أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد جرادات - بانوراما: في الثقافة والسياسة وشؤون أخرى[1]













المزيد.....

بانوراما: في الثقافة والسياسة وشؤون أخرى[1]


أحمد جرادات

الحوار المتمدن-العدد: 6381 - 2019 / 10 / 16 - 11:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بانوراما: في الثقافة والسياسة وشؤون أخرى[1]

-1-

تمهيد: الانتليجنسيا والحرب الثقافية

لعلَّ من نافلة القول إن الثقافة ليست واحدة من الساحات التي تُخاض عليهاالحروب فحسب، بل هي من المعارك الفاصلة التي تُخاض بها الحروب من قِبل الدول والشعوب. ولا يمكن كسب أية حرب بدون استخدام ترسانة سلاح ثقافي مختَزنة أو يتم تجهيزها لتلك الحرب، حتى لو كانت عدوانية وغير عادلة وثقافتُها زائفة أو شريرة أو متوحشة. وبالنسبة لحربنا الدائرة في مواجهة العدوان الإمبريالي- الصهيوني- الرجعي العربي، ولا سيما النفطي، وجحافل الإرهابيين التكفيريين من داعش والنصرة وسُلالتهما، فإن حمَلَة هذا السلاح ومستخدميه هم المثقفون التقدميون الذين يجب أن يشكِّلوا كتيبة أو حامية تتقدم الجيش أو ترافقه أو تحمي ظهره. وتضطلع هذه الكتيبة الثقافية بمهمات رئيسية ثلاث: التصدي للعدو ثقافياً وفضح أهدافه الحقيقية؛ وتعبئةُ الشعب واستنهاضُه لمقاومته؛ وبيانُ عدالة القضية الوطنية وشرحُها للعالم، وخاصة الشعوب والحركات التقدمية، لكسب تأييدها. هذا بالإضافة إلى دور الانتليجنسيا الأساسي الدائم والثابت، وهو الدور الحضاري المتمثل في تكريس وإدامة إشغال مكان لائق للشعب/الأمة في متن التاريخ، بدلاً من أن ينزاح، أو يُزاح، إلى هامشه كما هي حالنا اليوم. بيد أن السؤال الكبير هو: هل يقوم/هل قامَ المثقفون في بلادنا بهذا الدور في الحروب العدوانية الأخيرة على سوريا والعراق وليبيا ولبنان، والحبل على الجرار؟ بل ألم يشتغل كثيرون منهم في صفوف أعداء بلادهم وشعوبهم مقابل العطايا والهدايا والهِبات والجوائز والمناصب، وعملوا أبواقاً دعائية لهم وزمَّارين تحت الطلب؟

ويقيناً أن الأيام ستكشف عن كثير من الأمثلة والممارسات المشينة لمثقفين وكتاب وفنانين، منهم من يُعَدُّ من الكبار- ولا أتحدث هنا عن السياسيين، فعن هؤلاء حدِّث ولا حرَج- على غرار ما كشفت عنه الباحثة فرانسيس ستونر سوندرز حول دور وكالة المخابرات المركزية "سي آي أيه" في إدارة الحرب الثقافية الباردة بتشغيل أعداد كبيرة من المثقفين والكتاب والفنانين في أوروبا والولايات المتحدة نفسها لصالحها ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة.

-------------

مثقفون أم زمَّارون؟

في كتابها المهم للغاية "مَن دفع للزمَّار؟ وكالة المخابرات المركزية والحرب الثقافية الباردة"[2] تؤكدالباحثة فرانسيس ستونر سوندرز أنه بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية الساخنة أوزارها، وفي أوج الحرب الباردة، أعدَّت الولايات المتحدة برنامجاً سريا للدعاية الثقافية في أوروبا الغربية بإدارة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (التي سترِد من هنا فلاحقاً باسم "الوكالة"). وتؤكد سوندرز أن السمة الأساسية للبرنامج هي الادعاء بأنه غير موجود، وأن "دُرَّة تاجه" هي منظمة/مؤتمر الحرية الثقافية Congress of Cultural Freedom، التي أدارها عميل الوكالة مايكل جوسلسون خلال الفترة من عام 1950 إلى عام 1967.

ومن المعروف أنه خلال تلك الفترة وصلتْ المنظمة إلى 35 بلداً وشغَّلت عشرات الموظفين ونشرت أكثر من عشرين مجلة مهمة وأقامت معارض فنية وامتلكت وكالات إخبارية ونظَّمت مؤتمرات دولية رفيعة المستوى ومنحت جوائز لفنانين وموسيقيين وكتاباً وأقامت لهم احتفالات عامة واحتفاءات خاصة. لقد كانت مهمة منظمة الحرية الثقافية الأساسية تتمثل في إبعاد الانتليجنسيا في أوروبا الغربية عن الاستمرار في التعلُّق بأهداب الماركسية والشيوعية، باتجاه استيعاب "الطريقة الأمريكية" وتحقيق ما سُمي بـ "السلام الأمريكي" Pax Americana؛ فبدأت الوكالة منذ عام 1948 بإنشاء كونسورتيوم يضطلع بمهمتين: أولاهما تحصين العالم ضد ما أسمته "وباء" الشيوعية؛ وثانيتهما تسهيل تمرير مصالح السياسة الخارجية الأمريكية، بحسب سوندرز.

وتجزم الباحثة، استناداً إلى معلومات ووثائق، بأن أسماءً كبيرة لعدد كبير من الكتاب والفنانين والمؤرخين والعلماء والنقاد في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية ارتبطت بذلك المشروع، بطريقة أو بأخرى، بعلمهم أو بدون علمهم. وتحت عنوان "عندما يتعلم القريدس التصفير" (تعبير عن الاستحالة) ذكرت سوندرز أن هيئات ثقافية بأكملها، وقفت ضد بلدانها واستجْدتْ التدخل الأجنبي العاجل فيها، ومن بينها المجر، حيث أصدر اتحاد الكتاب المجريين في عام 1956، بتشجيع من منظمة الحرية الثقافية، "مانيفستو" عاجلاً لا يليق حتى بالعملاء الصغار من غير المثقفين وأُذيع من راديو بودابست:

"انتباه، انتباه، انتباه، أعزاؤنا المستمعون، سنذيع عليكم الآن بيان اتحاد الكتاب الهنغاريين: "هنا اتحاد الكتاب الهنغاريين، إلى جميع الكتاب في العالم، إلى جميع العلماء، إلى جميع اتحادات الكتاب، إلى كافة الجمعيات العلمية، إلى نخبة المثقفين في العالم، إننا نناشدكم المساعدة والدعم. لم يعد لدينا وقت، وأنتم تعرفون الحقائق. لا حاجة لأن نقدم لكم تقريراً خاصاً، ساعدوا هنغاريا، ساعدوا الشعب الهنغاري، ساعدوا الكتاب والعمال والفلاحين الهنغاريين، ساعدونا نحن الانتلجنسيا. النجدة! النجدة! النجدة!"[3]

يا لطيف!

---------------

بمثل هذه الروح المتهالكة في تقديم الخدمات الثقافية لدول العدوان تعاملَ العديد من المثقفين والكتاب العرب، ومن بينهم الأردنيون، مع العدوان الإمبريالي- الصهيوني- الرجعي العربي على سوريا، حيث هبَّوا لتأمين الغطاء الثقافي لوحشية هذا العدوان، متدثِّرين برداء "ثورات الربيع العربي"[4] وألبسوه لَبوس الحرب "الأخلاقية" الواجبة ضد "الديكتاتورية" في سوريا ومن أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي لم تعرف طريقها إلى بلدانهم يوماً. ورأوا، أو رُؤي لهم، أن أنجع سبيل إلى ذلك هو شخصَنةُ القضية ومذهَبتُها وجعلُها "قضية العرب والمسلمين المركزية"، بدلاً من فلسطين، فرفعوا شعار الإطاحة بالرئيس بشار الأسد[5]، ومصاحف المظلومية المذهبية على رؤوس الرماح الوهابية. وقد تبنَّى أولئك المثقفون تلك السردية الليبرالية- الوهابية وتبجَّحوا بالرطانة السياسية الجوفاء وصاغوها شعراً ونثراً وخُطباً عصماء في الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي، وتسابقوا، بل تطاحنوا أحياناً و"تواشوا" (وشى بعضهم ببعض) في سبيل نيل الجوائز الثقافية والأدبية والفنية المحلية والعربية والعالمية، من قبيل "بوكر" وكتارا" وسواهما، حيث تنهال تهاني النفاق الثقافي المعلنة للفائزين بها، وحتى لمن يتم ترشيحهم للقائمة المختصرة short list، بينما يقلِّل أولئك المهنئون من شأن زملائهم ويعبِّرون عن عدم استحقاقهم لها في جلسات النميمة الثقافية المغلقة؛ أوطمعاً في نشر مقال أو قصيدة أو قصة مدفوعة الأجر في الصحف والمجلات المموَّلة بالبترو دولار، أو تلقِّي دعوة لندوة وسَفرة من أحد مراكز البحوث المقنَّعة ذات التمويل الأجنبي أو الخليجي، أوالظهور على إحدى الشاشات الفضائية التي يمتلكها ويوجِّهها مايسترو المال النفطي ويحدد ألحانها وعازفيها.

------------------

عظَمَة نيرودا وفضيحة نوبل

في مطلع عام1963 تلقَّت منظمة الحرية الثقافية معلومة مسرَّبة (مع أن من المفروض أن تكون معلومات لجنة الجائزة ومداولاتها سرية مطلقة ومنيعة وحصينة لا يُسمح بتسريبها لكائن مَن كان، شخصاً أم جهة) تفيد بأن الشاعر التشيلي الثوري العظيم بابلو نيرودا، الذي قال عنه ماركيز إنه "من أفضل شعراء القرن العشرين في جميع لغات العالم"، مرشح لنيل جائزة نوبل للآداب لعام 1964؛ عنئذ هبَّت عاصفة في وجه الفكرة، ونُظِّمت على الفور حملة عالمية شعواء في أوساط المثقفين بهدف حرمان نيرودا من الحصول عليها. وقد ركَّزت الحملة على التزامه السياسي كعضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التشيلي، واتُّهم بأنه استخدم شعره كأداة للعمل السياسي وللدفاع عن الشمولية والستالينية، وأنه حصل على جائزة ستالين عام 1953 عن قصيدته الموجهة إلى جوزيف ستالين، ووصفوا شعره بأنه "عبودية شعرية". وقد أسفرت تلك الحملة التي أدارتها "الوكالة" عن حرمان نيرودا من الجائزة، وتقرَّرَ منحها إلى كاتب يساري غير شيوعي كبير وشهير، فوقع الاختيار على جان بول سارتر الذي رفضَ بدوره تسلُّمَها كما هو معروف. بيد أن عظَمَة نيرودا انتصرت على مؤامرة منظمة الحرية الثقافة في عام 1971، حيث فاز بالجائزة عن ملحمته الشعرية العظيمة "النشيد الشامل" التي غطَّت تاريخ أمريكا اللاتينية العظيم. وأثناء الانقلاب الفاشي على حكم الرئيس المنتخب أليندي في عام 1974 اقتحم جنود بينوشيه بيته، وعندما سألهم عمَّ يريدون قالوا: جئنا نبحث عن السلاح في بيتك، فردَّ قائلا إن الشعر هو سلاحه الوحيد. وبعد مرور نحو أربعين عاماً على وفاته تبيَّن أنه مات مسموماً. كان هذا هو موقف شاعر تشيلي الكبير من انقلاب الطغمة الفاشية العميلة للولايات المتحدة، فما هو موقف كتاب الأردن، مثلاً، من العدوان على سوريا؟

-----------------

منذ إشعال فتيل الحرب على سوريا، دارتْ على الجبهة الثقافية في رابطة الكتاب الأردنيين رحى معركة مركَّبة بشأن الموقف من العدوان على سوريا بين وداخل التياريْن الرئيسيين اللذيْن يتداولان قيادة الرابطة تقليدياً: التجمع الثقافي الديمقراطي المناهض لسوريا والمؤيد للثورة المضادة منذ اليوم الأول، وتيار القدس الذي انقسم في الموقف منها. وقد مارس الأعضاء المناهضون لسوريا من كلا التيارين ضغوطاً شديدة لاستصدار بيان صريح وشديد اللهجة شبيه بمانيفستو بودابست عام 1956، يتضمَّن إدانة "للنظام" وتأييداً "للثورة" في سوريا، بينما رفض رئيس الرابطة المنتمي إلى تيار القدس في ذلك الوقت، ومعه مجموعة صغيرة من التيار إصدار مثل ذلك الموقف وحالوا دون صدوره فعلاً. وفي وقت لاحق نُظِّم اعتصام أمام مقر الرابطة في جبل اللويبدة دعماً للثورة المضادة. وعشية انتخابات عام 2017 نشب خلاف حاد آخر داخل تيار القدس نفسه إزاء القضية نفسها، وذلك عندما اقترح أحد قادة التيار"تكتيكاً انتخابياً" قال إنه يكفل فوز التيار بالانتخابات، وتضمَّن الاقتراح تحذيراً صارماً لأنصار التيار من التطرُّق من قريب أو بعيد، سواء في البرنامج الانتخابي المكتوب أو الدعاية الانتخابية الشفوية لقائمة مرشحي التيار، تحت طائلة خسارة الانتخابات، إلى قضيتين: الموقف من العدوان الهمجي العالمي على سوريا، واغتيال عضو الرابطة وتيار القدس الشهيد ناهض حتر على يديْ أحد الإرهابيين التكفيريين من حلفاء وأدوات دول العدوان على درَج قصر العدل بعمان، بتخطيطٍ ودعم وتواطؤ وتسهيل من عدة جهات استخبارية وسياسية داخلية وإقليمية. وتوزَّع المشاركون في الاجتماع الأخير للأمانة العامة للتيار ومرشحيه للهيئة الإدارية للرابطة الذي عُقد عشية الانتخابات، بين مؤيد لذلك "التكتيك" ومبرِّرٍ له وصامتٍ عليه ورافض له. بيد أن الهزيمة المُرة التي مُني بها التيار في تلك الدورة أثبتت مدى تهافت "تكتيكات" المواربة والغمغمة والتقية ونتائجها الكارثية عندما يتعلق الأمر بالمبادئ الأساسية لأية جماعة ثقافية أو سياسية.

[تحديث: من المؤسف أنَّ مثل ذلك "التكتيك" المتهافت تكرر في الانتخابات الأخيرة لرابطة الكتاب في سبتمبر/أيلول 2019، حيث تم تجاهل الموقف من أهم ثلاث قضايا تواجه شعبنا وأمتنا في المرحلة الراهنة وتهدد مستقبله وذات علاقة مباشرة بحرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي: الموقف من العدوان الهمجي المستمر على سوريا؛ ومؤامرة الوطن البديل وتحويل الأردن إلى مجرد خزان ديموغرافي لمن هبَّ ودبَّ؛ و"الحراك" الشعبي المتواصل ضد من يصفهم الحراك بطُغمة الفساد والنهب والتبعية. أما التجمع الثقافي الديمقراطي وحليفه التيار القومي اللذان فازا في انتخابات الهيئة الإدارية الحالية للرابطة، فقد وصل بهما سوء الحال إلى حد الوقوف مع السلطة ضد إضراب المعلمين غير المسبوق منذ عقود، والذي حظي بدعم شعبي وطلابي كامل، في بيان "ثلاث ورقات" مُضحك، تحدَّث عن ضرورة إنهاء الإضراب و"تدوير الزوايا الحادة" بين النقابة والحكومة.]

-----------------

وفيما يتعلق برطانة "تثقيف السياسة أم تسييس الثقافة؟"، فإن من المعروف في أوساط رابطة الكتاب الأردنيين والمثقفين عموماً أنه منذ السنوات الأولى بعد تأسيسها في عام 1974، ما فتئ جَدلُ، بل قُل سجال، السياسي والثقافي يستيقظ قُبيل كل انتخابات كعنوان وسلاح استقطاب في المنافسة/المعركة لتحقيق الفوز/النصر فيها. والحقيقة أن كل كاتب غير أُمي لا بد أن يكون على دراية بأن فصل الثقافي عن السياسي في تاريخ الأمم هو فصل تعسفي و"بروباغاندا" سياسية ليبرالية محجَّبة ببرقع ثقافي، وأشبه بإطلاق قنابل دخانية لإخفاء مسرح العمليات و"تغبيش" رؤية "المقاتلين"، وإقناع البيادق بأنهم يدافعون عن "قضية" ويرفعون لواءها وشعارها، وهو هنا "فصل الثقافي عن السياسي"؛ فلا معركة بدون عُصبة تخوضها، ولا عصبة بدون "قضية" وشعار تتلطَّى خلفهما، مهما كانت بشاعة أهدافها الحقيقية المُضمَرة. إن هذا الفصل ليس سوى خرافة مكارثية ومحض هراء، وإن السجال بشأنه ترفٌ سقطَ بالتقادم منذ انتهاء الحرب الباردة وكشْفِ القناع عن دور وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الحرب الثقافية الباردة بشكل موثَّق من قبل العديد من الكتاب والباحثين الغربيين أنفسهم، ومن بينهم فرانسيس سوندرز.

----------------

وفي مثال آخر يتعلق بدور الانتليجنسيا في مجابهة الفكر الظلامي التكفيري الذي اجتاح المنطقة برمتها، بادرَ أربعة كتاب ماركسيين أردنيين في عام 2015 بتوجيه نداء، على النقيض من "مانيفستو بودابست" ومن البيان الذي طالب بإصداره كتاب أردنيون في عام 2011، إلى المفكرين والعلماء والمؤرخين والأدباء والفنانين والمبدعين حذَّروا فيه من أن الإرهابيين التكفيريين يشنُّون غزواتهم المتوحشة في سوريا والعراق، مدجَّجين بالسلاح والمال والجَهالة، قادمين إلينا بالذبح والحرق والسبي وأسواق النخاسة والجزية والتهجير. ويعمدون إلى إحراق عيون الكتب وكنوز المخطوطات النادرة وتدمير الأوابد والنفائس التاريخية والحضارية والأثرية في محاولة لمحو منجزات التاريخ الإنساني العريق لشعوبنا، الذي شهد إبداع الحروف والقوانين والفنون منذ فجر البشرية، وذرِّها في رمال "الثقافة" الصحراوية القاحلة- بل اللاثقافة-، وصولاً إلى إلغاء العقل. ودعا الكتاب الأربعة في ندائهم إلى إنشاء جبهة ثقافية تقدمية واسعة في مواجهة الفكر الظلامي التكفيري، وأطلقوه في ندوة برابطة الكتاب الأردنيين ثم نشروه على شكل حملة[6] في موقع "الحوار المتمدن" للتوقيع عليه، غير أن عدد الموقعين عليه من المثقفين الأردنيين لم يتجاوز العشرين(عدد أعضاء رابطة الكتاب الأردنيين وحدها يناهز الألف).

كيف يحدث ذلك في بلادنا؟ وما الذي يفعله المثقفون إذن؟ وما هو دورهم؟ أسئلة طرحها الرئيس بشار الأسد بإلحاح في ندوة حوارية مع عدد كبير من المثقفين العرب في القصر الجمهوري في تشرين الأول/أكتوبر2017. ولعلنا نلتمس الجواب لدى الدكتورة ناديا خوست بالمختصر المفيد:

"لا توجد ثقافة بدون مجتمع؛ ولذلك تُنْجد الثقافةُ الوطنَ؛ ولذلك يخترقها العدو أو يسدِّد عليها النار."[7]

ويبدو أن العديد من مثقفينا يتعاطون مع ثقافة لا علاقة لها بالمجتمع. ونظراً لأن الثقافة الوطنية التقدمية هي التي تُنجد الوطن وتصنع له درعاً يحميه، فقد سدَّد العدو رصاصاته على قلبها وأصابها في مقتل.

------------------

ثقافتان.. مشهدان..موقفان

شهدتْ حقبة الحرب الثقافية الباردة حملة ضارية ضد الثقافة التقدمية بهدف استئصال "آفة" الشيوعية وخدمة السياسة الخارجية الأمريكية في أوروبا والولايات المتحدة ومن ثم في العالم بأسره، وذلك بموجب الخطة الثقافية التي وضعتها "الوكالة" ونفَّذتها بواسطة واجهتها الثقافية "منظمة الحرية الثقافية". فقد قدمت فرانسيس سوندرز وصفاً حياً لاجتماعيْن متضاديْن في مكان واحد- فندق والدورف في نيويورك- وزمان واحد- 25 مارس/آذار 1949- في مشهديْن وموقفيْن متضاديْن: حيث عُقد في قاعة طابق التسوية بالفندق "المؤتمر الثقافي والعلمي من أجل السلم العالمي" لماركسيين وشيوعيين أرادوا إرساء سلم عالمي دافئ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بدلاً من الحرب الباردة، بينما عُقد على عجل في جناح العرسان في الطابق العاشر من الفندق نفسه اجتماع مضاد لمجموعة صغيرة من المثقفين التابعين لمنظمة الحرية الثقافية بتوجيه وتمويل من الوكالة، كان هاجسُهم وفزَّاعتُهم أن "الحُمر لم يعودوا ينامون تحت السرير، بل باتوا الآن ينامون في السرير"، أي في عقر دار الولايات المتحدة وأوروبا. وشكَّلوا لجنة دولية مضادة لمؤتمر السلم العالمي، ضمَّت أسماء كبيرة، من قبيل تي إس إليوت، أندريه مارلو، بيرتراند راسل، وحتى ألبرت شويتزر الحائز على جائزة نوبل.

وقد بلغت ضراوة الهجوم على المؤتمر الرئيسي المنعقد في طابق التسوية حداً أصبح معه كل مشارك في المؤتمر أو مساند له أو متعاطف معه هدفاً للاتهام بالخيانة العظمى وعُرضةً للتشكيك بوطنيته أمام الشعب. حتى أن مدير مكتب التحقيقات الفدرالي إدغار هوفر سيء الصيت أرسل أحد عملائه إلى دار النشر التي كانت تعتزم نشر رواية "سبارتاكوس" ليبلغها بأن السيد هوفر لا يريد أن يرى رواية هوارد فاست على رفوف المكتبات، وهذا ما تمَّ وفقاً لسوندرز.

-----------------

في النصف الأول من خمسينيات القرن المنصرم ولَغَتْ المكارثية (نسبة إلى رئيس لجنة النشاطات غير الأمريكية السناتور جوزيف مكارثي) في لحم الشيوعية بشكل غير مسبوق بثَّ الرعب في المجتمع الأمريكي بأسره، ولا سيما في أوساط المثقفين والكتاب والفنانين والسينمائيين، لم يسْلم من شرورها حتى الممثل الصامت العظيم شارلي شابلن. فقد كان يتم توجيه تهمة الشيوعية، وبالتالي الخيانة العظمى، إلى أي شخص بدون أية أدلة، وتجري محاكمته أمام اللجنة في جو طقسي محموم. إذ كان من طقوس لجنة التحقيقات المكارثية أن يُطلَب من المتهم لعن شركائه/رفاقه، مع الشيطان نفسه، علناً أمام المحققين. واجتاحت البلاد حملة مسعورة "لتطهير الثقافة الأمريكية من شرور الكفر والإلحاد".

-----------------------

"أُم" مكسيم غوركي و"أُم" مظفر النواب

في الحقيقة، لم تقتصر مثل تلك الطقوس المكارثية السوداء على الولايات المتحدة، بل انتشرت في العديد من الدول القمعية التابعة لها، ومن بينها الأردن. فطوال فترة الأحكام العرفية منذ انقلاب القصر على أول وآخر حكومة شرعية منتخبة برئاسة سليمان النابلسي في عام 1957، ظلَّ قسم مكافحة الشيوعية في دائرة المخابرات العامة يُرغم الشخص المعتقل، تحت وطأة التعذيب أو الإكراه أو الابتزاز أو استغلال الضعف الإنساني أو الظروف الشخصية، على الإدلاء بالمعلومات التي لديه، أو التي يريدها المحقق، عن التنظيم الحزبي والاعتراف بأسماء رفاقه وتوريطهم، ثم يُطلب منه نشر إعلان في إحدى الجرائد اليومية شبه الرسمية تحت عنوان: "براءة واستنكار"، هذا نصه: "أنا فلان الفلاني أستنكرُ الحزب الشيوعي الأردني الهدَّام وأُعلن ولائي وإخلاصي لجلالة الملك المعظم وحكومته الرشيدة." وهذا، كما ترون طقس يشبه طقوس المكارثية، بل مستمَد منها، مع شرط إضافي، وهو أن الشخص المستنكِر في الأردن كان يُرغَم على دفع ثمن الإعلان في الجريدة من جيبه الخاص ويتكبَّد عناء وتكاليف توصيله الى مقر الجريدة بنفسه، ثم توصيل نسخة من الجريدة التي تحتوي على الاستنكار إلى المقر الرئيسي لدائرة المخابرات العامة في منطقة العبدلي، المعروفة في الأوساط الشعبية والحزبية باسم "فندق أبو رسول"، وذلك بهدف كسر المعتقل وتحطيم الروح المعنوية لرفاقه وتخويف الأفراد العاديين من الاختلاط به وعزله عن بيئته الاجتماعية. ومِن هنا كان أهمُّ "درس" تنظيمي في الصمود يتعلمه العضو الجديد في الحزب هو قصيدة البراءة الشهيرة للشاعر الشيوعي العراقي الكبير مظفر النواب:

"........

يا بني أرضى الجلب يرضع من حليبي

ولا ابن يشمر لي خبزه من البراءة

يا بني ياكلني الجرب عظم ولحم

وتموت عيني ولا دناءة

يا بني ها الأيام يفرزنها القحط أيام محنة

يا بني لا تثلم شرفنا

يا بني يا وليدي البراءة تظل مدى الأيام عفنة

تدري يا بني بكل براءة

كل شهيد من الشعب ينعاد دفنه

وخلِّي إيدك على شيبي واحلف بطاهر حليبي

كطرة كطرة وبنظر عيني العميته

قلِّي ما يندار رجمي وانتِ أمي وذاك حزبي

وعز أبوي الما لواني وما لويته

قلِّي ما أهدم حزب بيدي بنيته."



كما كانت رواية "الأم" لمكسيم غوركي بمثابة المنشور الأول الذي يقرأه العضو الجديد في الحزب. وليس من باب الصدفة أن تكون الأم- أم مظفر وأم غوركي-عنصراً أساسياً مشتركاً في قصيدة النواب ورواية غوركي، وأن تمثل "ثيمة" واحدة وتحمل رسالة واحدة: الأم تشجع ابنها على الثورة والصمود إلى حد الموت، وليس على التماس الخلاص الفردي. فالأم "بيلاجيا" ليست أماً لعامل "بافل" فحسب، بل هي أُم لرفاقه الثوار أجمعين، تحبهم وتحنو عليهم وتوزع المنشورات التحريضية التي يصدرونها، وتتحول من أم لا همَّ لها سوى حماية ابنها من التعرُّض لتَبِعات النضال إلى أُم للعمال والحزب وأيقونة لكفاحهم الطبقي وناطقة باسمهم:

-"إن كلمات ابني هي كلمات شريفة لعامل لم يبعْ نفسه، وستعرفونها من جرأتها"؛

- "اعملوا من أجل الحرية، فهي تُطعمكم الخبز وتَهبكم الحياة."

- "الذين يستحقون لقب الإنسان هم أولئك الذين ينذرون أنفسهم وحياتهم من أجل تحطيم القيود التي تغلُّ عقل الإنسان."

------------------

بيد أن"الوكالة" لم تكتفِ باستخدام القبضة الخشنة في مكافحة الشيوعية، بل استخدمت ببراعة فائقة قفَّازها الثقافي الناعم– منظمة الحرية الثقافية- لاختراق الماركسيين والشيوعيين السابقين والتروتسكيين على وجه الخصوص، وتوظيفهم في مشروعها. ففي مؤتمر "سويت العرسان" تم استخدام مثل هؤلاء ضد مؤتمر الشيوعيين والماركسيين الرئيسي، وكان من أبرزهم سدني هوك الذي وصفته سوندرز بأنه كان شيوعياً فقيراً ومثقفاً كبيراً، وكتب مقالات عديدة في الماركسية، أهمها "لماذا أنا شيوعي"، طُرد بسببها من جامعة نيو يورك. وبعد محاكمة تروتسكي الشهيرة بتهمة الخيانة في عام 1939 وما اعتبره هوك من أخطاء ستالين النظرية والسياسية، وكغيره من مثقفي نيويورك، بدأ إيمانه بالشيوعية يتزعزع وأصبح معادياً للحزب الشيوعي علناً، وتحوَّل "هوك" الثوري إلى "هوك" المحافظ. ويجدر الإشارة هنا إلى أن من أبرز أولئك التروتسكيين المتحوِّلين اليوم إليوت أبرامز، الذي أصبح من صقور المحافظين الجدد وعملَ مع الرؤساء ريغن وبوش وترمب، وهو المسؤول عن خطة الإطاحة بالرئيس الشرعي لفنزويلا البوليفارية نيكولاس مادورو.

---------------

مثل هذه التحولات/القفْزات من اليسار إلى اليمين حدثت في بلداننا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة البلدان الاشتراكية، حيث "كفرَ" العديد من الماركسيين والشيوعيين بالماركسية والشيوعية والاشتراكية وآمنوا بالدين الجديد الذي بشَّر به هنتنغتون وفوكوياما، وتحوَّلوا إلى ما يُسمى باليسار الليبرالي، أو حتى إلى ليبراليين جدد. وسارع بعض الأحزاب والمنظمات الشيوعية والماركسية إلى القطع مع الماضي بتغيير أسمائها أو إنشاء كيانات أخرى لا تمتُّ إلى الشيوعية والماركسية والاشتراكية بصِلَة، أو أنشأوا منظمات غير حكومية NGOs بتمويل أجنبي وفقاً لمواصفات وشروط المموِّلين. وأعرب كثيرون منهم عن ندمهم على سنوات الجمر التي قضوها في ميادين الكفاح وعلى ما فاتَهم من نِعم الرأسمالية وطيِّباتها. وقد وصل الأمر ببعض اليساريين والقوميين إلى حد الوقوف ضد سوريا مع قوى العدوان عليها، بل مع قطعان الإرهابيين التكفيريين القادمين من أقاصي الأرض وأدانيها. ففي كتابه الجديد الذي يُنشر في حلقات على شبكة فولتير،[8] يشير تييري ميسان إلى أن رياض الترك زعيم الحزب الشيوعي السوري– المكتب السياسي وجورج صبرا وميشيل كيلو تعاونوا مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي التروتسكيSocial Democrats الذي يعمل تحت إشراف "الوكالة" والذي كلَّفهم بتأييد حركة الاخوان المسلمين المسلحة في مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم. ومن المعروف للجميع اليوم أن هذه المجموعة ساندت العدوان على سوريا وتحالفت مع المعتدين عليها، بمن فيهم الإرهابيون، منذ اليوم الأول، وحتى اليوم. ومن المعروف للجميع أن السلطات الأردنية دعمت ما سُمي بـ "تنظيم الطليعة المقاتلة"، الجناح المسلح لجماعة الإخوان المسلمين السوريين في ذلك الوقت في ما عُرف بأحداث حماة، وأنشأت لهم قواعد للتدريب والتسليح والإمداد على الأراضي الأردنية. وقد اعترف الملك الراحل حسين بذلك الدور على شاشة التلفزيون الرسمي واعتذر عنه وأنحى باللائمة على رئيس وزرائه مضر بدران، وقال إنه فعلَ ما فعل من دون علمه شخصياً.

------------------

النشاط الأدبي لمنظمة الحرية الثقافية بالعربية

أنشاتْ منظمة الحرية الثقافية عشرات الفروع لمنظمة "القلم" PEN في شتى بلدان العالم، ومنها بلدان عربية كلبنان والسعودية ومصر وليبيا والمغرب والأردن (نادي القلم). كما أصدرت مجلات عدة مهمة، منها كومنتري، نيو ليدر، بارتيزان، العلم والحرية، وإنكاونتر اليسارية الطابع اتي استقطبت أقلاماً لامعة وأسماء كبيرة. وباللغة العربية أصدرت مجلتيْ "شعر" و"حوار" ومجلة "المختار"Readers Digest المترجمة إلى العربية.

ففي عام 1957 أسَّس مجلة "شعر" الشاعر الكبير يوسف الخال، الذي لُقِّب بـ "بطريرك قصيدة النثر"، مع عدد من كبار الشعراء الحداثيين ورواد الشعر الحر وقصيدة النثر، منهم أدونيس، جبرا ابراهيم جبرا، شوقي أبو شقرا، أنسي الحاج، خليل حاوي، محمد الماغوط وبدر شاكر السياب، الذين أقاموا صالوناً ثقافياً أسبوعياً كل يوم خميس باسم "خميس شعر" في فندق بلازا بالحمرا لمناقشة قضايا من قبيل قصيدة النثر والشعراء التموزيين والنقد البنيوي واختراق جدار اللغة وتأسيس كتابة جديدة والقصيدة المدوَّرة. لكن المجلة توقفت في عام 1964، ثم عادت إلى الصدور في عام 1967 واستمرت حتى خريف عام 1970.

أما مجلة "حوار"(1962-1967) فقد أسسها وترأَّس تحريرها الشاعر توفيق الصايغ في بيروت، وكانت المجلة الأولى التي نشرت رواية موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب السوداني الشهير الطيب صالح. وبعد مرور أربع سنوات توقفت عن الصدور بعد انكشاف فضيحة تمويل المجلة من قبل "الوكالة". ففي 21 مايو/أيار 1967، نشرت جريدة النهار اللبنانية البيان الذي أعلن فيه الصايغ إيقاف صدور المجلة: "لا عدد 28، أنا أقفلتُ المجلة، دفعتُ رواتب الموظفين، وأُهدي أثاثها إلى مؤسسة ثقافية أحبها. وعصراً حضَّرتُ بياني للصحف." ثم ودَّع بيروت إلى الولايات المتحدة، حيث عمل محاضراً في جامعات عدة. وفي صبيحة 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1971، ضربتْه سكته قلبية في مصعد العمارة التي كان يسكن فيها وقضى نحبه.[9]

وكانت مجلة "حوار" قد منحت جائزتها للعام 1963 إلى الأديب المصري الكبير يوسف إدريس، ولكن الأخير رفضها بعد تلقِّيه مكالمة هاتفية من سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبدالناصر نقل إليه فيها سؤالاً من الرئيس- وليس أمراً أو تهديداً: هل يقبل يوسف إدريس جائزة من مجلة تموِّلها وكالة "سي آي أيه؟[10]

------------------------

-2-

النشاط الموازي "للوكالة"

النقطة الرابعة و"النافعة"

على خطٍّ موازٍ، اقتصادي- اجتماعي- "إنساني" عملَ برنامج النقطة الرابعة Point Four، وهو برنامج مساعدات تقنية للبلدان النامية أعلنه الرئيس الأمريكي هاري ترومان في خطاب تنصيبه في20 يناير/كانون الثاني 1949. وقد استمدَّ اسمه من الهدف الرابع/النقطة الرابعة من أهداف السياسة الخارجية الواردة في خطاب الرئيس. ويتضمن البرنامج أربعة محاور أو نقاط: التأييد المطلق للأمم المتحدة؛ كسب تأييد الشعوب عن طريق الإصلاح الاقتصادي؛ تقوية الدول المعادية للشيوعية؛ وتقديم المعونات لتحسين أحوال بلدان العالم الثالث تحت مظلة حلف الناتو.

كانت النقطة الرابعة في برنامج الرئيس ترومان (تقديم المعونات لتحسين أحوال بلدان العالم) هي الأهم والأكثر تأثيراً فى السياسة الخارجية، لأنها شكَّلت الغطاء "الإنساني" لتحقيق الهدف الإمبريالي الأمريكي، حيث تضمَّنت أفكاراً ووسائل جديدة مكَّنت الولايات المتحدة من زيادة نفوذها وتدخُّلها فى دول العالم المختلفة من خلال سلسلة من برامج المساعدات الغذائية والصحية ومشاريع البنى التحتية كالمياه والطرق وغيرها.

----------------

ففي الأردن تعاونت وزارة الأشغال العامة، التي كانت تُعرف باسم "النافعة" مع برنامج النقطة الرابعة. وقد طالَ قريتي بشرى بشمال الأردن من النقطة الرابعة نصيب، حيث تقرَّر شق وتعبيد طريق بشرى-إربد بأموال المساعدات التي قدمتها النقطة الرابعة، بديلاً لطريق الامبراطوريات العظمى القديمة، التي كانت تربط مدينة اربد بقرية بشرى ويمضي إلى الشلاَّلة وباب البويب والرمثا، وصولاً إلى سوريا ومنها إلى تركيا. كانت طريق بشرى مرصوفة بحجارة سوداء بركانية ملساء عريضة ومرتفعة عن مستوى الأرض المنبسطة ذات التربة الطينية الحمراء العميقة الخصبة - ولذلك سُميت بـ "البقعة"- التي تتوسط سهول حوران، واشتهرت بزراعة الحبوب التي شكَّلت سلة غذاء الامبراطورية الرومانية، ولهذا سُميت بـ "أهراء روما"، وبالخضروات والفواكه الصيفية "المقاثي" الغنية والممتدة على مدِّ البصر والتي شُبِّهت بها حتى البحور (نقول فلان جعلَ من البحور مقاثي). وسهول حوران هي التي تغنَّى بها شاعر الأردن الأول عرار:

إذا يا صاحِ جاء الموت يوماً لكي يَمضي بروحي للسماءِ

بحوران اجعلوا قبري لعلِّي أشمُّ أريجَها قبل الَفناءِ.



ولم ينس عرار ذكر قريتيْ بشرى وسال في ما أسمِّيه "موسوعته الجغرافية الأردنية الشعرية" فقال فيهما:

دعْ عنك إربد والمزار وما حوَتا إن المكارم في بشرى وفي سالِ"

وقد استُخدم ذلك الطريق مَعبراً ومَهْرباً لجيوش الامبراطوريات في الحربين العالميتين الساخنتين، ومرَّ بقربه خط إيدن العسكري البريطاني الشهير (نسبةً إلى وزير خارجية بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية أنتوني إيدن) الذي اشتغل في تشييده وحراسته "بواردية"(من يحملون البارودة) من أهالي بشرى والقرى المجاورة. وتم تجريف الطريق القديم تمهيداً لشق طريق جديد على الطريقة الأمريكية الجديدة التي أدهشت الناس وقتئذ-استخدام "البيس كورس"- وعملَ فيه أهالي القرية على حساب "النافعة". واستغرق إكماله فترة طويلة نسبياً لأن مشروع شق الطريق الجديد تطلَّب إزالة الطريق القديم بقلع حجارته الكبيرة المغروسة في الأرض. ولعلَّ في ذلك إشارة رمزية إلى إزاحة الامبراطوريات القديمة كي تحلَّ محلها الامبراطورية الأمريكية الجديدة الصاعدة والمنتصرة بلا معارك أو خسائر تُذكر. وتُرك خلالها التلاميذ الذين كانوا يذهبون إلى مدارسهم في إربد وهم يغوصون حتى الرُكَب في وحل "البقعة" بجزمات الكاوشوك ويستعينون بالغدران التي تشكَّلت على جانبيْ الطريق الموحلة لتنظيفها قبل دخول الصفوف المدرسية في المدينة وقد تجمَّدت عروقه موازرقَّت أطرافهم وظهرَ حرَجهم أمام زملائهم من أولاد المدينة الذين كانوا يتمتعون بامتياز المشي على الأسفلت.

-----------------

"الريفية" واليونيسكو

أما "اليونيسكو" فقد كان لها شأن آخر ولعبتْ دوراً إيجابياً مغايراً لأدوار النقطة الرابعة و"يو إس أيد". ففي عام 1956 أنشأت المنظمة في قرية حوارة بمحافظة اربد "دار المعلمين الريفية –حوارة"، التي كانت تُعرف باسم التحبُّب الشعبي "الريفية"، على غرار مركز "سرس الليان" بمحافظة المنوفية في مصر، بإشراف التربوي الكبير والشخصية المرموقة والمحبوبة للمجتمع المحلي الدكتور فاخر عاقل، الذي قدَّم لعنقود القرى الست التي شملها المشروع (بشرى وسال والصريح والحصن وإيدون بالإضافة إلى حوارة نفسها) خدمات مبدعة ومدهشة لا تُقدر بثمن استقرَّت في الوجدان الشعبي، وترَكت بصمات لا تُمحى من ذاكرة مَن ظلَّ على قيد الحياة من أهالي هذه القرى.

فبالإضافة إلى عملها الرئيسي في مقرها الخاص بتأهيل المعلمين تمهيداً لتعيينهم في مدارس التربية والتعليم، كانت "الريفية" بمثابة قافلة ثقافية شاملة متنقلة تجوب القرى الست بحمولتها الثقافية المتنوعة: تَعقدُ دورات محو الأمية أو تعليم الكبار، وتوفر لهم الاحتياجات التعليمية كالكتب المدرسية والقرطاسية مجاناً؛ وتسيِّر مكتبة متنقلة إلى تلك القرى، حيث كانت ترسل شاحنة مغلقة بيضاء اللون بداخلها رفوف خشبية مليئة بكتب متنوعة، عربية ومترجَمة، في الرواية والشعر والفن والتاريخ والفلسفة. تتوقف في الحارات في يوم محدد من أيام الأسبوع، وتفتح لنا خزانة كنوزها لنستعير منها مجموعة من الكتب على أن نعيدها في مثل ذلك اليوم من الأسبوع التالي. ولا أزال أذكر تلك اللحظة التي فتحت فيها "خزانتها" لنا أول مرة ورأيتُ كتباً "كثيــــــــــــــــــــرة" مرتَّبة على رفوف في وضعية الوقوف إلى جانب بعضها بعضاً، وليست كالكتب المدرسية القليلة التي كنا نضعها على الطبلية أو في "النملية" فوق بعضها بعضاً؛ وتقدِّم مسرح العرائس، الذي لا أنسى حالة الدهشة الصارخة التي "انتابتني"عندما شاهدتُ للمرة الأولى ذلك النوع من المسرح الذي قدَّمه شخص غير مرئي من خلف ستارة في الساحة الترابية للمدرسة الابتدائية وألهبَ خيالنا، والتمثيليات المُسلِّية والهادفة التي كانوا يُشركوننا في أدائها، والعروض السينمائية على قطعة قماش بيضاء معلقة على جدار المبنى باستخدام آلة سحرية (بروجيكتور) أثارت عجَبَنا وفضولنا؛ وتوفِّر التوعية والخدمات الصحية، حيث كانت توزِّع البلاطات والطوب على المنازل التي تحفر حفرة امتصاصية خارج غرف المعيشة، بهدف بناء مرحاض "عربي"، وتُقيم مسابقات لأفضل مرحاض في القرية. وأذكر أن مرحاض أحد معلمينا من أبناء القرية فاز بالجائزة الأولى، وكان يستحقها فعلاً لأنه فَطنَ إلى إنارة مرحاضه بوسيلة أسهل، حيث قام بتركيب "زر بيل" وبطارية داخل المرحاض، بينما كنا نضطر إلى حمل فانوس أو "بيل" عند الذهاب والإياب ليلاً؛ وتنظِّم المسابقات الرياضية في مختلف الألعاب المتاحة؛ كما توفر خدمات الإرشاد الزراعي للفلاحين. لقد قامت تلك "الريفية" الجميلة بكل تلك الأدوار الثقافية والاجتماعية قبل أن تدخل الطريقة الأمريكية على يديْ مؤسسة فورد وتُحوِّلها إلى كلية مجتمع community college وفقاً للنظام الأمريكي.

يمكنني القول إن الأنشطة التربوية - الثقافية المتعددة الأشكال التي قامت بها "الريفية" الحبيبة في قريتي بشرى كانت نقطة بدايتي في مشوار الحياة، فهي التي شكَّلت وعيي الأول وبواكير انفتاحي على عالم أفسح من عالمي المحدود في ظروف قرية صغيرة مقطوعة عن المدينة في الشتاء وتفتقر إلى الكهرباء- بكل ما يرتبط بها من منتجات "الحضارة"- والتمديدات الصحية والهاتف المنزلي، وقدَّمتني إلى عوالم الكِتاب والمسرح و"السينما"، وعلَّمتني شغف المطالعة في وقت مبكر على كرسي الحمام وسراج الكاز، يدفعني إلى ذلك الالتزام بإعادة الكتب التي استعرْتُها في الأسبوع السابق، وزوَّدتني بأمضى سلاح يمكن أن يتسلَّح به الإنسان: سلاح الثقافة.

------------------

لا بديل عن السلاح الثقافي

لقد أدركتْ "الوكالة"(وكالة المخابرات المركزية) أن مشروع مارشال والنقطة الرابعة ويو إس أيد وحدها لا تكفي لتحقيق الهدف المرسوم، وهو إزاحة الشيوعية من طريق الرأسمالية- ليس بالسهولة التي أُزيلت بها طريق بشرى المرصوفة بالحجارة السوداء التي لا تلين- فاتَّجهتْ إلى الجبهة الثقافية العريضة وعملت على تقديم النموذج الرأسمالي ثقافياً، أي إرسال ثقافتها في سلة مساعداتها، فأنشأت منظمة الحرية الثقافية آنفة الذكر. وقد أشرنا آنفاً إلى تأكيد فرانسيس سوندرز على أن المنظمة تمكنت من تشغيل كتاب وفنانين كبار كجواسيس، من بينهم الشيوعي السابق والروائي الشهير جورج أورويل، مؤلف روايتيْ "مزرعة الحيوان" و"1984"، الذي عمل مع المخابرات البريطانية MI6 وسلَّمها قائمة بأسماء 35 شخصاً من المتعاطفين مع الشيوعية، من بينهم جون شتاينبك، مؤلف رواية "عناقيد الغضب" (وهو الاسم الكودي الذي استخدمه شمعون بيريس للعدوان الإسرائيلي الوحشي على أهالي قرية قانا بجنوب لبنان حتى بعد لجوئهم إلى معسكر قوات "اليونيفيل".)

--------------

ففي مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، وفي ظل تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في قسم المناهج التربوية ثم على رأس وزارة التربية والتعليم، وفي سياق برنامج مكافحة الشيوعية، "زُرعت" رواية "مزرعة الحيوان" المشار إليها في منهاج اللغة الإنجليزية للصف الثاني الثانوي (التوجيهي). ومن خلال عملي كمعلم في المدارس الثانوية في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم وتدريسي للرواية المذكورة لاحظتُ أنه لا المعلمون، بمن فيهم الإخوان المسلمون، ولا الطلاب أدركوا مقاصد الرواية، بل تعاملوا معها على أنها من قصص الحيوان للأطفال، وبالتالي لم يستطيعوا الاستفادة منها لتحقيق الهدف المنشود "للوكالة"، وهو تعبئة الأجيال المتعاقبة ضد الشيوعية، وهذا برأيي يشي بأن الرواية نزلت على وزارة التربية والتعليم ببراشوت الوكالة. غير أنهم استفادوا من ألف شيء وشيء عن طريق سيطرتهم الطويلة الأمد على وزارتي التربية والتعليم والأوقاف والجامعة الأردنية، أولى وكبرى الجامعات الأردنية الحكومية. ولعل من مفارقات السخرية السوداء أنه تم اعتقالي من كلية الحسين بعمان وأنا أُدرِّس هذه الرواية في إحدى شُعب الصف الثاني الثانوي (التوجيهي)، وذلك على خلفية مطالبتي، مع زملاء آخرين، بتأسيس نقابة للمعلمين الأردنيين في أواخر عام 1975 ومطلع عام 1976، لم يشارك فيها الإخوان المسلمون مع أنهم كانوا قد بدأوا بالتكاثر في سلك التعليم، بل كانوا ضد تلك المحاولة بسبب وارتباطاتهم القديمة القوية بنظام الحكم. وقد قضيتُ سبعة عشر شهراً في زنازن دائرة المخابرات العامة بالعبدلي، تحت إشراف قسم مكافحة الشيوعية الذي كان يرئسه ضابط برتبة رائد، قال لي ذات مرة أثناء التحقيق إن قلب نظام الحكم أهوَن عليه من السماح بتأسيس نقابة للمعلمين، وهو الذي ستتم ترقيته إلى رتبة فريق ويصبح مديراً للمخابرات العامة، وسيلعب دوراً أساسياً في صراع البلاط على اختيار خليفة الملك حسين الذي كان يحتضر في مستشفى "مايو كلينيك"، وسيُعزَل بعد ذلك ويُحاكم بتهم فساد مالي وبفضيحة مدوِّية (لعل ذلك من مكر التاريخ). أما نقابة المعلمين فقد سُمح بإنشائها في عام 2011، بعد حراك باسل ودؤوب من قبل جمهور المعلمين تكلَّل بالنجاح (لعلَّ هذا من تجليات الحتمية التاريخية).

---------------------

مكر التاريخ/ الحتمية التاريخية

بيان الندم: يا لبؤس المآل

في أواخر عام 1967 وأوائل عام 1968 شعر مسؤول منظمة الحرية الثقافية مايكل جوسلسن بالإرهاق العقلي والجسدي جراء ما قام به من أفعال تجاه الآخرين مع وكالة المخابرات الأمريكية، فأصدر بياناً يائساً وقَّعه معه17 شخصية ثقافية:

"نودُّ أن نعلن على الملأ معارضتنا للتمويل السري من قبل وكالة المخابرات المركزية للمطبوعات والمنظمات الثقافية، وأن نُعرب عن إيماننا بأن التمويل المنتظم من قبل هذه المنظمة لا يمكن إلا أن يضرب صدقية هذه المطبوعات والمنظمات ثقافياً وأخلاقياً."[11]

وفي عام 1978 مات مايكل جوسلسون كئيباً وحيداً بعد أن تخلى عنه جميع الذين تعاونوا معه سابقاً، حتى أنه أخفق في أن يجد لنفسه عملاً. وقبل وفاته بثماني سنوات كتب سيرة حياة الجنرال باركلي دي تولي الذي حلَّ محله المارشال كوتوزوف في قيادة الجيوش الروسية ضد جيش نابليون الغازي في عام 1812 وجرى إذلاله. وقد كتب شاعر روسيا العظيم بوشكين هذه الأبيات في وصف حالته:

"عبثٌ! فقد حصدَ منافُسك النصر الذي زُرع في عقلك الرفيع المستوى؛

وأنت يا راعي الاحتفال؟صرتَ نسياً منسياً، ويائساً مخذولاً،

لفظتَ أنفاسك الأخيرة،

وربما احتقرْتَنا لحظةَ فاضت روحك."[12]



فهل جاء ذلك الاقتباس من باب التعاطف مع جوسلسون أم الشفقة عليه أم التشفِّي به يا ترى؟

-----------------

خاتمة مُستعارة من سوندرز

"خلفَ نوستالجيا "الأيام الذهبية " للمخابرات المركزية الأمريكية تكمن حقيقةٌ أشدُّ تدميراً، وهي أن الأشخاص الذين قرأوا دانتي وذهبوا إلى جامعة ييل، وتعلموا الفضيلة المدنية، هم أنفسهم الذين جنَّدوا نازيين، وتلاعبوا بنتائج الانتخابات الديمقراطية وأعطوا حبوب الهلوسة إلى مبحوثين بدون وعي، وفتحوا بريد آلاف المواطنين الأمريكيين، وأطاحوا بحكومات ودعموا ديكتاتوريات، وخططوا مؤامرات اغتيال، وهندسوا كارثة خليج الخنازير..." باسم ماذا فعلوا ذلك أو دفاعاً عن ماذا؟ سأل أحد النقاد، فجاءه الجواب: بالتأكيد ليس دفاعاً عن الفضيلة، بل من أجل الإمبراطورية."[13]

فإذا كانت تلك نهاية مايكل جوسلسون، رجل الجبروت الذي شغَّل أو تلاعبَ أو خدعَ أو استغلَّ أو سيَّر عن بُعد أو اضطهد أو حطَّم عدداً لا يُحصى من أكبر وألمع الكتاب والفنانين في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم، فما هو مآل المثقفين العرب الذين يلهثون خلف تابعي جوسلسون المعاصرين وتابعي التابعين؟



أحمد جرادات

كاتب أردني

ahmadjaradat09@gmail.com


[1] سأستخدم في هذا المقال تكنيكاً أجتهدُ بتسميته "تكنيك التداخل" overlapping technique، إنْ جاز التعبير، أي كما تتداخل الأشياء أو الموضوعات أو الأفكار لتشتمل على جزء من الشيء نفسه وليس الشيء كله – أشبه بتداخل معمار قرميد السقوف المائلة- وهو مختلف عن "تكنيك التقاطع"intersectional الذي يعبر عن تقاطع الموضوعات والأفكار والأشياء في نقطة ثم افتراقها. كما أنه مختلف عن تكنيك " تيار الوعي"stream of consciousness الذي شاع في الأدب والرواية بشكل خاص في القرن المنصرم. ولبيان مواضع التداخل سأضع خطاً متقطعاً (---) كمَلاط بين "قطع القرميد" المنفصلة.



[2] فرانسيس ستونر سوندرز، مَن الذي دفع للزمار؟ وكالة المخابرات المركزية والحرب الثقافية الباردة، دار غرانتا بوكس للنشر، لندن، 2000.

[3] المصدر نفسه

[4] لمزيد من الإضاءة على موضوع "الربيع العربي" أنظر مقالي في الحوار المتمدن بعنوان: "فيلسوف الربيع العربي وجيفارا الثورة المضادة"، الحوار المتمدن، 1 تشرين الأول /أكتوبر 2012 على الرابط:.http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=326428



[5] انظر مقالي "رابط الجأش يمضي قُدماً: مكانة الثقافة والفكر في الحوار مع الرئيس بشار الأسد، "الموقف الأدبي"، دمشق ، شباط/فبراير 2019.

[6] الحوار المتمدن، حملة التصدي للفكر الظلامي التكفيري، 21 أبريل/ نيسان 2015، أنظر الرابط:.http://ehamalat.com/Ar/sign_petitions.aspx?pid=711&fbclid=IwAR2BHYCMfCeCMyATos7WIG5lcDGKJo4U0GjPbHp9J6-XGEng6w6Xo2_J1C8

[7] د. ناديا خوست، الثقافة والحرب، الموقف الأدبي، العدد 577، أيار 2019.

[8] تييري ميسان، أمام أعيننا، شبكة فولتير،2019 .

[9] جريدة الدستور المصرية، 2 أبريل/نيسان 2017.

[10] المصدر نفسه.

[11] فرانسيس ستونر سوندرز، من الذي دفع للزمار: وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والحرب الثقاية الباردة، ص 425، غرانتا بوكس، لندن 2000.



[12] المصدر نفسه.

[13] المصدر نفسه، ص 427.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,603,238,914
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة
- للتاريخ: مانيفستو استنكار وبراءة
- هوامش على متن -هبَّة نيسان-
- أبو علي مصطفى Versus أخو عليا وصفي: عنوان لنهاية وَطَنيْن
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة
- في الدولة -الزومبي-: المهمة المستحيلة
- الأوديسة السورية: أوراق ناديا خوست
- في الحالة الرثة: عندما تصبح -شتَّى- بديلاً للهوية الوطنية
- ربيع أمريكي ضد -الترمبية-: نظرية ما بعد الحقيقة
- بطل تراجيدي إغريقي: ناهض حتر
- سنتياغو الأردني: قصة موت معلن
- أحمد جرادات - كاتب وشيوعي أردني - في حوار مفتوح مع القارئات ...
- يد إلهية و سريالية الواقع الفلسطيني
- فيلم - عُمر - ... قصة حب فلسطينية يحول من اكتمالها الاحتلال ...
- فيلسوف الربيع العربي وجيفارا الثورة المضادة
- الأممية الوهابية الثانية: -الجهاد السوري-
- لبردى ضفاف كثيرة: يومان في دمشق


المزيد.....




- رئيس وزراء العراق: نشهد ازدياد حالات خطف.. والكاميرات وثقت ا ...
- هل تذكرون هاتف -ريزر- القديم؟.. موتورولا تحيي هاتفها من جديد ...
- جرحى في قصف إسرائيلي جديد على مواقع لحركة الجهاد الإسلامي بغ ...
- فرنسا تعلن أنها -أخذت علما- بالانتقال السياسي في بوليفيا وتد ...
- بعد قطيعة دامت 30 عاما.. دولة أوروبية تعيد فتح سفارتها في ال ...
- لبنان.. الأطراف السياسية تتفق على -تزكية- الصفدي رئيسا للحكو ...
- مجلس النواب الجزائري يصادق على قانون جديد للمالية يسمح باللج ...
- مساع لتهدئة الأوضاع في بوليفيا والرئيسة ترفض إمكانية ترشح مو ...
- صحيفة آي: هل تصغي إسرائيل إلى التحذيرات القانونية؟
- مجلس النواب الجزائري يصادق على قانون جديد للمالية يسمح باللج ...


المزيد.....

- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب
- توقيعات في دفتر الثورة السودانية / د. أحمد عثمان عمر
- كَلاَمُ أَفْلاَطُونْ فِي اُلْجَمَاعِيِّةِ وَ التَغَلُّبِيِّة ... / لطفي خير الله
- الديموقراطية بين فكري سبينوزا و علال الفاسي / الفرفار العياشي
- المسار- العدد 33 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد جرادات - بانوراما: في الثقافة والسياسة وشؤون أخرى[1]