أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الأمير الأحمر مارون عبود















المزيد.....

الأمير الأحمر مارون عبود


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 6179 - 2019 / 3 / 21 - 10:14
المحور: الادب والفن
    


الأمير الأحمر
مارون عبود

في هذا الكتب نجد شيء يجمع بين شكل القصة والحكاية الشعبية، فنشعر أحيانا أننا أمام حكاية تراثية وأحيانا أمام قصة حقيقية، فهناك مجموعة كبيرة من الامثال الشعبية تؤكد على (شعبية) الحكاية، لكن الدخول إلى حالة الاقتصادية الاجتماعية والدعوة للثورة يدخلنا إلى حالة النظام الاقطاعي الذي عاشته لبنان ابان الحكم العثماني، وإذا ما أخذنا اللغة والطريقة التي قدمت بها القصة/الحكاية سنجد أنفسنا في (متاهة)، هل نحن أمام قصة أم حكاية؟ وهنا علينا القفز على مسألة النوع الأدبي والتقدم من جمالية القصة/الحكاية التي قدمها "مارون عبود" .
هناك نوع من الأدب يكمن أهميته في الفكرة التي يطرحها، وفي الشكل الذي قدم به، في هذه القصة سنجد الراوي يحدثنا عن النظام الاقطاعي، المتمثل ب"المير بشير" والطريقة التي تعامل بها الأقطاع مع المواطنين، ونجد مقاومة هذا الظلم من قبل "الشدقان سركيس". لكن كنهاية أية حكاية شعبية ينهي "مارون عبود" الحكاية بنهاية (سعيدة)، فبعد أن يقوم "سركيس" بخطف ابن المير بشير، ويعيده إلى سالما، يتخفى بهيئة مهرج ويدخل إلى قصر المير بشير، وهناك يأخذ منه الأمان على نفسه وعلى رجاله، ثم يعلن أنه "الشدقان سركيس" وهنا تنتهي القصة.
الاقطاع
من أقذر النظم الاجتماعية الاقتصادية التي مرت على المجتمعات البشرية، فهناك حالة من القهر والاستغلال تمارس بحق المواطنين: "في كل يوم جباة وعسكر، خيالة وأغوات يثقلون على الناس ويكبسون البيوت، وكل مدة نسمع بضريبة جديدة، هذه اسمها ميري، وواحدة اسماها شاشية، وثالثة اسمها بزرية" ص10و11، المسألة الاقتصادية ما الأمور التي ثقل كاهل المواطنين، فالإقطاعي لم يكن ليشبع مهما أخذ وحصل، فهو يرى في الفلاح نبع غداق، ولم يقتصر الامتعاض من الانظام الاقطاعي فحسب، بل طالت الاقطاعي نفسه: "... لا بأس بهذا الأمير لولا جشعه وطمعه، مليح هذا الأمير لولا بغيه وقساوة قلبه، مليح هو لولا مطحنته ومصيبته، مليح لولا احتكاره كل مرافق لبنان" ص41، ويتعمق المواطن في تحليل النظام الاقطاعي والاقطاعين: "والاقطاعي ابن عم الاقطاعي مهما تباعدت بينهما النسب، ومهما فرق الدين، والعامي أخو العامي حيث كانا" ص42، فمثل هذه التفاصيل تؤكد أننا أمام نوع أدبي أبعد وأكبر من حكاية شعبية، فيبدو لنا السارد وكأنه منظر للماركسية، التي تقسم المجتمع قسمين، الفقراء والأغنياء، يدخلنا السارد أكثر إلى تفاصيل النظام الاقطاعي: "...حزبان سياسيان لا يهمهما الدين والطائفة، يجمع حزب المال ليشتري الخلعة لزعيمه، فيدفع كل واحد من الحزب ما يقدر عليه دونما نظر إلى الملة والمعتقد" ص90، يبدو لنا وكأننا أمام منظر ماركسي، لا يهتم سوى بالصراع الطبقي وتبيان الظلم الواقع على المواطن، بصرف النظر عن الدين أو الملة.
بعد اخطف ابن المير بشير، ورغم عودته سالما، إلا أن المير بشير يستخدم بطشه على المواطنين: "..يأمرك المير أن تضرب، وتقتل، وتنهب، وتحرق كل بيت، كل قرية تعرف أن العصابة دخلتها، لا بد من الاتيان برأس الشدقان سركيس مهما كلف الأمر، هذا الكلب يأسر ابن المير بشير... فليذبحوا مواشيهم، وينكلوا بهم، ولا يخرجوا من بيوتهم حتى يأتوهم برجال العصابة، ليأخذوا الأب بجريرة الابن، والزوجة بذنب رجلها.. أريد أن أرى من شرفة بتدين دخان بلاد جبيل يتصاعد فوق أرز جبل جاج، أريد أن أرى جبيل تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله؟" ص122-124، ممارسة العقاب الجماعي والقسوة بحق قرى كاملة، فقط لكي يظهر الاقطاعي هيبته وقدرته للناس، هذه طريقة واسلوب الاقطاعي في (الحكم) البلاد والعباد!.
الثورة
مقابل الاقطاعي لا بد من وجود شيء/شخص/فعل يقف في وجه، فكان "الشدقان سركيس" هو الثائر الذي عمل على مواجهة الامير ونظامه، كما المشكلة لم تقتصر على "بشير" بل طالت النظام ورجاله وسلوكه، كان لا بد للثورة أن لا تقتصر على شخص أو أشخاص، فقد تناولت الأفكار والأحداث: "ـ إذا أنا قعدت في بيتي، وأنت قعدت في ديرك، فمن يبقى في الميدان؟ لا بد من المقامة، لا بد من الموت لمن يطلب الحياة.. ما دام المير يحلم برأسك ورأسي، ورأس غيري من المقاومين، فالأفضل أن نموت ولا نستسلم له ليشفي بقتلنا" ص66 و67، كلام بسيط لكنه ثوري، يعتمد على الاستنتاج السهل، بعيدا عن التنظيرات الكبيرة، لكنه يوصل فكرة الثورة والمواجهة للطرف المقابل، والجميل في هذه الطريقة من الخطاب، انها موجهة لأشخاص بسطاء، فكان لا بد من وجود لغة وشكل يتناسب ومكانتهم وطريقة تفكيرهم.
بعد أن تشحذ الهمم لا بد من وجود محفزات (فكرية) تدعم فكرة المواجهة: "... اشتهينا العضة من الرغيف في أيام سعادته" ص70، فكما أن مشكلته الاقطاعي في الناحية الاقتصادية، كان لا بد للثورة من افكار اقتصادية أيضا.
وكنقيض لبطش ووحشية الاقطاعي، يقدم لنا "الشدقان سركيس" أخلاق الثوار: "نحن يا مير لا نغدر بأحد، نحن لسنا أمراء لنقتل الناس بالقوة كما يفعل والدك، نحن لا نؤمن الناس ونغدر بهم" ص98، ولم تقتصر سمات الثوار على هذا الجانب الاخلاقي فقط، بل طالت الجانب الاقتصادي ايضا: "نحن قطاع طرق كما تسمينا سعادتك، ولكن في العصابات وقطاع الطرق أناسا ضميرهم حي، لا يأكلون مال اليتيم والأرملة، ولا يبلصون الفقراء ليظلوا متحكمين برقاب العباد" ص100، هذا التوازن بين افكار وسلوك ونهج الاقطاعي والثوار ينم على أن السادر كان على دراية بضرورة خلق شيء/شخص/فكر يواجه القطاعي ونظامه.
يتعمق أكثر "سركيس" في تبيان التناقض من نظام وسلوك وفكر الاقطاع والثوار من خلال قوله: "اذهب قلت لك. لا غدر ولا خديعة، اقسم لك بشرف الفلاحين الذين لا يغدرون ولا ينسون ولا يكيدون، إنك حرطليق لا يمسك أحد منا، لا أقول من رجالي لأننا لا زعيم فينا، كلنا واحد، تعاهدنا أمام هذا المذبح العاري المهجور على مقاومة الاستبداد المزدوج... نحن نريد أن نعلمك درسا مفيدا ولا نريد قتلك، نريد أن نعلمك ونعلم وادلك لأن الشعب شيء وأن إرادته هي الغالبة، لا يد غير يد الشعب" ص101، الافكار والسلوك والنهج والهدف/الغاية من الفعل تتباين بين الاقطاعي وبين الثوار، فهناك يمارس البطش لمجرد إثبات قوته، وهو لا يلقي بالا لأثر بعله على الناس، بينما هنا نجد الاهتمام بالآخرين ـ حتى لو كانوا أعداء ـ فالثوار يهتمون بالهدف والغاية كما يهتمون بالوسيلة والطريقة.
وكتأكيد على أن الثورة غير مرتبطة بشخص بعينه وأنهما بل بمجموعة الشعب: "وإذا ذهب الشدقان سركيس تخلق لكم الأيام ألف سركيس، الشعب نبع قوي" ص102، بهذا نكون أمام نقيضين، المير بشير الاقطاعي والثائر سركيس، وكلا منهما بين افكاره وسلوكه وطريقته في الحياة، وعلينا نحن المتلقين أن نقارن بين النهجين والشخصين لنقف إلى الجانب الذي يمثلنا.
الحكاية الشعبية
ما جاء فيما سبق يشير إلى أننا أمام قصة، لكن أين الحكاية؟، الحكاية جاءت من خلال تماهي القاص في وصف قصر "المير بشير"، فقد خرج/تجاهل/نسى عن كونه يتحدث عن اقطاعي شرس، أجرم بحق الناس، فبدى وكأنه أمير يعيش حياة سعيدة في قصيره المنيف: "وترك الأمير قاعة العمود واتجه نحو الشرفة التي يطل منها على الوادي ودير القمر وبعقلين، فكان يمشي، بلا شعور، كالراقص، فكان المياه المرتفعة من الفسقيات، والتي تخر من السبيل في دار الحريم كانت تصفق له.
كان القمر بدرا في تلك الليلة، فوجه قمر أيلول تقي اللون وإن كان مخددا، يراه الناظر إليه بعينه المجردة فيحسبه قطعة من فضة سائلة" ص116، إذا ما توقفنا عند اللغة بشكلها المجرد يمكننا القول أنها متعلقة بشخص يعيش حياة مرفهة وسعيدة، وهذا ينعكس على شخصيته، فلو كان قاسي ومتوحش لم تم وصفه بهذا الشكل، من هنا نقول أننا أمام نص يلامس الحكاية الشعبية والقصة معا.
وإذا ما أخدنا النهاية والتي جاءت لتنهي كل النظريات الثورية التي تكلم بها "سركيس" عن المير بشير والاقطاع، نتأكد صعوبة البت بتحديد نوع الشكل الأدبي: "...قلت لك هات الشدقان سركيس، وعليك وعليه، وعلى كل عصابته أمان الله وعهد بو سعدي، إن كلامك معي لا يخرج إلا من رأس داهية، فمن أنت يا إنسان!
وبسرعة خاطفة التف الشاعر بذيل عباءه المير وصاح: أنا الشدقان سركيس وجوقة النور عصابي.
فأجفل الأمير كمن رأى حده أفعى، ثم ما عتم أن صرخ به: قم عني/ الله يخيبك! صح فينا المثل: الدارس غلب الفارس" ص154، اعتقد أن مثل هذه النهاية السعيدة والتي تتماثل مع نهاية الحكايات الشعبية، إن كان من خلال المضمون أم من خلال الطرقة التي قدمت فيها، فهي تعد قفزة وتجاوز لكل الأحداث السابقة، تجعلنا نقول أننا أمام عمل إشكالي، لكنه ممتع وجميل.
الكتاب من منشورات دار مارون عبود ودار الثقافة، لبنان، الطبعة الثانية 1974.






الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,322,929,587
- مناقشة ديوان - مختارات من الشعر الروسي- في دار الفاروق
- حزن فاضل الفتلاوي
- القاهرة الجديدة نجيب محفوظ
- حزن فراس حج محمد في قصيدة -روائحُ العشرينَ الخَرِفة!-*
- سماء الفينيق مفلح العدوان
- مدينة الموتى حسن الجندي
- الفلاح والصحراء في -ثلاث ليال فلسطينية جداً- صبحي شحروري
- الجزائر بين المطرقة والسنديان
- جروان المعاني حكاية وقصيدة -للزهري-
- عبود الجابري شاعر الدهشة
- مناقشة كتاب -لا بد أن يعود-
- الفلسطيني في رواية -عذبة- صبحي فحماوي
- يونس عطاري -إلى بدر شاكر السياب-
- أنف وثلاث عيون احسان عبد القدوس
- مالك البطلي -أنا ابن الندوب-
- الطبيعة والفرح عند الشاعر محمد زايد
- حقوق الإلهام وبيجاميلون -سعادة أبو عراق
- البياض عند محمد علوش وإياد شماسنة
- الطرح الطبقي والهم الوطني في مجموعة -الخبز المر- ماجد أبو شر ...
- الرواية والقصيدة -الدليل- إبراهيم نصر الله


المزيد.....




- شاهد.. عراقيات يقبلن على تعلم فنون القتال
- رامز جلال يطرح برومو مقلبه الجديد والمثير لشهر رمضان (صورة) ...
- استجار غريق بغريق: الوطن الجزائرية تأكل الثوم بفم المرابط
- تعز.. العميد الحمادي يوجه بفتح طريق جبهات الاقروض بعد تطهيره ...
- أماكن غريبة لجأ إليها أشهر الأدباء بحثا عن الإلهام
- العزواي ينطلق فنياً مع الرسم ليستقر عند الموسيقى: السمفونية ...
- فنانون على مسرح الثورة
- اكتشاف المنزل الذي كتب فيه شكسبير -روميو وجولييت-!
- سؤال الأرشيف وطيف نجيب محفوظ بمهرجان الإسماعيلية السينمائي
- من الحدادة إلى الأفلام.. كيف دخل هذا الشخص عالم هوليوود؟


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الأمير الأحمر مارون عبود