أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شادي كسحو - تأملات فلسفية 15















المزيد.....

تأملات فلسفية 15


شادي كسحو

الحوار المتمدن-العدد: 6339 - 2019 / 9 / 2 - 04:18
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مكائد " الـ " التعريف
ليس ثمة ما هو أخطر على المعرفة من الـ التعريف. ما من وبال لحق بالفكر إلا وكانت الـ التعريف وراءه. الـ التعريف اكثر التعابير شيوعًا لكنها لمن لا يدري أكثرها خطرًا ومكرًا وخداعًا. قلّبوا التاريخ وانظروا كيف تم مسخ كل الكلمات بإضافة هذه اللاحقة الصغيرة والخبيثة.
تعالوا نراقب بعض الكلمات:
كنّا نقول حب للدلالة على الصيرورة والتغير، نقولها للدلالة على عالم مليء بالأخطار، عالم نصنعه بآلامنا وعواطفنا ورغبتنا الدائمة في علاقة تضعنا مع الآخر في قلب الجحيم.
أنا كيان يمشي في الشارع. لحم ودم. تصور خاص ومحدد في الزمان والمكان للتعبير عن وجودنا. قدرة متناهية وخاضعة للفناء والتلاشي. معطى غير كوني ولا متعالي وإنما مجرد حالة للتعبير عن وجود لا يلبث أن يتوارى ويتلاشى.
حقيقة كثرة غير قابلة للتوحيد تحت اسم مهما بلغ من الدقة. اختلاف لا تلم شعثه أي كلمة. انزلاق بلا إمكانية توقف.
ما الذي جرى؟ أُضيفت الـ التعريف فبدأ استنزاف معاني الكلمات. نتيجة تفاهة الإنسان أمام توترات الحياة وتناقضاتها تم لأول مرة تسييج الكلمات بهذه ال الـ اللعينة. وهي رغبة تنم عن خوف جذري يعيش داخل الإنسان ويجعله يفضّل القار والثابت على السيّال والمتحرك.
ما هي الـ التعريف غير رغبتنا في مسخ التمايزات بين الكلمات وتنصيب الكلمة المتناهية البسيطة كـ إله فوق جميع الكلمات الأخرى. هكذا عمل الذهن البشري الكسول والخامل على نزع الطابع التشنجي والصدفوي والطفروي والاستسلام لكلمات معرفة يتم عبرها إتلاف التعدد وسحق الاحتمالات وتبديد المدخرات التي تنطوي عليها الكلمات.
ما هي الـ أنا؟
الـ حياة؟
الـ حقيقة؟
الـ حرية؟
الـ إنسان؟
الـ إله؟
الـ دين؟
الـ حب؟
سوى كائنات متعالية يتم وضعها فوق الزمان والمكان بما يشبه اكرليوس لغوي. حتى الله الذي كان جميلًا وادعًا مسالمًا عندما كان ايل، ما أن تم تعريفه حتى تحول إلى قدرة أو طاقة عمياء على الغضب والمحق والتعذيب.
إن المرء ليتساءل حقًا، متى سيتوقف هذا الحيوان الذي ندعوه إنسانًا عن إخماد نيران الوجود بإضافة الآلهة وصيرورات التعالي والتقديس حتى داخل الكلمات نفسها؟ سأقول لكم ما أريد قوله دفعةً واحدة:
كل الكلمات المشفوعة بـ الـ التعريف لا جنس لها ولا عمر ولا لحظة ميلاد، إنها تولد بالغة وقوية دفعة واحدة مثل الله نفسه، وهذه ما يجعلها تقتلنا وتستبيح وجودنا بعلمنا أو دون أن نعلم.

تاريخ العالم
تاريخ العالم هو تاريخ غرباء.غرباء نالوا بخطواتهم من هيبة الأرض فصار عجيج خطواتهم خالق الفضاء ذاته. تبديد المكان، المشي، التسكع، هذه الشبكة من الإقامات اللا مستقرة هي الهوية الحقيقية للمدن.
ثمة مكانية جديدة تلوح في أفق العالم الجديد. مكانية بلا موطن. مكانية مجازية قائمة على السير والمشي والحركة بلا توقف. ينجز الغريب تاريخ العالم بسرية مطلقة. ينجزه عبر فتح منعرجات ومنعطفات في طرق لطالما كانت ذات اتجاه واحد.

من أجل فكر هدّام
لا شيء يثير الدهشة أكثر من بناء يتهاوى.
هكذا يبدو الهدم كما لو أنه رغبتنا الخالصة في سلب التعيين نفسه، أو كما لو أنه رغبتنا الأخيرة في تحرير العالم من أشكال ظهوره الدائمة. لكن الهدم هنا ليس مجرد نفي من أجل النفي، بل يعني الطريقة التي يعاد من خلالها بثّ التدفقات والصيرورات في الوجود نفسه. يمكن القول: إن الهدم هو رغبة في الانتعاش والإزاحة والخلخلة والتنفس. إن الهدم لا يحطم ما هو موجود حبًا في الفراغ، وإنما حبًا في نفي أو تقطيع أوصال الديمومة. في انتزاع الأوشحة الأبدية حتى عن المكان نفسه. الحق أقول لكم: إنها لغواية باذخة أن تشاهد بناءً يتهاوى كما لو أنك في عرض مقلوب لإطلاق صاروخ.

جلجامش والاكتفاء الانطولوجي
كان على جلجامش أن يختار أحد المصيرين: إما الخلود المطلق على شاكلة الآلهة، وإما الخلود النسبي عبر إعمار المدينة. بعد رحلة شاقّة ومتعبة ستلتهم الأفعى حلم جلجامش، وسيتم القبول بالتناهي الإنساني على حساب سرمدية باردة لا تليق إلا بالآلهة. المدهش في هذه الملحمة، هو أن اختيار جلجامش للمصير الثاني سيكون بمثابة أول إعلان تاريخي صريح بالاكتفاء الانطولوجي للإنسان، وبالرغبة الطوعيّة بعالم إنساني خالص لا تحكمه دساتير الآلهة. جلجامش كان واضحًا جدًا: في عالم قبلنا فيه بالموت والتناهي ثمنًا، فإنه لم يعد أمامنا إلا إعمار الإنسانية وتشييد الوجود وتأثيث الكينونة على حسابنا الخاص.

الانتحار كـ كلمة أخيرة
في كثير من الأحيان لا يكون الانتحار احتجاجًا على الحياة، بل احتجاجًا على اللغة؛ احتجاجًا على عدم قدرة الكلمات على تسمية ما نريد قوله والتعبير عنه. يخيّل لي أحيانًا أن إيجاد كلمة مركّزة للتعبير عن فكرة ما هو أصعب من إيجاد حل لمشكلة ثورية. على هذا المنوال أفهم انتحار كبار الكتّاب والأدباء والمبدعين؛ أفهم كيف يستطيع إنسان مرهف الإحساس أن يجعل من الانتحار كلمته الأخيرة.


حياة النص وموته
كل نص يستحق هذا اللقب يأتي محملًا بحقيقته ووهمه في ذات الوقت. يصح هذا على قولي وقول أفلاطون وقول الله أيضًا.

عار النهار
في الليل تهرب الأشياء من الوجود و تلتئم الموجودات التي التي كانت الشمس قد فرقتها.
في الليل نشعر بعبث الفعل وعطالة الكون ولا جدوی العالم. في الليل نكتشف أنه ثمة أخطاء عميقة في الوضوح. لماذا نقول المجد للشمس؟ لماذا لا نقول: النهار عار لا بد منه.

ثلاثة أشكال للعدم
المتأخر: أن نعيش بعد فوات الأوان لا يعفينا من مطاردة الحياة إنه يدعونا للعودة إلی الزمن حيث على الأقل نؤجل موتنا للحظة. أن نتحمل الحياة مع أننا دائما نأتي في الوقت غير المناسب. العدم من جديد. الوصول المتأخر. تزيين الغروب. التأكيد المنفي.
الغريب: ذاك الذي لم يعد يدخل إلى أي مكان. يكتفي بالمكوث عند حافة الشمس. يحتضر ويجهل أنه يحتضر، هو مجرد موت نسي أن يموت.
الأخير: ذاك الذي يأتي من قعر العصور دون أن يكون مع أنه كان. دون أن يقول مع أنه قال. دون أي علاقة سوى مع الموت. سوى مع اللا معنى كأفق. مع اللا معنى كعودة أو نقطة انطلاق.
الجديد: لا معنى لشيء يشبه جميع الأشياء.

بدّ الكتابة
هدف كل كتابة بلبلة الزمن. استفزازه أو الهمس له كي يتوقف عن الدوران و افتعال الضجيج.
لا نقول شيئا البتة، إذا تابع الزمن مجراه المهين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,524,109,207
- تأملات فلسفية 14
- تأملات فلسفية 12: اعترافات
- تأملات فلسفية 13
- تأملات فلسفية 12
- تأملات فلسفية - 11 -
- تأملات فلسفية - 10 -
- تأملات فلسفية - 9 -
- تأملات فلسفية - 8 -
- تأملات فلسفية - 7 -
- تأملات فلسفية - 6 -
- تأملات فلسفية - 5 -
- تأملات فلسفية - 4 -
- تأملات فلسفية -3-
- تأملات فلسفية -2-
- بحثاً عن ديونيسيوس
- سطوح ونواتىء: الصحافة العربية مراسم مرعبة وكليشيهات فارغة
- جينالوجيا الحقيقة الدينية
- تأملات فلسفية -1-
- ضد الذات أو في مديح المواطنة
- لعنة الإصلاح


المزيد.....




- مقتل 40 مدنيًا على الأقل في هجوم على زفاف بأفغانستان وسقوط 2 ...
- ترامب: لا آخذ الأخبار عن عزلي من الرئاسة على محمل الجدّ أبدا ...
- القضاء التونسي يرفض كل الطعون في نتائج الانتخابات الرئاسية
- إدارة فندق تونسي احتجزت سياحاً بريطانيين لوقت محدد خوفاً من ...
- ترامب: لا آخذ الأخبار عن عزلي من الرئاسة على محمل الجدّ أبدا ...
- القضاء التونسي يرفض كل الطعون في نتائج الانتخابات الرئاسية
- إدارة فندق تونسي احتجزت سياحاً بريطانيين لوقت محدد خوفاً من ...
- هل مشكلة السيسي مع الجزيرة أم الشعب المصري؟
- قمة المناخ.. دعوة أممية لدعم -الصندوق الأخضر- ووعود مالية تج ...
- مشاركة عزاء للأستاذة الصحفية هديل غبون بوفاة والدها


المزيد.....

- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شادي كسحو - تأملات فلسفية 15