أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نعيم إيليا - وقول النصارى إله يضام















المزيد.....

وقول النصارى إله يضام


نعيم إيليا

الحوار المتمدن-العدد: 6201 - 2019 / 4 / 14 - 18:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليس لعاقل أن يؤاخذ المعري على أنه فهم قول النصارى المسيحيين - رغم سعة اطلاعه على عقائدهم - فهْمَ القارئ للحرف الدال لا على معنى آخر يفيض عنه؛ فإن أبا العلاء كان ذا رأي موسَّد إلى العقل؛ أي كان عقلانياً. أليس القائل:
أيها الغر إن حبيت بعقل
فاعبدنّه فكل عقل نبي
والقائل:
سأتبع من يدعو إلى الخير جاهداً
وأرحل عنها ما إمامي سوى عقلي
فمن كان هذا شأنه، فكيف له أن يلام؟ فإن ليم، قيل للائمه على وجه التوبيخ: عقيدة المسيحين في التجسد والصلب، إيمانٌ، والإيمان لا ينبغي أن يلزم العقلَ بمنطقه الذي يخصه وحده.
كما ليس له أن يؤاخذ (أكسانوفان) Xenophanes ] صاحب هذا القول:
„ إن الناس هم الذين استحدثوا الآلهة، وأضافوا إليهم عواطفهم وصوتهم وهيئتهم، فالأحباش يقولون عن آلهتهم: إنهم سود فطس الأنوف، ويقول أهل تراقية: إن آلهتهم زرق العيون حمر الشعور. ولو استطاعت الثِّيَرَة والخيل لصورت الآلهة على مثالها، وقد وصفهم هوميروس وهزيود بما هو عند الناس موضوع تحقير وملامة. ألا إنه لا يوجد غير إله واحد أرفع الموجودات السماوية والأرضية ليس مركباً على هيئتنا ولا مفكراً مثل تفكيرنا ولا متحركاً ولكنه ثابت كله بصر وكله فكر وكله سمع يحرك الكل بقوة وبلا عناء".
فإن لأكسانوفان تصوراً يختلف عن تصور المسيحيين للخالق. الخالق في تصور أكسانوفان ليس له أن تكون له كلمة تنزل إلى الأرض في صورة إنسان لتصلح الإنسان هذا الذي قد يكون الرب صانعُه أخطأ في صنعه؛ لأن النزول حركة، والخالق ثابت لا يتحرك كما تتحرك موجودات العالم الجزئية.
ولن يكون مجدياً أو حسناً أن يلام Epikur إفيكوروس، لو أنه سخر بعقيدة المسيحيين؛ ففي خيال افيكوروس أن الآلهة تقيم في عالم سعيد كل السعادة، قصيّ بعيد عن عالم المخلوقات. وعالم الآلهة عالم سعادة أبدية، وعالم المخلوقات عالم يكدره شقاء وبؤس. فإن هي أولته عنايتها، تكدرت بتكدره سعادتُها.
وكذا إن ليم الفارابيُّ إذا أظهر رأياً يناوئ عقيدة المسيحيين. فإن الفارابي، ذو رأي في المبدأ الأول هو مزيج من رأي Aristoteles أرسطوطاليس ورأي Plotin افلوطين يقول بأن الأول لا يعقل إلا ذاته، هو العقل والمعقول. ولا يحب إلا ذاته، فهو المحب والمحبوب بالفعل لا بالقوة. ويقول بإن الكون قديم موجود ولكن ليس بالخلق وإنما بالفيض عن كمال الأول الذي لم يزل؛ فالكون إذاً كالأول لم يزل، وعبر عن رأيه هذا في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة:
„ هو الموجود الذي لا يمكن أن يكون له سبب به أو عنه أو له كان وجوده. فإنه ليس بمادة ولا قوامه في مادة ولا في موضوع أصلاً، بل وجوده خلو من كل مادة ومن كل موضوع ولا أيضاً له صورة؛ لأن الصورة لا يمكن أن تكون إلا في مادة. ولو كانت له صورة لكانت ذاته مؤتلفة من مادة وصورة. ولو كانت كذلك لكان قوامه بجزئيه اللذين منهما ائتلف، ولكان لوجوده سبب. فإن كل واحد من أجزائه سبب لوجود جملته، وقد وضعنا أنه سبب أول… ووجود ما يوجد عنه إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر..."
ولما كان الأول، سبباً أول فهو لا يمكن حدّه:
"فإنه غير منقسم بالقول إلى أشياء بها تجوهره. وذلك لأنه لا يمكن أن يكون القول الذي يشرح معناه يدل كل جزء من أجزائه على جزء مما يتجوهر به. فإنه إذا كان كذلك كانت الأجزاء التي بها تجوهره أسباباً لوجوده على جهة ما تكون المعاني التي تدل عليه أجزاء حد الشيء أسباباً لوجود المحدود، وعلى جهة ما يكون المادة والصورة أسباباً لوجود المتركب منهما. وذلك غير ممكن فيه، إذ كان أولاً وكان لا سبب لوجوده أصلاً...“
فأما إن كان (لابن حزم) عقيدة تماثل عقيدة المسيحيين في تجسيم كلمة الله، فنقم على المسيحيين أن لهم نفس العقيدة التي تقول بتجسيم كلمة الله أو تجسدها في إنسان، وعيّرهم بذلك أشنع التعيير وأشده بذاءة وعداوة. فماذا يقال عليه؟ هل يعتذر له، كما اعتُذر للحكماء الذين تقدم التنويه بهم؟
في كتابه (الفِصَل في الملل والأهواء والنحل) في الصفحة الرابعة بعد السبعين جاء قوله:
„ وقصة ثالثة: وهي اعتراف المسيح على نفسه بأنه يأكل ويشرب، وهو عندهم إله فكيف يأكل الإله ويشرب؟ ما في الهوس أكثر من هذا. فإن قالوا: إن الناسوت منه هو الذي يأكل ويشرب. قلنا: وهذا كذب منكم على كل حال؛ لأنه إذا كان المسيح عندكم لاهوتاً وناسوتاً معاً فهو شيئان، فإن كان إنما أكل الناسوت وحده فإنما أكل الشيء الواحد من جملة الشيئين، ولم يأكل الآخر، فقولوا: إذاً أكل نصف المسيح، وشرب نصف المسيح، وإلا فقد كذبتم في كل حال، وكذب أسلافكم في قولهم أكل المسيح، ونسبتم إلى المسيح الكذب في خبره عن نفسه أنه يأكل، وإنما يأكل نصفه لا كله، والقوم أنذال بالجملة. „
وجاء في الصفحة 200 إجمال لمقالته في عقائد المسيحيين وفيها يقول:
„ فهذه سبعون فصلاً في أناجيلهم من كذب بحت، ومناقضة لا حيلة فيها. ومنها فصول يجمع الفصل منها ثلاث كذبات فأقل أو أكثر، على قلة مقدار أناجيلهم، وجملة أمرهم في المسيح – عليه السلام – أنه مرة بنص أناجيلهم: ابن الله، ومرة هو ابن يوسف، وابن داود، وابن الإنسان، ومرة هو إله يخلق ويرزق، ومرة هو: خروف الله، ومرة هو الله، والله فيه، ومرة هو في تلاميذه، وهم فيه، ومرة: هو: علم الله وقدرته، ومرة لا يحكم على أحد، ولا تنفذ إرادته، ومرة هو: نبي وغلام. ومرة أسلمه الله إلى أعدائه. ومرة قد انعزل الله له عن الملك، وتولاه هو، وصار يشرف الله، ويعطي مفاتيح السماوات، ومرة يولي أصحابه خطة التحريم والتحليل في السماوات والأرض. ومرة يجوع ويطلب ما يأكل، ويعطش ويشرب، ويعرق من الخوف، ويلعن الشجرة إذا لم يجد فيها تيناً يأكله، ويفشل فيركب حمارة، ويؤخذ ويلطم وجهه، ويضرب رأسه بالقصبة، ويبزق في وجهه، ويضرب ظهره بالسياط، وتمر به الشرط، ويتهكمون به، ويسقى الخل في الحنظل، ويصلب بين سارقين، وتسمر يداه، ومات في الساقة ودفن ثم يحيا بعد الموت، ولم يكن له هم إذا حيا بعد الموت واجتمع بأصحابه إلا طلب ما يأكل فأطعموه الحوت المشوي، وسقوه العسل، ثم انطلق إلى شغله.
هذا كله نص أناجيلهم، وهم قد اقتصروا في دينهم من كل هذا على أنه إله معبود فقط، وهم يأنفون من إله مع الله. وأناجيلهم وأمانتهم توجب أن المسيح إله غير الله، بل يقعد عن يمين الله، وأنه أكبر منه، وهو يخلق كما يخلق، ويحيى كما يحيى، فبالضرورة توجب أنهم قائلون بإلهين ولا بد متغايرين. „
كلا! ليس يعتذر له، كما اعتذر للحكماء الذين تقدم ذكرهم؛ فإن الرجل الذي يطعن في شيء من عقائد الآخرين، وفي عقيدته شيء مطابق لهذا الشيء الذي يطعن عليه في عقائد الآخرين، وهو إذ يجترح الطعن لا عن خبل وغباء فيغض عنه، إنما هو رجل قد أعماه التعصب. ومن يعمِه التعصب، فلا مزحل له عن الجنوح والإضرار بسلامة الوحدة الاجتماعية وأمنها. فيلزم من يهمه أن يكون مجتمعه سليماً آمناً، أن ينفحه بما يستأهل أن يُنفح به.
ولما كان الدفاع عن المسيحية، ليس هو الغاية ههنا. وإنما الغاية إقامة البرهان على اشتراك المسيحية والإسلام في عقيدة التجسيم؛ كي يكون هذا البرهان برهاناً على فساد نيِّة ابن حزم ومن والاه فيها من أبناء هذا العصر؛ فقد جاء القول وحسب في تجسيم الكلمة، كلمة الله دون سائر الموضوعات المتنازع عليها بين الفريقين وذلك بإيجاز يكاد يكون مخلاً:
في المسيحية أن المسيح كلمة الله، وهو الله بالاستدلال "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله".
فإن كان المسيح هو كلمة الله في المسيحية، فما هي كلمة الله في الإسلام؟
إنها القرآن!
إن القرآن في وجدان جمهور المسلمين وفقهائهم كلام الله، كما أن المسيح كلمة الله في وجدان المسيحيين. وقد يختلف فقهاء المسلمين في مسألة هل القرآن أزلي غير مخلوق، أم هو مخلوق غير أزلي، ولكنهم لا يختلفون البتة في أنه كلام الله.
وكلام الله (القرآن) عند المسلمين، صفة إلهية – وهذه الصفة تقابل الأقنوم في المسيحية – إنها صفة أزلية أي كانت مع الله دائماً، وهي ليست صفة ملحقة به أو محمولة عليه أو مضافة إليه من خارج، وإنما هي صفة ذاتية؛ أي هي من ذات الله، وفي ذات الله، وهي ذات الله.
إذن؟
أين يتجلى الفرق بين تصور المسيحيين لكلمة الله وبين تصور المسلمين لها؟ ألعل بينهما فرقاً؟ أين تراه يكون؟ أفي هذا الفرق الهيّن الطفيف الذي يرى أن كلمة الله تجسدت في (المسيح)، وكلمة الله تجسَّمت في (القرآن) في كتاب ملموس من حبر وورق؟
إن العبرة في مبدأ التجسد لا في كيفيته وماهيته ومظهره.
وبعد
فكما أن كلمة الله المسيح، يمثل الحق والحقيقة في اعتقاد المسيحيين، فإن القرآن يمثل الحق والحقيقة في اعتقاد المسلمين.
والحق لم يفلت أو ينجُ عبر الأزمان من الإنكار والتشنيع والتسفيه والسخرية والإهانة والصلب والحرق. لقد صُلب المسيح؛ لأنه الحقيقة في تصور المسيحيين. والحقيقة إنما يصلبها ضديدها الباطل ويسخر بها. ولقد تعرض القرآن الذي هو الحقيقة عند المسلمين للنقض والازدراء عبر العصور وللإهانة أيضاً، وإن لم يصلب فقد أحرق، وديس بالأقدام، ورماه قوم في المجاري، وفي حاويات القمامة.
فبأي منطق جاز لابن حزم أن يطعن على عقيدة تجسُّدِ الحقيقة الإلهية لدى (النصارى) بشخص المسيح ويسخر بها ويكفّر أهلها، وهي عند التحقيق ليست شيئاً آخر غير الحقيقة الإلهية التي يؤمن هو بها متجسمة ولكن في كتاب؟
أيكفّر امرؤ عقيدته، في الوقت الذي هو فيه مؤمن بها أحسن الإيمان؟ كيف ذلك !؟
إنه ليطعن، ويطعن أشياعه اليوم على عقيدة المسيحيين التي هي، عند التحري، عقيدته وعقيدتهم بالمماثلة، فما عسى أن يكون السبب؟
أتراه يجهل ويجهلون أن كلمة الله في الإسلام، هي ذات الله وأنها متجسمة في كتاب كما كلمة الله المتجسدة في إنسان والتي هي ذات الله عند المسيحيين؟
فإن كان لا يجهل ولا يجهلون أن القرآن ذات الله وأن ذات الله تتجسد أو تتجسم، فما باله وبالهم يكفّرون من يقول عين مقالتهم؟





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,323,865,732
- الردُّ على ابن حزم في مسألة تحريف الكتاب المقدس
- مأزق العلمانية
- ما بين الدين والأفيون من ضروب التشابه
- حقيقة ما جرى في قرية الفردوس
- مشكلة المعرفة لدى ايدن حسين. (دحض المثالية)
- ياء ميم، ياء ميم الست مريم وصاحبها كريم
- خالق الموجودات
- مارس وفينوس
- حَدُّ المادة وأصلها
- صلوات حب على مدار العام 2
- صلوات على مدار العام 1
- في البدء كان الكلمة 2
- في البدء كان الكلمة
- رجع الكلام على ما تقدم من القول في المعنى
- لاهوت التنزيه
- مناظرة المسيحي والمسلم
- قصة التحولات الفجائية 7
- قصة التحولات الفجائية 6
- قصة التحولات الفجائية 5
- قصة التحولات الفجائية 4


المزيد.....




- فيديو لـ-قمر الدين منتج سوري مخلوط بالزجاج- يثير ضجة في السع ...
- 5 دولارات بأمريكا.. فقط لتمر بهذا الشارع المشهور جداً
- السودان: اتفاق بين الحراك والمجلس العسكري على عقد لقاءات لنق ...
- ما آخر تغريدة نشرتها مها ووفاء السبيعي بعد هربهما من السعودي ...
- الحوثيون: وصول سفينة تحمل وقودا إلى ميناء الحديدة
- رئيس وزراء سريلانكا يصف انفجارات اليوم بـ -الهجوم الجبان-
- الكونغو الديمقراطية: إرتفاع عدد ضحايا غرق قارب إلى 40 قتيلا ...
- ليبيا: مطار معيتيقية بطرابلس يستأنف نشاطه
- بعض الملاحظات حول الخطاب المخادع للمسماة عبير موسي
- ليبيا: مطار معيتيقية بطرابلس يستأنف نشاطه


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نعيم إيليا - وقول النصارى إله يضام