أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامح عسكر - الصين والغرب..ونظرية كلب بافلوف















المزيد.....


الصين والغرب..ونظرية كلب بافلوف


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 6537 - 2020 / 4 / 14 - 17:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في تجربة العالم الروسي "إيفان بافلوف" وصل لعدة قوانين تربط بين الفعل والاستجابة في اصطلاح مشهور علميا ب "الارتباط الشرطي" ومعناه وجود علاقة بين أفعال الكائنات والاستجابة لها وضرب مثالا على ذلك بالكلب، فلو قدمت إليه طعاما بعد سماع الجرس..فسيسيل لعاب الكلب لو سمع الجرس لاحقا بدون طعام، هنا أصبح صوت الجرس محفزا نفسيا للكلب على التفاعل والارتباط مع فعل صاحبه بتقديم الطعام حتى لو لم يأكل في النهاية..

بعد صياغة النظرية علميا وشهرتها دخلت في نُظُم التعليم للإنسان والحيوان معا، لكنها في ذات الوقت اشتهرت في نطاق آخر مختلف وهو "السياسة" فأصبح قيام المظاهرات والاضطرابات والكوارث علامة أو محفز نفسي لتغيير نظام الحكم عند الخصوم، وحصار الحكومات محفز نفسي للإخضاع والقهر بما يؤدي للاستسلام، هنا يكون الخصم "ككلب بافلوف" عندما تحدث كارثة في أمريكا مثلا يسيل لعاب الكوبيين والعكس..عندما تحدث كارثة في إيران يسيل لعاب إسرائيل والعكس..وعندما تحدث كارثة في الهند يسيل لعاب الباكستانيين والعكس، هنا أصبحت الكوارث في الدول تقوم بالدور الذي قام به الطعام في نظرية بافلوف.

وأحدث ما وصل إليه العالم حاليا في نظرية "كلب بافلوف" هو ما يعيشه في أحداث وباء كورونا، فعندما ظهر بالصين نهاية العام الماضي "سال لعاب" الغرب على أمل سقوط الاقتصاد الصيني أو ضعف الحزب الشيوعي بما يؤدي لنجاح أي عملية ضغط لاحقة تجبر الصين على الانصياع والرضوخ للغرب والاعتراف به كقائد للعالم، وهذا كان مفسرا لسلوك وتصريحات الغرب في بداية أزمة الوباء حين تفرغت دولهم من ساسة وإعلاميين وصحافة لاتهام الصين بالتخلف والمبالغة في قوتها ، وكذب الإعلاميون حين زعموا أن سبب انتشار الفيروس بالصين هو الطعام القبيح – بنظرهم – فصنعوا علاقة وهمية بين نشأة الفيروس وعادات الصينيين على أمل تقبيح تلك الثقافة وهذا الشعب المعتز بأعرافه.

لكن جذور هذا السلوك كانت مفهومة، إنهم "ككلب بافلوف" سال لعابهم حين رأوا الصين ضعيفة وتستنجد بالعالم لينقذها من الفيروس، وكما رأينا الرئيس الصيني يخرج مباشرة وهو يناشد البشرية بمساعدة دولته ضد الوباء..رأينا لاحقا ترامب بعد 3 أشهر يستغيث هو الآخر بعدما انتقل إليه الوباء..وهو الذي استهتر بكورونا في البداية وتفرغ إعلامه لتقبيح وشيطنة الصين والضغط عليها لتغيير نظام الحكم عن طريق الضرب على وتر الاستبداد والديمقراطية..وأن الصين لو كانت دولة حريات وانتخابات لسهل عليهم مقاومة الفيروس، لكن ولأنها مستبدة فشلت ومات لديها الآلاف وأصيب أضعاف أضعافهم..

اليوم وبعد قرابة 4 شهور من الأزمة تساوت الرؤوس وارتفعت أرقام الغرب واستقرت أرقام ضحايا الصين لتلبغ المرتبة الثامنة بعد "أمريكا وإيطاليا وأسبانيا وفرنسا وبريطانيا وإيران وألمانيا" ورغم ذلك تخرج البروباجاندا الأمريكية تتهم الصين بالكذب والتستر على أرقامها بينما يتغاضون عن أرقام الآخرين خصوصا ألمانيا التي لا تتناسب أرقام إصاباتها مع موتاها إذ بلغ عدد الإصابات فوق 130 ألف وعدد ضحايا فوق عدد الصين بقليل، بينما إصابات الصين فوق 80 ألف ، فبدهيا يثار الشك في أن ألمانيا تخفي عدد موتاها الحقيقي وتفسره بأسباب أخرى غير كورونا، لكن التحقيقات الأمريكية لم تقترب من هذا بنظرهم..فألمانيا دولة ديمقراطية شفافة وصادقة..بينما الصين كاذبة لا يقبل منها صرفا ولا عدلا.

برغم أن تصريح د "أنتوني فاوتشي" مدير معهد الأمراض المعدية الأمريكي الذي اعترف أمس بوجود تقصير أمريكي واتهام مبطن للرئيس ترامب بالكذب والاستهتار بخطورة فيروس كورونا في بداياته، قائلا أنه كان من الممكن تجنب هذا المصير الذي تعيشه الولايات المتحدة ببلوغ عدد الإصابات فوق 600 ألف والموتى ل 25 ألف ضحية وما زالت الأرقام ترتفع كل يوم بكوارث تصيب في الغالبية العظمى منها دور رعاية المسنين التي أصبحت مناطق منكوبة يموت منها المئات يوميا في شتى الولايات، وبالتالي فالكذب ثابت في حق إدارة ترامب..وبالتبعية هو مقبول في حق أوروبا أيضا لاسيما أن مبدأ الأوربيين المعلن هو تقديم الاقتصاد على الصحة في ما اشتهر لديهم ب "مناعة القطيع" أي لا إغلاق تام للدول كي لا ينهار الاقتصاد ويتركون الفيروس ليقوم بمهمته في حصد أرواح ضعفاء المناعة من غير العناصر المنتجة.

خدعونا بقولهم أن الصين نشرت الفيروس في العالم لأنها لم تغلق الطيران على أوروبا وأمريكا، والجواب: أن مدينة ووهان سافر منها ملايين الصينيين لأوروبا وأمريكا (والداخل الصيني معا) ورغم ذلك سيطرت الصين على الفيروس بينما عجزت أوروبا، وطالما كان الأوروبيين يعلمون بخطورة الفيروس لماذا لم يغلقوا أبوابهم هم منذ شهر يناير؟..ألم يتفرغ قادة الغرب لتسييس الوباء إعلاميا طيلة شهريّ (يناير وفبراير)؟..ألم يستخف ترامب بالفيروس ويشكك في تحذيرات الديمقراطيين خصوصا تكشك جو بايدن بمعلومات الصين ومنظمة الصحة؟..ألم تتورط نخب أمريكا في التركيز على عادات وأطعمة الصين كسبب في الوباء متجاهلين تماما الشق العلمي؟ والسؤال الأهم: طالما سافر الووهانيون المصابون داخليا وخارجيا فالطبيعي أنهم نشروا الفيروس أيضا بالصين كما نشروه بأوروبا، فكيف سيطرت الصين على الوباء بينما عجز الأوروبيون؟

لقد سال لعاب الأوروبيين والأمريكيين على الصين في محنتها، مع ذلك لم يسل لعاب الصينيين بالمثل..على الأقل حسب ما هو معلن بتصريحات عقلانية لقادة الصين تتضامن فيها مع شتى دول العالم المصابة، ومساعدات بالمليارات لا تتوقف خصوصا لأوروبا التي أصبحت "قارة منكوبة" وكأن الصين تعطي درسا في الأخلاق للغرب لم يعهدوه من قبل ومؤداه أن المعاملة لن تكون بالمثل، فحضارة وأخلاق الصين فوق أي اعتبار.

إنها ليست أول مرة يسيل لعاب الغرب على الصين، فعلوها من قبل سنة 2008 في زلزال "سيشوان" الذي راح ضحيته 70 ألف مواطن، والحجة كالعادة..هذه دولة مستبدة متخلفة لو كانت ديمقراطية لعالجت آثار الزلزال بسرعة أو حصّنت نفسها بإجراءات وقاية كما تفعل اليابان على الأقل..وهكذا مع كل كارثة بالصين يتخذوها نقطة ضعف كانفجارات "تيانجين" عام 2015 وحوادث الطرق ..وغيرها، وكأن تلك الدول محصنة من كوارث الطبيعة وأخطاء الأفراد والجماعات، لاسيما أن التربص كان موجودا في ملفات السياسة من قبل باستغلال ما يعرفوه بنقاط الضعف الصينية الخمسة (هونج كونج – تايوان – التبت – الإيجور – بحر الصين الجنوبي)

وبرغم هذا التربص واللعاب المسال وصلت الصين للقمة في الاقتصاد بناتج محلي 29 تريليون دولار، وتصدر قائمة دول العالم في براءات الاختراع لعام 2019 بأكثر من 59 ألف براءة اختراع، وانخفاض نسب الفقر فيها لمستوى قياسي غير مسبوق وهو 3% فقط، علاوة على تقدمها العلمي التكنولوجي آخرها اعتماد نظاميّ Blockchain و Tron في الإدارة والعلم وشبكة 5G العالمية ، لاسيما أن للصين شركات منافسة أخرى للشركات الأمريكية، فمثلما يوجد "جوجل وأمازون" الأمريكيين يوجد "تينسينت وعلي بابا" الصينيين، وكما وجدت "آبل" الأمريكية وجدت"هواوي وأوبو" الصينية، وكما توجد محركات بحث أمريكية عملاقة وجد محرك بحث "بايدو" الصيني الذي لا يقل قوة عن جوجل وياهو، حتى اليوتيوب ومتصفحات الإنترنت لهم بديل صيني لا يقل كفاءة والقائمة تطول..

أما المسلمين والعرب فهم منقادين للميديا الغربية التي لا تفرق بين نقد الدولة والشعب وبين نقد النظام وأيدلوجيا الحكم، فخلطوا وشاعت بينهم الأكاذيب عن الصين بأن أكل الخفاش هو السبب في نشر كورونا، ولم يجيبوا على تساؤل كيف أن هذا الطعام موجود بالصين قبل آلاف السنين ولم يظهر كورونا وغيره؟..ولماذا الصين بالذات رغم أن طعام الخفاش والكلاب وسائر حيوانات البر منتشر أيضا بكوريا واليابان وكمبوديا وفيتنام ولاوس..وغيرها.

أما تقبيح أكل الخفاش وتوظيفه لكراهية الصين فهذا ما ورد في تراث المسلمين: يقول الإمام بدر الدين العيني "الخفاش ذكر في موضع أنه يؤكل وموضع آخر لا يؤكل" (شرح الهداية 11/ 586) ويقول ابن تيمية " فيه وجهان" (المستدرك على مجموع الفتوى 5/ 133) ويقول النووي "قد يجري فيه الخلاف" (روضة الطالبين وعمدة المفتين 3/ 273) ويقول عثمان الكماخي "ذكر في بعض المواضع أن الخفاش يؤكل وذكر أنه لا يؤكل لأنه من السباع" (كشف أسرار الموطأ 3/201) و (عيون البصائر لشهاب الدين الحموي 2/ 13) و (المحيط البرهاني لأبو المعالي الحنفي 6/58) و (تبيين الحقائق لفخر الدين الزيلعي 5/295) وأكل الخفاش عموما مشهور في الفقه الحنفي على أنه حلال وعند المالكية مكروه والحنابلة حراما، أي أن الخفاش في الفقه مختلف عليه ولم يحرم أكله سوى الأقلية..

إن الجزء الأكبر من انبهار العرب والمسلمين بأمريكا وتصديقهم أياها أساسه (الميديا) بأفلام هوليود العلمية والخيال والتكنولوجيا كل هذا غير حقيقي أو جزء كبير منه مزيف، وسبق القول أن الشعب الأمريكي جاهل لحد كبير لا يختلف عن جهل شعوب العالم الثالث، وأزمة كورونا كشفت هذه الحقيقة أن وعي الغرب بالعموم لا يختلف عن وعي العرب ، حتى قوتهم الأسطورية في الأفلام هزمت في أفغانستان وفيتنام والعراق..ينسى العربي كل ذلك ويظن أن أمريكا محور العالم ولا طاقة لدولة بها ويصر على تصدير ما تنتجه الميديا الغربية على شكل معلومات ومناظرات لا أساس لها من الصحة.

ولمن يقول أن علوم الصين مقلدة فلا يدرك أن التقليد أحيانا يكون أكثر إبداعا وجودة من الأصل، وأن التقليد عند الصيني حصل بإنجاز (خفض التكلفة) وهذا نجاح لم يكن ليتحقق لولا وجود تقنية صناعية خاصة بالصيني لا يملكها الأمريكي..

يعني باختصار لو (لابتوب أمريكي) ثمنه 1000 دولار لو أراد الصيني تقليده فسيخفض ثمنه ل 100 دولار، هذا الخفض يلزمه تقنية وتكنولوجيا وعلم لا يملكه الأمريكي أصلا ومن هنا نعلم أن تقليد الصينيين هدفه خفض أسعار السلع عالميا وبيعها لرفع مستوى معيشة الشعوب..وهو ما تحقق في أجهزة المحمول والتلفزيون والدش والكمبيوتر وغيرها، وهذا لا ينفي أن الصين (شعب مبتكر) أنجز ابتكاره في مجالات النقل والمحركات والسلاح والطاقة الشمسية وغيرها حتى وصلت لقمة عدد براءات الاختراع في العالم، وأن مشكلة الصين في ابتكاراتها أنها لا (تُسوّق) بشكل جيد، مما يعني أن المشكلة عند الصين تكمن في (تسويق) نفسها إعلاميا كبلد مبتكر خلافا لأمريكا اللي هي رائدة فكرة التسويق العالمية من هوليود .

نقطة أخرى يوجد فارق بين (إنتاج السلعة ) و (تسويقها) الصين تنتج لكن لا تسوق لنفسها بشكل كافي ومؤخرا بدأت في علاج هذه المشكلة بغزو إعلامي فضائي وألكتروني بمعظم اللغات تقريبا، مع حرصها على عدم استجداء الغرب في مؤشراتهم الخاصة كجايزة نوبل ومؤشر الابتكار الدولي، لأن هذه المؤشرات والجوائز يتم تسييسها حسب وجهة النظر الصينية، وأن المعيار لا يكون سوى بالنفع العام لا بالأرقام المحفورة في ذاكرة الصينيين بالنفاق الدولي..

علما بأن أكثر دول العالم ابتكارا حسب المؤشر العالمي هم (إسرائيل وهولندا وبريطانيا وكوريا الجنوبية) تأتي أمريكا لتحاكي ابتكاراتهم وتعيد تدوير أفكارهم بابتكارات جديدة وهذا مشروع، لكن أساس الفكرة ليست لديهم، وهنا يبرز جانب آخر من الكفاءة وهو (المحاكاه) وما فعلته الصين في التقليد ليس كوبي باست كما يظن البعض في الأغلب بل هو محاكاه لأفكار قديمة كالمحمول..لما تم ابتكاره في أوروبا أصبح لأي دولة إعادة تصنيعه وابتكار أشكال جديدة له وتكنولوجيا مختلفة، وهذا ما أنجزته الصين..فقد كانت أول دولة تنتج وتبتكر المحمول أبو خطين وثلاثة خطوط كمثال على المحاكاه، وأتذكر عندما كان تليفون نوكيا هو السائد في مصر والشرق الأوسط ذي الخط الواحد بعدها ظهر فجأة محمول صيني بثلاثة خطوط..وهذا هو نموذج المحاكاه والتطوير لأفكار قديمة..واختصار ما فعلته الصين أنها لم تعيد صناعة العجلة لكن طورتها لموتوسيكل كمثال..

كذلك فالصين دولة تشجع على البعثات العلمية وترسل سنويا آلاف من طلابها للدراسة بالخارج ، هؤلاء الطلاب عندهم ارتباط شديد بوطنهم فيعودون لنقل خبرات الغرب لبلدهم وإعادة تصنع ومحاكاة ما تعلموه في الجامعات الغربية، خلافا لدول أخرى طلابها لما يذهبوا لأمريكا يحصلون على الجنسية ولا يعودوا، وأتذكر دراسة قديمة عن مبتكرين أمريكا وجدتهم من أصول هندية وبنغالية وأسبانية..هؤلاء لو عادوا لبلدهم لرفعوا مؤشر الابتكار، وبالتالي ادعاء أن الصين حرامية وتسرق الأفكار غير صحيح..بل هو اتهام موجه من أثر الميديا الغربية وتوصيفه السليم (محاكاه وعدم هجرة المواهب) وبسياق آخر (تطوير القديم وإنتاج تقنية علمية لخفض التكلفة).

حتى الآن لم أتحدث سياسة إلا في سياق انعكاساتها وتأثرها بالاقتصاد، وهنا الفارق، لأن هناك من يحمل على الصين ويكرهها فقط لشمول نظامها السياسي أو لشيوعيته ، علما بأن شيوعية الصين حاليا مختلفة ومتطورة وأكثر حداثة عن شيوعية ماو والطبقة الحاكمة بعد قيام الجمهورية سنة 1911، والحزب الحاكم هناك عندما يقرر فهو يأخذ دورة استشارية طويلة على آلاف الأعضاء ، أي لا وجود هناك لحكم الفرد كما كان موجودا في عصر الأسرات الصينية في القرون الوسطى..بل هو تطوير لنظام الحكم الشمولي المتوافق مع الذهنية الصينية بشكل حزبي..أما قصة هذا النظام جيد أم سئ..إيجابي أو سلبي، خير أم شر، مجرم أم عادل ..هي قصص أخرى مختلفة لها مبحثها الخاص تناقش بعيدا عن دولة الصين وكيانها وثقافتها التي يجب أن تُحتَرم.

واعتبروا هذا المقال وجهة نظر أخرى غير شائعة لكنها تمثل دعوة لطريقة تفكير جديدة، فما يفعله البعض تجاه الصين لا يختلف عن ما يفعله البعض تجاه المسلمين واليهود ، فمثلما وجد الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية يوجد حاليا ما أسميه "صينوفوبيا" أي كراهية الصين لذاتها استجابة لأثر الميديا الغربية والسلفية الدينية في المنطقة، وقد علمنا أن الغرب والسلفيين والجماعات يخاصمون الصينيين لأسباب متعددة تتعلق بالمنافسة والدين والأيدلوجيا واللغة والعرق..إلخ، وقد برزت على السطح تلك المشكلة بعد ازدراء ثقافة الصين في الطعام والطهي والمبالغة في تقبيحها دون النظر لما يماثلها لدينا.

فعلى سبيل المثال عندما ينكر العرب أكل الخفاش والكلب فكيف لا ينكرون أكلهم الضباع والضب؟..لماذا لا ينكر المصريون على أنفسهم أكل الفسيخ والممبار وهي أطعمة قبيحة ومقرفة عند بعض الشعوب؟ لماذا لا ينكر الأوربيون على أنفسهم أكل الضفادع؟

إن ما حدث هو انحياز فاضح ناتج عن انطباعات خاصة من أثر الإعلام والميديا، فانتشار الأكاذيب عن الصين والدعاية لكراهيتها لا تتناسب مع سياستها المسالمة والحكيمة في حل مشاكل العالم، فهم الذين وقفوا بجانب الشعب والدولة بسوريا ضد الإرهاب والتدخل الأجنبي، وهم من ساعدوا أفريقيا على النهوض والارتقاء ببناهم التحتية وإسقاط الديون على بعض المتعثرين كما فعلوا مع أثيوبيا العام الماضي ، كذلك لا يتناسب مع حياد الصين الإيجابي مع كل أزمات الشرق الأوسط فلم تتدخل باليمن ولا في قطر سوى بدعوات عامة للسلام ونبذ الكراهية والعنف، لم تحشر أنفها في الشأن الداخلي لأي دولة بالعالم كما يفعل ذلك الأوربيون واعتادوا عليه منذ قرون..

إن التعميم والكراهية ضد الصين لا تختلف عن أي سلوك عنصري مشبع بالدونية والإقصاء واحتكار العلم دون بينة، فالغرب يظن أنه لا زالت لديه سلطة إطلاق التعريفات والمفاهيم ضد أي شعب، فأصبح من حقه تعريف الصين والشرق بالعموم كما يحلو له، ثم يستورد الضعفاء والتابعين له تلك المفاهيم على أنها حقائق، برغم أنها صناعة أحادية لم تلزم الجانب العلمي وحادت عن الصدق في كثير منها إلى مزاعم لا أساس لها من الصحة، وبالوقوف على دوافعها النفسية فهي لا تختلف عن دوافع أي محارب لخصمه..

فالغرب تحركه غرائز ضد الصين..نحن أفضل منهم فكيف نجحوا وفشلنا، كيف أصبحوا أقوياء ونحن ضعفاء؟..إذن فالسبيل الوحيد أن نظهرهم ضعفاء لنرضي أنفسنا وغايات الشعب لدينا الذي يعيش على أمجاد الحضارة وعقول روسو ونيوتن وإينشتاين الذين هم أعظم من لاوتسي وماوتسي وسائر حكماء الصين، أيضا كيف يكون أداء بكين أفضلا من أداء روما في جائحة كورونا؟..ألسنا ديمقراطيين وهم مستبدين؟..ألا يعد ذلك دعاية للاستبداد والسلطوية مرة أخرى بعد الأمل الجميل والحلم المنعش الذي عاشته البشرية منذ القرن 19؟..كيف نكون متوحشين نضحي بكبار السن وهم أخلاقيين حافظوا على مواطنيهم؟..ألا يعد ذلك دعاية لحضارة الصين وأخلاقهم على حساب حضارة أوروبا مهد كل حضارات الإنسان المعاصر؟

إن العدالة ليست ذات بعد واحد خاص بشعب دون آخر ، فلا يجب أن نصدق دعايا الغرب ضد الشرق والعكس على أن ذلك عدالة، بل هو ادعاء ينقصه الدليل الذي لو عقدت أي محكمة لأدانت ترامب وفريقه بالتقصير في حماية أرواح الأمريكيين ورفض إيقاف المصانع كليا مثلما فعل الصينيون في ووهان، لقد ضحى الصينيون بالمال كي يحفظوا أرواح مواطنيهم بينما حشد ترامب كل طاقاته وإمكانيات دولته بالترويج والدعايا السوداء ضد الصين على أنها السبب أملا في إفلاته من العقوبة المنتظرة في الانتخابات أو المحاكمة الداخلية من نانسي بيلوسي وجو بايدن ورفاقهم، خاصة وأن الرجل فقد تعاطف خصمه الديمقراطي بعد فضيحة تجسس أوكرانيا وما قيل عن فساد أدى لإيقاف إجراءات عزله من قِبَل القاضي مولر، وكذلك اتهامه لبعض نواب الديمقراطيين من ذوي الأصول العربية والأفريقية بالخيانة وتذكيرهم عنصريا بأصولهم غير الأمريكية.

هنا العدالة تقتضي أن يوجد نظام محايد أشد حرفية وإنصافا وحكمة من الوضع الحالي كي يعود للعالم وئامه بعد كورونا، ولتجنب مصير أحمق تكرر كثيرا على مدار التاريخ من فعل الكراهية والفوبيا المنتشرة بأثر العزلة والانغلاق، فكما أن الشعب الصيني منغلق – وهذا مؤكد – فالشعوب الغربية أيضا منغلقة عن الصين بل لا تعلم شئ عن العرب وثقافتهم وإلا لتنبأوا بزوال داعش خلال سنوات فقط لا كما أشار نظام أوباما أن مكافحة داعش ستستغرق 20 عاما ، أو تستغرب من كراهية المسلمين والعرب لها بسبب دعمها لإسرائيل وتدعي أن ذلك حقدا على ليبرالية هذه الدولة

علما بأن كراهية الغرب للإنسان الصيني والأسيوي قديمة منذ الاستعمار، وسكنت أينما حل الرجل الأبيض في أستراليا ونيوزيلندا كمثال، والتاريخ يشهد أن صورة الصين في الذهنية الغربية اليوم بالشعب المتخلف والمخادع وغير النظيف ومركز الأمراض لم تختلف عن الصورة الشائعة لديهم منذ القرن 19 كالكاريكاتير الشهير للرسام الأمريكي "توماس ناست" بعنوان "الأخطبوط الصيني المنغولي" حتى أن الفن الغربي مشبع أيضا بوجهات نظر عنصرية وإقصائية ضد الصين كالمسلسل الكارتوني "عائلة سمبسون" الذي صور الصين والعنصر الأسيوي عموما بالكذاب المحتال وأحد الأطفال داعما لحرية شعب التبت ضد الحكومة الشيوعية، ناهيك عن قصة الإيجور الأخيرة وكيف أنه قد جرى تضخيمها لتوافق الهوس الديني الإسلامي باضطهاد الكفار البوذيين للمسلمين في تكرار ممل لأزمة العرب ضد الآخر والشعوب الغربية ضد الشرق بالعموم.

فلو كانت هذا حال الميديا من الازدراء والكراهية فكيف بالسياسيين أن يعدلوا أو يصوّبوا وجهات نظرهم على أسس إنسانية ليبرالية كما هو مفترض؟..أو على الأقل نعترف بوجود قصور معرفي عن الصين والشرق الأسيوي بالعموم الذي ما زال العالم الغربي والعربي في عزلة شبه كاملة لا يعلم عنه شئ..دين أو لغة وثقافة وأعراف، ومثلما أن الإنسان هو عدو ما يجهل فالطبيعي أن يرى هؤلاء الصين تهديدا للبشرية والحضارة بل تهديد وجودي للمجموعة الشمسية ومجرة درب التبانة، برغم أن المقدمات والأفعال تقول بالعكس..أن الذي أفسد ونشر الحروب والدماء والجهل والإرهاب هم العرب والغرب بدعمهم لتنظيم القاعدة وداعش ونشرهم للوهابية، بينما الصين لم تدعم أحد..هي أغلقت على نفسها فقط لتبني الدولة من الصفر حتى وصلت بعد عدة عقود فقط للقمة..بينما يتفرغ خصومها وأعدائها للكلام واللغو..




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,857,641,292
- الشريعة الإسلامية بين التاريخ والحداثة
- فيروس كورونا..عالم بلا مأوى
- وهم مراجعات الشيوخ
- تحديات الحقيقة في عصر العلم
- أضواء على الديانة اليهودية
- المسلم والمدرسة الواقعية
- أقسام النظر لكتب التراث
- رؤية أخرى للحرب الأهلية الأمريكية
- مركزية الأنثى في الأديان..خطوة إصلاحية
- مهرجانات مصر وأزمة العشوائيات
- ويسألونك عن تجديد الخطاب الديني..ما هو؟
- لماذا الأزهر لا يصلح للتجديد؟
- الاعتذار عن الفتوحات مطلب تنويري
- هل سينقذ الأزهر جماعة الإخوان ؟
- الحضارة المصرية بين الأمومة وبطريركية الأبوية
- أضواء على المذهب الشيعي الإمامي
- الإصلاح السعودي والمصير العثماني
- أضواء على الديانة المصرية القديمة
- شرح الوضع الليبي
- عبدالملك بن مروان..قصة خليفة


المزيد.....




- مصدر عسكري تركي: قتلى من -الفاغنر- الروسي في ليبيا بغارات لس ...
- شاهد.. كاميرا مراقبة ترصد لحظة اغتيال الهاشمي أمام منزله
- فرنسا: من هم أبرز الوزراء والوجوه الجديدة في حكومة كاستكس؟
- رقصة علنية جريئة لفتاة في إيران تقودها مع الفرقة الموسيقية ...
- تركيا.. الأزمة الليبية تتصدر جدول مباحثات وزيري الدفاع الترك ...
- الأردن.. تخصص جديد -دبلوم في إدارة الانتخابات-
- كيف نعالج الجلد المتضرر من الشمس؟
- مسؤولة الصحة العامة الإسرائيلية: البلاد ضلت عن الطريق في مكا ...
- الحركة التقدمية بالكويت تعلق على تسجيلات مسربة لقيادات أحزاب ...
- المعارض الجزائري كريم طابو يطالب بإطلاق سراح معتقلي الحراك


المزيد.....

- نحو فهم مادي للعِرق في أميركا / مسعد عربيد
- قراءة في القرآن الكريم / نزار يوسف
- الفوضى المستدامة في العراق-موسى فرج / د. موسى فرج
- الفوضى المستدامة في العراق / موسى فرج
- سيرة البشر / محمد سعيد
- المسار- العدد 41 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- موقف الحزب الشيوعى الهندى ( الماركسي ) من المراجعتين اليميني ... / سعيد العليمى
- نحن والعالم والأزمة النقدية القادمة / محمود يوسف بكير
- سيرة البشر / محمد سعيد
- ثورات الربيع العر بى بين النجاح والفشل- التجربة المصرية / محيى الدين غريب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامح عسكر - الصين والغرب..ونظرية كلب بافلوف