أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد جرادات - في الدولة -الزومبي-: المهمة المستحيلة















المزيد.....



في الدولة -الزومبي-: المهمة المستحيلة


أحمد جرادات

الحوار المتمدن-العدد: 5921 - 2018 / 7 / 2 - 16:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



"جاري... منهمكٌ إلى أُذنيه في (سيراميك) بركته لأن الوقت يمضي مسرعاً
وبناُته يأتين شهراً واحداً في الصيف من عجمان
والأحفاد قد يأتون من كندا
يحدِّثني بزهوٍ حين نجلس في فناء البيت عن سور الرخام.
جاري... يغضب كلما ذكرَ المنابت والأصول
ويلحُّ للإصلاح،
ووحدَها سندات تسجيل الأراضي في خزانته تُبرِّد قلبه
فأقول: دعَك من المنابتِ، تلك مسألةٌ تقررها البنوك."
حبيب الزيودي
********
ربط الكلام
"محركات صفقة القرن بدأت تعمل بقوة، ومن الواضح أننا دخلنا في مرحلة العمل الأميركي والاسرائيلي الجدي لإنجاز الصفقة وقد نكون على مقربة من إعلان رسمي أميركي بشأنها، وذلك بهدف تصفية القضية الفلسطينية." السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير، 29 حزيران/يونيو 2018
[ملحوظة: تمت إضافة هذه الفقرة إلى المقال الأصلي قبيل إرساله للنشر].
هذه هي الورقة الثالثة/ المقال الثالث في سلسلة من الأوراق/المقالات المتعلقة برؤية متشائمة حول ما أعتبرها "أم القضايا" التي يواجهها الشعب الأردني، أي القضية المصيرية/الوجودية والمعضلة المستعصية المتعلقة بمستقبل الأردن ومآل الأردنيين، التي إذا لم يتصدَّ لها المثقفون الثوريون والمفكرون والسياسيون الوطنيون والتقدميون ويجترحوا لها الحلول عاجلاً لا آجلاً قبل فوات الأوان- إن لم يكن قد فات فعلاً- فإن مستقبل بلدنا ربما يبتلعه "الثقب الأسود".
أما الورقتان السابقتان (الأولى بعنوان "من دولة عازلة إلى كيان هجين: دورة حياة"، والثانية بعنوان "الحالة الرثة: عندما تصبح "شتى" بديلاً للهوية الوطنية" ) فإنهما تستعرضان كيف أنه عقب إنشاء الدولة-الإمارة وتنصيب أحد أبناء الشريف حسين بن علي الأمير عبدالله من الأسرة الهاشمية القادمة من الحجاز، أي من خارج حدود الدولة الجديدة المزمع إنشاؤها ومن غير أهلها الأصليين، على رأس "إمارة شرق الأردن"، بدأ انتقال، بل قُل النقل التعسفي الممنهج للكيان الأردني الوليد، من موئل لمجتمع "طبيعي" ذي نمط إنتاج "طبيعي" وعلاقات إنتاج ووسائل إنتاج "طبيعية" متسقة معه، كمجتمع زراعي يزرع الأرض ويربي الماشية ويصنع أدوات إنتاجه اللازمة ويصدِّر فاض منتجاته عبر مينائي حيفا وبيروت، إلى كيان "عازل" Buffer Entity.
لم تكن الأرض التي أُقيمت عليها الدولة الجديدة مجرد صحراء قاحلة وخالية من السكان - "أرض بلا شعب"- كما يعتقد أو يردد كثيرون، على غرار المقولة الصهيونية الشهيرة عن فلسطين، ولم يكن سكانها رعاة إبل همج بلا حواضر ولا حضارة أو جذور تاريخية، بل أُناس شاركوا في التاريخ السياسي القديم والمعاصر للدولة والمنطقة. وكان يمكن أن يتطور المجتمع الأردني تطوراً "طبيعياً" وأن يستمر في ذلك، شأنه شأن العديد من شعوب الأقطار العربية التي أُخضعت للاستعمار الكولونيالي الغربي، والتي قسَّمها واقتسمها مارك سايكس وفرانسوا بيكو، لو لم يتدخل المبضع الاستعماري بإجراء جراحة هندسية اجتماعية له - أشبه ما تكون بعملية تغيير النوع الاجتماعي للفرد. وهي عملية حرجة للغاية ومدروسة بإحكام ويجري تنفيذها خطوة خطوة لكن بشكل دؤوب، وذلك بهدف خلق كيان عازل لخدمة الأغراض الاستراتيجية والجيو- سياسية للامبراطورية البريطانية وتمهيداً لإقامة المشروع الاستعماري في المنطقة بتنفيذ الوعد "الإلهي الثاني" بإنشاء "وطن قومي لليهود" في فلسطين عن طريق الهجرة والاستيطان والاحتلال والإحلال وتهجير أهلها الأصليين منها بالقوة، ومن أجل استيعاب مُخرجات ذلك المشروع الاستعماري- الصهيوني في فلسطين لاحقاً.
هذا في المرحلة الأولى/الطور الأول، وأما في المرحلة الثانية/الطور الثاني، فقد شهد الأردن عملية حثيثة لتحويله إلى دولة "رثة" lumpenأو "هجين" Hybrid وخزان ديمغرافي مفتوح للاجئين والمهاجرين من مخرجات أزمات الإقليم من "شتى المنابت والأصول" (العبارة الأثيرة التي ترددت في خطابات الملك الراحل حسين رداً على سؤال: مَن هو الأردني؟)، والعمل بشكل مبرمج ومستمر على تحويل المجتمع الأردني إلى مجتمع رث، بطبقاته وفئاته الاجتماعية، بما فيها الانتليجنسيا؛ وأحزابه السياسية ومنظماته النقابية، موالاةً ومعارضة، يساراً ويميناً ووسطاً؛ ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلاً أجنبياً، أي باختصار: محاولة "ترثيث" أو تشويه التركيبة الاجتماعية برمتها.
أما الورقة الثالثة هذه فتزعم أن الأردن ينتقل أو يُنقل تعسفياً، لكن بشكل ناعم وعلى نحو ممنهج، إلى طور "الزومبي"، ويجري تحويله إلى "بلد أوف شور"offshore country .
وهنا ربما يكون من النوافل الإشارة إلى أن مصطلحات: "عازلة، هجين، رثة، وزومبي" الواردة في هذه الورقة ليست شتائم ولا يُقصد بها التقليل من شأن الأردن كوطن للأردنيين، بل هي مصطلحات وصفية، قد لا تجد قبولاً لدى بعض الباحثين أو المناضلين الوطنيين الأردنيين، وإنما تعبر عن مقتضيات بحثية لتوضيح الحالات/الأطوار التي مرَّ بها الأردن منذ تأسيسه حتى اليوم بحسب رؤيتي."
وقد ترددتُ لأشهر قبل أن أُقدم على نشر المقال لأنني أدرك أنه ربما يكون مخيفاً ومحبطاً وقد يسبب صدمة للعديد من المناضلين الحالمين-وما أحوجنا إلى الحلم في يباب هذا الواقع-ولعل السيد حسن نصرالله هو الذي شجَّعني على الحسم في خطابه الأخير عن ما يُسمى "صفقة القرن"، والذي أكَّد فيه أن "محركات" الصفقة اشتغلت، وهي تدخل حيز التنفيذ. ولذا أضفتُ فقرة من خطابه في صدارة "ربط الكلام".
وأخيراً، أود أن أُنبِّه إلى حقيقة شبه غائبة في هذا الشأن، وهي أن الأغلبية الساحقة من المناهضين لصفقة القرن تركز على جانب واحد من الصفقة، وهو تصفية القضية الفلسطينية، ولا تلتفت إلى الجانب الآخر منها، وهو مشروع إنشاء "الوطن البديل" في الأردن وعلى حسابه بشكل رئيسي، الأمر الذي يستحيل معه إفشال صفقة ذات وجهيْن مترابطين في ديالكتيك التحرر الوطني، فضلاً عن أنه سيفتح أبواب الاجتهادات الملتبسة أمام "المجتهدين"، الضالِّين منهم وغير الضاليِّن.
الدولة/الكيان الزومبي Zombie State/Entity
منذ سنوات طويلة ما انفكَّت "المعضلة الأردنية"- ما هو مستقبل الأردن- تلحُّ عليَّ وتحيِّرني، ماهيتها ومقاربتها، ناهيك عن حلِّها. وطفقتُ أبحث عن مصابيح أو شواخص أسترشد بها في طريق الوصول إلى حل المعضلة، ولكنني أنتهي في جميع محاولاتي، حتى الآن، إلى طريق مسدود ونقطة مظلمة، ثم أبدأ من جديد مردداً: "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"!
في هذه الورقة أحاول فهم أو تفسير هذه المعضلة مستفيداً من مقاربتين ماركسيتين: الأولى لكريس هارمان، والثانية لسمير أمين.

المقاربة الزومبية (كريس هارمان وأليكس نايت)
"المقاربة الزومبية": نسبةً إلى شخصية زومبي الشهيرة المتداولة، وهو المخلوق الميت-الحي المجرد من المشاعر الإنسانية والشرير والوحش القادر على إلإيذاء والتدمير. ويتصل هذا التعبير- إن صحَّ استخدامه –بمصطلح/مفهوم "رأسمالية الزومبي" الذي اجترحه المفكر الماركسي البريطاني كريس هارمان لفهم رأسمالية القرن الحادي والعشرين في كتابه المعنون بــ "رأسمالية الزومبي: الأزمة العالمية وماركس". ولا يتطابق هذا المصطلح مع تعبير "الرأسمالية المتوحشة" الدارج برأيي. وأود أن أشير هنا إلى أن الاستفادة من مقاربة هارمان لا تعني أنني أتفق معه في كل ما ذهب إليه في كتابه آنف الذكر، وخاصةً ما يتعلق ببديل رأسمالية الزومبي الذي يقترحه، والذي سأتطرق إليه لاحقاً.
في مقابلة مع موقع "سوشاليست ووركر"، يتحدث هارمان عن كتابه هذا ويلقي مزيداً من الضوء على ماهية "رأسمالية الزومبي"، فيقول إن بعض المعلقين يستخدمون مصطلح "مصارف الزومبي" لوصف الحالة التي يتوقف فيها النظام المصرفي عن العمل ويصبح له آثار عكسية على كل شيء حوله. فالمصرف الزومبي برأي هارمان لا قيمة له، إلا أنه يستمر في العمل بسبب دعم الحكومة له. ومن هنا يصبح للموتى تأثير مهول على الأحياء. وقد أشار ماركس إلى أن الرأسمالية هي هيمنة الميت على الحي والماضي على الحاضر، كما أشار إلى كيفية هيمنة منتجات عمل الأشخاص على حياتهم وحياة غيرهم. وعرَّف الأزمة الرأسمالية بأنها ليست مجرد أزمة مالية، وإنما هي السمة الأساسية للرأسمالية.
ورداً على سؤال حول تأثير الأزمة الاقتصادية على الأيديولوجية النيوليبرالية، أجاب هارمان بأن النيوليبرالية هي أيديولوجية تُستخدم بشكل رئيسي لتبرير الاعتداءات على حقوق العمال؛ إذ أن الهدف الوحيد للرأسمالية هو إنتاج فائض القيمة وتوسيع حدود عالمها.
ويَعتبر هارمان أن مفهوم "الاغتراب" عند ماركس هو جوهر "زومبية" الرأسمالية، حيث يحدث هذا الاغتراب من خلال عملية إنتاجية تجبر العامل على بذل طاقته في إنتاج سلع "غريبة" عنه. ويقتبس من ماركس أن سيطرة رأس المال على العامل هي سيطرة الأشياء على الإنسان (التشيؤ) وسيطرة العمل الميت على العمل الحي لهدف واحد هو مراكمة فائض القيمة وتوسيع عالم هذا الوحش الميت- الحي، أي رأس المال. فالعمال لا يملكون السيطرة على ما ينتجونه وكيف ينتجونه وكم ينتجون منه وما سيحدث للمنتَج بعد إنتاجه. ولذا فإن منتجاتهم تبدو غريبة عنهم، وتتمتع بقوة خاصة بها ومستقلة عنهم.
انطلاقاً من ذلك يعتقد هارمان أن مصطلح "رأسمالية الزومبي" مناسب لاستخدامه لوصف المرحلة الراهنة من الرأسمالية.
أما فيما يتعلق بالبديل الذي يطرحه هارمان، فهو يرى أنه بما أن الزومبي يجب أن يُقتل، ولكن يستحيل قتله بالطرق التقليدية، فلا بد من اجتراح حل مبتكر. وفي الوقت نفسه يَعتبر أن بناء الاشتراكية وإحلال الأخيار محل الأشرار بهذه البساطة، يقصد الحل اللينيني، باتَ من الماضي لأننا نحن أيضاً شركاء في ومتواطئون مع رأسمالية الزومبي، بل نحن زومبيون كذلك. ولذا فهو يعتقد أن الجبهة الأمامية في هذه المعركة هي في رؤوسنا، وليست خارجنا. فنحن معنيون بالتغيير الاجتماعي الشامل، وهو أمر غير ممكن إلا من خلال تنظيم وبناء مجتمعات الرعاية والدعم التي تتيح خوض المعركة على جبهتين: تحدِّي أنفسنا، وتحدي النظام. ويقرر هارمان أن القيمة الأساسية التي نقاتل من أجلها هي "الحياة". ومن هنا فإن هدف حركة مكافحة الزومبية هو خلق عالم نتعلم فيه كيف نقدِّر قيمة "الحياة" ونحترمها كمصدر للقيم كافة، وإن البديل المقترح لرأسمالية لزومبي هو عكسها تماماً: أي ما يطلق عليه مصطلح "الراديكالية الحية"!.
بيد أن هذا البديل "المبتكر وغير التقليدي" الذي يقترحه هارمان هو الآخر بديل زومبي، فهو يستبعد الحل الاشتراكي، البديل النقيض الحقيقي للرأسمالية، باعتباره من زمن فات، كما أنه باعتقادي حل مثالي مصوغ بعبارات مبهمة وملتبسة، بالإضافة إلى أنه لا يقتل الزومبي، بل يُبقي عليه "لا حياً" لأنه لا يريد أن يلعب في ملعبه، وهو بذلك يترك الكرة في ملعب ضحاياه.
* "طيف يخيّم على أوروبا، إنه طيف الشيوعية" - ماركس وإنجلز في المانيفستو، 1848
* "شبح يخيّم على أوروبا، إنه شبح الزومبية"-أليكس نايت، 2012
بالعبارة الأخيرة بدأ أليكس نايت مقاله المعنون بـ: "وصول رأسمالية الزومبي"-The Arrival of Zombie Capitalism التي "عارضَ" فيها – بالمعنى الشعري- العبارة الافتتاحية الشهيرة للبيان الشيوعي الذائع الصيت الذي كتبه كارل ماركس ورفيقه فريدريك إنجلز في عام 1848، مع الاختلاف الكلي بين مضمونيْ العبارتين؛ ففي الأولى طيف الشيوعية "الملاك" هو الذي "هدد" أوروبا الرأسمالية "الشيطان"، ولذا قال ماركس وإنجلز في المانيفستو إنه ضد هذا الطيف/الملاك "اتَّحدت في حلف "مقدس" قوى أوروبا القديمة كلها"، بينما في العبارة الثانية فإن شبح الرأسمالية "الزومبي" هو الذي يهدد أوروبا وشعوب العالم بأسره.
وفي مقاله سالف الذكر يقتبس أليكس نايت من افتتاحية المجلة الراديكالية البريطانية "تيربيولنس" أن الليبرالية الجديدة، وهي المشروع الأيديولوجي والسياسي المهيمن للنخب الرأسمالية على مدى العقود الأربعة الماضية، فشلتْ وحلَّت محلها "الليبرالية الزومبية". ويقرر "نايت" أن النيو-ليبرالية ميتة ولكنها لا تدرك موتها. ومع أن مشروعها لم يعد له معنى، فإن منطق ذلك المشروع لا يزال مستمراً في دوس وتحطيم كل ما تطأه قدماه، تماماً مثل زومبي، أي أنه بشع ومثابر وخطير. وإذا لم تتهيَّأ أرضية مشتركة جديدة ومتسقة لاستبداله، فإن هذه الحالة ستستمر طويلاً، وستظل جميع الأزمات الكبرى، كتلك المتعلقة بالاقتصاد والمناخ والغذاء والطاقة، بدون حل، وسيُفسَح المجال للجمود والانحدار إلى أجل طويل. هذه هي "لاحياة" الزومبي، الذي يتسم، وفقاً لمجلة "تيربيولنس، بصفات أربع:
- ميت، ولكنه لا يزال يمشي؛
- خطير ويستطيع قتل الناس عن طريق التوحش؛
- لا يتمتع بالتفكير الهادف أو التخطيط طويل الأجل، بل يتصرف بالغريزة؛
- يستمر في العمل حتى وهو يتحلَّل، وغير قادر على التحسن أو الصَلاح، وينبغي قتله؛
ويضيف كريس هارمان صفة خامسة، وهي أنه يستحيل قتله بالوسائل التقليدية، ولذا ينبغي اجتراح وسائل مبتكرة للتخلص منه.
(معترضة: ألم تصل الدولة الأردنية اليوم إلى حالة الزومبي هذه؟)
ويؤكد نايت أن الحياة في ظل الرأسمالية هي مجرد عمل واستهلاك وديون وعزلة وخواء عاطفي وروحي على نحو متزايد، حيث نفقد الصلة بأهم مصدريْن للمعنى في حياتنا، وهما: العلاقة مع بني البشر والعلاقة مع الطبيعة. ويعتقد أن نهاية الرأسمالية قد أزِفتْ لأن الاقتصاد لم يعد يستطيع النمو أكثر بعد اليوم، وذلك لسببين رئيسيين: أولهما أن الأرض بما رحُبتْ لم تعد تتسع لها [أي للرأسمالية] ولا تستطيع استيعابها لعدم كفاية الموارد وتفاقم الإضرار بالبيئة. وثانيهما أن الحركات الاجتماعية في العالم طفح كيلها وأخذت ترفض المزيد من استغلال البشر للبشر، أو بالأحرى استغلال اللابشر للبشر.
ويذكِّرنا نايت بانهيار الأسواق المالية العالمية في سبتمبر/أيلول 2008 عندما اتخذت إدارة بوش الإبن قراراً بالتدخل في السوق، وهو ما يتعارض مع "دِين" السوق الحر ويُعتبر من "الكبائر" في تعاليمه، مما اضطره للجوء إلى ما يشبه "فقه الضرورة" في الإسلام بالقول إنه "تخلَّى عن مبادئ السوق الحر من أجل إنقاذ نظام السوق الحر ككل". ويرى أنه منذ الأزمة المزلزلة التي وقعت في عام 2008 لم تعد الرأسمالية على ما يبدو مهتمة بإنقاذ نفسها في الأجل الطويل، أي بخلق الظروف اللازمة لإعادة إنتاج نفسها. ولذا فإن رأس المال، بدلاً من البحث عن حلول مشروعة لهذه الأزمة، أو حتى التظاهر بالاعتراف بوجودها، يتوحش ويقذف بكل شيء في أتون الفوضى كي يحقق مكاسب محدودة وآنية أو قصيرة الأمد، حتى لو تم ذلك على حساب "تسميم البئر الذي يشرب من مائه".

المقاربة الطبقية (سمير أمين):
تدفق موجات الهجرة واللجوء المخططة و"صناعة" الأوطان البديلة
في الفصل المتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية من مقاله المعنون بـ "الثورة من الشمال إلى الجنوب" Revolution from North to South يحلل المفكر الماركسي الدكتور سمير أمين دور الهجرات والمهاجرين في تشكيل شعب ما أو بلد ما وهندسة تركيبته ورسم مستقبله لحقبة طويلة قادمة، ليبين أن الثقافة السياسية التي نشأت في الولايات المتحدة لا تشبه نظيرتها في فرنسا، مثلاً، إبان الثورة الفرنسية وعصر التنوير. فقد كان لهذيْن الحدثين التاريخيين- الثورة الفرنسية والتنوير- أثر أساسي، لا على تاريخ فرنسا وحدها، بل على التاريخ السياسي لأوروبا عموماً. ومَردُّ ذلك إلى أن الشكل الخاص من البروتستانتية الذي جلبه المهاجرون إلى "الأرض الجديدة" هو الذي أعطى شرعية للكيان الجديد، واستند المهاجرون إلى تلك الشرعية الإنجيلية لتبرير عمليات الإبادة الجماعية لسكان أميركا الأصليين واعتبروها مهمة أوكلها الله لهم وقميصاً ألبسهم إياه الرب إلى الأبد. ثم سعت الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق مهمتها "الإلهية" ليشمل العالم بأسره.
ويشير الدكتور أمين إلى الدور المهم الذي لعبته موجات الهجرة المتتالية إلى الوطن التاريخي لأصحاب الأرض التاريخيين- الذين أطلق عليهم رحالة الكولونيالية اسم "الهنود الحمر"- في تعزيز الأيديولوجيا الأمريكية، ويقول: صحيح أن المهاجرين لم يكونوا مسؤولين عن ظروف الفقر والقمع التي دفعتهم إلى شد الرحال إلى الوطن الجديد، ولكن هجرتهم دفعتهم إلى التخلي عن النضال الجماعي من أجل تغيير الأوضاع المشتركة للطبقات أو الفئات المتضررة في أوطانهم الأصلية، وتبنِّي أيديولوجيا النجاح الفردي في وطنهم المتبنَّى (البديل). وقد حالَ تبنِّي هذه الأيديولوجيا دون اكتساب الوعي الطبقي. لكن مع مرور الوقت كان أولئك المهاجرون يبدؤون بإدراك واقعهم الطبقي. وما أنْ يبدأ وعيهم الطبقي بالتشكُّل، حتى يجدوا أنفسهم في مواجهة موجة جديدة من المهاجرين تُجدد الفشل في اكتساب الوعي الطبقي والسياسي المطلوب، ناهيك عن النضال الطبقي. وفي الوقت نفسه شجعت هذه الهجرات على تشكيل المجتمع الأميريكي في مجتمعات محلية communities أو "جماعات فرعية" متفرقة، فالنجاح الفردي لا يشترط عدم الاندماج في تجمعات البلد الأصلي (بلد المنشأ)، بل لعله يتطلبها، لأنه مِنْ دون هذا الاندماج تكون العزلة الفردية هشة وفاقدة للدعم. إن تعزيز هذا البُعد من أبعاد الهوية – الذي يستدعيه ويشجعه النظام (System) الأمريكي - يؤدي إلى الإضرار بالوعي الطبقي وبإمكانية تكوين "المواطن"؛ إذ أن أيديولوجيات الجماعات الفرعية لا يمكن أن تكون بديلاً للأيديولوجيا الاشتراكية في نضال الطبقة العاملة.
وفي ختام مقاله يؤكد الدكتور أمين على أنَّ "نظام العولمة النيوليبرالية دخل مرحلته الأخيرة؛ وأنَّ قُرب انهياره أصبح واضحاً، كما يَظهر في عدد من الأحداث الهامة، من قبيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكزيت)، وصعود أشكال مختلفة من الفاشية الجديدة، وفوز ترامب في معركة انتخابية ضروس ( أعتقد أنها ليست بين الديمقراطيين والجمهوريين أو بين تيار ترمب و"المؤسسة" The Establishment وحسب، بل بين الدولة القومية الفاشية والعولمة، وإذا ما سمحت موازين القوى الداخلية والخارجية بانتصار تيار ترمب في هذه المعركة، فإن نهاية العولمة النيوليبرالية -لا نهاية التاريخ- هي المرشحة لأن تُطرح على جدول أعمال التاريخ!!
ويرى الدكتور أمين أن نهاية هذا النظام الغامضة تفتح باباً أمام حالة ثورية محتملة في شتى أنحاء العالم. لكن هذه الإمكانية لن تصبح واقعاً إلا إذا عرفت القوى اليسارية الجذرية كيفية اغتنام الفرص السانحة وتصميم وتنفيذ "استراتيجيات هجومية جريئة تقوم على إعادة بناء الطابع الأممي للعمال والشعوب في مواجهة الطابع الكوزموبوليتي لرأس المال المالي للقوى الإمبريالية." ويعتقد أمين أنه إذا لم يحدث ذلك، "فإن القوى اليسارية ستكون شريكة في المسؤولية عن الكارثة التي ستقع لا محالة".
مسترشداً في تناولي لحالة الأردن بهذا التحليل الديالكتيكي العميق للآثار السلبية لتدفق موجات اللاجئين والمهاجرين على الدول والشعوب والمجتمعات في الحالة التي اختارها سمير أمين- أي حالة الولايات المتحدة الأمريكية- يمكنني أن أرى بوضوح أن موجات اللاجئين والمهاجرين والمهجَّرين المخطَّطة والمسيَّسة والموظَّفة من قبل الدوائر الإمبريالية والصهيونية التي اجتاحت الأردن، سواء بشكل ناعم أو خشن، منذ تأسيس الدولة- الإمارة حتى الآن، تدفع هؤلاء إلى تبنِّي أيديولوجيا قصص النجاح الفردي في بلد الفرص، وتشكيل جماعات/ مجتمعات communities وهويات فرعية في الأردن، بلد الهجرة واللجوء المتبنَّى/البديل. كما أنها تمنع تبلور وعي طبقي راسخ وتؤدي إلى التخلي المزدوج عن النضال الجماعي من أجل تغيير الأوضاع المشتركة للطبقات أو الفئات التي تعيش على هذه الأرض، أي على مستويين: داخل مجتمعات اللاجئين والمهاجرين والمهجَّرين أنفسهم من ناحية، ومع مجتمع أهل البلاد الأصليين من ناحية أخرى.
ونظراً لأن القوى الإمبريالية والصهيونية المهيمنة على الأردن لا ترى فيه، ولا تريد له أن يكون، إلا كياناً "منذوراً" لاستيعاب مخرجات النزاعات والحروب الإقليمية التي تشعلها- ممراً لها أو مُستقراً- وتفرض عليه دور التخديم على المشروع الاستعماري الصهيوني الاستيطاني المتمثل في إسرائيل، وما دامت السلطة الحاكمة تقبل القيام بهذا الدور أو لا تقاومه، فسيستمر تبنِّي استراتيجيات اللجوء والهجرة والتهجير ويستمر معه تفكيك الدولة والمجتمع وانحدار البلاد المتسارع نحو الكارثة.
الدولة "الزومبية" تطلُّ بقرنيها في الأردن
سر الاستباحة والحماية: الاستثمار هو الاسم الكودي للتجنيس
في "دين" النيو- ليبرالية الذي تعتنقه الدولة الأردنية يحتل الاستثمار صدارة أركان العبادات، ويُعتبر المستثمرون طلائع الفتح. وعلى هذا الأساس ولغايات تشجيع الاستثمار وخلق البيئة الملائمة والمريحة للمستثمرين الأجانب من مبشِّري الدين الجديد، أعلنت الحكومة الأردنية عن نيتها اتخاذ إجراءات وسن قوانين جديدة لتيسير تقديم أقصى الإغراءات وأجلَّ الخدمات، وعلى رأسها بوجه خاص منح الجنسية الأردنية أو الإقامة الدائمة في الأردن.
فبموجب الإجراءات الجديدة يُمنح المستثمر الجنسية الأردنية في أيٍّ من الحالات التالية: إيداع وديعة بقيمة 1.5 مليون دولار لدى البنك المركزي الأردني؛ شراء سندات خزينة بقيمة 1.5 مليون؛ شراء أسهم في شركات أردنية بمبلغ 1.5 مليون دولار؛ الاستثمار في الشركات الصغيرة أو المتوسطة بمبلغ مليون دولار؛ إنشاء وتسجيل مشروع استثماري برأسمال 1.5-2 مليون دولار. ويُمنح المستثمر الإقامة الدائمة عند شراء عقار لا تقل قيمته عن 200 ألف.
كما تُمنح الجنسية الأردنية أو الإقامة الدائمة لزوجة المستثمر وبناته العازبات والأرامل والمطلقات اللواتي يعشن في كنفه وأولاده الذين لا تتجاوز أعمارهم 18 سنة ووالديه اللذين يعولهما. هذا فضلاً عن تقديم طيف واسع من التسهيلات في منح التأشيرات والإعفاءات المتعلقة بدخول السياح والمرضى وعائلاتهم ومرافقيهم.

إنشاء وحدة خاصة لحماية الاستثمار
لدعم الاستثمار وتشجيعه وتوفير كافة أشكال الحماية الأمنية له وتوفير البيئة الجاذبة له... فقد تقرَّر تشكيل وحدة خاصة من قوات الدرك كوحدة "مستقلة"! تُعنى بتنفيذ وتأمين وتلبية كافة أشكال الحماية والتغطية الأمنية للاستثمار. وستباشر الوحدة الأمنية الخاصة عملها من خلال التواصل اليومي وعلى مدار الساعة مع كافة المستثمرين عبر قاعدة بيانات خاصة بهم، ومن خلال غرف عمليات منتشرة في الأقاليم وبخطوط ساخنة. وسيركز عمل تلك الوحدة على الجانب العملياتي من خلال نشر دوريات أمنية ثابتة ومتحركة في التجمعات الصناعية وحولها بحسب المقتضيات الأمنية، إضافة الى الجانب الاستخباراتي. "وستكون الوحدة بمثابة حلقة وصل بين المستثمرين والجهات الأمنية والإدارية الأخرى لتنسيق الجهود وتنفيذ الواجبات والمتطلبات التي يحتاجها المستثمر كافة، إلى جانب دورها في التواصل مع جميع الوزارات والهيئات الرسمية المعنية في مختلف المحافظات.
ولعلَّ مَن يقرأ النص الكامل للقرار الحكومي الطويل العريض يُخيَّل إليه أن انقلاباً خطيراً دُبِّر بليل، ولا بد من إعادة العمل بالأحكام العرفية وقوانين الطوارئ سيئة الصيت، وأن الأمر يتعلق بحماية الوطن من الأعداء أو الأمن القومي من العابثين به. وأن مجلس الأمن القومي سيظل في حالة انعقاد دائم لإنقاذ المستثمرين الأجانب الحِملان المسالمين الطيبين من بين أنياب المواطنين الذئاب المفترسين.
إن قضية اجتذاب الاستثمار الأجنبي وإغراء المستثمرين الأجانب ببسط السجاد المصنوع من جلود الأردنيين ونثر الورود المصنوعة من رموش عيونهم تحت أقدام هؤلاء المستثمرين، وتأمين الحماية الصارمة المدججة بالإجراءات الردعية والعقابية لهم، تبدو بالنسبة للدولة الموازية "الزومبية" كأنها قضية حياة أو موت دونها نِصال السيوف وضرب الرقاب، لماذا؟
يجيب بعض الحراكيين الأردنيين: لأن الاستثمار الأجنبي يمثل سر معادلة الاستباحة والحماية، استباحة الوطن ومواطنيه، وحماية المستبيحين من المستباحين، ولأن الاستثمار الأجنبي ما هو إلا طريق العبور القانوني والسلاح الناعم الأشد فتكاً لفرض الهيمنة الكاملة على الأردن، وهو ليس سوى الاسم الكودي للتجنيس وبيع الجنسيات ومنح الإقامات لكل من هبَّ ودبَّ، من أفاقين وجواسيس ولصوص وغاسلي أموال وقنَّاصي فرص، من أجل تحقيق الهدف النهائي المتمثل في إقامة "أوطان" بديلة أو موازية أو احتياطية لمخرجات الصراع العربي – الإسرائيلي والحروب الإقليمية على هذه البقعة الجغرافية المعروضة للبيع بأسعار مغرية.
ولهذا ألهبتْ هذه القضية مشاعر الأردنيين واستفزَّتهم وولَّدت ردود فعل غاضبة ومواقف حادة من جانبهم، ففاضتْ حناجرهم بالهتافات والشعارات اللاذعة التي طاولت الملك والملكة والبِطانة، أي "عالية السقوف" كما تصفها الصحافة والناس هنا لتفادي الوقوع في تهمة "إطالة اللسان"، التي يُعاقَب عليها بالسجن لمدة ثلاث سنوات- ناهيك عن قروسطية التعبير ووحشية إيحاءاته التاريخية (إطالة اللسان تستدعي قصُّه) ضد "الفساد والفاسدين ومختلسي المال العام والمسؤولين عن إفقار الشعب وعملاء إسرائيل". وتداعوا إلى عقد اجتماعات عشائرية وشكلوا لجاناً شعبية صدرت عنها بيانات متعددة طالبت باستعادة الأراضي والواجهات العشائرية والأحراش والأراضي الحرجية وشواطئ البحرين الأحمر والميت وأراضي الحزام الحدودي، وقالت إن الأراضي التي تمت مصادرتها بكتاب من رئيس الوزراء ورئيس الأركان تحت ذريعة تملُّكها من قبل قواتنا المسلحة الأردنية هو تحويل وتخويل خطير جداً وهو باطل ومرفوض جملةً وتفصيلاً لأنه يصادر حقوق العشائر التاريخية والوطنية وينمُّ عن شكل من التطهير العرقي والاحتقار الرسمي للأردنيين وتهميشهم وإقصائهم، فضلاً عن أنه قرار "يقحم الجيش في صراع محلي وينقله من خندق محبة الأردنيين والأردن وتمثيلهما والدفاع عنهما الى خندق الدفاع عن الفاسدين وحمايتهم. وهذا بالتحديد نذير الكارثة الحقيقية بالنسبة للأردنيين لأن أفراد الجيش من أعلى رتبة إلى أدناها هم أولادهم وآباؤهم وإخوانهم، ولذا فإنهم يعتبرون المساس به من المحرمات. ومن هنا جاء اتهامهم "للفاسدين والخونة والعملاء والجواسيس" في الدولة الموازية، الذين كان الشهيد ناهض حتر يطلق عليهم اسم "تيار الأسرلة"، بأنهم يريدون "تلويث رمزية الجيش الأردني والقضاء عليها وإحداث شرخ بين الأردنيين وجيشهم"، واعتبروا ذلك مؤامرة خطيرة تستهدف المعادلة الذهبية الأردنية برمتها: الوطن والجيش والشعب.
وفي معرض رفضهم قرار مصادرة الواجهات العشائرية وإصرارهم على إعادتها إلى أصحابها؛ ورفض عمليات التجنيس السابقة والحالية المستمرة؛ والمطالبة بعدم السماح "للغرباء والمستثمرين" بالتملُّك لأن ذلك برأيهم غسيل أموال وليس استثماراً، اتخذ المجتمعون ممن وصفوا أنفسهم بأنهم "أحرار القبائل والعشائر الأردنية" موقفيْن غاية في الرمزية، الأولى بإعلان اعتماد يوم 2 أيار/مايو 2018 من كل عام "يوماً للأرض الأردنية"؛ والثانية باعتبار مصادرة الأراضي والواجهات العشائرية بمثابة "وعد بلفور جديد بأيدٍ عربية متصهينة".
ففي الأولى إشارة في العقل الجمعي الأردني، الواعي أو الباطن، إلى يوم الأرض الفلسطينيية المغتصبة من قبل الصهاينة، ليقولوا إن الأرض الأردنية تُساق إلى المصير نفسه في سوق اغتصاب الأوطان كذلك. وفي الثانية إشارة مباشرة إلى التشابه بين ما تضمَّنه وعد بلفور القديم من إعطاء فلسطين وطناً قومياً لليهود القادمين من مختلف أصقاع الكرة الأرضية وبين ما يتضمنه وعد بلفور "الجديد" من إعطاء الأردن وطناً بديلاً "لكل من هبَّ ودبَّ" على حد تعبيرهم.
وذهب البعض إلى حد اعتبار قضية العشائر الأردنية قضية "سكان أصليين"، شأنهم شأن شعوب ما سُموا بالهنود الحمر في أمريكا الشمالية و"الأبوروجينز" في أستراليا وسواهم من الشعوب والقبائل الأصلية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا ممن حُرموا من هويتهم الحقيقية وأسماء موائلهم الحقيقية. بل إن آخرين أخذوا يستعيرون اسم "الهنود الحمر" لاستخدامها في وصف الأردنيين.
وكان الشاعر الراحل حبيب الزيودي أول من عبَّر شعراً عن مثل هذا الوصف:
"يا رب بيِّنْ لي الحرامَ من الحلال
القرميدُ في روسيا يذكِّر بالثلوج وبالرعاة على الجبال
القرميد في إسبانيا رمز البنفسج في السلال
لكن للقرميد في بلد الهنود الحمر معنى واحداً :
السهم في جرح الغزال .
ويختم الشاعر الزيودي قصيدته بالوقوف على أطلال وطنه مؤبّناً الأردن والأردنيين:
"السلام على وطن
نحن نكتبه في السطور
ونشطبه في الصدور
السلام على وطن
لن يظل لأحفادنا فيه إلا القبور
من حق حزنك أيها الهندي أن تبكي( سدوم ) وأن تمرَّ على خرائبها وأن تبكي على الطلل الأخير
من حقك أن تطالب هذه الدنيا بتقرير المصير."

حديث المظلوميات
على هذه الخلفية المتفجرة يأتي حديث المظلوميات المقنَّع بـالمقاربة البحثية الموضوعية الرصينة شكلياً، ولا سيما حول المظلوميتيْن الأردنية والفلسطينية، الذي تتبناه بعض الأوساط السياسية والثقافية العابرة للأيديولوجيا، يسارية وقومية وإسلامية وليبرالية، وللهويات الفرعية، وملخصها: استحواذ الأردنيين على وظائف الدولة العليا وسيطرة الفلسطينيين على قطاع التجارة والاقتصاد. وعليه يرى هؤلاء أن حل هذه المعضلة يكمن في "تصحيح" تلك المعادلة "القطبية"، لكن كيف يتم تصحيحها؟ لا يفصح أصحاب هذه "الأطروحة" عن ذلك ويبقى المعنى الحقيقي في بطن الشاعر، فيلجأ بعضهم إلى الحل القومي وتحقيق الوحدة العربية الشاملة، أو إلى وحدة سوريا الكبرى على الأقل، بينما يستدعي البعض الآخر الحل الإسلامي ودولة الخلافة، فالأوطان في عقيدتهم أوثان. وأما بالنسبة لليبراليين الكوزموبوليتيين، فإن الوطن هو حيث ينتعش البزنس ولا يقف في طريقه عائق. بيد أن هذه المقاربة-أطروحة المظلوميات- سواء كانت واعية أم غير واعية، ليست في نهاية المطاف سوى أيديولوجية للمحاصصة والانقسام والتقسيم، ووصفة للحرب الأهلية وتمهيد لتدمير الجيش وتفكيك الدولة، ومنع أو إجهاض الوعي الطبقي العابر للهويات الفرعية القاتلة، وبالتالي النضال الطبقي المشترك، وخصوصاً بعد أن عرفت الإمبريالية والرجعية العربية النفطية والنيوليبرالية كيف تنفذ مثل تلك الأغراض وخبِرتْ الأدوات اللازمة لتنفيذها: تمويل وتجنيد وتسليح وتوظيف فيالق الإرهابيين "الجهاديين" والمرتزقة لتحقيق غاياتها.

خاتمة
لقد أوضحتْ هذه الورقة أن كلتا المقاربتيْن "الزومبية" (هارمان ونايت) و"الطبقية" (سمير أمين) توصلتا إلى ما يشبه الإنذار النهائي للبشرية، مفاده أنه إذا لم يحدث تغيير ثوري حقيقي، فإن الكارثة ستقع وسيصبح العالم مكاناً غير صالح للحياة.

وسيكون وقع الكارثة ونتائجها وتداعياتها أشد هولاً على الدولة الزومبي الميتة – الحية، كالأردن. وبعد تنفيذ ما يُعرف باسم "صفقة القرن" التي ستمحو الأردن وفلسطين معاً من الأطلس السياسي، لا يمكنني ادعاء الحكمة، لا الآن ولا بأثر رجعي، حيال ما سيكون عليه الحال في ما أُحب أن أسميه حتى الآن وطناً ولا يمنحني إلا وهماً. ولا يمكنني التكهن بمن سيكتب الورقة الرابعة ولا عمَّ سيُكتَب فيها. لكنني استطيع أن أتخيَّل أنه بعد بضعة عقود من الآن قد يأتي بعض المستشرقين والمستعربين والأنثروبولوجيين إلى هنا لإجراء بحوث حول السكان الأصليين في هذه "البقعة من الأرض" لغايات استخبارية بحتْ أو بحثية محضْ أو كسبق صحفي أو من باب التعاطف الإنساني. وقد يأتي بعض الآثاريين ويعثرون على رفات رجل أبيض أوروبي ويحارون في أمره وهويته وسبب وجوده في مقابر السكان الأصليين، وقد يصبح هذا الكشف حالة دراسية مهمة للغاية بالنسبة لمجتمع الأكاديميا الغربي أو "خبراً عاجلاً" وحديث الساعة في وسائل الإعلام الغربية أو محط اهتمام الرأي العام العالمي. وبعد إجراء فحوص DNA وجمع الأدلة المادية والظرفية للكشف عن ملابسات الوفاة لتحديد هوية المتوفي، سيتبين أن الرفات تعود إلى شخص اسمه "غودفري" نجل الجنرال جون باغوت غلوب (أبو حنيك)، المعروف باسم "فارس" الذي أحب الأردن والأردنيين وعاش بينهم ودُفن في تربتهم، وأنه كان صديقاً لناهض حتر وطارق مريود التل. عندئذ ربما يبدأ تسليط الضوء على قضية الأردنيين وتصبح قضية دولية وجزءاً من حقوق الإنسان، وربما يتم إطلاق حملة عالمية تطالب بمنحهم جزيرة في أرخبيل الإدارة الذاتية الأردني أُسوةً بشقيقه أرخبيل الإدارة الذاتية الفلسطيني.

أحمد جرادات
[email protected]




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,015,377,416
- الأوديسة السورية: أوراق ناديا خوست
- في الحالة الرثة: عندما تصبح -شتَّى- بديلاً للهوية الوطنية
- ربيع أمريكي ضد -الترمبية-: نظرية ما بعد الحقيقة
- بطل تراجيدي إغريقي: ناهض حتر
- سنتياغو الأردني: قصة موت معلن
- أحمد جرادات - كاتب وشيوعي أردني - في حوار مفتوح مع القارئات ...
- يد إلهية و سريالية الواقع الفلسطيني
- فيلم - عُمر - ... قصة حب فلسطينية يحول من اكتمالها الاحتلال ...
- فيلسوف الربيع العربي وجيفارا الثورة المضادة
- الأممية الوهابية الثانية: -الجهاد السوري-
- لبردى ضفاف كثيرة: يومان في دمشق


المزيد.....




- مراسل CNN يسأل أمريكيين بعد المناظرة: لمن ستصوتون؟.. شاهد كي ...
- فيديو معلمة سعودية تمد الكهرباء من محول في السعودية يثير تفا ...
- علييف يحدد هدف بلاده في المفاوضات حول قره باغ
- رومانيا تطلق سيارات بيك آب مميزة بسعر منافس
- بريطانيا توقع مع اليابان أول اتفاق للتجارة الحرة بعد الانفصا ...
- بومبيو: -حزب الله- لا يزال يشكل تهديدا للولايات المتحدة وحلف ...
- هل أحتاج وضع كمامة إذا كانت تفصلني عن الآخرين مسافة متر ونصف ...
- هل أحتاج وضع كمامة إذا كانت تفصلني عن الآخرين مسافة متر ونصف ...
- مناظرة ترامب وبايدن الأخيرة... من فاز بالضربة القاضية؟
- راغب علامة: أتمنى أن يرزق الله لبنان رئيسا مثل السيسي... فيد ...


المزيد.....

- السياسة والحقيقة في الفلسفة، جان بيير لالو / زهير الخويلدي
- من المركزية الأوروبية إلى علم اجتماع عربيّ / زهير الصباغ
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- عيون طالما سافرت / مبارك وساط
- العراق: الاقتراب من الهاوية؟ / جواد بشارة
- قبضة سلمية / سابينا سابسكي
- تصنيع الثورات / م ع
- معركة القرن1 واشنطن وبكين وإحياء منافسة القوى العظمى / حامد فضل الله
- مرة أخرى حول مسألة الرأسمال الوطني / جيلاني الهمامي
- تسفير / مؤيد عبد الستار


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد جرادات - في الدولة -الزومبي-: المهمة المستحيلة