أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - زاهر رفاعية - شهر التنمّر الفضيل















المزيد.....

شهر التنمّر الفضيل


زاهر رفاعية
باحث في العلوم الإنسانية

(Zaher Refaeea )


الحوار المتمدن-العدد: 6546 - 2020 / 4 / 25 - 01:41
المحور: كتابات ساخرة
    


على الرّغم من أنّ إفراد بعض الأيام دون غيرها من كل عام للامتناع عن تناول الطعام والشراب والتدخين وممارسة الجنس عدّة ساعات في اليوم بدافع ديني لهو مبعث تساؤل حول ارتباط المعرفة الإلهيّة بالتقويم السنوي للبشر! إلّا أنّه يجب الاعتراف بحق الفرد في تناول الطعام والشراب أو الامتناع عنهما متى شاء وكيفما شاء سواء لدوافع دينية أم غير دينيّة, لأنّ ذلك يصبّ مباشرة في مفهوم ممارسة الحرية الشخصيّة التي لا يحقّ لإنسان أن يمنع إنساناً آخر عنها .
كالصيام على سبيل المثال في شهر رمضان, فهو حقّ إنساني من منطلق الحريّات قبل أن يكون واجب ديني, وهذا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار, خصوصاً من قبل المستهزئين والعائبين على المسلمين صيامهم في هذا الشهر أو غيره من كل عام. ولكن ...
هل يعترف المسلم لبقيّة البشر من حوله بأحقيّة الإفطار وعدم الاعتداد برمضان كما يعترف الجميع له بحريّة الصيام؟!!!

لقد كان شهر رمضان "الكريم" بالنسبة لي طوال الأعوام التي قضيتها من حياتي في سوريا هو شهر رمضان "الكريه", وتنقسم ذكرياتي حول شهر طقوس النفاق هذا الذي يشبه برنامج سجن عسكري أكثر من أن يشبه برنامج شهر للسموّ الروحي بالإنسان إلى قسمين, مرحلة الطفولة وبداية المراهقة, ومن ثمّ مرحلة الشباب والتمرّد على هذا المهرجان الجماعي المجنون من كل عام.
ففي مرحلة الطفولة كان هذا الشهر هو شهر فرض الاستيقاظ في الليل على صوت الطبّالين -لا أقصد إعلام السيسي بل أقصد المسحّراتيّة- من أجل تناول الطعام والدّعاء لله, لأنّ الله يكون رائق المزاج وقابل لإجابة الدّعاء في هذا الوقت أكثر من غيره, و أيضاً لأنّ الله بجلاله كان يغضب إذا أكل أحد ما لقمة أو شرب شربة بعد ثانية واحدة من قول المؤذن الله أكبر لصلاة الفجر, وكان يجب على ابن ثمان سنوات أن يفهم الحكمة الإلهيّة من الفرق بين بلع اللقمة قبل صيحة المؤذن أم بعدها!!
المهم ثم بعد ذلك كان لزاماً أن أذهب مع البالغين إلى المسجد لأداء صلاة الفجر في جماعة, والتي يطيل الإمام فيها التهجّد والتهجّع والتنطّع والتمرمغ خصوصاً في السجود, حيث يجب أن يوقظ الناس بعضهم البعض بعد كل غفوة في كل سجود.
وبالمناسبة فصلاة الفجر في جماعة هذه في رمضان كانت إحدى أكبر علائم شهر التنمّر وفرض الطقوس المخابراتيّة الدينية التي يتفقّد فيها كل واحد من المصلين جاره ليبرز التقوى ويعيب عليه عدم حضوره صلاة الفجر , وهؤلاء كلهم لم تكن لتجد واحداً منهم في صلاة الفجر في غير شهر رمضان, لا ولا حتّى في غير الأيام العشر الأوائل من هذا الشهر "الكريب". طبعاً باستثناء ليلة القدر التي كانت من الرّوحانيّة بحيث تشعر كأنّ الله بالفعل حرفياً قد نزل من السماء كي يصلّي معنا!!!! ..
وقد كنت تحسب رجال الدين ينتظرون بفارغ الصبر هذه المناسبة "رمضان" حيث كانوا يتمتّعون بسطوة مادّية ومعنوية "كروش الدّين هؤلاء" لم تكن تجد مثلها في غير أيام, فبدءاً من التبرعات المهولة اليوميّة في صلاة الفجر والتراويح والجمعة , والتي حرموا منها هذا العام بسبب كورونا رضي الله عنه , مروراً بالفتاوى المأجورة, عطفاً على العزائم والولائم, وانتهاءً بفرض سطوة فنّية لـ"توب ستار" الشهر الذي تفوق تلاواته واطلالته على الشاشات جميع ألبومات مطربات لبنان ومصر.
المهم وهكذا كانت طفولة رمضان مجرّد تحمّل لسوء مزاج الكبار وخاصّة المدخنين منهم, وحرمان من النوم الكافي بسبب سنّة التهجّد والتمجّد والتهجّع وفروض الفجر والجماعة و التراويح , وتحمّل الجوع والعطش طوال النهار بسبب الخوف من جهنّم التي سيحرقني بها أرحم الراحمين إن أنا تناولت كأس ماء, هذا عدا عن وجوب قراءة جزء من القرآن كل يوم ولو على حساب دروسي ونومي, بالإضافة لتقبيل يد الشيوخ وتمجيدهم طوال الوقت, لأنهم يحملون مفاتيح الجنّة في جيوب عباءاتهم الواسعة...
وقبل أن أختم ذكريات الطفولة في هذا الشهر الكريه أودّ ان أقول بأنّ شهر رمضان هو مجرزة نفسية عاطفية وفيزيولوجيّة ترتكب بحق الأطفال الذين لا ذنب لهم سوى أنّهم وُلِدوا في عائلة تعتقد أنّ الله لديه تقويم وساعة وأنّ شهر يونيو عنده أقرب وأحبّ من شهر يوليو مثلاً.
في المرحلة التالية من حياتي وبعد أن طرأت بعض التغيرات على شخصيتي وسلوكياتي بسبب الدخول في سن الشباب, مثل تعلّم قول "لا" أو ممارسة لعنة "التفكير والتساؤل" أو ممارسة الشؤسمو, او ممارسة عادة التدخين السيئة , والامتناع عن تقديس الشيوخ وأساطيرهم وغيرها. ومن جملة ما تغيّر هو تغيّر نظرتي لهذا الشهر, وصرت أشعر بحقّي كإنسان في صوم أو عدم صوم شهر رمضان وفي النهاية فحساب الجميع على الله... ولكن هيهات هيهات.... فمن قال أنّ صوم شهر رمضان هو امر إلهي!!!
المهم ومع أوّل سيجارة أشعلتها علناً في الشارع في أول رمضان يمرّ عليّ كمدخّن, قامت قيامة أوّل تابع من أتباع دين الرّحمة وراح يهدد ويتوعّد إن أنا لم أرمِ السيجارة من يدي أو أذهب لأتوارى عن الأنظار وانا أدخّنها, وطبعا كان الرّد من عندي بالتجاهل وإكمال التدخين مما حدا بصاحبنا بالتصعيد الذي انتهى بورم أزرق اللون تحت عينه.
طبعاً انتهى بورم أزرق تحت عينيه لأنني كنت أعيش في ظل دولة شبه علمانيّة, بينما لو كنّا نعيش في دولة من التي يحلم لنا المتأسلمون بالعيش فيها, لانتهى الأمر بقطع رقبتي أنا علناً كرمى للشهر الفضيل!!! أي نعم... هؤلاء مستعدّون لقتل الإنسان فداء للأشهر والأيّام... تخيّل!! أن أقتلك لأنّك أهنت يوم الأربعاء؟!! أو أنك انتقصت من قدر الأسبوع الثالث من أغسطس!!
المهم:
قال ايش قال لازم تحترم "الشهر الفضيل"!!! لك يا رجل, أنت بتشوف عبارة "احترام الشهر" عبارة منطقيّة؟ يعني أحب الجمعة وأحترم حزيران وأوقّر الربيع ووو!! هل هذه نكتة أم ماذا؟
قال ايش ؟ قال ما بيصير تفطر علناً في دولة 90 بالمائة من سكانها مسلمين! أها.. أوك شو رأيك يحطوك بالسجن اذا انت صمت رمضان بألمانيا طالما نسبة المسلمين فيها 5 بالمائة؟
قال شو احترم مشاعر الصائمين لأنه عيب عليك حتى المسيحيين بيحترمو رمضان وما بيفطروا قدام المسلمين!! أها قلتلي ... لا عيوني أنت لا بيحترموك لا انت ولا رمضانك بس بيخافو منكن لأنكن همج ولأنهم أقليّة, والدليل ليك حضرتك شو تصرّفت معي "أنا المسلم" بس لأني دخنت علناً, فما باالك هو شو رح يصير فيه, اللي انت بالأصل كمسلم لو يصرلك تسبي مرتو وتاخد منه الجزية ما بتقصر, بس ايييه الله يديم علينا نعمة العلمانية.
قبل ما اختم رح انقلك فتوى عن الإمام أحمد, بتبيّنلك مدى تقديس الشيوخ لروحانيّة هذا الشهر, فتوى من فتاوى رمضان طبعاً اللي بتنافس فتاوى "كاماسوترا" من الفحش والإثارة واللمس واللحس والمص وكل الأشياء اللي ما بيتذكر المسلم يعملا مع مرتو غير برمضان.
في كتاب بدائع الفوائد لابن القيم: (وفي الفصول روي عن أحمد في رجل خاف أن تنشق مثانته من الشبق، أو تنشق أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان، يستخرج الماء، ولم يذكر بأي شيء يستخرجه. قال: وعندي أنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره كاستمنائه بيده، أو ببدن زوجته، أو أمته غير الصائمة، فإن كان له أمة طفلة، أو صغيرة، استمنى بيدها، وكذلك الكافرة، ويجوز وطؤها فيما دون الفرج) "راجع كتاب بدائع الفوائد, لأبن القيّم, الجزء الرّابع"

الخلاصة: ومضان كريم وينعاد علينا وعالجميع بألف خير, لكن القول بأنه شهر التسامي الروحي وشهر الإحساس بالفقراء والجياع فهو إهانة أكثر من أن يكون تكريم, تخيّل أنّ الناس بحاجة أيام معلومة من كل عام كي يمارسوا التنمّر والإكراه الديني كل ذلك من أجل أن يشعروا بوجوب الصدقة و الإحسان والزكاة والى آخره من هذا الكلمات الجارحة التي تهين المحتاج بدل أن تعينه!!
الآن وأنا بعيد آلاف الأميال عن ذلك السجن الرمضاني الكبير الذي سيّجه للناس كروش الدين بلحاهم العفنة, قلبي يتفطّر على أولئك الناس الملزمين بإظهار الموافقة والصوم والطاعة. فهؤلاء المكرهين لا يشعرون من خلال صيامهم بإحساس الفقراء والمحتاجين, بل بشعور المساجين السياسيين في السجون العسكرية, الذين يأكلون بميعاد ويشربون بميعاد ويدخّنون بميعاد ويشأسمون ميعاد ويقبّلون الأيدي التي تجوّعهم وتقهرهم و تقسرهم كل وقت ودون ميعاد, ولا يحقّ لهم الاعتراض أو المخالفة.
قلوبنا معكم.. وانشاء الله رمضان القادم إلى مزيد من الحريّة واحترام إرادة الآخرين.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,856,403,777
- الجماعات الإسلاميّة, خصم سياسي أم عدوّ قومي؟
- مسؤولية الدّين في انتشار الأوبئة والجهل
- إنّما للطبل حدود
- هل ستنتقل إيطاليا لمعسكر الشرق
- تهمة حيازة وترويج الكاريكاتيرات
- رسالة من كتّاب الدرجة العاشرة
- لماذا ينتقد الملحد العربي دين الإسلام أكثر من بقيّة الأديان؟
- مشكلة حامد عبد الصمد مع اليسار الأوروبي
- دعاة أم قوّادون
- فلسفة لا ديالكتيك فيها, ميتافيزيق لا معرفة موضوعيّة فيه.
- لماذا لا ينكح الملحدون أمّهاتهم؟ السؤال الذي أرّق المسلمين
- حول دور الهاشميين في اغتيال الشهيد ناهض حتر
- فضيلة البذاءة في الإعلام العربي
- نهج طروادة عند دعاة الأسلمة في الغرب.
- الكادح العالق بين عجلة الهامستر وترامادول سيزيف.
- خدعة الوحدانيّة لله عند دعاة الإسلام؟
- دلالات الزومبي في المنتوج السينمائي والترفيهي لعصر ما بعد ال ...
- هل سنشهد بسبب كورونا قطيعة أبستمولوجيّة عند أهل الخطاب؟
- الإسلام السياسي يهدف لخلق مجتمع المنافقين
- كرامة المواطن الضائعة بين الاستبداد السلطوي وتجريم الكيف .


المزيد.....




- الكشف عن آخر تسجيل صوتي للفنانة رجاء الجداوي من داخل مستشفى ...
- بريطانيا تكرم المغني والمؤلف الشهير إلتون جون بعملة تذكارية ...
- رواية -العمى- للأديب البرتغالي الشهير جوزيه ساراماغو
- ديوان -مثنوى- للعلامة الصوفى مولانا جلال الدين الرومي
- نشر آخر تسجيل صوتي للفنانة الراحلة رجاء الجداوي لحظة اشتداد ...
- في رسالة مؤلمة… الفنان محمد صلاح يعلن إصابته بكورونا
- مصر.. إصابة الفنان محمد صلاح بفيروس كورونا وعزله
- رحيل رجاء الجداوي آخر هوانم السينما المصرية
- اقــــرأ: الدليل الكامل إلى السينما الإيطالية
- كاريكاتير العدد 4715


المزيد.....

- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - زاهر رفاعية - شهر التنمّر الفضيل