَهَمْت.
قالت وهي تبتسم وتنظر إليه بإعجاب لم يره من قبل في عينيها، ثم استطردت وما زالت ابتسامة الدهشة والخيَلاء عالقة بوجهها المتورد حمرة وبشرتها ظهرت وردية في ذروة طراوتها.
"أديت المهمة كالشرر المتطاير من القدح.
لم يعلق، اكْتَفى بهز رأسه فيما أنفاسه ظلت تتصاعد، تحامل على نفسه ونهض من الفراش ساتراً جسده بقميصه، أشعل سيجارة وأدار مشغل الموسيقى ثم وقف عند النافذة ينفث الدخان.
"إلْغِ القميص.
"ماذا؟
"دعنى أراك عارياً.
انزلق القميص من يده، خفق قلبه واجْتاحه شعور بأنه فوق موجة عاتية حملته لأعلى سطح البحر، تحولت الغرفة لفضاء تعبره الغيوم وتسكنه الدهشة وتظلله رَوْعَة الشعور بالذكورة، كأن محارة انْفَلَقت وخرجت منها لؤلؤة الذهول، انْسابَت الموسيقى على جسده العاري وهي تتأمله كأن روحها انْتزعت وحلقت في فضاء الغرفة، انحنى والتقط القميص الأزرق الفاتح وارتداه واتجه نحو السرير، تأملها ضاحكاً
"معجزة شيري.
أطْفَأ السيجارة وظل دخانها محلقاً في المحيط، ثم استرسل بنبرة خُيلَاء.
"أحدثتِ انقلاباً في جسدي، أول من يجب أن يصله الخبر تقي المرجاني، ستعود له روحه من جديد.
"هل يهمك أمره لهذه الدرجة؟
حَكَ أنفه واسْتَلْقى بجانبها ونظر للسقف قائلاً.
"إنًه والدي ألْمُحب الذي وحده تَقَبَلني على ما كُنْتَ عليه، لم يخذلني كبيقة العالم من حولي، كنت أراه في الهاوية من دون أن يشعرني هو بذلك.
"والآن انْتَزعتك أَنْتَ ووالدك من الهاوية.
قالت ذلك وهي تَحك صدره بأظافرها.
"أنا خرجت منها للتو، أما المرجاني فما زال قابعاً هناك في قعرها حتى أُبلغه.
رد ثم ساد الصمت، بعد برهة قطعته متسائلة.
"ماذا تنوى فعله الآن؟
قرصها في كتفها قائلاً بصوت هامس.
"تجربة ثانية.
ضحكت بدورها وسرحت في عينيه من دون رد فعل على عرضه، فعاد يداعب طرف عنقها وهو يقول مقترحاً.
" ما رَأيكِ بأن نبحر معاً؟
"إلى أين ؟
"إلى دنيا الذهول.
تنهدت قائلة.
"أَنْتَ تَسْتَغّلني.
"بصفتك المعجزة العلاجية.
غَرَقَت في الضحك ثم اعْتَدَلَت على السرير وجاء صوتها يَسْبَحَ كأنه يحمل معه غيمة من السماء.
"هذا سبب اسْتغلالك، أضْحَينا متعادلين، إلْغِ من حسابي المبلغ الذي سَرَقْته منكَ، فقد كان ثمن عِلاجي لَكَ.
تعمق في وجهها وقال بنبرة حاسمة.
"لا أُرِيد التطرق لذلك.
ردت بسرعة.
"عكس ما تشعر، لقد اسْتَفَدتَ أنا ذاتي مما جرى، على الأقل دَفَعت دَيْني للدنيا قبل معرفتي بك، صدقني أنتَ الآخر عالجتني من إدمان الاحتيال، نحن مُتَعادلان مرة أخرى.
سحب البطانية عنها، فابتسمت.
"دعيني أُبْحَر.
"أَنْصَحك تَريث حتى لا تَغرق.
تسلل من الفراش عاريا، وقف عند الحافة وارتدى سرواله القصير البني اللون، كاد يتعثر حين اجْتاحتهُ غَمامة سَدت عينيه بطبقة ضبابية، شعر كأنها سحابة غطت وجه السماء، أحس بدوار ولكنه واصل طريقه نحو الصالة التي كانت معتمة ومشغل الموسيقى مازال يعيد اللحن الكلاسيكي، حمل هاتفه وضرب الرقم فجاءه صوت أنجيلا مدوياً بالصراخ.
" هاي.. سآتيك الآن، لديّ مشروع لليلة مفترسة، إستعد و....
قاطعها بصوت هامس وبدا في غاية الخُيَلاء، كان وجهه يقطر زهواً ونبرته بدت في غاية الغَطْرسة.
"لا، لا، إسْمَعِينيٍ، لا تَاتي الآن، لدي خبر مُفزع جميل، لقد قَذَفْت، فيها لأول مرة في حياتي أفعلها، رَمَيْت أقصى ما لدي من الْوَلَه في شيري بشغفٍ دامٍ..
"سَافْ
جاء صوت شيري من ورائه، ضحكة مقتضبة خرجت من حنجرة أنجيلا لدى سماعها صوت شيري من الخلف تدعوه بِسَاف، شعرت بخيانته لها وهو يُنْهي المكالمة في الوقت ذاته رد على الأخرى.
"قادم شيري.
كانت قدماه منهكتين، ظل واقفاً في جانب من الصالة التي خيم عليها الهدوء، تقدمت منه شيري وقد ارتدت بلوزة بيضاء من الدانتيل مفتوحة عند الصدر والكتفين، عارية عند الساقين والفخذين، أخذته من يده والتقصت به ووجهت نظرتها في عينيه وهمست بنبرة خافتة تعمدت إثارته حتى ذاب وهو يحتويها بكلتا يديه، زادت من ضغطها عليه.
"كدتُ أنفجر من الجوع، أطلب لنا بيتزا.
****
على شرفة الليل، وعند ناصية الشارع المطل على الحانة الصغيرة بالقرب من محطة السيارات بالضاحية الغربية للندن، وقف شارد الفكر ينتظر أنجيلا بحسب الموعد بينهما، كان شعوره سيئاً تجاه ذاته وهو يعتقد في سَريرَته أنه قد خان الفتاة بإهماله لها وانقطاعه عن الاتصال بعد أن عثر على هَواه، تراءى له من شرفة الانْسجام الذي تآلف بينهما في العلاقة القصيرة ولكنها أَنْبَتت وِئاماً لم يحدث له من قبل مع رجل أو امرأة، كانت قد تَلاءَمَت معه لحد التطابق فيما عدا العلاقة الجسدية، لم يكن هناك منعطف يقود لذاك المُنْحنى، كما أنها كانت باردة فيما يتعلق بهذه الناحية ولم تصرح حتى بعلاقة ما مع غيره، ظلت مبهمة في هذا الجانب وقد وفر له ذلك تطابقاً في النواحي الأخرى. أيقظه من شروده ظهورها قادمة على بعد أقدام من مكان وقوفه، بدت زاهيةً، حتى بشرتها الداكنة ظهرت وكأنها فَتَحَت، كما برزت وهي مرتدية القميص الأحمر والمعطف الأسود، مع سروال الجينز الأسود هو الآخر، كأنها نجمة هوليوودية، حينما اقْتَربت منه اندفع نحوها وقبلها على خدها بحنان مفرط، كما احْتَضنها وهمس في اذنها محاولاً في سريرته التكفير عن انقطاع اتصاله بها مؤخراً.
"جميلة عيناكِ وشعركِ، جميلة بالكامل.
ضحكت وهما يسيران على الرصيف فيما بدت المنطقة تلك الساعة الليلية أكثر ازْدحاما من المعتاد، لم تمسك بيده كما فعلت عدة مرات مؤخراً قبل عودة شيري، لاحظ ذلك، فالتفت نحوها مبتسماً وقال مسْتدرجاً إياها لمواجهة من يفتح النار.
"هل إِفْتَقدتني؟
تأملت وجهه ببرود وردت مستغربة السؤال.
"يُفْترض فيك أَنتَ من يفتقدني، لقد لَجَأت إِلَيَّ وقت انْكسار نافذتك واسْتَعرتَ شرفتي تطل منها، أليس أَنتَ من عليه أن يفتقدني؟
لحظة صمت، إاسْتطردت على إثرها وقد غيرت دفة الحديث عمداً
"كيف سارت العلاقة معكما؟
"لا أعرف.
توقف عن السير، لدى اقترابهما من الحانة الصغيرة التي بدا طرف من لوحتها المضيئة المعلقة معطوباً، وظهر اثنان يقفان عند طرف الباب يدخان، أخرج علبة السيجارة وقدم لها ولكنها اعتذرت فيما أشعل سيجارته وما كاد ينفث دخانها حتى إنْتزعتها من يده وأخذت نفساً عميقاً منها وأعادتها إليه، صَبَغَت حمرتها عقب السيجارة، لاحظ ذلك وابتسم قائلاً.
"لا تبدو سعيداً.
قالت عبارتها وقد لاحظت تَكْلفّه الذي أوحى لها بأن ثمة أمراً قد أَزْعَجه، كان قلقاً من علاقته بها التي تجاوزت الوِئام وبلغت ذروة الانْسْجام كصداقة عميقة رغم قصرها، وبذات الوقت التزامه العاطفي الجارف مع شيري، مثلت أنجيلا في الفترة التي سبقت بروز شيري ثانيةً شرفة كان يتنفس منها الحب والعاطفة والهدوء والمرح من دون أن يكون فيها التزام جنسي، كانت صفحة مفتوحة لكل المشاعر، المرح كان على رأسها، لكن نقطة رمادية واحدة ظلت تصبغ تلك الصفحة وهي غموضها في الشَقْ الجنسي، كانت تتلمسه وتقبله على خده وتُغيّر ملابسها أمامه وتستلقي على سريره، كل ذلك من دون أن تدنو من المنطقة المحظورة، حتى إنها اعترفت له ذات مرة أَنها منجذبة نحوه ثم نسيت الاعتراف، ربما لاعتقادها بعجز هرموناته عن مجاراتها، أو لعل عاطفته الشرقية هي التي شوشت الرؤية ليرى أبعاد العاطفة الغربية، بدا الاثنان مشوشين تجاه بعضهما رغم تَناغمهما.
دلفا الحانة التي كانت مكتظة في ركن منها وساكنة في ركن آخر، تبادلا النظرات ثم اختار هو الركن الهادئ قائلاً.
"سنذهب بعدها للعشاء أود الاحفتاء بك الليلة.
" لم إخترت إذن ليلة عَلَيَّ أن أصحو للدوام.
ضرب رأسه بيده وقد تذكر أن الليلة ليست نهاية الأسبوع، ذهب وجلب كأسين، أحدهما ويسكي اختار الشيفاز له والآخر فودكا مع علبة صودا طلبتها هي، جلسا عند مرتفع يفصل بين طاولات الطعام ومصطبة الشراب، في الوسط كان هناك عمود عريض يستند إليه السقف وأُلْصِقَت عليه بعض الصور، فيما عُلِقت صور ولوحات أخرى في أرجاء الحانة، منها لوحة لقرية اسكتلندية ولوحة لبرميل شراب حوله فتاة شبه عارية وعند الجدار الأوسط كانت هناك لعبة قذف السهام "دارت" معلقة في جهة، في اليمين أعلى، جهاز تلفزيون من الطراز القديم من دون شاشة مسطحة، ثمة أشخاص انْتَشروا في المكان غرق بعضهم في صمته وتأمله وبعضهم في تفحص هاتفه الجوال، وثمة آخرون راحوا يتحاورون مع بعضهم، كانت هناك فتاتان تقدمان الخدمة ترتديان قميصاً أصفرَ وتنورة حمراء مزركشة، وشابان يرتديان قميصاً أزرق داكناً وسروالاً أسود بالإضافة لرجل أربعيني وقف خلف المصطبة، رغم صغر الحانة إلا أنها بدت تتسع لعدد غير محدود بفضل أسلوب تقسيمها الاسكتلندي.
" لدي اعتراف.
قال ذلك ونظر في عينيها، ثم تابع.
"قبل الاعْتراف، تبدو علاقتنا الليلة باردة، عفواً لا أَقصد الفُتور، بل هادئة.
"أَنْتَ فاجَأتني بطلب رؤيتي الليلة بعد مدة انقطاع، هذا كل ما في الأمر.
رد عليها وقد بدا محرجاً من صدقها.
"أعْتًرف بأن المحتالة سرقتني، لم أصدق ما وقع لِيَّ معها لكني ظَلَلت لأيام غير مصدق أن تظهر مرة أخرى في حياتي.
ردت مبتسمة.
"أنا سعيدة لكَ، لذا لم أرد أن أشْغَلك معي خلال الفترة الماضية.
ثم أردفت مازحة.
"سَرَقَتك مرتين.
نضح وجهه بمسحة طفولية وهو يضحك، أدار وجهه نحو صوت جاء من وراء ظهره يحيي صاحبته، رأى فتاة بيضاء مستديرة الوجه ذات بشرة ناعمة وملامح جمالية غير مألوفة، بدت على هيئة آسيوية غربية مزيج بشري، فتح شهيته الفضولية لمعرفة التفاصيل بعد أن نهضت أنجيلا وعانقت الفتاة وقد انْفتحت أساريرها، لم تقدمها لسفيان الذي ظل ينظر لها فيما اكْتفت الفتاة بهز رأسها مُحيِيَة من دون صوت، ابتعدت أنجيلا خطوات عن الطاولة وتهامستا لثوانٍ عادت بعدها إلى الطاولة وعينيها على سفيان مُدركة بأنه ينتظر شرحاً للموقف، مَطَّت شفيتها مكتفية بابتسامة مقتضبة، لكنه سارع بالقول قبل أن تَفوت الفرصة.
"لم تُقدميني لها، أَنتِ لا تبادليني المعلومات عَنْكِ مثلما أفعل، هل أبدو لك فضولياً؟
راحت تنظر إليه مبتسمة، احتست كأسها ولم تعلق، ما دعاه لاستفزازها كما في السابق.
"لم تَعد أنجيلا التي توحي إلَيَّ بالحياة، شَيئًا ما طرأ عليك خلال الفترة الأخيرة غَيرَّكِ، أَنتِ لا تعجبيني الليلة بالذات، هل ثمة أمر يزعجك؟ أنا صديقك الدامي، تذكرين؟
"لا أعرف.
أدرك بوضوح أَنها لا تصطنع الحالة، برز واضحاً ثمة أمر أزعجها، قد يكون انقطاعه عنها، لكن لم تكن هناك بينهما علاقة تستدعي الغيرة، هي بذاتها عملت جهدها معه للوصول لشيري، بل كانت متحمسة لها أكثر منه "ماذا يثير استياءها؟" تبدو الليلة ممتعضة من نفسها، لم يرها من قبل بهذا المزاج، حتى طريقته المعهودة المازحة في استفزازها لم تعد تُجْدي، تقاطيع وجهها هذه الساعة ونظراتها الساهمة وابتسامتها المقتضبة بدأت تقلقه، بل تخيفه. راح يتأمل وجهها باحثاً عن سبب وجيه لكنه صدم بملامح باردة جافة لم تكن ابداً هي ملامح أَنجيلا الحيوية الساخرة.
هزت كأسها الفارغ له، نهض ليجلب كأسين لهما، ازداد المكان جلبة وظهر للتو شابان قرب مقدمة الحانة، أحدهما معه بُزق والآخر جيتار وبدآ يستعدان لوصلة غنائية. حين عاد للطاولة لم يجدها، تلفت حوله في المكان، نظر باتجاه المدخل للحمام، جلس ينتظر ظهورها متوقعاً ذهابها للتواليت. مرت الدقائق، تصاعد خلالها قلقه تدريجياً لِيَتَحولَّ بمرور الوقت إلى توتر، بدا عليه الامتعاض، وضاق به المكان وشعر بالاختناق فقفز من مكانه للخارج، حين تلمس جيوبه بحثاً عن علبة سجائره تذكر بأنها على الطاولة، كان من عادته أن يضع كل أغرضه على طاولة الطعام أينما ذهب، عاد للحانة، لم يجد العلبة فيما القداحة ظلت مكانها.
"فرت مني" قال ذلك لنفسه وقد تضاعف توتره، حاول الاتصال بها، كان هاتفها مغلقاً.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,855,203,444
- -خريف الكرز- رواية مُنعت في بعض الدول. ج (18)
- -خريف الكرز- رواية مُنعت في بعض الدول. ج (17)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (16)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (15)
- PDF الرواية والمثلث المُحرم...!
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (14)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (13)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (12)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (11)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (9)
- -خريف الكرز- رواية مُنعت في بعض الدول. ج (9)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (8)
- هل يكون الكاظمي بوابة الساعدي القادم أم يصبح أتاتورك العراق؟ ...
- ثورة كورونا في طور التشكل...
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج(7)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج 6)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج 5)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (4)
- المحظور الخلاق في الرواية...
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (3)


المزيد.....




- أضواء المسرح تعود مجددا.. وزيرة الثقافة توافق على 30 عرضا مس ...
- شبيه رونالدو يرفض عرضا للعب دور في فيلم إباحي
- الاتحاد العام للكتّاب والأدباء يستنكر الاعتداء على سيارة كات ...
- كاريكاتير القدس- السبت
- العراق.. وفاة شيخ الخطاطين وفقيه الخط العربي يوسف ذو النون ف ...
- بروكسيل تشيد بتدبير المغرب النموذجي للأزمة الصحية المترتبة ع ...
- مصر.. المطرب حمو بيكا ينفي تعرضه للطعن: أنا زي الفل (فيديو) ...
- لجنة النزاهة والشفافية لحزب المصباح : الرميد وأمكراز خالفا ا ...
- مصر.. تشييع الفنان محمود جمعة بعزاء ضيق وغياب فنّي (صور)
- كورونا لن تؤجل انتخابات 2021


المزيد.....

- ( قراءات في شعر الفصحى في أسيوط ) من 2007- 2017م ، دراسة نقد ... / ممدوح مكرم
- دراسات فنية في الأدب العربب / عبد الكريم اليافي
- العنفوان / أحمد غريب
- العنفوان / أحمد غريب
- السيرة الذاتية لميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- السيرة الذاتية للكاتبة ميساء البشيتي / ميساء البشيتي
- الوجه الآخر لي / ميساء البشيتي
- لغز إنجيل برنابا / محمد السالك ولد إبراهيم
- رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) / الحسان عشاق
- سارين - محمد إقبال بلّو / محمد إقبال بلّو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (19)