أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم المحبشي - صراع الإنسان من أجل الاعتراف في عام مضطرب.















المزيد.....

صراع الإنسان من أجل الاعتراف في عام مضطرب.


قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed )


الحوار المتمدن-العدد: 6456 - 2020 / 1 / 5 - 15:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


نقصد بالاعتراف هنا التقبل والموافقة، والتقدير والاحترام والإحساس بالآخر بوصفه كائنا جديرا بالتقدير والأهمية والاعتبار بعكس الاستبعاد والتهميش والازدراء والإنكار والإقصاء والقمع والاحتقار..إلخ من الصفات السلبية النمطية التي يتم إلصاقها بالآخر المختلف أو المعايير أو المغاير. والاعتراف يرتبط بقيم إنسانية أخرى أهمها التسامح الذي يعني احترام وقبول وتقدير التنوع والانفتاح تجاه الآخرين المختلفين، والإقرار بحق الاختلاف والتفاهم والفهم، بعكس اللاتسامح الذي يقوم على الجهل والتعصب والانغلاق والاستعلاء والتكبر والتطرف والعنف والإكراه، فالتسامح لا يعني بالضرورة أن نحب الجار بقدر ما يجب علينا أن نجتهد لاحترامه حتى ولو بالقدر الضئيل) وهو يقوم على أساس رسوخ الفكرة الجوهرية لكرامة كل بني الإنسان حتى أقلهم موهبة وشأنا، بالتالي فكرة حق كل منا في أن تكون له أفكاره الخاصة به حتى وإن كانت أكثر الأفكار منافية للعقل، ومخالفة للرأي العام، وهذا هو المعنى من قول فولتير: إنني مستعد أن أقدم حياتي ثمناً في سبيل حقك في التفكير والتعبير بحرية فيما نعتقده وإن كنت على خلاف كامل مع رأيك. وقد حظي مفهوم الاعتراف باهتمام عدد من الفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور، ففي اليونان كان المثل الأعلى للحرية (هو عليك أن لا تغضب من شبيهك إذا تصرف على هواه في ظل القانون) وفي الحكمة الصينية (لا يمكننا الاستغناء عن الآخر وأنت الآخر بالنسبة له) وفي ديننا الإسلامي الحنيف (عامل الناس كما تحب أن يعاملوك) ورغبة الإنسان بالاعتراف كما قال آدم سميث (هي الرغبة الأكثر التهابا في الطبيعة الإنسانية لا يوجد شخص يستطيع أن يبقى غير مبال بسمة اعتراف الآخرين به ولا يوجد ثمن نحن مستعدون لدفعه لكي نحظى بهذا الاعتراف وقد تخلى البشر بإرادتهم غالباً عن الحياة، وذلك لكي يحظوا بعد موتهم بسمعة لم يستطيعوا الحصول عليها والتمتع بها في الحياة). والحرية هي صراع من أجل الاعتراف حسب هيجل إذ يمكن للمرء أن يتحمل كل مصائب الدنيا مقابل أن ينجوَ من الاحتقار والإهمال والازدراء. وهذا هو ما دفع الفيلسوف الألماني المعاصر إكسل هونيت إلى تاليف كتابة المهم (النضال من أجل الاعتراف) 1992م إذ أكد أن كثيرا من النزاعات الاجتماعية والسياسية التي وجدت في الماضي أو الموجودة اليوم ربما تجد أسبابها في مسألة الاعتراف، التي من دونها يستحيل فهم الدوافع العميقة لمساعي وكفاح الناس وغاياتهم.ولسنا بحاجة إلى التذكير بتلك المعاني الإنسانية السامية التي أوصى بها القرآن الكريم في تعامل الناس بعضهم مع بعض ومنها: العفو والصفح واللين واللطف والرفق والرحمة والشفقة والتواضع، والإنصاف ومنع التنابز بالألقاب، والمودة والمحبة والحوار والتصالح التسامح والتعارف والاعتراف والعدل والبشر وإفشاء السلام. ..قال تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات) والأمر كذلك يعد الاعتراف من أسمى الفضائل الإنسانية وأكثرها أهمية للتعايش والسلام والاستقرار والعدل والخير والجمال والنماء والازدهار. إنه الرغبة الثاوية التي تعبر عن الحاجة الفطرية عن كل كائن إنساني إلى أن يعترف به كذات وقيمة عاليتين جديرتين بالتقدير والاحترام لذاتهما وفي ذاتهما ومن أجل ذاتهما، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، وهي حاجة تأتي مباشرة تماما بعد الحاجات الفيسولوجية، وحاجات السلامة والأمان في هرم عالم النفس الشهير أبراهام ماسلوا. وباعتبارنا كائنات اجتماعية في غاية الحساسية لا نستطيع تنمية هويتنا وبناء علاقة إيجابية مع أنفسنا ومع غيرنا من الناس من دون الاعتراف الإيجابي بذواتنا الإنسانية كقيم عليا يجب أن نحترم. إذ دون الاعتراف المتبادل يستحيل الاندماج الاجتماعي للناس في مجتمع منظم ومنسجم ومستقر ومتعاف ومزدهر. ويعد عالم الاجتماع الفيلسوف الألماني اكسل هونيث( 1949 ) ابرز من درس هذا الموضوع في كتابه صراع من اجل الاعتراف. وهونيت الذي يعد من اهم ممثلي الجيل الثالث لمدرسة فراتكفورت , والذي يعد من اهم المنظرين لمفهوم الاعتراف بالفلسفة  الغربية المعاصرة.
والكتاب هو في الأصل رسالة أعدها صاحبها لنيل درجة التأهيل العلمي بجامعة فرانكفورت تحت إشراف هابرماس، فمنذ صدوره بلغة صاحبه الأصلية (الألمانية) سنة1992 والجدل حوله قائم وازدادت دائرته اتساعا مع صدور الترجمتان الإنغليزية (1995) ثم الفرنسية (2000) اللتان امتازتا بترجمة دقيقة وثرية لمحتوياته.ولأن عصرنا الراهن هو عصر الصراع والنقد من أجل البحث عن فضاء للعيش المشترك بعيدا عن التوترات والنزاعات فإن ذلك ما زاد من راهنية هذا الكتاب الذي يعد بنظر الباحثين في الشأن الفلسفي من أهم الكتب التي صدرت لتأسيس نظرية الاعتراف.إذ يعتقد اكسل هونيث ان الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حد للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة, ومن ثم يستطيع الافراد تحقيق ذواتهم وهوياتهم ضمن علاقات ذواتية  مرهونة بتحقيق ثلاث نماذج معيارية متميزة للاعتراف وهي:
1-الحب :لانه يعد المحبة هي شرطاً اساسياً و جوهرياً لكل شخص للمشاركة في الحياة الاجتماعية . فالحب هو جوهر بناء الحياة الاخلاقية السديدة والقويمة.                                  2- الحق:يمثل الحق جوهر الاعتراف على المستوى القانوني .لان الفرد يكتسب حق الاعتراف القانوني والاحساس بوجوده واحترامه من قبل الجميع لذلك يعد تمكين الناس من حقوقهم الفردية يجعل الذات قادرة على التعبير عن حاجاتها باعتبار الانسان هو فرد عالمي له حقوق وواجبات فالارتباط ضروري بين الاعتراف القانوني واحترام للذات من اجل اقامة علاقة دائمة مع انفسهم. فالانسان عليه   بالاحترام الاجتماعي وهذا يسمح له بتحقيق ذاته وتطويرها.
3- التسامح الإيجابي الذي يرتكز على الاعتراف المتبادل بين الأطراف بالأهلية والقيمة والندية والقدرة والسلطة والنفوذ بما يكفل لكل طرف من الاطراف قول رأيه والتعبير عما يعتقده صوابا بحرية كاملة وظروف متكافئة , فالتسامح هو الشرط الضروري للتعايش والعيش بسلام والتفاهم بشأن المشكلات والأزمات والنزاعات الاجتماعية التي تنشأ في سياق الحياة الاجتماعية للناس الساعيين وراء اشباع حاجاتهم وتامين شروط حياتهم .
ويمكن تلخيص أهم شرط من شروط التسامح الفعّال بانه الاعتراف بقيمة الآخر وجدارته ونديته وحقوقه المتساوية مع الجميع اعضاء المجتمع المعني وهو نمط من أنماط العلاقة بين الذات والآخر يعني التقدير والاحترام وتكافؤ الفرص والعدالة والإنصاف والاعتراف إذ أن أكبر التي يمكن أن تصيب الإنسان هو غياب التقدير والانصاف والاعتراف و يمكن أن يتحمل المرء كل المصائب الخارجية مقارنة بالظلم والإهمال والاحتقار.
ومن هنا يعد التسامح ضرورة العيش الفعال والمشجع في الحاضر العادل الأمن المستقر الذي يجعل من الانتقال الى المستقبل أمر ممكنا بما يوفره من بيئة سلمية مستقرة وسليمة ومتعافية صالحة للتضامن والتعاون والتعاضد والتراحم والتأزر وتأليب الجهود والطاقات في سبيل تأسيس المداميك الصحيحة للمجتمع الذي نريد ان نُكوِّنه مجتمع المستقبل ودولته العادلة الآمنة المستقرة المزدهرة . وبهذا المعنى يكون التضامن مرتبة قائمة على التسامح الايجابي الفعال بين المتسامحين الذين ينشدون الذهاب إلى المستقبل الأفضل .
4- التضامن: ويقصد به التقدير الاجتماعي بين الذوات واعطاء القيم للمؤهلات والامكانات الاخرين دوراً مهماً في المجتمع. فالإحساس بالقيمة هو الشكل الثالث للاعتراف الذي يسمح للفرد بتحقيق ذاتهم من خلال علاقات الاعتراف المتبادلة.
  لقد عمل هونيث على دراسة المجتمع وتشخيصه من الامراض المنتشرة فيه كالتطرف الديني والعنصري  والازدراء والتشيؤ وكل مظاهر الظلم والاحتقار التي من شانها ان تحط من قيمة الانسان والانسانية. واستنتج خلال هذا التشخيص انه  ينبغي معالجة هذه الامراض ووصف علاج لها من خلال مفاهيم وتصورات يمكن بواسطتها مواجهة الامراض والاوجاع والصراعات التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة. فلجأ لحل هذه المشكلة باعتمادة على نظرية الاعتراف التي فتحت افاق جديدة ومسائل هامة مسكوت عنها تتعلق باحترام الذات وتقديرها والاعتراف بها. والحفاظ عليها. ان فلسفة الاعتراف ترسم المعالم ليس من اجل تواصل البشر فحسب, بل من اجل وحدة الانسان . فما احوجنا الان وفي هذا الزمان بالذات زمن الحقد والكراهية والنفاق وما احوجنا الى مثل هذه الفلسفات العظيمة التي تعدل من سلوك الإنسان وتقومه وتخلصه من امراض هذا العصر.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,709,051,302
- متى يتجاوز العرب الحالة الخلدونية؟! مقدمة في استئناف الفعل ا ...
- البارحة مع ديوان معشوقتي في دار الهلال المصرية
- لست راضيا ولم اندم وهذا ما استطعته
- اليوم لي .. فيما يشبه المعايدة بالعام الجديد 2020م
- فيما يشبه التمهيد.. لمقاربة فيلسوف الأنا العربي
- أمس مؤتمر النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، باتحاد أدباء وك ...
- العلمانية ليس ايديولوجيا بل تقنية سياسية ناجعة ومجربة
- عبد الستار الراوي ورحلته الفلسفية من بغداد الى الاسكندرية.
- مقاربة المجتمع المدني المفهوم والسياق
- ملاحظات أولية في فلسفة الفن والجمال
- يوم أمس في زيارتي الثانية لأهرامات الجيزة
- في توقع مآلات ثورة الفرصة الأخيرة .. خاب ظنه وصدق حدسي
- فاطمة مصطفى و بحث العلاقة بين الفلسفة والسينما
- الثورة: تحولات المفهوم وسياقات المعنى؛ من وحي مؤتمر العقل وا ...
- في الثورة والعلم والثقافة والأيديولوجيا
- في إستشكال مفهومي العقل والثورة.
- أولفين توفلر فيلسوف تاريخ يا توفيق!
- المرأة وتثقيفها في صالون بنت البادية الثقافي
- في معنى الثورات العلمية وتغيير الباراديم
- انتحار الشهيد .. قصة واقعية من اليمن السعيد


المزيد.....




- الأسد يوجه رسالة لأردوغان: سنواصل العمليات في ريفي حلب وإدلب ...
- بينهم عسكريون.. اكتشاف مقبرة جماعية تضم 70 جثة في غوطة دمشق ...
- الإمارات.. تجربة ناجحة لطيار بشري بقدرة تحليق لارتفاعات عالي ...
- فيروس كورونا.. إسرائيل تمنع دخول الأجانب القادمين من 4 بلدان ...
- حصيلة وفيات فيروس كورونا تتخطى 1860 على مستوى العالم
- قيس سعيد يهدد بحل البرلمان إذا انتهت مهلة تشكيل الحكومة
- كيف يمكن خفض ضغط الدم إلى 120؟
- 5 فوائد لاستبدال الصمام الأبهري للقلب بواسطة القسطرة
- لماذا يستغرق تطوير لقاح ضد -كورونا- القاتل وقتا طويلا؟
- شاهد: آلاف الأشخاص حضروا "قفزة الملاك" في كرنفال ا ...


المزيد.....

- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية / علي محمد اليوسف
- في التمهيد إلى فيزياء الابستمولوجيا - الأسس الفيزيائية - ... / عبد الناصر حنفي
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم المحبشي - صراع الإنسان من أجل الاعتراف في عام مضطرب.