أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - على هامش ((تصويب)) الخطاب الديني














المزيد.....

على هامش ((تصويب)) الخطاب الديني


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 6168 - 2019 / 3 / 9 - 22:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



عشراتُ الوقائع والظواهر الخطيرة، تحدث في مصر تؤكد على "حتمية (تصويب) الخطاب الديني"، وليس "تجديده". وقد بينتُ في مقالي الاثنين الماضي وجاهة استخدام مفردة: "تصويب"، كبديل أدق من كلمة: "تجديد" الشائعة على الألسن.
في منتصف 2017، هاتفني صحفيٌّ يطلب تصريحًا لجريدته حول خبر يتكلم عن إنشاء مكتبة صغيرة متنقلة بحديقة الحيوان بالجيزة. ملأ الفرحُ قلبي؛ لأن أحد أحلامي أن أرى "الكتابَ" في كل مكان، وأن تغدو القراءةُ "ثقافةً شعبية" يمارسُها كلُّ المواطنين في كل مكان: الحدائق، محطات المترو: الحافلات، النوادي، الخ. وفجأةً ضربني الصحفيُّ بخنجر، حين همس: "المكتبة يا أستاذة كلها كتب وهّابية تحثُّ الناس على الجهاد وقتال الشيعة واليهود والنصارى!" وهكذا، منذ ثورة 30 يونيو الخالدة، لا تدخّر قوى الإرهاب جهدًا لتحقيق هدفها في كسر شوكة مصر بالإرهاب المسلّح، الذي يتلو الإرهاب الفكري. في مواقع التواصل الاجتماعي لا تتوقف قوى الإرهاب عن استلاب عقول النشء وتضليله حتى يتيسر تجنيده في الخلايا الإرهابية. قبل غزوة حديقة الحيوان المصرية بالجيزة، كانت هناك غزوة مترو الأنفاق، ومازالت الغزوات تمارس وظيفتها في تدمير عقول المصريين. ويجب ملاحظة أن الإرهاب يستهدف فئتي: الشباب في مترو الأنفاق، والأطفال في حديقة الحيوان.
كان الرئيس عبد الفتاح السيسي دقيقًا جدًّا على المستوى اللغوي والدلالي حين اختار مفردة: "تصويب" بدلا من: "تجديد". لأن الخطاب الديني الراهن غارقٌ في العوار والصدأ والتفخيخ، بحيث لا يُرجى معه تجديدٌ، وإنما يستلزم "التصويب". غزوات الفكر الإرهابي وإشاعة ثقافة التباغض والتكفير والاقتتال تسبحُ في جنبات مصر. وتعتمد بشكل أساسي على تزييف الحقائق التاريخية، وتكريس أوهام وخرافات زرعها مزورون كتبوا التاريخ على هواهم بعيدًا عن الواقع والحقيقية. وهو عينُ ما حدث في أوروبا في القرون الوسطى وتسبب في محاكم التفتيش التي قتلت علماءَ ومفكرين أجلاء، لم ينصفهم التاريخُ إلا متأخرًا.
في أحد فصول كتاب "الأورجانون الجديد"، سخر "فرانسيس بيكون"، المفكر البريطاني، من الدوجمائيات التي وضعها بعض فلاسفة الإغريق، وبعض رجالات الكهنوت القروسطي الأوروبي، لتضليل الشعوب. وتكلم عن "الأصنام الأربعة"؛ التي تعوّق العقلَ الإنساني عن مشارفة الحقيقة وتساهم في تزييف التاريخ وتدمير الإنسان.
حينما فكّر فرنسيس بيكون، أحد مؤسسي الفكر العلمي ابن القرن السادس عشر، في المعوقات الأربعة التي تُباعد بين الإنسان وبين الحقيقة، كان كأنما يفكر في أزمة الإنسان العربي الراهن، وليس لحظة التعافي الأوروبي من سطوة الهيمنة الدينية مع مشارف عصر النهضة الأوروبي بعد القرون الوسطى العشرة المظلمة. قبل مولده بقليل كانت إنجلترا قد نزعت عن جسدها النِّصالَ الغائرة التي غرسها رجالُ الدين في جسد المجتمع الأوروبي. وبدأت إنجلترا تصطبغ بصبغة العلم والمدنية، وزرعت في المناصب السيادية العليا رجالا علمانيين تكنوقراط، بدلا من رجال الدين الذين تأبدوا في تلك المناصب قرونًا طوالا. فعمّ، بعدئذ نظامٌ جديد يتضاءل فيه سلطانُ الكنيسة، وتتشاسع السلطاتُ المدنية والعلمانية، فنهضت أوروبا. ثار بيكون منذ صباه على الغيبيات ورفض منطق أرسطو الميتافيزيقي ولاهوت القديس توما الإكويني اللذين رأى فيهما فلسفة لفظية عقيمة وغير عملية؛ لا تُقدم للإنسان أيَّ عون في رحلة كفاحه المرير للسيطرة على الطبيعة وتحسين وضعه المعيشيّ والنهوض بحياته وتعمير الأرض. فبدأ "بيكون" في الدعوة إلى فلسفة جديدة قائمة على العلم والعقل، ومراجعة الإرث القديم وتنقيته من المتهافت والركيك والناتئ عن العقلانية. وكان كتابه "الأورجانون الجديد"، "أداة" المنطق العلمي في تفسير ظواهر الكون والطبيعة، بالعلم وليس بالمنهج الميتافيزيقي الغيبي، الذي وضعه أرسطو في مجموعة كتب أسماها "الأورجانون"؛ وهي كلمة إغريقية تعني "الآلة"، أو "الأداة". وكانت حربه الفكرية ضد فلاسفة الإغريق العظام، الذين رحلوا في القرن الرابع قبل الميلاد، لأنه رأى أن فكرهم التغيبي مازال مسيطرًا على اللحظة التي كتب فيها كتابه في القرن 16. فلم تكن كانت حربه إذن ضد "أموات"، بل ضد "أحياء" ذوي سلطان ونفوذ على مجتمعه الراهن، وقتذاك. وبدأ في كتابة موسوعة: "الإحياء الأعظم"، لكنه مات دون إكمالها. وقد أعلن بنفسه أنه عملٌ فكري علمي وإنسانيّ هائل؛ لا يقوم به مفكرٌ واحد، ولا جيلٌ واحد من زمن واحد، بل يستكمله مفكرون عديدون في أزمنة مختلفة.
في كتاب "الأورجانون الجديد"، فنّد بيكون أصنامًا أربعة، أو أوهامًا أربعة، يجب على العقل الجمعي العالمي التخلص منها حتى يشارف تخوم الحقيقة. تلك الأصنام ترسّخت في العقلية الإنسانية على مر العصور، فزرعت في عقولنا جميعًا مجموعة من الأوهام والخرافات والتقاليد الفاسدة التي تُباعد بيننا وبين جوهر العقل الصافي ومعدنه الأصيل الذي خلقه الُله فينا لنصل به إلى الحقيقة. ذلك هو "التصويب" الذي نرجوه.
والحديثُ لم ينته. “الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,422,581
- البابا فرنسيس في دار زايد … على خُطا القديس الأسيزي
- صخرةُ العالم … وسوطُ السجّان
- إكليلُ غار للجميلة: سميحة أيوب
- قال الرئيس: مسيحيو مصر ليسوا أقليّة!
- عينا -نوال السعداوي- … في وهج الشمس
- أحبّوا … مثل طفلٍ ضرب قدمَه بسهم
- المركز الكاثوليكي المصري … صخرةُ الفنون الرفيعة
- ذكرياتي مع الكتاب ... في معرض القاهرة الدولي للكتاب
- تحت السرير … مع أفروديت وهيرا
- كيف خدعتُ أمي ... لقراءة الكتب الممنوعة
- أبطالٌ ... أخطأهم سهمُ الشهادة
- مقالي عن ثورة يناير والإخوان الذي منعه (اليوم السابع) | “هل ...
- من مصر… الرئيسُ يُطلقُ طائرَ المحبة
- في فِقه الدهشة… وقتلها!
- حملة 100 مليون صحة … شكرًا لدهشتي
- في الإمارات … مسجدُ مريمَ أمَّ عيسى عليهما السلام
- المصحفُ في بيتي …. جوارَ البتول
- الرئيسُ يصفعُ الطائفيةَ ... بكاتدرائية ومسجد
- الرئيسُ يضمُّ المحرابَ والمذبح
- سعد والاسكندراني …. ومسيو موريس


المزيد.....




- رأي.. سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: ع ...
- الأرشمندريت ميلاتيوس بصل: التهجير المسيحي في فلسطين قمعي وال ...
- سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: عودة وط ...
- كتاب جديد يكشف الإدارة -الكارثية- لأموال الفاتيكان
- لبنان: رؤساء الكنائس يؤكدون أن الإصلاحات خطوة مهمة ولكنها تت ...
- رسالة من الإعلامي المصري باسم يوسف إلى اللبنانيين: مهمتكم صع ...
- بومبيو: المغرب يعد شريكا ثابتا ومشيعا للأمن على المستوى الإق ...
- الولايات المتحدة والمغرب يؤكدان على -الخطر الذي تمثله إيران- ...
- بعد ردود فعل غاضبة.. بلدية تركية تزيل ملصقات -معادية لليهود ...
- كاردينال قريب من البابا يكشف حقيقة إفلاس الفاتيكان


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - على هامش ((تصويب)) الخطاب الديني