أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - بالأفعال وليس بالأقوال















المزيد.....


بالأفعال وليس بالأقوال


محمد برازي
(Mohamed Brazi )


الحوار المتمدن-العدد: 6289 - 2019 / 7 / 13 - 03:47
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لا تقلق لعدم سماع أولادك لكلامك، لكن أقلق عندما يراقبك أولادك دائما. روبرت فولكوم
يعرف معظمنا ما هو صالح وما هو طالح للأولاد. إلا أنه، وللأسف، هناك فجوة كبيرة بين معرفتنا للشيء الصحيح الذي نريده لأولادنا، وبين قدرتنا على أن نضمن حصولهم على السلوك السليم. ومن الواضح أن هذه الفجوة ما تزال قائمة في العديد من البيوت.

وعندما يرمي الأطفال والمراهقون أنفسهم للانغماس في الثقافة الفادحة للحركة الغوثية Goth culture، وفي العصابات، والعلاقات الجنسية، أو المخدرات، فهم ليسوا متعاميين عن جميع المخاطر المترتبة عن كل ذلك. وغالبا ما يناشدهم آباءهم ومعلميهم بكثير من الجهد، ويقدمون لهم العديد من النصائح من اجل مستقبلهم وصحتهم، وقدرتهم على المساهمة في بناء المجتمع بطريقة إيجابية. إلا أن الأولاد ليسوا بأغبياء. فالذي يلمسونه هو أنّ اهتمام آبائهم الرئيسي مُنصبّ على علاماتهم في الامتحانات وليس عليهم هم شخصيا كأولاد، ولهذا تراهم يتمردون عليهم.

وتقول حكمة قديمة، إنّ القلق لدى المراهقين هو «مجرد مرحلة.» ونحن نعلم بأن المراهقين يغضبون دائما من السلطة الأبوية، ولن تتغير هذه الظاهرة فهي مسألة طبيعية ومفهومة. أما لو أصبح التمرد أسلوبا من أساليب الحياة، فلا يجوز إهمال
الموضوع والتغاضي عنه. فنحتاج إلى نظرة أعمق. فما الذي يتمرد عليه المراهقون بشدة اليوم، ولماذا؟

إنّ الجواب في نظري بسيط: إنه رياء الوالدين. واعترف بأن هذه الكلمات قوية؛ ويمكن أن يكون فيها شيء من القسوة في الإشارة إلى أن هناك من الآباء من يقوم بوعي تام بتنشئة أولادهم على خُلُق معين، في حين تصرفاتهم كوالدين معاكسة. والحقيقة المُرّة هي أن هذه الأمور تحصل فعلا – وتحصل بطرق متعددة. وانظر مثلا إلى العذاب الذي يفيض من قلب إحدى طالبات الثانوية التي اضطرّت، وبعد حادثة «مجزرة مدرسية» قرب جامعة تكساس، إلى تأويل ما اعتقدت السبب الكامن وراء زيغان الأمور بحيث صارت الأحوال «سيئة للغاية» فتقول:

دعني أخبرك بهذا: إنّ هذه المسائل لا تمثلني أنا فحسب وإنما تمثل جيلا كاملا يصارع في سبيل إدراك سنّ الرشد وإيجاد معنى لهذا العالم.
فلماذا يكذب أغلبكم عندما تقدِّمون عهدكم بالزواج وتقولون سنبقى أوفياء «حتى يفرقنا الموت»؟
ولماذا تخدعون أنفسكم بالاعتقاد بأن الطلاق هو بالتأكيد أفضل للأولاد على المدى البعيد؟
ولماذا تسمحون لنا بمشاهدة أفلام العنف، وتتوقعون منا المحافظة على نوع من البراءة الطفولية؟
ولماذا تسمحون لنا بقضاء وقت غير محدود على الإنترنت، ومن ثم تصطدمون بمعرفتنا عن كيفية صنع قنبلة؟
ولماذا تخافون كثيرا من أن تقولوا لنا «لا» أحيانا؟
واطلقوا علينا ما شئتم من الألقاب، ولكنكم سوف تصابون بالدهشة من فشلنا في التطابق مع الطراز المُهندم الصغير الذي تتوقعونه. . . . لقد حان الآن وقت حصاد ما قمتم بزراعته.
مهما كان في بعض هذه الأسئلة من اتهامات، لكنني اعتقد أن كل سؤال منها صحيح وجوهري لكي يأخذه جميع الآباء بعين الاعتبار. وإنّ العديد من القضايا التي يثيرها الأولاد يصعب الإجابة عليها بمجرد كلمات قليلة، لكن جميعها يرتبط بقضية مركزية واحدة وهي: النظرة المنتشرة بين الشباب إلى أن الكبار مزيفون.

ويظهر رياء الوالدين بوضوح في فترة مبكرة من التربية، لكنه يظهر على الأغلب بشكل دلس وغير ملحوظ. ففي بعض الأحيان، يكون سبب الحيرة التي تنتاب الطفل هو سماع الطفل توجيه معين في المدرسة وتوجيه مختلف في البيت؛ أو توجيه معين من أحد الوالدين وتوجيه مختلف من الوالد الآخر؛ أو مجموعة من الإرشادات في احد دروس المدرسة، ومجموعة أخرى تختلف اختلافا كليّا في الدرس الآخر. وفي حالات أخرى، تنشأ الحيرة بسبب النصائح المتقلبة: فعندما يتعلم الطفل عبرة معينة أو نظام معين، يرى والديه يخالفونها، أو يضيفون استثناءات عليها، أو يجدون تبريرات لعدم تطبيقها. وغالبا لا تضرّ هذه الأشياء بدرجة كبيرة.

إلَّا أنَّ المشكلة الحقيقية تظهر – وهذا شيء منتشر بصورة واسعة أكثر مما نتصور – عندما يجري تعليم الأطفال كما يلي، «اِفعل أقوالي وليس أعمالي.» لذلك، وحينما يقال لهم هذا، وباستمرار، وبأسلوب يشبه المزح، فسيتعلمون تدريجيا، أنه لا يوجد أبدا أي شيء أسود جدا أو أبيض جدا أي بمعنى ليس دائما يكون الشيء جيدا أو سيئا، وستتولد عندهم هذه الفكرة لغاية اقترافهم إحدى السيئات باختيارهم لعمل غير مناسب في وقت غير مناسب. عندئذ، يقاصِصُهم آبائهم لتخمينهم غير الصحيح للسلوك. وسوف يرى الأولاد العقوبة غير عادلة دائما.

وباعتباري والدا، فأعرف جيدا مدى صعوبة بقاء إرشادات الوالدين متطابقة دائما – والعكس صحيح، فما أسهل إرسال إيعازات مربكة للأبناء ومن دون التفطُّن لها. ولما كنتُ قد قدمت المشورة للمئات من المراهقين خلال العقود الثلاثة الأخيرة فقد علمتُ أيضا مدى حساسية الشباب لمثل هذه الرسائل المتضاربة والحدود المتناقضة التي يرسمها الوالدان للسلوك لأولادهما، ومدى استعداد الشباب لرفض كلتا الحالتين على اعتبارهما علامة على رياء الوالدين. غير أنني تعلمت أيضا كيف يمكن حل أسوأ صراع عائلي بسرعة، عندما يتواضع الآباء ويعترفون بتضارب ما أرادوه من أولادهما وبعدم وضوحه أو بأنه غير عادل بحقّ أولادهما. وقد رأيت سرعة استجابة معظم الأولاد لذلك ومسامحتهم لوالديهم.

وفيما يخصّ أساليب الأولاد التي غالبا ما تعكس أساليب والديهم – سواء كانت أفعالهم أو سلوكهم أو سمات التصرف أو صفاتهم الشخصية – كتب جدي ايبرهارد آرنولد Eberhard Arnold الذي كان كاتبا معروفا أنّ الأولاد يشبهون جهاز الباروميتر الذي يقيس ضغط الهواء: أيْ بمعنى أنهم يسجلون بوضوح أيّ تأثير أو ضغط يؤثر عليهم، سلبا أو إيجابا. فغالبا ما نرى مظاهر البهجة والاطمئنان النفسي، والكرم والتفاؤل، واضحة على الأولاد بالدرجة الواضحة نفسها التي عند الوالدين. وكذا الحال مع المشاعر السلبية. فلو لاحظ الأولاد الغضب والخوف وعدم الأمان أو عدم التسامح لدى الكبار – خاصة إذا كانوا هم الهدف من ذلك – فلن يمضي وقت طويل قبل أن يقوموا هم أيضا بالتصرف بالطريقة نفسها.

وتذكرنا شخصية الأب زوسيما Zossima في رواية الأديب الروسي دوستويفسكي Dostoyevsky التي تحمل عنوان «الإخوة كارامازوف،» بأنّ مثل هذه الحساسية لدى الأولاد كبيرة جدا، لدرجة أننا نستطيع تشكيلهم بدون وعينا بذلك أيضا، كما أنه يوبخنا على أننا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أثر كل شيء نقوله أو نفعله بحضورهم. فيكتب قائلا:

في كل يوم وفي كل ساعة. . . . تأكد من أن تكون شخصيتك لائقة وطيبة. فقد تمرّ بطفل صغير، وأنت شرّانيّ وتتلفظ بكلمات قبيحة وقلبك مليء بالنقمة؛ وربما لم تنتبه أنت إلى ذلك الطفل، لكنه رآك، وقد تبقى شخصيتك غير الطيبة والمخزية في قلبه الأعزل. ومن دون أن تدري، فربما تكون قد زرعت بذرة الشرّ فيه، ويمكن لتلك البذرة أن تنمو فيه. . . . كل ذلك لأنك لم تُربِ في نفسك محبة عاملة، ومحبة معطاءة تتكرّم بحرارة وبسرعة.2

إنّ الأولاد اليوم بعكس الأولاد الأبرياء في عهد دوستويفسكي، فهم معرضون إلى وابل مستمر من الصور والانفعالات التي قد يكون تأثيرها بصورة مجتمعة، أقوى بكثير من أكبر رعاية يبديها أحد الكبار في حياتهم العائلية. ونظرا لحالة ثقافة مجتمعات بلادنا، الذي يخرّب دور الآباء عند كل منعطف من منعطفات الحياة، فقد أصبحت تنشئة الأولاد مهمة شاقة. ورغم جهودنا المبذولة فإننا بعيدين كل البعد عن النموذج الصحيح الذي ينبغي أن نتّصف به.

فخذ العنف على سبيل المثال. فالجميع قلق بشأنه، ومتفق على انه شيء سيء للأولاد، لكن هل هناك مّنْ يقوم حقا بفعل شيء حياله؟ فبدءا بالقاعات المبجلة للكونغرس ونزولا، فلا يوجد شيء يُذكر. ويتشاحن السياسيون حول موضوع السيطرة على السلاح، ولكن هل هناك أية إجراءات حاسمة تم اتخاذها؟ وفي أثناء ذلك، تستمر موجة اطلاق النيران في المدارس، مُنجِبة أشخاص مقلدين لهم ويحذون حذوهم بشكل غير مسبوق.

وقد شرفني تقديم المشورة ولمرات عديدة إلى عائلات ضحايا الجرائم المذكورة أعلاه. وبطبيعة الحال، تحتاج تلك العائلات إلى وقت ليتحدث ويبكي بعضهم مع بعض على ما حصل معهم من جراح واضطراب نفسي، وهم ليسوا على استعداد الآن لتحليل الأسباب واستلام النصائح. إلا أن التطرق إلى الأسباب الجذرية للعنف المدرسي لا يمكن تجنبه أثناء الحديث معهم. وتكتب عن هذا الموضوع الكاتبة الروائية باربرة كنج سولفر Barbara Kingsolver فتشير إلى التناقضات الموجودة في محاولاتنا للتصدي للعنف، فتقول:

دعونا ألا نقلل من مأساة رهيبة عن طريق التظاهر بأنّ تلك المجزرة لم يكن لها أيّ داعٍ أو معنى. فبقولنا أنها «بدون معنى» فإنما نريد بذلك قول أنها «بدون سبب،» وعليه لا تتطلب منا القيام بأي عمل أو إجراء. ثم وبعد فترة مناسبة من التحسُّر والأسف وتقليب كفينا على ما حدث، نعود إلى أعمالنا كالمعتاد ونستمر على الوتيرة نفسها. إلَّا أنَّ ما يتطلب شجاعة هو أننا نقرّ بأنّ هذه الحادثة فيها أكبر المعاني والمدلولات.

يعتاد الأولاد الاِقتداء بتصرفات الكبار على كل المستويات المتاحة لهم. فأولاد شعبنا يكبرون في بلد يلجأ أهم الرجال فيه وأكثرهم تأثيرا – سواء كانوا من الرؤساء أو أبطال الأفلام السينمائية – إلى حلِّ المشاكل من خلال قتل الناس. ويمكن التنبؤ تماما بأنّ بعض الأولاد الذين يتوقون إلى الشهرة والتأثير، سوف يحصلون على البنادق والقنابل كوسيلة لذلك. وليس من المستغرب أن يحصل ذلك في إحياء الطبقة الغنية؛ هذا وإنّ العنف الذي تمارسه المؤسسات الحكومية مزروع في بيوت الأحياء الميسورة في النواحي الراقية للمدن. فلا تنظر كثيرا إلى العصابات الموجودة في منزل أخيك قبل أن تتفحص البنتاغون في بيتك. [فهذه الجرائم المأساوية] كانت وليدة حتمية ولدت من حضارة تروِّج بكل تفاخر وبصوت عالٍ تصفية الحسابات على الصعيد العالمي بالإطلاق الفوري للنار. وهذه الحضارة هي نحن.

وقد يبدو لك بوضوح أنّ كل من النازيين والقوة البحرية الأمريكية وفيلم المبيد Terminator يقتلون لأسباب وجيهة متعددة، ولكن، وكما يعرف كل الآباء، أنّ الأولاد جيدون في تجاهل مكرنا المحبوك بل حتى قادرون على النظر من خلاله ومعرفة حقيقته.

وإنَّ ما يراه الأولاد هو كالآتي: القتل وسيلة سامية للعقاب والسيطرة. أما الأمريكيون الذين لا يؤيدون ذلك فيتعرضون للسخرية، لكن دعونا نواجه الأمر على حقيقته، فالقسم الأكبر من الأمريكيين يعتقد أن سفك الدماء ضروري من اجل المحافظة على أسلوب حياتنا، حتى لو كان هذا يعني وجود خطر إطلاق النار بصورة خاطئة على الناس بين حين وآخر – مثل قصف المدنيين أو الحكم خَطَأً على الأبرياء بالإعدام.

. . . . فهذا ما صار يتضمنه معنى «أسلوب حياتنا» في المجتمع الذي يحتضن العنف. فقد علّمنا أولادنا بألف طريقة أنّ الشخص الشرير يستحق الموت، إما بالتلويح بالأعلام لإثارة المشاعر الوطنية، وإما بالمسلسلات التلفزيونية التي يصاحبها الضحك الوهمي.

من الواضح أنّ الطريقة الملتوية التي نتعامل بها مع العنف ليست ظاهرة اجتماعية أو سياسية فحسب بل أيضا ظاهرة لها جذور في كل غرفة من غرف المعيشة في بيوتنا. إذ يراها الأولاد إما على الشاشات وإما على أيادي أولئك الذين يُفترض بهم أن يكونوا حماتهم. والمسألة هنا ليست مجرد مسألة العنف. وبغض النظر عما إذا كانت المسألة رذيلة أو فضيلة، فإنه من غير المجدي محاولة تعليم أبنائنا عن العنف، ما دامت أفعالنا وكلماتنا على خلاف بعضها مع بعض. وكما يوضح عالم النفس كارل يونغ Carl Jung، فيقول: «لو أردنا تغيير وإصلاح أمر ما في الطفل، لوجب علينا تفحُّص نفوسنا أولا لرؤية ما إذا كان من الأولى تغييره في نفوسنا.»

وغالبا ما يكون السبب الجذري لذلك التناقض بين كلامنا وأفعالنا هو ببساطة: الكسل. وقد تكون هذه الكلمة قاسية، ولا يرغب أحد منا في أن تشمله هذه الكلمة، لكن علينا أن نصارح أنفسنا بهذا السؤال التالي: عندما نتواجه مع أزمة في حياة أحد أولادنا، ألا نأخذ الطريق السهل، ونردّ عليه إما بالانزعاج وإما بإصدار عقوبات فورية ليتحمل تبعات أعماله، ثم ننسى الأمر بعد ذلك حتى يحصل ثانية في المرة القادمة؟

وربما يرجع سبب ذلك إلى أننا مشغولون، أو مغلوبون على أمرنا، أو ببساطة متعبون. إلا أن كل ذلك لا ينفع شيئا، لأن الأولاد يمكنهم التحسُّس بالخداع الموجود في هذا الرد التلقائي السريع. ولنفهم نقطة مهمة هنا في هذا الموضوع وهي كالآتي: فلو قام الولد أو البنت بتصرفات مغلوطة أو ببعض المشاكسات فهي في كثير من الأحيان محاولة لاختبار حدود صبرنا وسعة صدرنا، والسبب هو أنه (أو أنها) يسعى في طلب الحصول على حدود آمنة للسلوك التي نرسمها له للاتكاء عليها بحيث تكون مصدرا للاطمئنان النفسي له (أو لها). وبالرغم من أننا نحن الآباء نميل إلى اختيار حلول سهلة لحل مشاكل الأولاد (وهي سمة بشرية عادية) وفيها القليل من وجع الرأس لنا، إلا أنها نادرا ما تكون نهجا سليما للتربية. فيجب أن نسعى إلى مصلحة الولد ونكون له مئة في المئة لحل مشاكله وصراعاته من خلال التفرُّغ الفكري الكامل له وتخصيص الوقت اللازم بسعة صدر لشرح الأمور له وتلقينه الدروس والعبر وبكامل الهدوء للتوصل إلى حلول يفرح لها الضمير. لأن نفسه متعطشة لتدخلنا في حياته وتنادي إلينا لنعطيها الأمان.

ثم إنّ الفكرة القائلة بأن التربية هي بحد ذاتها «مشكلة» إنما هي فكرة سلبية. فقبل كل شيء، ينبغي أن تكون تربية الأولاد الذين ننجبهم إلى هذا العالم مسألة مفرحة ومشرّفة. إلا أن عدد الآباء الذين ينظرون بإيجابية إلى مسؤولياتنا الموروثة أخذ يقل شيئا فشيئا. ونتيجة لذلك، لم تعد الأبوة واجبا طبيعيا، بل فرضاً يجب على الحكومة إجبار الرجال على تنفيذه؛ أما الأمومة فتمّ الانقضاض عليها على الفور وصار يُنظر إليها على أنها أكبر تضحية؛ وتمّ اعتبار محبة الإنسان لطفله كنوع من أنواع الفنون أو المهارات التي تتطلب تدريبا خاصا.

غير أننا نرى الحكمة نفسها أمامنا ولا يمكننا التهرب منها سواء كانت في مجلات التربية أو في الكتب الشائعة، وهي كالآتي: قد يكون الأطفال حلوين ويجنّنون، لكن تربيتهم واجب لا شكر عليه. ولهذا تسعى هذه المجلات دائما إلى تقديم النصائح للأزواج من أجل الخروج وترك المنزل وقضاء عشاء رومانسي على ضوء الشموع، أو قضاء الوقت معا في عطلة أو نهاية أسبوع طويلة لوحدهم. ولا تسألني: أين الأطفال من كل هذه المشاريع؟ فقلما يُذكرون – وهذا شيء محزن، لأن الساعات التي تقضيها مع أولادك خلال نشأتهم، هي بالحقيقة ستكون فيما بعد، من أجمل اللحظات الممتعة في حياتك الزوجية. أما فيما يتعلق بصراع الآباء وتضحيتهم والأوقات العصيبة التي يمرون بها، فهي بنّاءة وتكوينية للطفل مثل اللحظات الممتعة وبالقدر نفسه. فالذكريات السعيدة هي مجرد لحظات – ممتعة – أما الأوقات العصيبة فهي التي بالحقيقة تقوّي العلاقات والأواصر الأسرية.

فما بالنا نحن الوالدين نستميت في تجنب الجزء الصعب من الأبوة والأمومة، ونتعامى عن سبلها التي تساعدنا جميعا في النمو؟ وتقول كلير Clare بهذا الخصوص، وهي إحدى الأخوات من أفراد رعيتنا ما يلي:

ربما يرجع السبب إلى أنّ جيلنا لم يَنْمُ نموا حقيقيا على الإطلاق. فما زال العديد منا يسعى إلى شريك الحياة المثالي أو إلى السيارة المثالية، أو إلى أي نوع آخر من السعادة البعيدة المنال. فلا نعرف ماذا يتضمنه تقديم التضحيات، وما العطاء غير الأناني الذي يجب تأديته من دون ترجي الشكر والمديح. فلم نتعلم منذ صغرنا على تقديم التضحيات حتى بلوغنا سنّ الرشد.

قد نتجنب أحيانا بعض المشاكل الصعبة، لأننا بكل بساطة نشعر بالإنهاك وعدم قدرتنا على مواجهتها. في حين يرتبط ترددنا في أحيان أخرى بالشعور بالذنب، فيراودنا السؤال الآتي: لماذا أكون قاسيا على أولادي وأنا قد فعلت الأخطاء نفسها؟ أو كيف بإمكاننا تقديم نصائح واضحة وحياتنا وعلاقاتنا كأهل بحد ذاتها غامضة؟ وقلما يكون لتفكير كهذا تبعات فورية نراها بوضوح، لكنها ستلحق بنا قبل أن نلحق بها. وتحكي لنا بيا Bea، وهي من إحدى معارفي، مثالا مؤثرا، فتقول:

لدي صديقة اسمها كيت Kate حاولتْ الانتحار في المدرسة الثانوية ثلاث مرات. وكانت عائلتها تأخذها دائما بسرعة إلى غرفة الطوارئ، لتفريغ معدتها (فقد كانت تتناول الحبوب في كل مرة)، وبعدئذ تعود مباشرة إلى المدرسة. فلم تفعل العائلة أي شيء لمساعدتها مطلقا. . . . وكان والدا كيت قد تطلقا قبل عدة سنوات وكل منهما تزوج ثانية من شخص آخر، ولم تكن أيّ من الأسرتين ترغب رغبة صادقة ببقائها معها. فقد كانت كيت في نظرهما تمثل دائما ماضي العلاقة بينهما، أما هما فكانا يريدان أن يعيشا حياتهما الخاصة. فلم تتناسب كيت مع خطط حياتهما.

فما أكثر الأطفال الذين لا ينسجمون مع خطط أهاليهم الذين أعطوهم الحياة وأنجبوهم إلى هذه الدنيا! أو بالأحرى، ما أكثر إعطاء الأولوية لأنفسنا ورغبتنا في الحصول على «السعادة» و «تحقيق طموحاتنا» قبل احتياجات أطفالنا!

والجنس هو موضوع آخر يكثر فيه تشويش الأولاد ولا يتلقون وضوحا قاطعا فيه من قِبَل الآباء حتى من قِبَل الآباء الذين لديهم أفضل النوايا – وإن لم يكن هذا التشويش بسبب رياء الأهل ومساومتهم، فسيكون على الأقل بسبب الإيعازات المتضاربة التي يقدمها الآباء لأولادهم. وكما هو الحال مع العنف، كذلك هو مع الجنس: فهو واحد من أكثر موضوعات اهتمام الوالدين ومخاوفهم، ومن أكثر الموضوعات التي يتم الحديث عنها. إلا أننا في خضم قلقنا – كآباء – بشأن موضوع الجنس لدى أولادنا مثل: ماذا يجب علينا أن نقوله لننصح أولادنا وبناتنا؟ وكيف سنقوله؟ ومتى سنقوله؟ ينسى ويغفل العديد منا عن أهم عنصر في الموضوع وأهم عنصر في التربية ألا وهو الرسالة القوية التي يسلمها أولياء الأمور لأولادهم من خلال أفعالهم والتزامهم الشخصي بقيم الجنس الشريف وليس من خلال كلامهم وإرشادهم لهم. فما لم نبدأ شخصيّا بتطبيق قناعاتنا في الحياة، وما لم نطلب من أنفسنا الأشياء نفسها التي نطلبها من أولادنا، فإنّ جميع جهودنا المضنية المتعلقة بالنموذج الأخلاقي سوف تتهاوى نحو الحضيض.

إنّ ما مقبول عن البنية الأسرية اليوم قد يرضي البالغين في علاقتهم (على الأقل لفترة من الوقت). فلو لم يروا في حياتهم عندما كانوا أطفالا زواجا وفيّا ومستقرا، لما كان لهم أي أساس يبنون عليه التزاماتهم الحياتية عندما يتزوجون ويصبحون آباء، وربما لا يكونون على وعي بمدى تأثير زيغانهم الشخصي على أولادهم الذين يشتاقون إلى الاستقرار الأسري.

وتشير الإحصائيات منذ فترة طويلة ولحد الآن إلى أنّ مصير الزواج يكون على الأرجح إما الانفصال وإما الطلاق، لكن الانفصال والطلاق لم يكونا مطلقا الحدث القانوني الوحيد الذي تنتهي به الأمور، فهناك تبعات كثيرة أخرى. ولهذا السبب – ومهما كان «الطلاق ضروريا» – فإنه من المستحسن أن نتذكر كيف يبدو الطلاق في نظر الطفل، ولاسيما الطفل الذي يحسّ بأنّ الطلاق سيترك بصماته على نفسيته وعلى عواطفه طوال حياته.

ومع ذلك فإنّ إدانة الأزواج الذين يتعرضون للطلاق يُعتبر تصرفا قاسي القلب؛ مثلما تراه آن Anne، وهي صديقة إنكليزية، هجر والدها البيت عندما كانت طفلة صغيرة، فتقول: «يشعر الكبار باليأس في الأزمات، ويفعلون ما يجب عليهم القيام به.» ورغم أن صديقتنا آن تقرّ بأن الأطفال يقعون عادة تحت وطأة النتائج، إلَّا أن الكبار يدفعون ثمنها كذلك. وتذكّرنا آن بأنه ليس من الضروري أن تكون نهاية كل قصة طلاق فيها آلام ومعاناة. فتحكي عن تجربتها الشخصية، وتقول:

كان لي أم رائعة، فقد ظلت وفيّة لي حتى من بعد أن قررتْ اختيار الطلاق (وهو الخيار الوحيد الذي رأته). فقد ضحّت بجميع أفراح الأمومة، واشتغلت دواما كاملا في سبيل دعم احتياجاتي، وإخلاصها هذا هو الذي سندني في حياتي وأنقذني. فقد قدمتْ لي أعزّ سني عمرها – إحدى وعشرين سنة.

نعم، فالطلاق يطبع دائما بصماته الجارحة على كلا الزوجين، وإذا كان لديهما أولاد، فسيؤثر عليهما أكثر وأكثر. غير أنني أعلم من خلال ما مررتُ به، بأن قرار أمي في إعطاء الأولوية لاحتياجاتي قبل احتياجاتها، هو الذي أنقذني. فقد أتاح لي الفرصة للشفاء. وما أزال «في طريق الشفاء،» لكني اعلم بأن التئام شخصيتي والشفاء الكامل سوف يأتيان لا محالة.

لحسن الحظ أن الأولاد لديهم ميزة المرونة وقابلية الشفاء السريع مما يسببه لهم رياؤنا نحن الآباء من مشاكل وأضرار نفسية، فلولا هذه الميزة لأصبحت التربية في نظر الآباء عملا كئيبا خاليا من أمل الإصلاح. فمن خلال أمثلة كثيرة كقصة آن، يمكننا رؤية أنه مهما بلغت درجة وقوع المرء في اليأس والحزن بسبب الأخطاء التربوية الماضية إلا أنه من حقّ أي أب (أو أم) أن يتفاءل بالخير حتى لو كانوا من أسوأ الآباء.

وقد كتب مرة مالكوم اكس Malcolm X (الشخصية الأمريكية المسلمة المعروفة) فيما يخصّ مسألة إخفاقات الآباء، مذكرا إيانا بمصادر ذلك الأمل، فقال:

يقدم الأطفال لنا – نحن الكبار – درسا يجب أن نتعلمه، وهو: أننا يجب أن لا نخجل من الفشل، بل يجب أن ننهض ونحاول مرة ثانية. فأغلبنا نحن الكبار خائفون وحذرون جدا، «ومؤمِّنون» على أنفسنا كثيرا، فعليه ترانا منكمشين كثيرا على نفوسنا ومقيَّدين وجامدين لا نتحرك ولا نبدع؛ ولهذا السبب يفشل العديد من الناس. وقد استسلم للفشل معظم الكبار الذين ما يزالون في منتصف أعمارهم...... يتبع





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,286,523
- بالأفعال وليس بالأقوال الجزء 2
- عبادة العذراء عند الكاثوليك و الأرثوذكس
- الطفل الماديّ
- شاشات الانعزال عند الاطفال
- شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 2
- شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 6
- توقعات الآباء الكبيرة
- أبوكريفون يوحنا او كتاب خفايا يوحنا
- شهوات الجسد
- الهرطقه الغنوصة والغنوصيَّة المسيحيّةَ
- العقائد الثابتة
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 5
- الإيمان
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 4
- الاسلام يعلم الكذب النفاق و القتل
- قوة الإيحاء الذاتي
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 2
- الحياة الروحية


المزيد.....




- سلطات دونيتسك تؤكد احترام وقف إطلاق النار على طول خط التماس ...
- قصف لـ-أنصار الله- شمال حجة وسقوط قتلى من الجيش اليمني
- زيدان يهنئ المنتخب الجزائري وينعى أخاه
- هيئة الملاحة في بنما تقول إنها بدأت عملية سحب العلم من الناق ...
- دراسة: هكذا يمكن تجنب الخرف الوراثي
- لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع
- ميركل تحيي ذكرى محاولة اغتيال هتلر بدعوة لمناهضة التطرف
- موقع أميركي: ترامب لم يدعم شركات الطيران الأميركية ضد الخطوط ...
- ريابكوف يلتقي مادورو ويناقش توسيع وجود الشركات الروسية في فن ...
- مؤسسة النفط الليبية تعلن حالة القوة القاهرة في ميناء الزاوية ...


المزيد.....

- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - بالأفعال وليس بالأقوال