أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - نبيل عودة - في ذكرى وداعك: ستبقين أمي ..!!














المزيد.....

في ذكرى وداعك: ستبقين أمي ..!!


نبيل عودة
الحوار المتمدن-العدد: 6077 - 2018 / 12 / 8 - 14:48
المحور: سيرة ذاتية
    


في ذكرى وداعك: ستبقين أمي ..!!
نبيل عودة

في صباح اليوم الأول بعد وداعك، (أوائل كانون اول 2000) وعلى غير العادة كانت جريدة “الاتحاد”* ملقاة على باب بيتك.. ودافع قوي يشدني لأقرع الباب وأذكرك انك، على غير عادتك .. لم تأخذي الجريدة بعد.
وقفت طويلا متأمّلا الباب الموصد بحيرة .. متخيّلا إيّاك وراءه .. وانك بين لحظة وأخرى ستفتحين الباب وأشاهد وجهك بهدوئه والابتسامة التي لا تفارقه .. وستأخذين جريدتك، تماما كما تفعلين كل صباح .. وأن ما ظننته وداعا أبديا لك هو حلمٌ مزعج، وهمٌ ثقيلٌ سرعان ما يبدّده ظهورُك. كانت الجريدة الملقاة أمام بابك تقول عكس ما نعرف، كنت أريد أن أصدّق، كنت أنتظر، كجريدتك… أن ينشقّ الباب لتملئيه بتفاصيلك المعروفة لي، ثم تأخذين جريدتك. لا يمكن أن نفقدك بدون أي إنذار مبكر وأنت في قمة نشاطك وعطائك وصحتك… لم أكن مستعدا لأتعوّد على غيابك الأبدي، على بابك الموصد وعلى جريدتك المنتظرة.
حين قرر ابنك الطبيب أن يجري لك فحصا، بعد أن ثارت لديه الشكوك بمرضك، حاولت إقناعه أنْ لا ضرورة لهذه “الغلبة” وأنك، ما عدا قليل من الإمساك، تعالجينه بالدواء المناسب، لا أدري إن كنتِ تخفين آلامك عنا؟ لكن وجهك الذي يجعلك تبدين أصغر من عمرك بعقد أو عقدين يؤكد ما تصرين عليه بأن صحتك جيدة ولا تستوجب القلق والفحوصات المتعددة التي حاولت التهرّب منها. لماذا لا نصدّقك؟ لكن طبيبك يصرّ على موقفه وهو ليس كأي طبيب .. إنما هو ابنُك. كان قراره ملزما .. وكان ضجرك من قراره واضحا جليا، واصلتِ بين فحص وآخر حياتك الطبيعية، كنتُ أشعر بسخريتك من قرار “تعذيبك” بالفحوصات .. وكانت “الاتحاد” تنتظرك كل صباح أمام باب بيتك. كان لا بد لي أن ألقي نظرةً كلَّ صباح عند بابك فأرى أنك سبقتِ الجميع في استلام صحيفتك. كنت تبقين باب بيتك أقلَّ بقيراط من الإيصاد الكامل، لأن قهوتك جاهزة بانتظار كل من يطرق بابك من أبنائك بل حتى بائعات اللبن والبقول ..
انظر اليوم إلى الباب الموصد بعجز عن التصديق، برفض لقبول ما أرى، بإحساس مجنون متفجّر انك لا بدّ تقفين، كما أعهدك .. وراء الباب الموصد، أو تجلسين بمكانك المعهود، تطالعين جريدتك وتحتسين قهوة الصباح.
وقفت طويلا أمام الباب وأنا بين دافع الإقدام ودافع التراجع .. وشعور بالثقل يتزايد وأقاوم دمعة تكاد تطفر من عيني.
قبل أن تصبحين مجرّد ذكرى فاجأتِني بأن “أرشيفك” يحوي مختلف المجلات والصحف التي نشرتُ فيها منذ السبعينات، أي مع أول عمل أدبي نشرتُه. بدأتِ تنقلين لي دفعاتٍ تلوَ دفعات أعدادا مختلفة من مجلات “الجديد”، “الغد”، “الأسوار”، “نداء الأسوار”، “الآداب”، “الكاتب”، “البانوراما” وغيرها .. ففوجئت بكتابات نسيتها، بل غابت تماما عن ذهني.
كم تألّمت في الصباح الأول بعد فقدانك، حين نظرت لصحيفة “الاتحاد” مسجّاة أمام بيتك، دون أن يجرؤ أحدٌ منا أو من أولادنا على التقاطها للاحتفاظ بها لك، كما تعودنا في أيام وجودك خارج البيت.
أبقينا جريدتك تنتظر علّك تطلين أخيرا، علّها تكون معجزة تعيدك إليها وإلينا. يعيد لي أشدّ قرّائي حماسة ومثابرة. هل أستطيع أن أكتب الآن وأنا على يقين بفقدانك مع ما يعنيه فقدانك لي ..؟
ماذا يسعني اليوم أن أقول أمام بابك الموصد؟ أمام جريدتك المنتظرة بخشوع أن ينشق باب بيتك ..؟ ربما أطمئنك إذا قلت إني سأبقى مخلصا لقلمي ولما زرعتِه فيَّ من حبٍّ للمطالعة والكتابة .. وإن نسيتُ، فلن أنسى أبدا أنك جعلت من “الاتحاد” كتابيَ المدرسيَّ الأول والوحيد، الذي تعلّمت على صفحاته القراءة وأنا في طريقي لجيل الخامسة ولم أكن بعدها بحاجة لأي كتاب مدرسي آخر لتعلُّم القراءة.
بفقدانك سأعزّز ما كسبتُه منك في طفولتي، علّني أجد فيه عوضا عن غيابك .. ستبقين حية فينا .. ستبقين أجمل ذكرى مع إطلالة كل فجر.
ستبقين أمي!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- الاتحاد – صدرت باسم “مؤتمر العمال العرب” في فترة الانتداب البريطاني، اليوم ناطقة باسم الحزب الشيوعي، هي الصحيفة اليومية العربية الوحيدة في إسرائيل. من أبرز محرريها: المؤرخ د. إميل توما، الكاتب إميل حبيبي والشاعر والمفكر سالم جبران. لعبت الاتحاد دورا تاريخيا، سياسيا وتنويريا هاما. علمتني والدتي القراءة على صفحاتها منذ بداية وعيي، نفتقد اليوم للصحيفة التي تثقفنا على اقلام محرريها وكتابها ونهجها. من المؤسف ان هذه المادة (عن أمي) سبق للاتحاد ان رفضت نشرها عام 2000 رغم ان امي كانت نشيطة سياسيا بمنظمة النساء الديموقراطيات الشيوعية ... لكن التاريخ أكثر قداسة من الذين حولوا حاضرهم الى مهزلة!!
nabiloudeh@gmail.com





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,101,424,362
- من اجل فكر وخطاب سياسي وبرلماني جديد
- القائمة المشتركة انهت دورها.. ماذا بعد؟
- الحياة نفسها تتطلب رؤية جديدة تجسد نهج المرحلة الجديدة
- انتصار علي سلام او فوزه وجهان لعملة واحدة
- نحو تنظيم اجتماعي- سياسي جديد
- نحو مستقبل ونهج جديد للواقع العربي في اسرائيل
- أجمل اثواب الملك
- بحث في الفكر السياسي
- تلخيص ما لم يلخص من انتخابات بلدية الناصرة
- مواصلة الانطلاق للأمام وراء انتصار علي سلام
- صباحك مشرق يا ناصرة الجليل
- يريدون التغيير ام التحريض على رئيس بلدية انجز ما وعد؟
- مسك الختام.. مستقبل الناصرة مع علي سلام!!
- مراجعة نصراوية للطريق التي رفعت علي سلام
- هل يستقيل مرشح بلدية قرطبة ويفوز الرئيس بالتزكية؟
- يا اهلا بالمعارك .. علي سلام في الطليعة!!
- انتخابات الناصرة بمنظار علم النفس الاجتماعي
- بوخدها.. بوخدها!!
- اثارة ارض معسكر الجيش كقضية انتخابية لا يخدم استعادتها
- ملاحظات انتخابية وفكرية


المزيد.....




- فرنسا: إطلاق سراح أربعة أفراد من عائلة منفذ اعتداء سوق عيد ا ...
- السعودية تتعهد بتقديم مساعدات مالية لتونس بقيمة 830 مليون دو ...
- فرنسا: هل يمكن أن تتحول -السترات الصفراء- إلى حزب سياسي؟
- وفاة رئيس إثيوبيا الأسبق
- هدف غريزمان المتأخر يضع حدا لنحس اتليتيكو مدريد خارج ملعبه
- مودريتش لا يغفر خطأ ميسي ورونالدو
- دورتموند يتقدم خطوة نحو التتويج بالبوندسليغا
- -كاف- يحدد تاريخ حسم مستقبل أمم أفريقيا 2019
- العراق... الحلبوسي يناقش مع عمار الحكيم أخر المستجدات السياس ...
- التحالف يدمر مسجدا في سوريا استخدمه -داعش- مركزا للقيادة


المزيد.....

- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي
- لن يمروا... مذكرات / دولوريس ايباروري (لاباسيوناريا)ه
- عزيزة حسين رائدة العمل الاجتماعي - حياة كرست لصناعة الامل وا ... / اتحاد نساء مصر - تحرير واعداد عصام شعبان - المنسق الاعلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - نبيل عودة - في ذكرى وداعك: ستبقين أمي ..!!