أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد كريم الساعدي - الذاكرة الجمعية والتقدم الحضاري















المزيد.....

الذاكرة الجمعية والتقدم الحضاري


محمد كريم الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 6332 - 2019 / 8 / 26 - 01:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يرى أرسطو في علاقة الذاكرة بوصفها مفهوم يعمل على حفظ الصور واستدعائها ، إذ قدم في مؤلفه (De memoria et reminiscentia) ، على ان الذاكرة تعمل على جعل الصور مرئية ومحسوسة وحاضرة في اغلب الأحيان ، على الرغم من أنها لم تجسد فعلياً في الحاضر ، لكنها تدخل في تدعيم الأحداث الحاضرة ، والتي تتطلب معنى يدعم حقيقتها ، أو يدلك على شيء معين يراد تأكيده أو نفيه ، إذا استدعينا ما يعارضه وينفه ، لذلك فأن أرسطو يرى في هذا الخصوص بأن كل شيء يسير وفق التداعيات فكل ذكرى تستدعى الآخر ، وصورة شيء تجذب اليها صورة أخرى ، عندما تقوم بين الطرفين علاقة تشابه وتعارض أو تجاوز, المواقف التي يراد تجاوزها ، وهنا نؤكد في كتابنا على مفهوم التشابه واستدعاء الصور من الذاكرة ، إذا تم التشابه يكون على أساس تحفيز ما في الذاكرة من صور تجذب اليها صور أخرى تؤكد هذا الموضوع أو ذاك ، لذلك فأن جزء مهم من التحفيز هو ما يتم تأكيده من أحداث مؤيده للأفكار والطروحات العامة ، التي تنسحب الى تثبيت الأشياء في الذاكرة الجمعية وتأكيدها من خلال التاريخ المكتوب أو المروي عن أحداث الماضي ، والمسيرة في اتجاه معين من قبل القائمين على رسم ملامح مرحلة من المراحل ، ما أكثر ما تحفل به الذاكرة الجماعية للشعوب من صور عن لحظات مهم في تاريخها ، ولكن الفرق بين شعب وشعب ، بعضها مازال يتغنى بهذا الماضي وصوره المدونة في التاريخ والمحفوظة في الذاكرة ، لكنه لم يحاول استيعابها في التقدم نحو مستقبل أفضل وبناء دولة قائمة على رسم سياسات واضحة داخلياً لشعوبها وخارجياً في رسم ملامح سياستها الخارجية مع الدول الأخرى، بل فقط استلهموا من الماضي وصوره وما حفظته ذاكرتهم من الأشياء السلبية التي تكرس الديكتاتوريات والأنظمة القمعية ، بينما الآخر الغربي وظف تاريخه جيداً وصور هذا التاريخ في رسم ملامح المستقبل لنا نحن أبناء الشرق والشرق الأوسط وديانته الإسلامية ، ووضع لنا الا فخاخ والثغرات في تاريخنا وصوّر لنا في ذاكرة أبناءه ما هو غير سليم على وفق نظام مشوه وملامح غير قابلة للتعديل دعمهما بصور مختلفة عن ماضينا وحاضرنا ويّحظر لاستخدامها في المستقبل ، ونحن نقول دائماً انظروا الغرب على حق والغرب هو من يتقدم وهو من يستغل الإمكانيات ويطورها وهو من يمدنا بمختلف أنواع التقنيات والأسلحة التي نتقاتل بها فيما بيننا ، وهو من يؤيد طرف على طرف آخر في امتنا ، مما جعلنا نقع في دائرة التاريخ الذي يحمل صور انغلاقه على نفسه دون تقدم في ذلك ، من خلال توظيف التجارب السابقة في الحاضر والمستقبل .
في كلا الجانبين يبقى من يستثمر الفرص والتخطيط المستقبلي هو من يأخذ قصب السبق في مجال التقدم الحضاري والإنساني ، لكن يبقى ان لا نلغي الآخر في هذا السباق الحضاري ، بل يجب ان نتكامل في بناء المشروع الإنساني ، لكن عملية التكامل مرهونة بمدى استعداد المركز في تقبل الهامش ، أو استقبال الآخر على أساس انه شريك في البناء الإنساني ، ولا يجعل عملية الخلاف من اجل قيادة الركب العالمي تتطلب وجود أمم متنافسة تعمل على استغلال الآخر ، وهنا بدا آليات الاستفادة من البنى التاريخية والأحداث الماضية في التعبير عن ما يراد ان يرسم في المستقبل لخارطة الحضارة العالمية ، لذلك فأن للصور في الذاكرة الجمعية وتوجيه الجموع نحو هدف معين من الاستغلال الثقافي للآخر ، كان لابد من ان تكون ذاكرة الجموع قابلة لتأكيد الأحداث الماضية واستخدامها في الحاضر والمستقبل لتأكيد التفوق والتقدم نحو الأمام ، حتى وان كلفت هذه العملية والياتها تأسيس المؤسسات وبناء الأفكار وتكوين نظام عالمي ظاهره حسن وقائم على التطور والتقنيات ، ولكن باطنه قائم على أفكار ترسخ قدم التفوق لجهة على حساب الأخرى، ولهذا التفوق استمرارية في تأكيد ان الآخر وخصوصاً الأكثر منافسة في السابق سيبتعد عن دائرة الحضارة والإنسانية ، كما يحصل الآن مع الشعوب العربية . التي يراها المجتمع الغربي بأنها غير متحضرة وغير قابلة على الاندماج حتى لو أرادت التعديل من واقعها في دائرة الحضارة الإنسانية.
إذن ، فأن أهمية دور الصور الذاكرية في ذهنية الشعوب الغربية على وقائع لها أهمية في تشكيل الوعي لديها ، وتحولها فيما بعد في اللاوعي واللاشعور الجمعي ، وهنا يشير (كارل غ. يونغ) في كتابه (الإنسان ورموزه ،وسيكولوجيا العقل الباطن) الى الوقائع ودورها في رسم القادم الذي يدخل فيه اللاشعور في توجيه أفكارنا اللاحقة وهو ما ينطبق على ظاهرة استخدام الصور في تحفيز الذاكرة الجمعية ودورها في الحاضر والمستقبل بقوله: ثمة بعض الوقائع التي لا نلاحظها بعقلنا الواعي ، أي بعبارات أخرى تظل دون عتبة الوعي . أنها تحدث ، لكننا نتمثلها على نحو لاشعوري ، أي بغير عقلنا الواعي ، ويمكننا ان نصبح واعين لأحداث كهذه لحظة الحدث فقط أو من خلال عملية التفكير العميق الذي يؤدي الى أدراك لاحق بأنها لابد وان تكون قد حدثت ، وعلى الرغم من أننا قد نتجاهل بالأصل الأهمية العاطفية والحيوية الا أنها تنبثق من اللاشعور كنوع من الأفكار اللاحقة التي تسهم في صياغة المواقف اللاحقة ، وهذا ما أريد ان تكون عليه الذاكرة الجماعية للشعوب الغربية في تحفيز ما يراد تحفيزه من صور في مواقف معينة ضد حضارة الآخر وثقافته ، وحتى ما يتعلق بمعتقداته وعاداته وتقاليده وغيرها ممن تشكل البوتقة الحضارية التي تقوم عليها منظومته الفكرية والمعرفية ، من اجل حرفها في عقول وأذهان أبناء المؤسسة الغربية ، ومن هنا تأتي حقيقة رسم الحضور الميتافيزيقي وتأكيده بمجموعة من الثنائيات بين (الانا الغربية ) وبين (الآخر) سواء أكان شرقي ،أو أفريقي ،أو أمريكي لاتيني وغيرها ، وعندما يذكر احد هؤلاء الآخرين المغايرين ثقافياً ، تأتي هذه الثنائيات المحفورة في اللاوعي الجمعي واللاشعور حتى تنتقل الى الإدراك المشترك بأن هذه الثنائيات هي عين الحقيقة وحدثت بالفعل في مسيرة التاريخ الذي يؤكدها ، والتي تنبثق من اللاشعور الى الشعور في تأكيد المواقف والأفكار القادمة ضد المغاير للذاكرة المشتركة وصورها الموظفة بطريقة تخدم الأهداف العليا في الحضور الميتافيزيقي للعقل الغربي .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,750,895
- المسرح في ميسان ودور العامل الديني في نشأته
- التعليم والموروث الحضاري ودورهما في المسرح في ميسان
- القراءة التاريخانية والقصدية الثقافية
- في مفهوم الذاكرة والوعي الثقافي
- الاشتغال الثقافي للصورة (حضورية الخطاب المهيمن)
- الإرهاب والاستبعاد الثقافي وصور المقدس
- تكوين أنطولوجيا الخطاب في العرض المسرحي
- الثقافة والذاكرة
- اللاتوقع الحركي الثابت والمتحرك في فلسفة الفهم والادراك المع ...
- تفاعلية تلقي الخطاب
- أفكار في نقد سلامة الوطن
- فلسفة جيل دولوز وملامح الفهم الغيري
- الميل الى الفن
- فن الأداء وإعادة انتاج الهوية الثقافية
- عوالم أخرى
- دارون في لباسه العربي
- في داخلنا من نحن؟
- الخطاب البصري لدى الصم والبكم .
- المسرح و الاتصال البصري
- التلقي البصري عند الصم والبكم .


المزيد.....




- انتخابات الرئاسة التونسية: مؤشرات على الاتجاه نحو جولة إعادة ...
- من السالمونيلا إلى الليستيريا.. كم يستغرق ظهور أعراض التسمم ...
- السراج متفائل بالنصر في طرابلس والمعارك متواصلة
- من بينهم فيثاغورس وكريستوفر كولومبوس.. عباقرة خلدهم التاريخ ...
- اليمن.. مقتل جنديين وجرح ضابط في تفجير وهجوم بمحافظتي شبوة و ...
- خط غاز جديد من روسيا إلى الصين محفوف بعثرات
- ترامب يكذب بومبيو مشيرا إلى شروط للقائه بالإيرانيين
- مطار معيتيقة الليبي يتعرض لقصف جوي عنيف
- دراسة تكشف فوائد للشاي لم تسمع عنها من قبل
- السودان.. إحالة قيادات في الجيش إلى التقاعد


المزيد.....

- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد كريم الساعدي - الذاكرة الجمعية والتقدم الحضاري