أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شادي كسحو - تأملات فلسفية -2-















المزيد.....

تأملات فلسفية -2-


شادي كسحو

الحوار المتمدن-العدد: 6039 - 2018 / 10 / 30 - 07:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



تأملات فلسفية
-2-


1- المدينة بين الهامش والمركز:
حقيقة مدينة ما، ليست في ما تعلنه وإنما فيما تخفيه. أي ليست في مركزها وإنما في أحيائها الهامشية.
المركز هو "وهم المدينة" أو شاشتها الضخمة التي تعمل علی امتصاص الأطراف وطمس الهوامش وتذويب التفردات. من هنا كان مركز المدينة مخصصاً للدخلاء والغرباء. ما يعجبني في الهامش أنه يمثل عقوقاً متعمداً بالمركز وتنصلاً وتملصاً منه. ربما كان المركز يحوي تاريخ المدينة بالفعل، أو ربما كان "سرتها المقدسة" أو أصلها وفصلها، لكن شوارع المدينة الخلفية تغص بتواريخ لأبطال مجهولين يعمل المركز طوال الوقت على إقصائهم والقذف بهم بعيداً.
كتب الكاتب الفرنسي لوكليزيو خلاله زيارته للمكسيك: عندما زرت مكسيكو سيتي تفاجأت من حجم التناقض بين ما أعرفه في مخيلتي عن المكسيك وبين المكسيك الفعلية. لكن الأمر بدأ بالتلاشي كلما ابتعدت عن مركز المدينة. يسترسل قائلاً: كلما ابتعدت عن العاصمة كلما اقتربت من المكسيك الفعلية ويسجل في نهاية دراسته نصاً في غاية الجمال يقول: في مكسيكو سيتي ما يفصل بين الناس هو الصخور والشوارع والكتل الصماء أما في المكسيك الحقيقية قإن ما يفصل بين الناس هو الأشجار والرموز وتماثيل الآلهة.
يمكن لهذا النص أن يكون دليلاً واضحاً عن أن المركز - وأنا أقصد المركز في كليته - يعمل طوال الوقت كماكينة لإنتاج النسخ والنظائر التي تشبهه وتعممه وتنسخه. أما الهامش/الطرف/اللا مركز. فهو دائماً خيانة وابتعاد وانزلاق ولا تشابه. إنه بكلمة واحدة: اختلاف وتعدد.
ديزني لاند ليست أمريكا. وجادة شانزليزيه ليست فرنسا، و شارع الاستقلال ليس اسطنبول. المدينة هي تلك الفلوات والهوامل والهوامش التي تتلاشی بعيداً عن المركز، الهوامش التي تنمو بلا تفكير بالمركز وتقتات علی قدرتها الدائمة علی الإفلات والتنصل من كل قرابة تجمعها به. إنها مدينة المهمشين، مدينة ما بعد الحداثة أو "المدينة المسرح" حيث لكل ذات منصتها وخشبتها، التي تسمح لها بممارسة السحر ولعب الأدوار. إنه تصور جديد وعمارة معاصرة وخرائط جديدة للوجود والتواجد في العالم، لا يعود فيها المعنی تشابهاً أو تقرباً أو اعترافاً أو تزلفاً للمركز، بل خروجاً عن طاعته و إلحاداً به أيضاً.
المركز كوثن/كلوغس/ كعقدة/كشاشة/كسرّة مقدسة. ولی إلی غير رجعة وأصبحت طاقته الدلالية انثروبولوجية وتاريخية محضة. أما المعنی، معنى أي مدينة، فهناك. بعيداً في الأقاصي. هناك حيث المدينة هي تلك الشساعات البذيئة والسائبة لـ انفتاحات وانفراطات لا تتوقف. هناك حيث خط أولاد الشوارع الخلفية أولی أغنياتهم.
2- الأنا الدونجواني:
شانه شأن سوبرمان نيتشه، فإن الدون جوان/العاشق الحقيقي يقول (نعم) كبيرة للمرأة، لكل امرأة، لا يقول نعم للشقراء أو السمراء، بل نعم للحرية ولا للكبت، إنه لا يمتلك إمكان ألا يرغب في الحب. يجب عنذئذ قول نعم لكل تجربة حب جديدة. يعلن الدون جوان انتماءه إلى القيم الديونيزية: الحياة، الحب، الجنس، اللعب، اللذة، الفرح، الضحك، الرقص، الغناء، الخمر، فضلًا عن ذلك، الشراسة، الهيجان، والتوحش الملازم للحياة. إنه لمن الغباء أن نسير على خطى الشبعين والقنوعين، فنحن نشمئز من القديم ونتطاول برؤوسنا نحو الجديد على نحو بدهي ودائم.
دعوني أقول: ثمة شاطىء بعيد يجذبنا نحوه دائماً. يسعى الدون جوان إلى اللا ارتواء، إنه يرغب في هذا القانون ويحبه. إن الدون جوان من وجهة نظري، هو عاشق ملعون ذو غواية فريدة. إنه بناء إيروسي للعالم وصياغة استطيقية للحاضر وارتفاع باللحظة المعيشة إلى مستوى الكينونة الكائنة ذاتياً، حيث يُصار إلى اقتناص الأبدية برمشة عين أو برعشة جسد. سيأتي الدون جوان ليلاً ليمنحك لحظات لا تنسى ثم يختفي، قد يكون امتلك آلاف النساء في السابق، لكن ذلك يجعله أكثر إثارة. فمن الأفضل أن تكوني مهجورة من قبل رجل كهذا على أن تكوني غير مرغوبة على الإطلاق. يفلت الدون جواني دائما من قبضة الرقيب. فهو يتحرك دائمًا خارج آلة التحليل النفسي للمجتمع السوي. إن الدون جواني لا يعيش الإيروس كـ عقدة، وإنما كـ نمط وجود وطريقة في اختراق وانتهاك العالم، هنا تتهافت أو تسقط (ميكانيزمات) التحليل النفسي الكلاسيكية أمام شخص مهووس باللذة ومشدود إلى المتعة.
كل امرأة بالنسبة إلى دون جوان هي هدير تجربة جديدة، وهسهسة رغبة مختلفة. لايتعلق الأمر بشذوذ جنسي، ولا باحتمال استهلاكي لجسد المرأة، ولا بتملك مرضي أو صحي. كل ما هنالك رغبة لا تنقطع باللعب والاستمتاع والانفلات من أجهزة القمع والكبت التاريخية.
3- في مديح الكسل
على النقيض من الحركة المزمنة التي يمضي فيها الوجود مع الزمن جنباً إلى جنب فإن الرتابة والكسل تفصلان الزمن عن الوجود وتجعلانه إزاءنا خارجياً. يمكن القول بكلمات أخرى، في الكسل ينسلخ الزمن عن الوجود. إن ما نسميه حركة ليس سوى التئامنا الكامل بالزمن. وحده الكسل ما يفصلنا عنه ويطردنا خارجاً. نعم الكسل، أو تلك الشجاعة السلبية المشحونة بانهيار القوى وإنهاك الأجساد. إننا أمام تجربة انطولوجية فريدة حقاً. تجربة تحفظنا من التضخم الذي يقع في شراكه الكثيرون بسبب الإفراط في الحركة والنشاط. لقد حان وقت القيلولة. لقد حان وقت العناية بـ فراغ الفراغ.
أيها السادة:
السكون إلهي وعلى الرغم من ذلك فإن الانسان لم يتمرد إلا عليه. أن نرفع الكسل والسكون إلى مرتبة الرؤيا. أن يصبح الكسل - هذه الكلمة المشحونة بكل ما هو سلبي- شكلاً أصيلاً لرؤية العالم وانبعاث الكتابة واندلاع الوجود. إذا كان المسكين نيتشه يصرخ دائما كونوا بقراً، فأنا سأصرخ كونوا غوريلا: اقضوا الساعات تلو الساعات دون أن تفعلوا شيئاً على الإطلاق. ستقولون باستعجال: ياله من درس غريب هذا الذي يكتبه شادي. سأجيبكم على الفور: الكسل أو تلك البطالة المزمنة.. أن نستقبل همس الخارج قبل مجيء وحضور الضجيج الملازم لكل حركة. أن نستدرج الوجود إلى حيث نكون. أن نتمعن في العالم تحت طائلة السكون والعطالة الفائقة. أن نستريح مع الوجود خارج الوجود ذاته.
4- كلمات الفلاسفة:
كلمات الفلاسفة الكبار هي كلمات مشحونة برغبات وأصوات من المتعذر بلوغها ومعرفتها كلها. هكذا تصبح عملية الكتابة عن فيلسوف عملاً شبيهاً بمطاردة أشباح في قصر فخم. فهناك دائماً تفاوت بين ما قيل، لكنه لم يقل تماماً. وبين ما فهم، لكنه لم يفهم تماماً، وبين ما تم إدراكه، لكنه لم يدرك تماماً، هناك حيث تتضاعف مهمة القراءة لتغدو ضرباً من العثور على النوتة. على النغمة الأساسية. على الحدس الأصلي الذي تولدت وتناسلت من رحمه كل الحدوس والكلمات الأخرى. لأقولها بلا مواربة: ثمة كتاب يجيدون السباحة لأنهم تتلمذوا وتكونوا على شاكلة البحر الذي ولدوا فيه. وثمة من هم على سبيل الكتابة حتى لو عرفوا السباحة لا سيما أنهم تتلمذوا و تخرجوا من مسابح مغلقة. ينتمي الفيلسوف إلا نموذج الشق الأول بلا ريب. إنه يفضل الوجودات المجهولة لقاع البحر على اللمعان الزائف لسيراميك المسابح المغلقة. هكذا كانت وما زالت الفلسفة عبر كل تاريخها بمثابة صدع. إبحار صعب ومعقد بين السلب والوجود واليوتوبيا. ذات لا مشروطة. كتابة مكثفة. انحيازاً لصالح حقيقة لا نهائية. بثاً للحلم واليوتوبيا في تجاويف الكلمات وسراديب المفاهيم.
5- غواية اللعب
إن حركة اللاعب في أي لعبة هي حركة كينونة غير مرئية، فجوهر اللعبة هدفية ملغزة غير قابلة للتعيين والتحديد، وحيث الهدف يبقى مؤجلاً إلى مالا نهاية. ومع أن نهاية اللعبة إنما يمكن إيجازها - على سبيل التبسيط - برابحٍ أو خاسر؛ إلا أنها تخفي دوماً أكثر مما تُظهر، ولا تفضي أبداً إلى نقطة وصول. فغواية اللعبة إنما تنبني على حركة اللعب الذي لا يستقر عند هدف واحد، بقدر ما ينطوي على هدف متوارٍ منسحب، والإنسان إنما ينجذب إلى اللعبة، فلأن اللعبة في الأساس، إنما هي حركة نحو مالا يمكن توقعه والتكهن به. وبهذا تظل اللعبة مغامرة غير قارة، حتى لو انتهت إلى هذا اللاعب أو ذاك.
6- انطولوجيا السؤال:
كل سؤال – لنتكلم ببساطة شديدة – مشدود ومربوط إلى لحظتين أبدا. هناك من جهة أولى ذات تسأل، وهناك من جهة أخرى وجود ينكشف للمساءلة. في الجهة الأولى على الذات أن تعرف لماذا تسأل؟. وماذا تسأل؟. وكيف تسأل. لا أحد غير الذات ذاتها يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال، فالذات السائلة مدعوة لاكتشاف أسئلتها بمعزل عن الوجود الذي سينكشف للسؤال في حركة الفكر الثانية. إن دهشة الذات السائلة هي أمارة على التحرر الأصلي للسؤال من كل إكراه، فالسؤال هو سؤالي أنا ولا يمكن لأحد أن ينوب فيه منابي، أو يطرحه عوضاً عني.
على الجهة المقابلة، فأنا عندما أطرح سؤالاً يعني أنني أريد أن أسأل على نحو يجعل سؤالي سؤالاً كلياً. سؤالاً ينبعث من قلب وجودي الجزئي ليرتقي إلى مقام الوجود الكلي. من صميم سؤالي ذاته إذن، يبدأ انفتاحي على الوجود. أن أقبض على كمية معينة من الوجود ذاك هو الهدف البدئي والأصلي من كل سؤال. هكذا يكشف السؤال عن حركة الوجود برمتها. إنه يكشف بالتحديد عن الزماني والأبدي القابعين في كل سؤال. الزماني بما هو تناهي ومحدودية سؤالي، والأبدي بما هو انكشاف الوجود أمام السؤال بلا حد ولا توقف.
7- العقل العقلاني:
احذروا كل كلام عن العقل. لا شيء أكثر خطورة من القدرة علی الإمساك بالعالم مرة واحدة إلی الأبد.
ولا شيء أكثر عظمة من الفكرة التي تدمر نفسها قبل أن تدمر النظام الذي أنتجها. الفكرة قابلية علی الإفلات والتنصل ومتى خسرت هذه السمة فأبشروا بالمشانق وأقبية التعذيب.



#شادي_كسحو (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بحثاً عن ديونيسيوس
- سطوح ونواتىء: الصحافة العربية مراسم مرعبة وكليشيهات فارغة
- جينالوجيا الحقيقة الدينية
- تأملات فلسفية -1-
- ضد الذات أو في مديح المواطنة
- لعنة الإصلاح
- مثالب الفلاسفة
- هذيان متماسك (شذرات)
- في اللامكان قراءة في شخصية السندباد
- عذراء الكلمات تأملات في الشذرة والكتابة الشذرية


المزيد.....




- هنغاريا تحذر الاتحاد الأوروبي من عواقب حظر المنتجات النفطية ...
- الجيش الأميركي يسقط المنطاد الصيني
- المدفعية الروسية الثقيلة تدك الجبهات والجيش الأوكراني يصد هج ...
- وفاة رئيس الوزراء المصري السابق شريف إسماعيل
- جاويش أوغلو: هذا ما ينبغي على السويد فعله لنوافق على انضمامه ...
- حريق هائل في ولاية أوهايو إثر خروج قطار عن مساره
- -ديلي ميل-: غيتس يصف طموح ماسك بالسفر إلى المريخ بأنه -هدر ل ...
- إسرائيل تعلن اعتراض -طائرة صغيرة- في اجواء غزة
- شاهد: تبادل لأسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا برعاية إماراتية ...
- شاهد: الاحتفال بمرور 150 عاماً على انطلاق كرنفال فياريجيو في ...


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شادي كسحو - تأملات فلسفية -2-