أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - محمد عبده وطلال … يراقصان صِبانا














المزيد.....

محمد عبده وطلال … يراقصان صِبانا


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 6229 - 2019 / 5 / 14 - 05:03
المحور: الادب والفن
    


فاطمة ناعوت
Facebook: @NaootOfficial
Twitter: @FatimaNaoot



قبل سنواتٍ خلَت، جلس موسيقارٌ كبيرٌ إلى نوتة الموسيقى والقلم. وراح يصوغُ النغماتِ إلى جوار النغمات، ويُشيِّدُ المقاماتِ، ويعلو بالجوابات ويهبط بالقرارات، وينحتُ الجملَ الموسيقية الشرقية، ثم يصبغها بروح الحداثة العالمية، حتى تستوي بين يديه آيةً من آيات الإتقان الموسيقي والعذوبة، تنتظرُ الحنجرةَ الصادحةَ الدافئة التي بوسعها أن تُضفِّرَ تلك النغماتِ بكلمات فريدة جديدة، مع فيض من الإحساس المُرهَف؛ عبر صوتٍ خاص شجيّ لا شبيه له إلا نفسه، فتدخلُ تلك التوليفة الطربيةُ الجارحةُ قلوبَنا العطشى فترويها، ثم تنطلق منها إلى آذاننا وحوّاسنا، فننتشي ونتسَلطَن ونثملُ، من دون خمر. إنه الموسيقارُ السعوديّ المُلهَم: د. طلال.
وأما الحنجرةُ الدافئةُ فكانت صُنوَةَ صِبانا ورفيقةَ شبابنا في مصرَ والعالم العربي من أدناه إلى أقصاه. كبرنا مع شدوها، وتفتّحتْ قلوبُنا في الحبِّ على صدحاتِ أحبالِها، وتشكَّل وجدانُنا الطربيّ مع شجوها ودفئها. إنها حنجرةُ المطرب السعودي الأشهر محمد عبده.
وكان لقاؤهما، الموسيقار والمطرب، في ذاك المساء قبل أسبوعين في "دولة الأوبرا المصرية" بالقاهرة، كما يطيبُ لي أن أسميها، بمثابة "الحركة الرابعة" من سيمفونية رباعية طويلة امتدّت على مدى سنواتٍ أربع. عُزفِت الحركاتُ الثلاثُ الأوَل في مثل هذا الوقت من الأعوام الثلاثة الماضية وفي ذات المكان: دار الأوبرا المصرية، بواقع حركة في كل عام. وتُوّجت تلك السيمفونية، (التي نرجو لها أن تكسر القواعد الموسيقية وتغدو ألف حركة )، تُوِّجت بحفل أسطوري (آرش كومبليه)، كامل العدد، سجّلته الفضائيات وسوف يُعرَض على قناة Mbc مصر مع نسائم عيد الفطر المبارك بإذن الله.
المسرح الكبير بدار الأوبرا، كنّا نتهامسُ حول ذكرياتنا مع أغنيات محمد عبده. كلٌّ يحكي من مخزون صباه وحواديت شبابه مع هذا الصوت الآسر: “يا مركب الهند يا بو دقلين يا ليتني كنت رُبّانك- وليلة كانت الفُرقة، وقالت لي في أمان الله، وجات تاخد رسايلها وخصلة من جدايلها، وتديني جواباتي، لا تردين الرسايل، وإيش أسوّي بالورق، وكل معنى للمحبة ذاب فيها واحترق". كُنّا نُمنّي النفسَ بأن نستمع إلى الأغاني القديمة التي حُفرت كلماتُها وموسيقاها على أوراق أعمارنا، لنرقص مع نوستالجيا عشقنا وهوانا.
فُتحَ الستارُ المِخمَليُّ الأحمرُ الهائل، ودخلَ الفارسُ في كامل أُبهائّه وشبابه ورصانته المعهودة، حاملاً صندوقَ ألماساته وجواهره الخبيءَ في حنجرته. ورغم هتافاتنا بأسماء الأغنيات التي سمعناها صغارًا، ورغم أنه لم يستجب، لأن الحفلَ سار بانضباط وفق "الحركة الرابعة" التي تضمّنت ثلاث عشرة أغنية منها أغنيات الألبوم الجديد "يا غافية قومي"، إلا أننا اكتشفنا أن عشقنا لهذا الفنان الجميل ليس رهنًا بما نحفظ من أغنيات قديمة، بل هو مرهونٌ بسحر خاص في نبرة صوته، تتجلّى مع كل ما يقدّم من طرب. تلك كانت لحظة إدهاش بالنسبة لي. أما الدهشة الأخرى فكانت في نوعية الجمهور الذي ضاق به المسرح الكبير بكامل لوچاته وبونواراته. وكلمة "نوعية" هنا غير دقيقة، لأنك لا يمكن أن تجمع ذلك الحشدَ الهائل في فصيل واحد أو عمر واحد أو طبقة أو عرق. كان الجمهور عربيًّا ومصريًّا شبابًا وكهولا وأطفالا. كان الجمهورُ الذوّاقة المتناغم مع الموسيقى بطلًا حقيقيًّا مع العازفين المدهشين في فرقة المايسترو "هاني بركات"، فخرج الحفلُ، مع الإخراج المبهر وسينوغرافيا الخلفيات الرائعة، على مستوى أسطوري يشارفُ الكمال.
وكأن قطعةً غالية من صِبانا التي ضاعت مع السنوات، غادرت مكانها الخبيء على خط الزمن، ثم طارت إلى حيث نجلس في دار الأوبرا، وراحت تحوّمُ حولنا برهةً، ثم استقرّت وحددت هدفَها، وسرعان ما اخترقت أعماقَنا بعد فراق وغيبة سنواتٍ وعقودًا. إنها نوستالجيا الصبا الجميل الذي نرفض أن يغادرنا. فإن خاتلنا وغادرَ، يعيده صوتٌ عبقريٌّ حسّاسٌ مثل صوت "محمد عبده". ساعتان من الفنّ الرفيع والشجن، حصدنا خلالهما جرعةً وافرة من السَّلطنة والتطريب الذي نتوقُ إليه في هذا الزمن الجافّ. نعم، الفنُّ الحقيقيُّ يعرفُ كيف يفرضُ نفسَه ويعيش، مهما مُنع عنه الأكسجين تحت وطأة لحظة تهاوتِ فنيًّا وانحطّت فيها المسامعُ التي أهانت نفسَها. ثمةُ آذانٌ ذوّاقةٌ لم تزل ترفضُ أن تبتذل مسامعَها، وتَضِنُّ على نفسها أن تهوي مع الهاوين، وتظلُّ تبحث عن الجمال والإتقان والرقيّ. وهي واجدتُه لا محاله، مادام لدينا قاماتٌ فنية رفيعة باقية، ومادامت مشرقةً دولةُ الأوبرا المصرية التي لا تقبل إلا بالرفيع.
شكرًا لكلّ منظّمي هذا الحفل البهيّ الخالد، وشكرًا دار الأوبرا المصرية الجميلة. وشكرًا أيها الفنُّ الرفيع، الذي لولاكَ لما تنفّست أرواحُنا.
“الدينُ لله، والوطنُ لمَن يحبُّ الوطن.”

***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,586,252
- شافت الصليب قالت: والمصحف مانا واخدة تمنه!
- الطريدة
- كونوا طيبين … حتى تطيرَ بالوناتكم!
- دموعي … بين يدي الأبنودي
- القيامة … البابا … رمضان … النقشبندي
- مصرُ التي … على صفحة العائم
- حوار مع متطرّف: نعم … أنا متطرّفة!
- مَن يقرعُ الأجراسَ في باريس؟
- الملك لير … سرُّ عظمة مصرَ
- روچر … البودي جارد الذي خاصمني!
- مصطفى الفقي … سَلطنة التشريح الفكر
- في قانون التحضُّر: البقاءُ للأضعف!
- الإسكندراني والسيسي وزيدان …. يا حفيظ!!!
- أم كلثوم ... فيروز … شيرين
- دائرةُ الحُب الأبديةُ في بيت لليان تراشر
- العسراءُ الجميلة التي اغتالتها يدُ صهيون
- ما هديتُكَ في عيد الأم؟
- البابا شنودة و... برينتون تارانت
- الأدبُ … حين يحمينا من المزورين | عن الصفحات الكاذبة
- هنا أسيوط … والذي مصرُ تعيشُ فيه


المزيد.....




- في محاولة لوقف الانفجار.. اجتماع عاجل لحكماء البام
- جوخة الحارثي أول شخصية عربية تفوز بجائزة انترناشيونال مان بو ...
- -سيدات القمر- للعمانية جوخة الحارثي تفوز بـ -مان بوكر الدولي ...
- العثماني: الحكومة ستواصل تنزيل مختلف الأوراش الإصلاحية الهاد ...
- العثماني: التعليم قطاع حيوي ومدخل أساسي للإصلاح
- 3 جوائز فضية لـ RT، و-تعلم الروسية مع ناستيا- يحصل على البرو ...
- المخرج المغربي علاء الدين الجم يدشن تظاهرة أسبوع النقاد في م ...
- جون ويك في صدارة إيرادات السينما الأمريكية
- تبييض الأفكار.. ابن عربي والحلاج في أتون الدراما الإماراتية ...
- مع انتصاف رمضان..-ولد الغلابة- و-زلزال- و-كلبش- في الصدارة! ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - محمد عبده وطلال … يراقصان صِبانا