أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سليمان جبران - كتاب الفارياق، مبناه وأسلوبه وسخريته، تتمة المقال السابق تل أبيب، 1991















المزيد.....



كتاب الفارياق، مبناه وأسلوبه وسخريته، تتمة المقال السابق تل أبيب، 1991


سليمان جبران

الحوار المتمدن-العدد: 6219 - 2019 / 5 / 3 - 21:55
المحور: الادب والفن
    


سليمان جبران: كتاب الفارياق، مبناه وأسلوبه وسخريته، تل أبيب، 1991.
[ بقيّة المقالة المنشورة سابقا ]
3- فنّ الشدياق في السخرية
عرضنا في الصفحات السابقة لموضوعات السخرية في الفارياق، ونودّ هنا أن نحاول تحليل هذه السخرية: كيف يبني الشدياق عبارته، وكيف يسوق فكرته، لكي يستطيع أن يثير في قارئه الضحك أو الابتسام.
يجدر بنا أن نشير أوّلا إلى أنّ غايتنا هنا هي تحليل الفكاهة عند الكاتب بوجه عامّ، وذلك دون التفات إلى غرض الكاتب من وراء ذلك. بعبارة أخرى: إننا نعمد في تحليلنا هنا إلى الكشف عن عناصر الفكاهة بوجه عامّ ( Humour ) دونما التفات إلى تصنيفها، من حيث غرضها الذي يرمي إليه الكاتب: كالسخرية (Satire) والتهكّم (Irony) والهزء (Ridicule) - وفقا للترجمة التي يقترحها أنيس فريحة.
قبل النظر في عناصر السخرية ذاتها، هناك عنصران أوّليان يعتمد عليهما الشدياق في كثير من سخرياته، وإن كانا لا يشكّلان عنصرين عضويين منها عادة . إنّهما من "العوامل المساعدة" عنده إن صحّ التعبير: الأول بلاغيّ والثاني موضوعيّ.
العامل البلاغي
عرضنا في الفصل الثاني آنفًا لأسلوب الشدياق في فارياقه، فرأينا كيف يستخدم البديع كالسجع والجناس والطباق، رغم نقده الشديد لهذا الأسلوب التقليديّ عند الكتّاب، وخلصنا إلى القول إنّ الشدياق لم يكنْ ليستطيع التخلّص من المحسّنات في أسلوبه، وإن كان ذمّ هذه المحسنات حين نظر إليها بعين الناقد.
لم يستطع الشدياق، في سخريته أيضًا، التخلّص من هذه المحسّنات، فقد أحسّ أن للمحسّنات اللفظية أثرها على وقع الفكاهة في نفس القارئ، فاستغلّها في كثير من فكاهاته. ولا نظنّ أنّ الشدياق كان مجدّدا في هذا المجال، فالظواهر البديعيّة كثيرة في الفكاهة العربيّة؛ سواء في ذلك الفكاهة التي نقرؤها في أدبنا الكلاسيكي، أو الفكاهة الشعبية التي يتداولها الناس.
للمحسّنات اللفظيّة، وخاصة السجع منها، دوران هامّان في الفكاهة: الأوّل انها "تجمّل" الفكاهة وتزيد من وقعها في نفس القارئ، والثاني أنها تجعلها، في كثير من الأحوال، سهلة للحفظ والرواية، تمامًا كما نجد ذلك في الحكم والأمثال المتوارثة. وهذه هي أهمّ أنواع البديع التي استخدمها الشدياق في سخرياته:
أ‌- السجع: يقول الشدياق في وصفه لحياة الراهب: "فهو يأكل من أرزاق الناس، ويعوّضهم عنه دعاءً يطفح من أصمار الكأس، ويغنيهم في الدياجي عن النبراس، ويركب ما لديهم من نجائب، فهو، كما قيل، آكل شارب راكب". ترى أكانت سخريته هنا تترك نفس الأثر في القارئ، لو كتبها بالأسلوب المرسل دونما سجع؟ فالسجع في هذه السخرية أشبه بالنغمات ترافق الشعر عند إلقائه فتمهّد له الطريق إلى القلب.
يقول في موضع آخر: "وكثيرًا ما بات عندهما [ في الخان] أصحاب العيال والراح عليهم دائرة، والأغاني متواترة، والوجوه ناضرة، والعمائم متطايرة". ولعلّه من الجدير بالملاحظة هنا أنّ السجع يتعدّى الفقرتين أحيانًا إلى ثلاث وأربع، ليزيد إيقاعه القويّ من وقع الكلام في نفس القارئ، ومن أثر سخريته أيضًا. ونكتفي بإيراد هذين المثالين لاستخدامه السجع في سخريته، وإنّ كانت هذه الظاهرة واضحة في سخريته تمام الوضوح.
ب‌- الجناس: ويستخدمه أقلّ من السجع عادة، إلا أنّه من السهل العثور عليه في سخريته هنا وهناك. من ذلك قوله: "وآخر كان رئيسًا في دير فعلق بنتًا في قرية بالقرب من الدير فعلقت منه". أو قوله على لسان القسيس: "فلما أبطرتني النعمة وأمنتُ من الدهر كل نقمة، نقر في رأسي أن اجمع بين الكافين [ المرأة والمال!] فإن بكثرة العين قرّة العين".
أما الطباق الذي يستخدمه كثيرًا في سخرياته، فإنه وإن كان من أنواع البديع التقليدية الشائعة إلا أنّ له اتصالا بالمعنى لا باللفظ، ولذا فهو يتّصل اتصالا وثيقًا بجوهر السخرية، ذلك أنه يعتمد على إيراد المعنى وضدّه، وفي ذلك ما يفي بعنصر التناقض الذي يشكّل أحد عناصر السخرية الهامّة، ولذا فإننا سنورده فيما بعد حين نعرض لعناصر السخرية عنده.
أخيرًا لا بدّ من القول إن هذه المحسّنات اللفظية لا تطغى على السخرية عند الشدياق، بل يمكننا القول إنه يستخدمها حين يرى الفكاهة لا تقوم مستقلّة بنفسها، أما سخرياته الكبرى في الفارياق فهي على الأغلب تخلو من المحسّنات اللفظية. صحيح أنّ الشدياق ظلّ مولعًا باللغة في سخرياته أيضًا، واستغلّها في هذا المجال خير استغلال، ولكنه لجأ إلى وسائل أخرى غير المحسّنات، إذ بنى الكثير من سخريته على المعنى، كما سنرى بعد قليل.
المرأة والجنس
موضوع المرأة وما يتّصل بها من إشارات جنسية، يكاد يطغى فعلا على الفكاهة الشدياقية، ذلك أنّ قضية الجنس، أو "الإحماض" كما يشير إليها النقاد غالبًا، تكاد تدخل كل فكاهات الشدياق، حتى في سخرياته من الأساليب التقليدية في الأدب وتعليم النحو والبلاغة وغير ذلك. إن الغريزة الجنسية في المرأة هي كل شيء في نظر الشدياق، ولذا فموضوع المرأة والإشارات الجنسية تتكرّر في معظم فكاهاته وسخرياته.
هذا الأمر، وإن كان من طبع الشدياق حقًا، إلا أنه غير منبتّ الصلة بموضوع الفكاهة. يكفي أن نلتفت إلى الفكاهة في الأدب القديم، وفي الفولكلور الشعبي، لنرى المجون يشكّل موضوعًا رئيسيًا فيها. إن الإشارات الجنسية في الشعر والنثر الحديث تثير الضحك في نفوس الناس، خصوصًا في مجتمع محافظ كمجتمعنا. ذلك أن مجرد ذكر الجنس، في المجتمع المحافظ خاصة، كثيرًا ما يثير الضحك، فكيف به إذا أورده الكاتب بأسلوب فنيّ؟ إنّ التناقض القائم بين المواضعات الاجتماعية والقيم الأخلاقية التي يكرّسها المجتمع، وبين وقائع الحياة المغايرة لذلك يذكرها الأديب أو المحدث – إن هذا التناقض وحده يكفي أساسًا لإثارة الضحك ونجاح الفكاهة. ثم ترى أكان صدفة أن معظم الفكاهات الشعبية الماجنة تدور حول رجال الدين بالذات، أليس في ذلك ما يزيد من هذا التناقض، حين تروى الفكاهات الماجنة عن رجال الدين بالذات، يقول بيرجسون: "لعل أكثر التناقضات شيوعًا هو ما يقوم بين الواقعي والمثالي (من الأمور)، بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون".
لقد جعل الشدياق من مضوع الجنس ركنًا هامًا من أركان فكاهته، فاستغلّ هذا العنصر في فكاهته، خصوصًا أنه جعل من مهاجمة رجال الدين وتجريحهم غرضًا رئيسيًا من أغراض الكتاب. ولكن المجون كما ذكرنا لا يقتصر على سخريته برجال الدين، إنما يتخلل معظم فكاهاته، وذلك تجاوبًا مع طبعه الماجن، ولما وجده في هذا الموضوع من موافقة للفكاهة وملاءمة طبيعية لها.
لن نورد هنا شواهد على استغلاله موضوع الجنس في فكاهاته، ذلك أن معظم ما ذكرنا وما سنذكر من فكاهاته يقوم دليلا على ذلك.
والآن وقد فرغنا من هذا التمهيد، ننصرف إلى تحليل الفكاهة في الفارياق، مذكّرين طبعا أننا في تحليلنا هذا نأتي بالنماذج فقط، في محاولة لرصد أنواعها ، لا إيراد الفكاهة المبثوثة في الفارياق من أولّه إلى آخره. لقد حاولنا خلال دراستنا للفارياق أن نجمع فكاهاته التي لفتتْ نظرنا، فتجمّعت لدينا كمّية ضخمة يضيق المجال عن ذكرها جميعًا. ولذا نكتفي كما قلنا بذكر أنواعها وتحليلها، موردين بعض الشواهد القليلة للتمثيل عليها.
يقول بيرجسون في مقاله عن الضحك: "علينا أن نميّز، على كل حال، بين هزْل نعبر عنه بواسطة اللغة، وآخر ينتج عن اللغة. والأول منها هو ما استطعنا ترجمته إلى لغة أخرى عادة". وتحديد بيرجسون الدقيق هذا يقودنا إلى الكشف عن النوع الأول من الفكاهة في الفارياق:
الفكاهة اللفظية
ونعني بها الفكاهة التي تقوم على اللغة، وهي كما ذكر بيرجسون أعلاه فكاهة لا سبيل إلى ترجمتها من لغة إلى أخرى، وإنما تقوم على التلاعب بالألفاظ، فيأتي الكاتب بكلمة معيّنة في سياق حديثه بحيث يحمّلها معنيين: المعنى البسيط الذي يوحي به السياق، والمعنى الآخر الذي يشير إليه الكاتب بالتلميح، فيحصل بذلك التناقض، وتُحدث اللفظة الضحك في القارئ.
إنها لعبة تشبه إلى حدّ ما التورية في البلاغة، إذ يورد الشاعر لفظة ذات معنيين: أحدهما قريب يوحي به السياق ولكنه غير مقصود، والآخر معنى بعيد مقصود. ولكن الفرق هنا أن التورية لا بدّ لها من استخدام لفظة ذات معنيين قاموسيين، أما الفكاهة هنا فتستخدم اللفظة بمعناها القاموسي ومعناها المجازي، وفي ذلك يقول بيرجسون نفسه: "إن معظم الألفاظ التي من شأنها أن يكون لها معنى مادي(physicl)وآخر أدبي (moral)، وذلك وفقًا لتفسيرها حرفيًا أو مجازيًا [...]، ويحصل التأثير الهزلي حين نحاول فهم التعبير حرفيًا في حين قد استعمل مجازيًا".
الشدياق أظهر أنه أستاذ في هذا الفن من الفكاهة، فأورد في الفارياق فكاهات كثيرة جدًا، وموفقة في هذا المجال. كان الشدياق لغويًا بطبعه وقد استهوته اللغة إلى أبعد الحدود، فاستغلّها إلى أبعد الحدود في ابتكار فكاهاته اللفظية. وقد أشار بولس مسعد إلى ولع الشدياق بهذا النوع من الفكاهة عرضًا فقال يصفه في أواخر أيامه: "وظلّ كما عهده جلاسه في وادي النيل، رقيق الجانب، لطيف المعشر ليّن العريكة [..] ميّالا إلى المجون مولعًا بالنكتة البيانية".
يقول الشدياق عن المطران أثناسيوس التتونجي الذي تعرّض كثيرا لسخرياته لسخرياته اللاذعة:"...غير انّ المطران أثناسيوس التتونجي، مطران طرابلس الشام، المقيم في جميع البلدان إلا فيها، لم يطالع شيئًا من مؤلفات العلماء، فغاية ما علمه من النحو باب الفاعل والمفعول ومن البيان نوع التجريد ومن الفقه باب النجاسات ومن العروض الوتد المتحرك ومن البديع ردّ الصدر على العجز..".
إن هذه السخرية المُرّة هي أقسى ما يستطيعه كاتب من السخرية في استخدامه للغة. فهذه الألفاظ التي تبدو بريئة لأوّل لحظة، إذ تعني فصولا في هذه العلوم فعلا، تشير من طرف خفيّ إشارات جنسية لا تخفى على قارئ الشدياق، فتثير فيه الضحك حتى وهو قرأها وحيدًا، وذلك اقصى أثر يمكن أن تتركه الفكاهة في نفس القارئ. ولكنّ هذه الفكاهة هي فكاهة لفظية؛ استغلّت المعنى المجازي لهذه الألفاظ حتى تركت هذا الأثر، وطبيعي أنها تفقد كل شيء إذا تُرجمت. ولا يخفى أن في وصفه لهذا المطران بأنه "مطران طرابلس الشام المقيم في جميع البلدان إلا فيها" فكاهة أخرى ولكنّها لا تندرج تحت هذا النوع الذي نحن بصدده.
كما يقول في حديثه عن المرأة: "إنها أوّل الأسباب في عمران الكون وخرابه، إذ لا يكاد يحدث في العالم خطب جليل إلا وتراها من خلله واقفة وراءه أو بالحري مضطجعة".
ما يميز هذه الفكاهة هنا، بالإضافة إلى ما في كلمة "مضطجعة" من إشارة جنسية واضحة، إنها تأتي في آخر حديثه الذي يسوقه عن المرأة وأنها أساس كل المشاكل، كأنما هي استدراك، كأنما هي بارقة لمعت في ذهنه بعد أن أنهى المعنى الذي يريده، فكانت المفاجأة وكان الأثر الفكاهي في نفس القارئ.
عن أسلوب الاستدراك هذا الذي لجأ إليه هنا، استخدمه في مواضع أخرى كثيرة مشابهة، نورد منها فكاهة أخرى تكاد تكون طبق الأصل من هذه التي ذكرناها. يقول في وصفه للعاشق وحالته: "فإنه والحالة هذه يُقدِم على أصعب الأعمال وأعظم المساعي من دون أن يشعر بها، لأن فكره أبدًا مشغول بمحاسن حبيبه، فلو رفع صحرة في هذه الحالة على عاتقه، بل فندًا لتوهّم أنه رافع نعال محبوبه أو بالحري رجليه".
يقول في حديثه عن المرأة أيضًا: "ثم إن همزها للوصل ووصلها للهمز" كما يضيف في نفس الموضع بعد ذكر أسماء المرأة العديدة: "ومن الغريب أنها سمّيت لباسًا ولحافًا ولم تسمّ سروالا".
أما حين يريد السخرية بلغة رجال الدين فإنه يلجأ إلى نفس اللعبة، فيذكر كيف يشتقّون ألفاظهم اشتقاقًا خاطئًا، فتأتي اللفظة بمعنى يخالف السياق ويشير إشارة جنسية واضحة: "إن لفي كتب الكنيسة كلها اغلاطًا. فقد قرأت في كتاب منها عن بعض الرهبان أنه كان من التواضع على جانب عظيم حتى أنه كان كلما مرّ عليه رئيسه يقوم وينتصب عليه أي له". كما يقول على لسان القسيس مخاطبًا الفارياق: "إذا مدحتَ الراهبات فاحذر من أن تذكر لهن أثداء وأعجازًا، إذ لا شيء لهن من ذلك، فإن طول الاعتكاف والاحتجاب قد صيّرهن مخالفات لسائر الناس، ونحن معاشر العباد أعلم بهن". ولا يظنّن القارئ ان فكاهاته هذه تقتصر على رجال الدين، فالفارياقية زوجته لم تسلم من هذه الإشارات الماجنة أيضًا. يقول على لسان زوجته في نقد شباب باريس: "ومتى ينظروا إلى امرأة مكبّة لربط شراك نعلها يطيفوا بها فيصيروا لحلقتها حلقة ولحتارها حتارًا، ولا سيّما حين يأتون إلى هذه المناصع ويبدون فيها منادفهم، قال فقلتُ استمري في الحديث وقولي ما شئتِ بحيث لا تقفين على المنادف، فقالتْ أتغار عليّ حتى من الوقوف بالكلام".
ومثل هذه الفكاهات كثير في الفارياق. فقلما يجد الشدياق فرصة للتلاعب بالألفاظ إلا ويستغلّها، حتى يمكن القول بأنها أكثر أنواع الفكاهة شيوعًا في الفارياق، وإن لم تكن أمتعها وأقواها. ويبدو الأمر طبيعيًا إذا عرفنا أن الشدياق ماجن بطبعه، كما أنه لغويّ بطبعه أيضًا. ثم إنّ في الأدب العربي القديم، وفي الفولكلور الشعبي المتداول، فكاهات تعتمد على نفس الطريقة من التلاعب بالألفاظ، أو "تأخذ معنى" للكلام كما نقول عادة! وكذا كان هذا الفيض من الفكاهة اللفظية في الفارياق؛ أوردنا منه القليل القليل للتدليل على هذا النوع من الفكاهة وعلى خصائصه وأسلوبه.
الفكاهة المعنوية
عرضنا آنفًا للفكاهة البيانية في الفارياق، الفكاهة التي تنتج عن اللغة أو عن التلاعب بالألفاظ. لكنّ فكاهات الشدياق لا تعتمد كلها على اللغة، وإن كان هذا النوع أكثرها شيوعًا. ففي الفارياق فكاهات أخرى كثيرة وقوية تعتمد على عناصر لا علاقة لها باللفظ، بل بالمعنى الذي يتنح الأثر الفكاهي فيها. إن هذا النوع من الفكاهة يمكن ترجمته من لغة إلى أخرى، وإذا لم يكن له نفس الأثر على القراء في شعب آخر فذلك لأن الشعب الواحد يختلف عن غيره في مواضعاته الاجتماعية والسياسية، وفيما تثيره فيه الفكاهة، تبعًا لذلك، من تداعيات متباينة. ويمكننا تقسيم هذا النوع من حيث عناصره التي تثير الضحك في نفس القارئ، كما يأتي:
المبالغة:
إنها عنصر هام في إنشاء الفكاهة، ونعني بها أن يبالغ الكاتب في معنى من المعاني، أو صفة من الصفات حتى تغدو الصورة مضحكة. ولا شكّ أن المبالغة تترك أثرًا أكير حين يستطيع الكاتب أن يبلغ بها مداها حتى يتجاوز الأمر حد المعقول، فتثير فينا الضحك. إنها تقترب أسلوبًا من فن الكاريكاتير الذي يعمد إلى جانب معين من الأمر فيضخّمه ويبالغ فيه حتى يبدو هزليًا يثير الضحك. يقول بيرجسون: "تكون المبالغة دائمًا هزلية حين يشتط بها، خصوصًا حين تكون منهجية [...] إنها تثير ضحكًا كثيرًا إلى حد جعل يعض الكتّاب يعرّفون الهزل بالمبالغة".
يستخدم الشدياق المبالغة أيضًا في فكاهته، فكثيرًا ما يعمد إلى معنى من المعاني أو صفة من الصفات فيبالغ فيها حتى يبلغ بها مدى بعيدًا، فتثير الضحك بذلك. لننظر في وصفه لخبز الدير: "فإنهم بعد أن يخبزوه رقيقًا يشمّسونه أيامًا متوالية حتى يجفّ وييبس، بحيث يمكن للإنسان إذا أخذ بكلتا يديه رغيفين وضرب أحدهما بالآخر أن يخيف بقرقعتهما جميع جرذان الدير، أو أن يتّخذهما متّحذ الناقوس الذي يضرب به لأوقات الصلاة. ولا يقدرون على أكله إلا منقوعًا بالماء حتى يصير عجينًا". لقد رأينا المبالغة في وصفه ليبوسة الخبز، إذ جعل صوت رغيفين يُضرب أحدهما بالآخر يخيف الجرذان، أو كصوت الناقوس، ولكن فكاهة الشدياق هنا لا تعتمد على المبالغة البسيطة فحسب، فقد وصف هذا الخبز باليبوسة حتى بلغ بهذه الصفة أقصاها، ثم إنهم لا يستطيعون أكله إلا بعد أن يعود عجينًا كما كان قبل أن يُخبز. وأخيرًا فإن أدواته لإنشاء هذه المبالغة من الدير ذاته، مشيرًا بذكاء إلى الجرذان الكثيرة في الدير. وهكذا فإن هذه الفكاهة هنا مركّبة متشعّبة وإن كانتْ اعتمدت المبالغة أساسًا تقوم عليه، ومن هنا كان أثرها الفكاهي القويّ في نفس القارئ.
لنأخذ فكاهة أخرى أبسط من سابقتها، لا تعتمد على غير المبالغة لخلق الأثر الفكاهي. يقول في حديثه عن خطّ الأقباط في مصر: "ومن ذلك أن لبني حنا فيها أسلوبًا في الكتابة لا يعرفه أحد إلا هم، ولهم حروف كحروفنا هذه إلا أنها لا تُقرأ إلا إذا أدخلها الإنسان في عينه، كذلك رأيتهم يفعلون". من الطبيعي أن يقرًب المرء الكتاب ليقرأه إذا كان الخط صغيرًا، وكلما صغر الخط قرّبه المرء أكثر من عينيه، وهكذا مضى الشدياق بالمبالغة إلى نهاية الشوط، فجعل القارئ يُدخل الحروف في عينيه حتى يستطيع قراءتها، فتعدّى بذلك المعقول وأثار الضحك. وربما كان لتعقيبه الأخير بأنه رآهم يفعلون كذلك أثر ثانوي يقوي من وقع المبالغة إذ يوردها بصفته "شاهد عيان".
كذلك يصف في موضع آخر حرص المصري على زوجته، حتى أنه يخاف عليها من الخروج وحدها فيقول على لسان الفارياقية: "ولا يأخذ بذراعها إذا تماشيا، بل قلما يمشي معها إلا إذا سارت لتنظر أهلها، غيرة عليها من أن يكلّمها أحد في الطريق أو يراها، فترجع حبلى من النظر بفذّ ومن الكلام بتوأمين".
ثم هناك نوع آخر من المبالغة لا يختلف في مضمونه عما ذكرنا، لكنه يتّخذ التكرار أسلوبًا للمبالغة حتى يخرج بالصورة كما قلنا عن المعقول، فتثير الضحك. ففي حديثه عن كلف الرجل بالمرأة مثلا يبالغ ويكرّر، فيقول: "ألا ولو أنك ألقيته في جبّ سيدنا يوسف، وفي فلك سيدنا نوح، وفي بطن حوت سيدنا يونس، وعلى ناقة سيدنا صالح، ومع أصحاب الكهف، لصرخ قائلا المرأة المرأة، ومن لي بالمرأة". ومثل هذه المبالغات التي تعتمد التكرار أسلوبًا كثيرة، أوردنا منها الكثير عند حديثنا عن موضوعات سخريته، وفي تحليلنا للمادة اللغوية في الكتاب، فلا حاجة بنا إلى التكرار.
ب - التناقض
يقوم هذا النوع على الجمع بين نقيضين أو ضدّين في الفكاهة. لقد سبق أن أشرنا إلى هذا العنصر في السخرية من رجال الدين، وأن الفكاهة تُبرز التناقض الصارخ بين المثالي والواقعي من شؤون الحياة. ولكن الأمر لا يقتصر على رجال الدين، يكفي أن يعمد الكاتب إلى مجال من مجالات الحياة ليُبرز التناقض القائم فيه بأسلوب ذكي وإيجاز، مثيرًا الضحك. وطبيعي هنا أن يكون الطباق ملائمًا لهذا النوع من الفكاهة، إذ هو من المحسّنات المعنوية لا اللفظية، ويعتمد على إيراد المعنى الواحد وضدّه في عبارة واحدة. ففي حديث الشدياق عن الأدباء التقليديين وانصرافهم إلى اللفظ مبتعدين بأدبهم عن تصوير واقع الحياة يقول: "فنرى المصاب ينتحب ويولول ويشكو ويتظلّم، والمؤلف يسجّع ويجنّس ويرصّع ويورّي ويستطرد ويلتفت".
واضح أن الفكاهة تقوم في هذه العبارة أساسًا على إبراز التناقض بين حال المصاب وحال الأديب الذي يصف هذا الواقع، وقد أضاف التكرار أو المبالغة بعدًا ثانيًا لهذه الفكاهة ساهم في نجاحها طبعًا.
كذلك نقرأ في وصفه لحمّامات مصر: "إن حمّاماتها لا تزال تُقرأ فيهما سورة أو سورتان من القرآن فيها ذكر الأكواب والطائفين بها، فالخارج منها يخرج طاهرًا وجنبًا". هكذا اعتمد الشدياق على التناقض الذي يصل إلى حدود اللامعقول في وصفه لحالة الخارجين من الحمّامات، مضيفًا إلى فكاهته طبعًا إشارة جنسية واضحة ارتبطت بآيات القرآن الكريم، فكان التناقض مضاعفًا ومكثّفًا إلى أبعد الحدود.
ولعل وصف الشدياق للزانيات في مالطة هو خير مثال لاستغلال عنصر التناقض في فكاهته: "على أن الزواني في هذه الجزيرة متهوّسات في الدين، فإنك تجد في بيت كل واحدة منهن عدّة تماثيل وصور لمن يعبدونه من القديسين والقديسات، فإذا دخل على إحداهن فاسق ليفجر بها قلبت تلك التماثيل، فأدارت وجوهها إلى الحائط لكيلا تنظر ما تفعله فتشهد عليها بالفجور في يوم النشور".
إن هذه السخرية "المفرقعة" التي تبرز التناقض الصارخ في حياة هؤلاء الزانيات قد استهوت الشدياق نفسه على ما يبدو، فعاد إلى مثلها في موضع آخر وإن اختلف الأسلوب، شأنه في ذلك شأن الشاعر يكتب قصيدة جيدة ثم يكرر معانيها في قصائد أخرى بعدها: "فإن القوم [الإنجليز] يتظاهرون بالتقوى حتى البغيّ منهم تجأر وهي مستلقية بالدعاء مرّة وبالرفَث أخرى".
لن نطيل في إيراد الشواهد على هذا النوع لضيق المجال، ولكننا مع ذلك سنورد إحدى فكاهاته من هذا النوع، لنرى كيف يسعى الشدياق عامدًا من أول الفقرة لإنشاء هذا التناقض بما يمهّد له من القول: "إن للعجائز يدًا طويلة في المعاملات النسائية، أعني أنهن يدخلن الديار بحيلة أنهن يبعن للنساء ثيابًا يكتسين بها فيخرجن من عندهن وقد تعاهدن على تعريتهن رأسًا". أرأيت كيف مهّد لفكاهته التي تعتمد على التناقض فجعل العجائز يدخلن بحيلة بيع الثياب لتستقيم له الفكاهة في آخر العبارة حين يذكر أنهن ينجحن في تعرية النساء رأسًا؟!
التبديل
لعل هذا النوع من أكثر أنواع الفكاهة اتساعًا حتى جعل بيرجسون المبالغة ذاتها فرعًا من فروعه. ويعتمد هذا النوع على نقل التعبير لما لا يلائمه من الحالات، أو إعطاء الأسباب غير الحقيقية للظواهر المألوفة، وأخيرًا إيراد الأقيسة في غير مواضعها. بكلمة أخرى نقول إن هذا النوع يعتمد على الاستعمال "الخاطئ" للتعبير المعروف وإيراد السبب "الخاطئ" و"القياس الخاطئ" لتفسير الظواهر المألوفة. وقد آثرنا ألا نورد كل فكاهات الشدياق في هذا النوع دفعة واحدة وإنما قسمناها إلى فروع ثلاثة:
أ- التبديل التعبيري: وهو كما قلنا ألا يستخدم الكاتب التعابير المألوفة في مواضعها الصحيحة، وإنما ينقلها إلى مواضع أخرى لا تلائمها، فيُحدث بذلك الضحك، أو كما يعرّف ذلك بيرجسون: "يحصل الأثر الهزلي دائمًا بنقل التعبير الطبيعي للفكرة إلى "مفتاح آخر". خير مثال على هذا النوع، ربما، هو النكتة الشعبية المعروفة عن جحا: يروون أنه أراد الذهاب إلى السوق ليشتري حمارًا، فسأله أحد الناس: "إلى أين أنت ذاهب؟" فأجاب: "إلى السوق لأشتري حمارًا". فقال له: "قل إن شاء الله". فردّ جحا: "لماذا أقول إن شاء الله؟ النقود في جيبي والحمار في السوق". وذهب إلى السوق فسرق له أحد اللصوص ماله، فرجع إلى قريته حزينًا، فسأله الناس: "ماذا جرى لك؟" فأجاب: "سُرقت النقود إن شاء الله".
إنها فكاهة ناجحة، وإذا نظرنا في سرّ نجاحها فلا شكّ أنه استعمال جحا للتعبير المألوف: "إن شاء الله" في غير موضعه المناسب من حيث المعنى والنحو. ويندرج تحت هذا النوع فكاهات أخرى أوردها الشدياق وإنْ لم تكن كثيرة نسبيًا. من ذلك سخريته بأطبّاء ذلك الزمان فيقول: "قال [الطبيب ] ما أضحكك، قلت لا شيء. قال ما أحد يضحك من لا شيء فلا بدّ وأنْ يكون هناك شيء. قلت فكّرت في ذلك الذي عاد مريضًا فقال لأهله: آجركم الله في مريضكم، فقالوا إنه لم يمت بعد. قال يموت إن شاء الله".
من هذا النوع من الفكاهة ما أورده الشدياق في حديثه عن إقامته بمصر فقال: "وكان عند الخرجي خادم مسلم قد عشق ابنة القبطي، فغار عليها من الطنبور فسعى بالفارياق [صاحب الطنبور] إلى سيّده (...) فشكره الخرجي واستصوب ما قاله وأوعز إلى الفارياق بإلغاء الآلة فألغاها (...) ثم بعد أيام قليلة هرب الخادم بالبنت وتزوج بها بعد أن أسلمتْ والحمد لله ربّ العالمين.".
لا يقتصر هذا النوع، طبعًا، على التعابير المألوفة تقال في غير مواضعها، وإنما يتعدّى ذلك إلى كل تعبير أو لفظة تقال في غير موضعها، لتثير الضحك. ففي حديث الشدياق عن دخوله الدير ليبيت فيه، يصف كيف جاءه الراهب ليوقظه من نومه في منتصف الليل ليدعوه إلى الصلاة فيقول: "وما كدت الآن أغفى حتى أتاني هذا القارع النحس يدعوني إلى الصلاة، أكان أبي راهبًا وأمي راهبة أم وجب عليّ الشكر والصلاة من أجل أكلة عدس؟". ومن ذلك أيضًا قول الفارياق عن "شيخ السوق" أو البابا وهو، كما هو معروف، حليق الذقن والشاربين: "فجعل الفارياق يصرخ ويقول: "ألا يا شيخ السوق عفوًا، بحقّ لحيتك التي عند الحلاقين ألا ما أجرتني"".
يندرج تحت هذا النوع أيضًا تلك الفكاهة المألوفة في الكلام عن الحب وما شابه بأسلوب أصحاب الحرف ومصطلحاتهم، وقد أشرنا في حينه إلى أشعار الشدياق التي يخاطب بها المرأة على لسان الملك والوزير وقاضي القضاة والطبيب وغيرهم، فيورد على لسان كل منهم بيتين من الشعر مستخدمًا مصطلحاته الخاصة به في موضوع الغزل، كما أشرنا إلى رسالة الجاحظ "في صناعات القوّاد" التي تعتمد أيضًا على العنصر الفكاهي
[ انظر الفصل الثاني من كتابنا هذا، حول الشعر في الفارياق].
كذلك لجأ الشدياق إلى الأسلوب ذاته في حديثه عن بنات المراقص في باريس، حيث استخدم الاصطلاحات التجارية قائلا: "ومنهم من يتصدى لمعرفة هؤلاء البنات في المراقص، فيعمد الرجل إلى بنت ويدعوها للرقص، فإذا أعجبتْه وأعجبها دعاها للشراب في موضع مخصوص في المرقص، وعقد عليها عقد الزيارة الشهريّ، ومن عامل واحدة منهن مشاهرةً لم ينفق عليها ما ينفقه لو قضاها على كل مرّة على حدتها".
ب- المغالطة في التعليل: وهذا شبيه إلى حدّ بعيد بما يدعوه علماء البلاغة "حسن التعليل"، وذلك أن ينكر الأديب أو الشاعر السبب الطبيعي لظاهرة معينة، ويأتي لها بسبب من عنده يخدم الغرض الذي يريد كالمدح أو الغزل على الأغلب.
أما في مجال الفكاهة فإننا نرى الشدياق يعمد إلى الظاهرة فيعلّلها تعليلا فكاهيًا، لا علاقة له طبعا بالظاهرة ولا يفسّرها، وإنما يخدم غرض الكاتب وهو السخرية. وكثيرًا ما يكون هذا التعليل متّصلا بالمرأة طبعا، من قريب أو من بعيد.
يقول الشدياق في تعليل قلّة وجود العميان في باريس ولندن، ولا يهمّنا طبعًا إن كان ذلك حقيقة أو هو من ابتكاراته التي لجأ إليها لتستقيم له فكاهته: "وعندي أن هاتين الخلّتين وهما حكّ الأعتاب [ في لندرة ] والخروج من دون التحاف [ في باريس ] هما السبب في قلّة وجود العميان في هاتين المدينتين السعيدتين".
يقول أيضًا، في حديث له طويل عن الدبر، وهو كما لا يخفى موضوع آخر من اختصاص الشدياق: "وتصوّر في باله أن صوت العود لم يكنْ بأشجى من غيره إلا لكون هذه الآلة قد صُنعتْ على مثال شطر ذلك الموضع، ولو كان كالشطرين لسُمع له منطق بإعراب. وإن شكل القبّة مأخوذ منه، ورائحة الندّ تروى عنه، وأنّ العرب من زيادة شغفهم به الحقوا حروفه بالأفعال السداسية الدالّة على طلب الفعل [ وزن: است فعل ].
ويتذمّر الشدياق من الدنيا التي لا تقيم وزنًا إلا للدينار وصاحب الدينار، فيلجأ في سخريته إلى الأسلوب ذاته: "ولا يخفى أن الدنيا لمّا كان شكلها كرويًا كانت لا تميل إلى أحد إلا إذا استمالها بالمدوّر مثلها وهو الدينار، فلا يكاد يتمّ فيها أمر بدونه [ .. ] فالوجوه المدوّرة المدنّرة خاضعة له أيان برز، والقدود الطويلة منقادة إليه كيفما دار، والجباه العريضة الصليتة مكبّة عليه والصدور الواسعة تضيق لفقده". كما لاحظ أن كثيرين من المصريين، على ما يبدو، قد قطعت إحدى أصابعهم، أو أصابهم ما يشبه ذلك من تشويه، فقال ساخرًا: "ومنها أن قومًا منهم بلغهم أن نساء الصين يتّخذن أو بالحريّ يتّخذ لهن قوالب من حديد لتصغير أرجلهن عن المقدار المعهود، فجعلوا يشذّبون أصابعهم، واعتقدوا أن اليد، إذا كان بها أربع أصابع فقط، كانت أخفّ للعمل وأنفع لصاحبها".
وانظر إليه، أخيرًا، كيف يفسّر أن تاجرًا من الإنجليز أعطاه قطعة حبل دون أن يأخذ ثمنها: " .. وآخر من التجار كان الفارياق اشترى منه قطعة حبل ليربط بها صندوقه، فأبى التاجر أن يأخذ منه ثمنها، فكأنه ظنّ أن الفارياق لم يشترِها إلا بعد أن استخار الله في أن يخنق بها نفسه".
ج- المغالطة في القياس: وهو نوع من التبديل قريب من النوعين السابقين، يعمد فيه الشدياق إلى الحديث عن الشيء بما لا يلائمه، أو يقيس الأمور ببعضها قياسًا غير منطقي، فيُحدث بذلك الفكاهة.
فمن سخريات الشدياق المعروفة بالنحو وطريقة تدريسه، وإطالة المؤلّفين في البحث فيه والخلاف حوله، ما يقوله على لسان المعلم: " قد طالما كان يخامرني الريب في قضية خلود النفس، فكنت أميل إلى ما قالته الفلاسفة من أن كلّ ما له ابتداء فهو متناهٍ، فلما رأيتُ النحو له ابتداء وليس له انتهاء قست النفس عليه، فزال عني والحمد لله ذلك الإبهام".
وطبيعي أنّ الفكاهة هنا لا تعتمد على "القياس الخاطئ" فقط وإنما هي إلى جانب ذلك اعتبرت كون النحو بلا نهاية مسألة لا نقاش فيها، وفي ذلك مغالطة مقصودة في الفرضية طبعًا، ثم كان القياس من النحو إلى النفس ليقتنع المعلم بخلود هذه النفس دون نهاية!
وفي سخريته من الأطباء يتحدث الشدياق عن جثّته كأنّما هي شيء منفصل عنه. أو كأنّما هي إحدى حاجاته المنقولة، ليبرّر بذلك عدم مبالة الطبيب بالمريض، فيقول:".. ثمّ رفع رأسه [ الطبيب ] وقال لخادمي هات الطست. قلتُ ما تريد أن تفعل ، وأنا صاحب جثّتي، أفلا تشاورني؟
كذلك يتحدّث الشدياق ساخرا عن شغف الرجل بالمرأة، حتى أنّه يودّ لو جمع كلّ النساء في سِلك واحد يجعله في عنقه، ثم يتابع قائلا: " ومن ماراني في ذلك رجعتُه إلى قصّة سيدنا سليمان عم، فإنه معما أوتي من الحكمة، وما أدراك ما الحكمة، فقد كان سِلكه يشتمل على ألف امرأة، منهن ثلاثمائة سُرّيّات والباقي سَريّات، فكان له في كل يوم امرأتان ونصف وكسور".
لقد كان القياس الفكاهي هنا، في حديث الشدياق عن المرأة، إذ قسّم بعملية حسابية الألف امرأة على عدد أيام السنة، فكان حاصل القسمة امرأتين ونصفًا وكسورًا، كأنما المرأة تفاحة أو غيرها، يقسمها فيكون الجواب كسورًا. يلاحظ كذلك أنه عمد إلى الجناس بين سُرّيّة أي الأمة او الجارية وسَرِيّة التي يعني بها الزوجة.
وبعد، فإننا حاولنا أن نقف على العناصر الرئيسية التي اعتمدها الشدياق في إنشاء فكاهته، وإذا كان لنا ما نقوله في ختام ذلك فهو أنّ الفكاهة لا تكون من البساطة والسهولة كما حاولنا عرْضها. ذلك أن الفكاهة عند الشدياق كثيرًا ما تكون مركّبة متداخلة تنتمي إلى نوعين أو أكثر من هذه الأنواع التي ذكرناها، وهذه العناصر حين تجتمع معًا تُحدث الفكاهة الناجحة. ذلك أن التقسيم بهذا الشكل هو في الأساس لتسهيل تناولنا لفكاهته بالتحليل، وإنْ كنا مضطرين رغم ذلك أن نشير أحيانًا إلى عناصر أخرى غير العنصر الذي نحن بصدده.
لا بدّ من القول أخيرًا إن الشدياق أستاذ في هذا الفن دون جدال، ولا أنكر أني كثيرًا ما كنت أقف أمام بعض فكاهاته ضاحكًا، ثم أحتار حين أحاول التفتيش عن العنصر الأساسي فيها. إن كتاب الفارياق تراث ضخم في مجال السخرية، بل لا أظنّني مبالغا إذا قلتُ إنه أعظم كِتاب ساخر في تاريخ الأدب العربي، قديمه وحديثه!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,637,589,101
- كتاب الفارياق، مبناه وأسلوبه وسخريته، تل أبيب 1991-
- الشدياق، جبّار القرن التاسع عشر!
- هذا التراث المتفرّد .. يجب توثيقه!
- نوّاب قال!
- مرّة تخيب ومرّة تصيب!
- شعشبون يعلو الجدران!
- في حرفيش.. كلّ شيء تغيّر!
- النتاج الإدبي لا يمكن أن يكون موضوعيّا !
- من أَرَج الشباب
- خيال طبق الواقع
- عارف الماضي: خواطر موسيقيّة بقلم سمّيع غير موسيقيّ !
- .. وهبَ الشعرَ حياته، فضمن له الشعرُ الصدارة والخلود !
- تحقيق المخطوطات دونما مصطلحات !
- صيغة الحداثة في -أباريق مهشّمة-
- القديم والجديد في الصورة الشعرية عند الجواهري
- ظلّ الغيمة؟! قراءة في السيرة الذاتية لحنّا أبو حنّا*
- بناء الذاكرة في كتاب الأيّام
- كيف تحوّلت جزيرة مالطة إلى جزيرة الملوط؛
- توظيفات السجع في-الساق على الساق-
- الصعب والأصعب في رحلة فدوى طوقان


المزيد.....




- صدور رواية -مورفي- لصامويل بيكيت، ترجمة حسين عجة
- حق -التمتع بحقوق- عند حنا آرندت.. اختبار وتناقض حقوق -الإنسا ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم السبت
- هوَ الحُزن ...
- السفير المصري يفتتح أيام الثقافة المصرية في موسكو...صور
- الأحرار يسخرون من ابن كيران: واش يقدر -غيتيريس- يدعو - رونار ...
- كيف يتجنب الصحفيون التمييز والكراهية؟ إصدار جديد لمعهد الجزي ...
- المنتج محمد حفظي يكشف سبب رفضه مشاركة فيلمه -ليلة رأس السنة- ...
- لماذا يجب أن نخاف من تحقق أفلام الخيال العلمي؟
- فنانة لبنانية تغني -طلع البدر علينا- داخل كنيسة...فيديو


المزيد.....

- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سليمان جبران - كتاب الفارياق، مبناه وأسلوبه وسخريته، تتمة المقال السابق تل أبيب، 1991