أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - قاسم أمين الهيتي - في المثقف والثقافة















المزيد.....


في المثقف والثقافة


قاسم أمين الهيتي

الحوار المتمدن-العدد: 6187 - 2019 / 3 / 31 - 17:34
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


أقدم هذه الورقة البحثية للسادة المحتفلين في "مهرجان هيت الثقافي الثالث " من 28 الى30 آذار 2019.
يعرف المثقف بأنه؛ الشخص الذي يحرز موقعاً متميزاً نتيجة أعمال ذهنية في النقد والبحث، وفي إقتراح الحلول الناجعة للمشاكل التي تواجه المجتمع. لذا فوظيفته تتعلق بالعقل، نتيجة التركيز الذهني والتفكير المركز بالموضوعات التي تدعو إلى إثارة نقاش جدي في مواضيع مختلفة. وعليه فهو شخصية لها قدرة على التعامل مع الصعوبات الذهنية، واستنتاج الأمور المنطقية لفهم مختلف المواضيع، والتفاعل معها وشرحها. إذ إن الحياة اليومية حالياً تحوي أموراً عديدة في مجالات مهمة، تحتاج الى حكمة لتقييمها؛ مثل: الطب والأدب والفنون والسياسة والاقتصاد. وعلى الشخص الذي يتمتع بهذه المقدرة والمعرفة أن يتحمل المسؤولية بفوائد حكمته كدين بعنقه للعالم. لذا فالمثقفون يحتاجون إلى شجاعة وإقدام لاستخدام قدراتهم للمساهمة في توجيه المجتمع، خاصة تحت الحكم الجائر، بعيداً عن نتائج رد الفعل السلبي المعاكس التي يتلقونها. هناك قدر كبير من الحقيقة في كلمات أينشتاين حيث قال: "العالم مكان خطير، ليس بسبب من يفعلون الشر، ولكن بسبب أولئك الذين يفهمون ولا يفعلون شيئًا".

أما علاقة التحصيل الاكاديمي للفرد بالثقافة والفكر فغالباً ما يكون هناك ترابط بين النواحي الفكرية الثقافية والنواحي الأكاديمية: فالمفكر قد يكون أستاذاً مشاركاً في فعاليات يومية، أو قد يكون ممارساً لعمل معين أو مختصاً في فنٍ أو علمٍ ما، وجميع هذه الحالات تستند على خلفية أكاديمية. و رب سائل يسأل هل إن المثقف شخص ذكي؟ للإجابة على ذلك ينبغي أن نعرّف الذكي. الشخص الذكي يحدد بفرد من ضمن إحدى ثلاثة مجموعات من الناس، فهو؛ إما أن يكون ضليعاً ومقتدراً لتطوير الأفكار المجردة والنظريات التي تحتاج الى تغيير عميق. أو يكون محترفاً لمعرفة ثقافية في الفلسفة والنقد الأدبي وعلم الاجتماع والقانون والطب والعلوم. إو إنه مقتدر وذو قابلية للتأليف في أحد الفنون. ولما كان دور المثقف هو تفحص واستنباط الأفكار وتقييمها في المواضيع الحياتية معتمداً على الجانب التجريبي والمعرفة الذاتية للوصول لذلك الاستنباط أو لتقييم آراء الآخرين، لذا فلا بدّ أن يكون المثقف شخصاً ذكياً. حيث يسخر قواه الذهنية في التفكير العميق لإداء تلك الأدوار. ومن هنا تصبح الثقافة رمزاً للفكر ولتطويره وممارسته فعلياً، كونها عملية حيوية ذهنية. وأصبح مصطلح الثقافة مرادفا للعقلانية المستمدة من السبب والاستنتاج.

تعني الثقافة تاريخياً من وجهة نظر سقراط (470 - 399 قبل الميلاد) فعل المرء لما هو أصح وأفضل ما يمكن، عندما يَفهمْ حقاً ما هو الصواب، وما هو الأفضل. علماً أن مبدأ الفضيلة هو المعرفة، وإنها مسألة ثقافية، أي إن الفضيلة والمعرفة من ذات العائلة، وإنهما تتراكمان معاً، ويحسّنهما المثقف باخلاص ونبل. وعلى هذا الأساس تعدّ الثقافة عملية عقلانية أخلاقية رئيسية للكياسة. من ذلك نلاحظ أن معرفة الحقيقة في الفهم المعاصر تشبه لحد كبير معرفة الذات في مفهوم سقراط.

كان المثقفون في الصين، منذ قبل الميلاد، الباحثين الرسميين للدولة، ويسمون"السادة الباحثون". وهم موظفون مدنيون لهم مهام وصفات وظيفية يومية في الحكم. وكانوا يحصلون على درجات أكاديمية عن طريق الامتحانات، جعلتهم متبحرين في الفلسفة الكونفوشيوسية.

كذلك ثقافة روسيا القيصيرية كانت قائمة منذ عام 1547، وتم تقويمها بأنها جذور الفلسفة المعاصرة للمفكرين الذين يمتلكون التكوين الفكري في التعليم والتربية والتنوير عموماً. وهؤلاء المفكرون يؤمنون بأن مفاهيم سقراط حول معرفة الحقيقة والسلوك الأخلاقي مساوية لمفاهيم المعرفة الذاتية وللمفاهيم العقلانية. كما أن المعرفة الذاتية هي جزء لا يتجزأ من المبدأ الأوسع وهي العناية بالذات، كما ينظّرها المثقفون المعاصرون بآيديولوجياتهم أيضاً.

وفي مملكة جوسون أيضاً، التي تأسست في كوريا عام 1392، واستمرت لخمسة قرون، أصبح المفكرون والأدباء، الذين أجادوا القراءة والكتابة، يشكلون مجموعة البورجوازية الصغيرة التي كانت مؤلّفة من العلماء والمهنيين والفنيين، وهم مَنْ أدار دفة حكم السلالة الحاكمة في المملكة.

في العصور الأسلامية التي ازدهرت فيها الفلسفة، من 800 م. الى 1400 م. كان من أبرز رموزها: الكندي والفارابي وابن الهيثم وابن سينا وأبو الحسن العامري وابن طفيل أبو حامد الغزالي وابن باجة وابن رشد وابن خلدون. وإن جلّ ما وردنا من نتاج هؤلاء العظام ، كان يدور حول النواحي الذاتية والنفسية للانسان وعلاقة ذلك بالأمور الدينية، كانت أقرب للفلسفة أو الايديولوجية منها الى الثقافة. وقليلاً ما جاءنا في كتاباتهم بخصوص تغيير أو تطوير المجتمعات. وقد يرجع السبب في ذلك الى عدة عوامل منها؛ حرق مؤلفاتهم بحجة الزندقة، كما حدث مع ابن رشد، أو إتلاف المؤلفات عموماً، كما حدث للكتب على يد المغول في نهر دجلة ببغداد. كما يمكن أن يكون إنتقاماً من قبل الغزاة والمحتلين كالبويهيين والسلاجقة والأتراك والايرانيين والصفويين والمماليك. وقد يكون الوضع الاجتماعي ونظام الحكم الإسلامي آنذاك لا يساعد الفلاسفة للخوض في الاجتهاد أو الخوض في المسائل التي تتعلق بالشريعة.

منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر في المانيا، يُعدّ ظهور المفكرين المثقفين إجتماعياً، أحد الظواهر الأكثر أهمية في التاريخ الاجتماعي آنذاك. أما في فرنسا فقد تصدى المثقفون بشكل مباشر لمسألة اللاسامية. ومنذعام 1900،أصبح مصطلح المثقف شائع الاستخدام هناك. وهكذا تحدث جان بول سارتر عن أهمية دور المثقفين كطبقة إجتماعية، مؤكداً على أنهم الضمير الحي لعصرهم. وأن مسؤولياتهم الأخلاقية والوطنية تنبع من وجوب متابعة الحالة الاجتماعية والسياسية وتثقيف الناس بهما بحرية وفقاً للحق والعدل.

وهكذا أحرزت الثقافة، في القرن العشرين، دلالات إيجابية للهيبة الاجتماعية مستمدة من قدرتها على احتواء الفكر والذكاء، وزاد فهم الجمهور أيضاً للمسؤليات والقيم الأخلاقية، دون التلاعب بالالفاظ. وغدت طبقة المثقفين ضرورية للمجتمع، كما إن الثقافة تبلورت كمهنة للمثقف، وخاصة للذين يشاركون في الفنون والسياسة والصحافة والتعليم. وأصبحت من مسؤولية المثقفين أن يطلعوا على النظم العالمية المختلفة، ويفهموا جيداً التنظيم السياسي والاقتصادي وقوانين مؤسسات مجتمعهم التي تنظم حياة المواطنين. إضافة الى نظم التعليم والنظم الخاصة بشبكات وسائل الإعلام الجماهيري التي تتحكم في بث المعلومات للجمهور. وحيث إن المثقفين عادة ما يحترمون مبادئ الديمقراطية ويدافعون عنها، فعليهم أن يدعموا مبادئ الحرية، والمساواة، والأخوة، وحقوق الإنسان، والعدالة، والرعاية الاجتماعية، والحفاظ على البيئة. وعليهم أيضاً تقع مسؤولية المطالبة بتحسين العلاقات الاجتماعية والسياسية على الساحة المحلية والساحة الدولية.

لقد تناول المثقفون الماركسيون في القرن العشرين الناحية الايديولوجية في موضوعة المثقف، واصبحت مصدراً مهم للأفكار التقدمية للتغيير ولتقديم المشورة للقادة السياسيين. وأولوا اهتماماً كبيراً لتفسير وشرح السياسات الإقتصادية إلى كتلة السكان الأكبر في المجتمع وهم العمال والفلاحين، كما عملوا لتأهيل قادة من داخل صفوف هذه الكتلة. ففي ايطاليا مثلاً ؛ طور الشيوعيون حيز الثقافة لكارل ماركس ليشمل القيادة السياسية في كافة المجالات. لأنهم هم الذين يخلقون المعرفة ويحافظون عليها، ويعبرون عن مصالح المجموع الى مختلف فئات الطيف السياسي للمجتمع، سواء أكانت تحت الاجنحة اليمينية أو الوسطى أو تحت أجنحة اليسار. وعليه لأجل خلق قوى سياسية كفوءة في محور النضال الطبقي، يتطلب أن يكون المتحدثون من المثقفين الذين يتبنون الأيديولوجية كوجهة نظر عالمية، خاصة عند التحدث الى الطبقة الاجتماعية التي نشأوا فيها. كما يتطلب وجود قيادة للمثقفين قادرة لتوجيه ومناقشة وصياغة الأفكار والمفاهيم المتعاقبة أيضاً، من أجل استمرار دقة متابعة ما يحدث أثناء التغييرات الاجتماعية، وكذلك للتأكد من سلامة تطبيق تلك التغيرات. وقد تكون مجموعة المثقفين غير قادرة على تميز نفسهاعن غيرها أو تكون غير مؤثرة ما لم تتنظم بقيادة. وعموما ليس هناك مثقفين بدون منظمه، ولا توجد منظمة بدون قيادة.

بهذا الخصوص أكد لينين في كتيب ما العمل؟ : إن ثورة الحزب الطليعي تتطلب مشاركة المثقفين في شرح التعقيدات الأيديولوجية الاشتراكية لمجاميع البروليتاريا غير المتعلمة وحتى للعمال الصناعيين من أجل دمجهم في الثورة؛ حيث أن تاريخ جميع البلدان يبين أن إعتماد الطبقة العاملة على جهودها الخاصة حصراً، قد تكون قادرة على تطوير الوعي النقابي فقط ، وقد تكتفي بتحقيق مكاسب إجتماعية وإقتصادية محدودة، لذا فهي بحاجة دائماً الى المثقفين لمواكبة التطور الايديولوجي لمواجهة المشاكل والتعقيدات المرافقة للتغييرات. لقد أوضح الساسة الماركسيون بأن المثقفين هم المجموعة الإجتماعية المتميزة التي توفر قيادة ثورية، لتفسير واضح لمصطلحات "من؟"، "كيف؟"، و"لماذا؟" عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتطبيقات العملية المرافقة لها، بحيث يمكن للبروليتاريا غير المتعلمة من فهم تلك المصطلحات.

غالباً ما ينشأ المفكرون في مجتمعات الدول النامية من أوساط النخب المتعلمة، ومصطلح المثقف يطلق على الأكاديميين الجامعيين في تلك المجتمعات. وفي الصحافة الشرق أوسطية بالذات يشير المصطلح إلى الشخص الحاصل على شهادة أكاديمية أو جامعية، وهو ذلك الذي يتناول في كتاباته الصحفية مسائل إجتماعية وسياسية هامة. وعليه فإن مثل هذه المسؤولية تحتاج أن يكون المثقف "الشرق أوسطي" ملماً بافكار عامة وقاعدة نظرية واسعة للمشاكل المجتمعية، وأن يكون مهيئاً للاجابة عن تساؤلات السياسين وللقادة التنفيذيين. ولكن غالباً ما يخلط الصحفي "الشرق أوسطي" بين قناعاته السياسية بالمسائل الثقافية، متناسياً المسؤولية الأخلاقية التي هي بمثابة ديناً برقبته. ليس من شك بأن حال المثقف مثل أي شخص آخر، قد تكون لديه بقع عمياء، ولكن ينبغي على المثقف أن يكون على إستعداد لأن يبقى متفتحاً ويقظاً ومنحازاً الى جانب مصالح المجتمع. وأن يكون على دراية دائمة بأوجه القصور الخاصة به، والتي قد تحد من فهمه وتسبب ضرراً للمجتمع. كما ينبغي أن يتجنب الطوباويين الذين يقدمون رؤى غريبة لحلّ مشكلات الاقتصاد، ويربطوها مع السياسات العامة التي تضر المجتمع. وعليه ينبغي أن يكون المثقف مدركاً للاخلاق الاجتماعية والثقافية التي يتم إنشاؤها برؤى وأفكار جريئة، وتقديمها بصدق في خطاباته، وليس واعظاً من وعاظ السلاطين. قلنا أن المثقفين الشرق أوسطيين هم إما من الطبقة الوسطى أو من الطبقة الغنية، وأحياناَ يتبّعون مجموعة من الافتراضات لمفاهيم مشتركة شائعة في طبقاتهم، بينما يتحتم عليهم أن يكونوا مستقلين، كي يمكن أن يكونوا موثوقاً بهم كمفكرين وطنيين. فالمثقفون لا يتم تصنيفهم وفقاً للمسؤوليات أو الوظائف التي يكلفون بها، ولكن يتم تعريفهم وفق الطريقة التي يتصرفون بها، والأسلوب الذي يعرضون به أنفسهم، والقيم الاجتماعية والسياسية التي يتحلون بها. ولا يغيب عن القارئ أنه يمكن إثبات إستقلالية من هم من أصل أرستقراطي أو ثري، وذلك بالتبرؤ من هذا الاصل، من خلال كتاباتهم والانحياز الى جانب الحق، علماً أن الاستقلالية تكون صعبة في إثبات من هم من خلفية فقيرة أو بروليتارية، ويحاولون قسراً للانضمام إلى الأثرياء.

خلاصة القول إن المثقف العام هو الشخص الذي يجمع بين المشاركة الفكرية في الشؤون العامة للمجتمع بالإضافة إلى المهنة الأكاديمية المكلف بها. وبغض النظر عن المجال الأكاديمي أو الخبرة المهنية، فعلى المثقف العام أن يعالج المشاكل الأساسية للمجتمع، ويستجيب لها من منطلق الناقد المحايد بحيث يرتقي فوق الاهتمامات الجزئية لمهنته، إن كان ممتهناً لمهنة معينة. ففي المسائل السياسة العامة، ينبغي عليه أن يربط بين البحث العلمي وبين الأمور العملية، لأجل إيجاد حلّول للمشكلات المجتمعية. حيث أن مثقفي الاجتماع المهنيين يفشلون ما لم يقدموا إهتماماً كافٍ لحل تلك المشكلات، وينبغي أن يعزز ذلك الاهتمام بحوار بين المختصين وبين المواطنين من أجل سد الفجوة بينهما.

مما تقدم يمكن أن نستخلص أن المثقفين هم عوامل التغيير، لا سيما في تلك الأجزاء من العالم التي يكون فيها السلوك الظالم والشاذ هو القاعدة. إذ يقدم المثقفون، بحكمتهم وبصيرتهم، مساهمات فعالة لتحسين وإيقاظ المجتمع بطرق ذات معنى. ولا شك إن هذا الدور ليس سهلاً، إذ إنه يساعد على تحويل الجماهير عن ما هو خاطئ نحو ما هو صالح. وعليه لا يمكن للمرء أن يستهين بما يمكن أن يحدثه المثقفون من تأثير هام وحاسم، خاصة في عالم اليوم السريع التغير.

وهناك ثلاثة عناصر رئيسة لديمومة وازدهار عمل المثقفين، هي: الديمقراطية والحرية واستعداد السلطة لإيقاظ المجتمع. حيث أن دور المثقفين لا يقتصر على وضع الاسس الاجتماعية والسياسية والوطنية والاقتصادية للمجتمع، بل لمتابعة تنفيذها أيضاً. لذا فإن غياب أي من هذه العناصر الثلاث سيتعارض مع الغاية من وجود المثقف. ولو تتبعنا، منذ قرون، التاريخ الثقافي في العراق الذي يعتبر من تلك الأجزاء من العالم، التي فيها السلوك الظالم هو القاعدة لوجدنا أن العوامل الثلاثة لازدهار المثقفين ليس لها وجود.

في العراق العثماني للفترة من عام 1534م. إلى 1920 م. التي تم فيها حكم العراق من قبل الخلافة العثمانية كانت التطورات عموماً بطيئة ومتعثرة أحياناً، ما عدا سنين ولاية مدحت باشا وسنين ولاية نامق باشا. فكان حكم الدولة العثمانية عموماً أشبه ما يكون بالحكم السائب، وكان العراقيون يفعلون ما يشاؤون بلا تدخل من السلطات المعنية بأحوالهم الثقافية أو المجتمعية، إلا فيما يخص إستحصال الضرائب. وكانت أبرز المؤشرات كوسائل اعلام ثقافية، خلال هذه القرون من الحكم، هما: إنشاء مطبعة "الولاية" التي تدار بالبخار، وتأسيس جريدة "الزوراء" سنة 1869 كصحيفة رسمية، وكلاهما أنشئتا في بغداد.

وعندما إحتل البريطانيون العراق طبقوا سياسة مختلفة عما كانت في زمن العثمانيين، فقد أصبح الحكم ذا صرامة شديدة في تطبيق القوانين ونظاماً غريباً عما ألفوه طوال تلك القرون، مما أثار الكثير من الامتعاض والغضب لدى الناس. إضافة الى عدم تنفيذ الإنكليز وعودهم في إنشاء دولة مستقلة. وتحددت ثقافة الكتاب والشعراء في الشكوى من ظلم الانكليز وتعسفهم مسايرة للرأي العام الذي كان سائداً بين سكان العراق ليس إلا.

أما الملكية في العراق فقد أُعلنت عام 1921 تحت حكم العائلة الهاشمية. وانتهى هذا الحكم في شهر تموز عام 1958 بثورة أعلنت الجمهورية العراقية. وقد أطاح البعثيون بحكم ثورة تموز في شباط عام 1963 واستمروا حتى شهر تشرين أول من العام نفسه. حيث قام القوميون بحكم إستمر الى عام 1968. في تموزعام 1968 أسقط انقلاب بعثي آخر حكمَ القوميين واستمر حتى عام 2003 حين أٌسقط النظام من قبل القوات الأميركية. بعد ذلك تم تعيين مجلس حكم بأسلوب محاصصة طائفية إستمرت لحد اليوم. وهكذا تميز الحكم في العراق منذ عام 1921 الى الوقت الحاضر بعدم الاستقرار السياسي مضافاً إليه الحكم الفردي والدكتاتورية، وفقدت الثقافة عناصر وجودها وازدهارها. هذا لا يعني أنه لم تكن هناك ومضات ثقافية لفلاسفة كبار في وسائل الاعلام المكتوبة، لكن تلك الكتابات كانت تلفها رمزية تدور وتمور بين المثقفين أنفسهم فقط، ولم يكن لها أثر على تنوير المواطنين ولا على التطور المجتمعي.

أما المحاصصة الطائفية فقد خلقت وسائل اعلامية مرئية ومقرؤة، لا حصر لها، لكنها تخلوا تماماً من البرامج الثقافية، بل إنها لقاءات وكتابات تدعو للتفرقة وتفتيت لحمة المجتمع على كل الاتجاهات القومية والدينية والطائفية. ومع ذلك نتيجة للضغط الشعبي تبلور الاختلاف في وسائل الاعلام المهرجة الى مجموعتين: الأولى مجموعة المتحدثين بإسم السلطة التشريعية والثانية المتحدثين باسم السلطة التنفيذية. اعلام مجموعة السلطة التشريعية، يتحدث في صالح الحرية والعدالة للجميع، ولكن عندما يتعلق الأمر بمصالحهم يصبح الموضوع مختلفاً. فهم يعتقدون بأنهم حالة خاصة، ويحرصون شديد الحرص على بقاء إمتيازاتهم بل للحصول على المزيد منها كلما سنحت لهم الفرصة. وكأن إقتصاد العراق ملكية خاصة لهم، ولا يؤمنون بإن اقتصاد العراق، سواء أكان للإنتاج أوللاستهلاك هو لعموم مكونات المجتمع العراقي. أما اعلام السلطة التنفذية فانقلب ينادي بمحاسبة الفاسدين، بعدما إقترفوا ولا زالوا يقترفون كل أساليب سرقة المال العام، واحترفوا الصفات السوقية للأفكار الداعية للأنا أولاً وأخيراً، وليس لغير الأنا بتاتاً.

وإذا ما نظرنا لدور الأكادميين في الاعلام الثقافي نجد إنه قد إبتعد كثيراً عن الخطاب العام للمواطن. وذلك نتيجة تسيس الجامعات العراقية التي أصبحت مؤسسات بيروقراطية، إنها لا تعلّم التفكير المنطقي، الذي يؤدي الى تطور ثقافة المجتمع. وإمتاز دور الصحفيين والمدرسين والمعلقين الاذاعيين ورسامي الكاريكاتير والفنانين في وسائل الإعلام وفي التواصل الاجتماعي في تثقيف الجمهور وإلهام الناس كيفية تطور المجتمع، على دور الأكاديميين.

كلمة أخيرة نقول؛ من أجل إستقرار وتقدم العراق، إجتماعياً وإقتصادياً وسياسياً، ينبغي على المثقفين ألا يُسيؤون فهم حقيقة المجتمع، وألا يقعوا بالمغالطة، التي تعوزها الأيديولوجية، تحت شعار إنها أفكار حرة. بل عليهم مناقشة المشاكل الراهنة، وايجاد الحلول العلمية والعملية بروح ايجابية. ويشاهد حالياً إنحياز معظم مفكري العراق الى اليسار، لأنهم شعروا بمغبونية الشعب وبمغبونيتهم هم أنفسهم أيضاً، حيث إن مهاراتهم الأكاديمية، أقل من قيمتها في إقتصاد السوق. هذا على الرغم من إختلاف جذورهم الطبقية. كما إن تمتعهم بحياة مريحة في مجتمع رأسمالي أكثر من الناحية المالية فقط مما يمكن أن يتمتعوا به فيه بمجتمع إشتراكي. كما عاد إدراك المفهوم الاجتماعي الرصين للمثقف اليساري في أوروبا الشرقية بعد الشيوعية من قبل من كانوا معادين له سابقاً. وإقتنعوا بأن المثقف اليساري ذو رؤى أكثر واقعية للعالم، وإنه شخص وفيّ ومخلص للشعب ومناضل من أجل مصلحة المجتمع و ذو ذهنية عالية ومتقدمة.


References:

1) The New Fontana dictionary of Modern Thought. Third Ed. A. Bullock & S. Trombley, Eds. (1999).
2) Howatson, M.C. (Ed.) The Oxford Companion to Classical Literature, Second Edition. Oxford University Press. 1993.
3) Le Blanc, Paul. Revolution, Democracy, Socialism: Selected Writings of Lenin (Pluto Press, London: 2008) .
4) Charles Alexander Moore, ed. (1967). The Chinese Mind: Essentials of Chinese Philosophy and Culture. U of Hawaii Press.
5) Albert Einstein (May 2009) [May 1949]. "Why Socialism? [1949]". Monthly Review. 61 (1). Retrieved 14 April 2010.
6) Sowell, Thomas (2010). Intellectuals and Society, Basic Books ISBN 0-465-01948-X.
7) The Intellectuals and Socialism", The University of Chicago Law Review (Spring 1999).
8) Jennings, Jeremy and Kemp–Welch, Anthony. (Eds.) Intellectuals in Politics: From the Dreyfus Affair to Salman Rushdie, 1997.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,360,533,253
- بيان: الى أحرار محافظات وسط وجنوب العراق من الدكتور قاسم اله ...
- الفيلسوف مدني صالح والوصل بينه وبين رسل وسارتر
- هذا الواقع وحلم التغيّر
- الطاقة والحياة
- المسؤول الحقيقي والموظف فقط؟
- حكومة أم سلحفاة؟
- نعم للصراع الطبقي لا للعنف الطائفي - لمناسبة تشكيل الحكومة ا ...
- آفاق في تعقيدات الوضع العام في العراق
- ضوء على عتمة نفق الانتخابات
- حقوق الإنسان
- الصناعات النووية: هلع أم قلق مشروع؟
- الديمقراطية والانتخابات البرلمانية
- مسيرة حقوق المرأة ..الجزء الثاني
- مسيرة حقوق المرأة
- سجن الحوت .. معسكر التاجي
- التأثير البايولوجي والوقاية من الأشعة السينية.
- البيئة الإشعاعية
- حين يرحل الكبار
- هل حسمت القنبلة النيوترونية معارك الجيش العراقي؟
- استنساخ لبنة بناء الأحياء


المزيد.....




- الجزيرة تطلق خدمة إخبارية بالإنجليزية متخصصة في أخبار المال ...
- مجلس النواب الأمريكي ومحامو ترامب يتفقون على جدول الحصول على ...
- مصدر عسكري: الجيش السوري يدفع بتعزيزات نوعية إلى جبهات ريف ح ...
- رغم الإخفاقات السابقة... قناة عبرية: إسرائيل تستعد لحرب لبنا ...
- خامنئي: الشباب الإيراني سيشهد زوال إسرائيل والحضارة الأمريكي ...
- سابقة خطيرة... تحذير لترامب من استخدام -ثغرة غامضة- لبيع قنا ...
- البيض والكوليسترول.. أخبار سارة
- هكذا تآمرت هواوي لسرقة أسرار شركة أميركية
- الرياض: اعتراض طائرة مسيرة حوثية
- أمين عام اتحاد العمال: مجلس الوزراء يوافق على تعديل قانون ال ...


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - قاسم أمين الهيتي - في المثقف والثقافة