أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - ذكرياتي مع الكتاب ... في معرض القاهرة الدولي للكتاب














المزيد.....

ذكرياتي مع الكتاب ... في معرض القاهرة الدولي للكتاب


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 6142 - 2019 / 2 / 11 - 14:37
المحور: الادب والفن
    



هذا معرضُ القاهرة الدولي للكتاب في عامه الخمسين. عريقٌ وشابٌّ في آن. عريق في تاريخه الطويل، وشابٌّ في حيويته وتجدّده. ولكنه هذا العام قرّر تغيير محل إقامته للمرة الثالثة خلال تاريخه؛ فانتقل إلى أرض المعارض الدولية بمنطقة التجمع الخامس، شرق القاهرة، حيث الفضاء المروري الذي ينأى بجمال المعرض وسحره عن زحام مكانه القديم بين طريقين شديدي الازدحام بالقاهرة؛ هما شارع: صلاح سالم، وطريق الأوتوستراد. يجيئ معرض الكتاب بالقاهرة مع نهايات شهر يناير من كل عام، يغسل أوجاعَ عام مضى مشحونٍ بالتعب والكفاح والكدّ في معارك التنوير وقضايا العدالة.
ذكرياتي مع الكتاب، لا تنتهي. وتحتاج إلى مجلداتٍ وجداولَ من المداد، إن قررتُ يومًا أن أقصّها كشريط بانورامي غزير المَشاهد. منذ طفولتي، كنتُ أقتطعُ من مصروفي قرشًا فوق قرش، انتظارًا لإجازة نصف العام، حيث تكون "المكافأةُ" هي زيارة المعرض، بعد شهور من تعب المدارس وأوامرَ طاغيةٍ بالاستذكار من أمي الحاسمة، رحمها الله، التي تحظرُ قراءة أي كتاب إلا "كتاب المدرسة"، نُشدانًا للتفوق والتميّز. لكن "الحِيَل الماكرة" لا تنتهي من أجل عيون الكتاب. أولُّها تخبئةُ الكتاب المنشودة قراءته داخل الكتاب الدراسي، وقراءته خلسةً، بعيدًا عن عيون أمي. المعضلةُ كانت دائمًا في الكتب الضخمة، التي لا تستوعبها الكتب المدرسية النحيلة. فكان أن قطّعتُ "الفردوس المفقود" إلى ملازمَ صغيرةٍ خبئتُها في صندوق اللعب تحت سريري. وكلَّ ليلة أدسُّ "فردوسةً من الفراديس" داخل كتاب التاريخ (الذي لا أحبه)، وكأنني أعاقبُ "مِلتون" على ضخامة ملحمته الشعرية، ولا أعبأ بنظرات الغضب التي كانت تتطاير من عينيه الزرقاوين وهو محبوسٌ في الكتاب المدرسيّ. أو كأنني أعاقبُ التاريخ ذاته.
ثم جاء دور الميثولوجيا الإغريقية. صعبٌ عليّ أن أُقطّع الإلياذا والأوديسا! ليس رحمةً بهوميروس الأعمى لئلا يتألم إن حبستُه المظلم داخل كتاب المدرسة؛ فالأعمى لا يزعجه الظلامُ، بل خوفًا من كبير الآلهة "زيوس" وزوجته الشريرة "هيرا" ومكائدها المخيفة. ربما أمرتْ "هيرا" جبلَ الأوليمپ بأن ينهدم فوق رأسي وأنا نائمة، إن حبستها في كتاب. أو ترسل ورائي العملاق ذا المائة عين ليعذّبني قبل أن يموت وتتحوّل عيونُه إلى دوائرَ فوق ريش طاووس. أو ربما تأمر إله البحر "بوسيدون" بأن يرميني في جوفه فأتوه كما تاه أوديسيوس في الأمواج عشر سنين. وربما تربطني "هيرا" الشريرةُ بين جبلين وتجعل طائر الرخّ ينهش كبدي إلى الأبد كما فُعل ببروميثيوس. أو ربما تعطيني "صندوق النوم" الأبديّ، كما فعلت ڤينوس مع سايكي.
ولأن الخوفَ أبو الابتكار، ابتكرتُ حيلةًً جديدة لخداع أمي. كنت "أمثّل" النومَ حين تُدثّرني أمي بالبطاطين، فتطفئ نور غرفتي وتخرج. وما أن تغلق الباب وراءها، أفتحُ عينيّ وأظلُّ أحملقُ في السقف المظلم ربع ساعة، أنشغل خلالها بتسميع قطعة من "النصوص" من درس العربي الذي أحبه، أو أرسم في ذهني خريطةً من الجغرافيا التي لا أحبها، حتى يرتاح ضميري. ثم أتسللُ من الفراش. أفتح شيشَ نافذة غرفتي قليلا. أختلسُ النظرَ إلى نافذة غرفة أمي. وما أن ينطفئ نورُ غرفتها، أنزل تحت سريري، وأشعل الأباجورة الصغيرة التي أخبئها في صندوق اللعب أيضًا، ثم أنبطح فوق الكتاب، وأبدأ طقس "الالتهام". سنواتٌ طوال أسرني فيها "أخيلُ" السريعُ الخُطو، وأوديسيوس الفارس النبيل. كنتُ أنتظرُ عودته إلى "إيثاكا" حيث تنتظره زوجته الجميلة بانيلوب. أغزلُ معها على النَّول صباحًا، فإن جاء الليلُ نقضتُ معها ما غزلناه في النهار.
وجاء معرضُ الكتاب هذا العام، لكن أمي لم تعد موجودة، لأخبئ منها الكتب كما كنتُ أفعل في طفولتي وصباي. الكتبُ مرصوصة فوق أرفف مكتبات بيتي، ولا أجد مَن يمنعني من قراءتها. فيا أمي التي تركتني وطارت إلى السماوات العلا، عودي إليّ ساعةً واحدةً، وأنا أهجرُ الكتبَ والدفاتر والأقلام لأنظر في عينيكِ البُنتيتين الجميلتين، ولا أشبع.
يا حبيبتي ماما "سهير"، التي طارت وتركتني أتعتَّرُ في وحدتي، إن كنتِ تقرأين هذا الآن من الجنّة حيث أنتِ، فسامحيني، وزوريني في الحُلم. منذ دهرٍ لم تربتي على ظهري المكسور دونك.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحت السرير … مع أفروديت وهيرا
- كيف خدعتُ أمي ... لقراءة الكتب الممنوعة
- أبطالٌ ... أخطأهم سهمُ الشهادة
- مقالي عن ثورة يناير والإخوان الذي منعه (اليوم السابع) | “هل ...
- من مصر… الرئيسُ يُطلقُ طائرَ المحبة
- في فِقه الدهشة… وقتلها!
- حملة 100 مليون صحة … شكرًا لدهشتي
- في الإمارات … مسجدُ مريمَ أمَّ عيسى عليهما السلام
- المصحفُ في بيتي …. جوارَ البتول
- الرئيسُ يصفعُ الطائفيةَ ... بكاتدرائية ومسجد
- الرئيسُ يضمُّ المحرابَ والمذبح
- سعد والاسكندراني …. ومسيو موريس
- سيناءُ البهيةُ ... التي عادت عروسًا
- كيف كسر الرئيسُ الحائطَ الرابع؟
- الرئيسُ يكسرُ الحائطَ الرابع
- مَن الذي يغازلُ إسرائيل؟
- هدايا الكريسماس … من الرئيس لأطفال مصر
- في المعبد اليهودي … بالقاهرة
- على هامش الفستان… طاقيّةُ التقيّة
- كلامٌ هادئ في شأن تونس والأزهر


المزيد.....




- فيلم ألماني بهوية موسيقية فلسطينية
- تضارب الروايات بين التحالف والحوثيين حول مسيرة مكة
- إلسينور» يتقدّم سباق جوائز الفيلم البريطاني المستقل بـ12 ترش ...
- الدوحة السينمائي يحتفي بتجارب موسيقية عربية معاصرة
- باريس تحقق في مقتل فنان فرنسي لبناني بقصف إسرائيلي
- لماذا أمر البطريرك نيكون بفقء عيون القديسين في الأيقونات الر ...
- المغرب يستضيف أول معرض لمتحف تريتياكوف الروسي
- ابتلع 35 ألف قرص وألهم فيلما سينمائيا.. مريض سرطان يقترب من ...
- سلطنة عمان على رادار الإرميتاج الروسي لعام 2027
- اشهار مجموعة قصصية ورواية للكاتب البروفيسور وجيه ضاهر


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - ذكرياتي مع الكتاب ... في معرض القاهرة الدولي للكتاب