أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - هل يمكن التنبؤبأمراض التعصب الدينى؟















المزيد.....


هل يمكن التنبؤبأمراض التعصب الدينى؟


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 5889 - 2018 / 5 / 31 - 15:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هل يمكن التنبؤبأمراض التعصب الدينى؟
طلعت رضوان
أعتقد أنّ البشرالمتحضرين فى أنظمة ليبرالية (بحق وحقيق) يتمنون من أجهزة كل الدول التمكن من كشف العناصرالمُعادية للمجتمع الإنسانى..والكامنة فى جسم المجتمع مثل الفيروسات الكامنة فى جسد الإنسان.. أكتب هذا بعد أنْ تعددتْ جرائم الأصوليين فى أوروبا مثلما حدث فى بلجيكا فى أوخرشهرمايو2018.
كشف علم الطب الحديث أنّ بعض الأمراض تكون كامنة فى جسد الإنسان ، ولا تظهر الأعراض إلاّ بعد عدة سنوات. وكان مرض (السرطان) من أشهر هذه الأمراض . كما تأكــّد – بفضل العلم – أنه كلــّما كان الكشف عن المرض فى بدايته ، كلــّما كان العلاج أيسر وأفضل لصحة المريض.
وأعتقد أنّ ما يحدث فى الطب ، يحدث مثله فى الواقع الاجتماعى والثقافى. وقد تبيّن لى – من خلال مُـتابعتى للثقافة المصرية السائدة ، أنّ كثيرين من المحسوبين على تلك الثقافة، صنـّـفتهم على أنهم ضمن التيار العلمانى أو الليبرالى أو الماركسى ، بينما القراءة المُـتأنية لأعمالهم كشفتْ لى عن انحيازهم للأصولية الإسلامية ، وهذا هو الموضوع الذى عالجته فى كتابى (مثقفون مع الأصولية الإسلامية) الصادر عن مركز المحروسة للنشر- عام 2015. وقبل صدور الكتاب كنتُ أتوقع ردود الأفعال ، وأنّ الأسماء التى اخترتها ستكون (صادمة) لكثيرين.
تناولتُ فى كتابى 14 كاتبًا (أحمد بهاء الدين ، رجاء النقاش ، نعمان عاشور، محمد أحمد خلف الله، حسن حنفى، مصطفى محمود، قاسم عبده قاسم، أحمد صبحى منصور، جلال أمين، صلاح عبد الصبور، محمد سيد أحمد ، محمد عمارة ، جمال حمدان وفهمى هويدى) تركــّزتْ ردود الأفعال حول أننى غاليتُ قى تقييمى لأغلب هذه الأسماء ، لدرجة أنّ الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى (المُـدافع عن قيم العلمانية والحداثة) اعتبر أنّ ثلاثة كــُـتاب فقط يُمكن اعتبارهم من الأصوليين ، وبالتالى فإننى ظلمتُ باقى الأسماء . وكتب كثيرون – فى عرضهم لكتابى – فى نفس الإتجاه . وأضاف أحدهم بأنْ وصف منطقى ب (التهافت)
لم ينتبه من نقدوا كتابى إلى العنوان (مُـثقفون مع الأصولية الإسلامية) وهو العنوان الذى كلــّـفنى الكثير من الجهد العقلى حتى توصلتُ إليه، لأننى كنتُ أعلم أنّ أغلب من تناولتُ كتاباتهم لا يرتدون العباءة الأصولية، وأعلم أنّ لهم بعض الكتابات التى دافعوا فيها عن (الدولة المدنية) فلماذا كتبتُ أنهم مع الأصولية الإسلامية ؟ لأننى أعتقد أنّ الكتابة يجب أنْ تتطابق مع السلوك ، وأنّ الكاتب – المؤمن بمبدأ ما – محكوم بخط عام ، فإذا انحرف عن هذا الخط – ولو فى أمثلة قليلة- انكشف أمره وظهر على حقيقته. ولذلك كانت دقة العنوان (مع الأصولية الإسلامية) للتفرقة بين من تناولتُ كتاباتهم وبين الذين لا يرتدون أية أقنعة ليبرالية أو ماركسية ، أمثال الشيخ كشك والشيخ الشعراوى إلخ بينما الكاتب الذى يرتدى القناع الليبرالى أو الماركسى، ويكتب مُـدافعـًا عن ذات رؤى الشيوخ، يكون قد كشف نفسه بصفته من (العاطفين) مع الأصولية الإسلامية، وإنْ كان يبدو- فى الظاهر- أنه ليس أصوليًا. وذلك على نمط الصيغة التى قرأتها وسمعتها فى شبابى عن (العاطفين مع الماركسية) أو نمط الصيغة التى انتشرتْ بعد انتفاضتىْ يناير2011ويونيو2013 وهى ((أنا لستُ إخوانيًا.. ولكن..)) وبعد كلمة (ولكن) يبدأ دفاعه عن كل جرائم الإخوان المسلمين – المصريين والحمساويين/ الغزاويين – ضد مصر.
000
لا خلاف بين علماء اللغويات والإنسانيات أنّ العروبة والإسلام وجهان لشىء واحد ، فهل تجنيتُ على أحمد بهاء الدين الذى أيّد حركة التعريب فى الجزائر؟ ليكون بذلك ضد الشعب الأمازيغى . أليس ذلك هو النمط الإسلامى الأحادى؟ وهل تجنيتُ عليه عندما انتقدتُ كلامه الذى نفى فيه وجود أى تعصب دينى فى مصر؟ وأليس كلامه هو ما يقوله كل الشيوخ؟ وبماذا يمكن تصنيفه عندما انضم للأصوليين الذين هاجموا الأديب سلمان رشدى بسبب روايته (الآيات الشيطانية) ؟ وصف أحمد بهاء الدين الرواية بأنها ((كتاب حقير صادر عن نفس مريضة رضيتْ لنفسها أنْ تغترب بأنْ تبيع روحها وتراثها)) (أهرام1/3/89)
انتقدنى كثيرون بحجة أننى خلطتُ بين العروبة والإسلام ، مما يدل على أنهم لا يودون الاعتراف بأنّ العروبة والإسلام وجهان لشىء واحد، فهل تجنيتُ على رجاء النقاش عندما تناولتُ كتابه (الانعزاليون فى مصر) وهاجم فيه- بأسلوب إنشائى – تيار القومية المصرية، وركــّز هجومه على لويس عوض؟ وهل تجنيتُ عليه عندما وقف مع الشيخ محمد الغزالى الذى أباح دم الأديب الراحل محمد عبد السلام العمرى الذى نشر قصة (بعد صلاة الجمعة) ووصف فيها مشهد تنفيذ عقوبة الإعدام بالسيف فى السعودية ؟ وبماذا نصف النقاش عندما كتب يُنادى بإنشاء (كلية للفنون الإسلامية)؟ أوليس هذا المطلب ما يراه ويؤيده كثيرون من الأصوليين الإسلاميين؟ وهل تجنيتُ عليه عندما انضم لجيش الإسلاميين الذين هاجموا سلمان رشدى ، خصوصًا بعد فتوى الخمينى بإهدار دم رشدى مع رصد مكافأة مالية لمن يفعل ذلـــك ، ومع المكافأة المالية تصريح بدخول الجنة؟
وهل تجنيتُ على نعمان عاشور الذى أخذ موقف الدفاع عن مصطفى كامل (الذى كان يرى أنّ تركيا هى صاحبة السيادة على مصر) وفى نفس الوقت فإنّ عاشور هاجم أحمد لطفى السيد الذى لم يُـفرّق بين الاستعمار الإنجليزى والاحتلال العثمانى. فمن كان يستحق ثناء عاشور؟ الأول أم الثانى؟ وأليس الدفاع عن الخلافة العثمانية أحد توجهات الأصوليين الإسلاميين ؟ وبماذا يمكن تفسير موقف عاشور الذى دافع عن جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى، وردّد كل مقولات الإسلاميين عن هذا الشخص الذى زرع الأصولية الإسلامية، وحاول هدم الانتماء للوطن مقابل الانتماء للدين، أو وفق مقولته الشهيرة ((الرابطة الدينية)) وأنّ تلك الرابطة هى التى تجمع الشعوب وليس الوطن الذى ينتمى إليه كل شعب؟
وهل تجنيتُ على الماركسى محمد أحمد خلف الله الذى دافع عن الإسلام فى كتابه (الأسس القرآنية للتقدم)؟ وكرّر فيه كلام الإسلاميين عن (المرجعية الدينية) للتقدم ، بينما (التقدم) لا علاقة له بأية مرجعية دينية، إنما يتم التقدم بالعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. وفى رسالته للدكتوراه (الفن القصصى فى القرآن الكريم) ردّد كلام الأصوليين الإسلاميين عن (المشركين) الذين اختلفوا مع دعوة محمد. وعندما تعرّض للكتب التى تناولت الموضوع الشائك : كيف تكون مريم ابنة عمران وأخت كل من هارون وموسى؟ كما جاء فى التوراة والقرآن، ثم صارتْ أم عيسى بعد ذلك بنحو1570سنة ؟ فكان تعليق خلف الله ((هذه الأقوال وكثير غيرها قصد إليها الملاحدة ليثبتوا للناس أنّ القرآن من عند محمد لأنه لو كان من عند الله لما وُجدتْ فيه هذه الأخطاء التاريخية)) فهل هذا الكلام يختلف عن كلام أى أصولى مؤمن بالديانة العبرية بشعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام)؟ وقد تأكــّـد ذلك عندما تناول موقف تلك الديانة العبرية من جدودنا المصريين القدماء، واللعنات التى أنزلها الرب العبرى على مصر. ثمّ نقل العديد من الآيات القرآنية (المُـتطابقة مع التوراة) عن (فرعون الطاغى) وردّ على الذين تناولوا الأخطاء التاريخية فى القرآن فكتب ((إنّ المعانى التاريخية غير مقصودة من القصص القرآنى)) ولكنه لم يذكر الحكمة من ورودها فى القرآن إذا كانت غير مقصوردة ؟ ثم أسفر عن وجهه الحقيقى عندما أضاف ((وأما من حيث النتائج فنحن نعلم أنّ المعانى التاريخية كانت الباب الذى يلج منه الملاحدة والمستشرقون والمبشرون وكل من أراد الكيد للنبى وللإسلام. أما هذه النواميس فهى فخر كل مسلم يؤمن بالقرآن ويدين للإسلام))
وهل تجنيتُ على أستاذ الفلسفة (د. حسن حنفى) الذى فرّق بين (الأنا) و(الآخر) فى كتابه (مقدمة فى علم الاستغراب) فاعتبر الأنا هى (الأنا المسلم) والآخر هو الغرب ، وأنّ مادة علم الاستغراب ((من جهد الأنا وإبداعه وليست من قيىء الآخر وإفرازه)) وفى الهامش ذكر المقصودين ب (القيىء) فكتب ((وذلك فى كتابات إشبلنجر وهوسرل وبرجسون وتوينبى وجارودى وغيرهم من الفلاسفة المعاصرين)) ومثله مثل أى أصولى إسلامى كتب كتابًا دافع فيه عن (الأفغانى) وردّد كلام الأصوليين عن التراث الذى هو ((إعادة قراءته كما فعل القرآن الكريم مع التراث العربى السابق عليه.. كما قرأ الإسلام واليهودية والمسيحية مُـعيدًا بناءهما ومُـصحـّحـًا مسارهما بعد أنْ وقع التحريف والتبديل والتغيير فى التوراة والإنجيل)) ألم يقل الشيخ كشك والشيخ الشعراوى وكل الشيوخ نفس الكلام؟
وهل تجنيتُ على د. قاسم عبده قاسم الذى ردّد كلام الأصوليين الإسلاميين عن أنّ الغزو العربى (يُسميه الفتح الإسلامى) كان من أجل إنقاذ المصريين من ظلم الرومان . فهل فى هذا الكلام أى شىء مختلف عن كلام الأًصوليين الإسلاميين؟ وفى تبريره لأداء الجزية ردّد كلام الإسلاميين والعروبيين فكتب أنّ الجزية ((ليست فى الواقع سوى ضريبة دفاع على حد تعبيرنا المعاصر. فهى مقابل مادى لما يتمتع به أهل الذمة من حماية فى دار الإسلام.. إلخ)) أليس هذا كلام كل الشيوخ؟ ووصف عمر بن الخطاب ب (الخليفة العظيم) فى تجاهل تام لما فعله ضد شعبنا باعتراف المؤرخين المسلمين من عرب وغير عرب. كما تجاهل بشاعة الغزاة العرب كما وردتْ فى كتب ابن عبد الحكم ، الطبرى ، اليعقوبى ، ابن كثير، البلاذرى ، المسعودى، الواقدى، ابن قتيبة الدينورى، أبوحنيفة الدينورى، المقريزى وغيرهم.
وهل تجنبتُ على د. جلال أمين الذى كتب أنّ ضباط يوليو1952 ومُـنظريهم لم يستطيعوا التخلص ((من المفهوم الغربى للنهضة. بل الأصح أنْ نقول أنهم تبنوا هذا المفهوم تبنيًا يكاد يكون حرفيًا. ولم يطرح أى منهم تصورًا لما يُريدونه لمصر (أو العرب) يختلف فى أى جانب أساسى عن النموذج الغربى)) بينما الواقع أنّ ضباط يوليو- فى كل قراراتهم وتصرفاتهم – كانوا ضد آليات الحكم فى الغرب ، خاصة آلية الليبرالية بشقيها الفكرى والسياسى . والشىء الوحيد الذى اتفقوا فيه مع الغرب (بتوجيه ورضا الولايات المتحدة الأمريكية) هو العداء للشيوعية. وإلغاء دستور سنة 1923ورفض مشروع دستور سنة1954 لأنه تضمّن توجهـًا ليبراليًا وأنّ منصب رئيس الجمهورية برلمانى وليس رئاسيًا. وعمل الضباط على ترسيخ شمولية نظام الحكم المُتمثل فى آلية (الحزب الواحد) حزب رئاسة الدولة (هيئة التحرير، الاتحاد القومى والاتحاد الاشتراكى) إلى آخر الأمثلة التى تؤكد أنّ نظام يوليو كان مع الاستبداد والأحادية وضد التعددية التى هى أحد سمات الحكم فى أوروبا. ورغم كل ذلك كتب ((جاءتْ الثورة (يقصد ضباط يوليو) فحسمتْ الأمر لصالح التغريب)) والأخطر فى كلامه أنها ((حسمته على المستوى العلمى بإلقاء كل ثقلها إلى جانب التغريب . واتخذتْ كل ما فى وسعها اتخاذه من إجراءات لترجيح كفته)) فهل خصّص الضباط نسبة من الدخل القومى للبحث العلمى تتناسب مع النسبة فى دول أوروبا؟ وهل أنتج نظام يوليو تكنولوجيا تتساوى مع ما أنتجه الغرب ؟ ثمّ تناقض مع نفسه وانكشف موقفه أكثر عندما دافع عن جريمة عبد الناصر الذى حوّل الأزهر من جامع إلى جامعة. ولأنّ الأصوليين يلتقون على أرض واحدة ، لذلك لم تكن مفاجأة أنْ يمتدح الأصولى الكبير فهمى هويدى جلال أمين ويعتبره ((ضمن الجيل الأقل إنبهارًا بالنموذج الغربى وأكثر قدرة على التحلل من هيمنته بل ونقده على النحو الذى فعله د. جلال أمين)) وكل هذا مع مراعاة أنّ جلال أمين عمل بالجامعة الأمريكية منذ عام 1979. ورضى لنفسه أنْ يقبض دولاراتها ، وفى نفس الوقت يُهاجم الليبرالية، التى هى أحد أسس المجتمع الأمريكى والأوروبى.
وهل تجنيتُ على الماركسى محمد سيد أحمد الذى قال فى ندوة دعته إليها جمعية اكسفورد للشرق الأوسط وقال فيها ((إنّ التحديث ممكن بعيدًا عن مفهوم الغرب للعلمانية)) فهل هذا الكلام يختلف عن كلام أى أصولى إسلامى؟ وإذا كان التحديث سيتم بعيدًا عن مفهوم الغرب للعلمانية ، فكيف سيتم ؟ ألا يوحى كلامه – وفق قاعدة (بمفهوم المُـخالفة كما يقول القانونيون) أنّ التحديث سيكون وفق التراث العربى/ الإسلامى؟ خاصة عندما ذكر فى نفس الندوة أنّ الإسلام (هوية) وكأنه لا يستطيع التفرقة بين الإسلام كدين و(الهوية) التى تـُرادف (القومية) وأنّ (القومية) هى الهوية الحقيقية لأى شعب.
وهل تجنيتُ على د. جمال حمدان الذى كتب أنّ الامبراطوريات القديمة (الفرس والرومان إلخ) كانت استعمارية (ولا خلاف حول تلك البديهية) ولكنه أضاف أنّ ((الدولة العربية كانت امبراطورية تحررية، فهى التى حرّرتْ كل هذه المناطق من ربقة الاستعمار الرومانى أو الفارسى واضطهاده (الوثنى) وابتزازه المادى)) وبعد أنْ امتدتْ الامبراطورية العربية من أطراف الصين إلى أبواب فرنسا ((أصبحتْ دار الإسلام دار العرب الكبرى)) ثم كشف عن وجهه الأصولى عندما كتب ((علينا أنْ نـُسلــّم بأنّ هناك قوى ميتافيزيقة تكمن خلف هذه الدينامية المُـتفجـّرة والحيوية الدافقة. ولا شك أنّ جذوة الحماس الدينى المُـتقدة هى التى ألهبتْ خيال المؤمنين حتى تحوّلتْ بهم إلى شعلة مُـلتهبة وتحوّلوا هم بها إلى مشعل مضيىء)) فهل هذا الكلام يختلف عن كلام شيوخ المساجد؟ خاصة عندما أضاف أنّ ((أخوة الدين كان يقابلها أخوة الأقاليم ، وسواسية الناس كانت تـُترجم سياسيًا إلى سواسية الولايات والمقاطعات. وأنّ الدولة العربية الإسلامية كانت شركة مساهمة بين كل أعضائها وأطرافها. وأنها لم تمر بالمرحلة الاستعمارية المُـشينة. والحقيقة أخيرًا أنّ دولة العرب الإسلامية هى أول فصل فى جغرافية التحرير وأبعد شىء عن جغرافية الاستعمار)) وبغض النظر عن أنّ وقائع التاريخ تؤكد العكس، وأنّ العرب فرضوا الجزية وغيرها من أشكال الضرائب ونهب موارد كل دولة تمّ احتلالها ، فهل ما ذكره يختلف عن كلام الأصوليين ؟ خاصة لو وضعنا كلامه هذا مع موقفه من هوية مصر، حيث مشى مع التوجه الناصرى/ العروبى/ الإسلامى الذى روّج لأكذوبة أنّ مصر (عربية) وحاول حمدان أنْ يبدو موضوعيًا فذكر بأسلوبه الأثير فى اللعب بالألفاظ أنّ مصر ((فرعونية بالجد ولكنها عربية بالأب)) ثم كشف عن وجهه الحقيقى وردّد كلام الأصوليين بأنْ أضاف ((إنّ الحضارة الفرعونية ماتت فى مجموعها. ولا يتبقى لنا فى تاريخ مصر سوى انقلاب التعريب الذى من بعده أصبحتْ جزءًا لا يتجزأ من العالم العربى)) وردّد كلام الأصوليين المُـعادين للخصوصة الثقافية لأى شعب فكتب أنّ التمسك بالخصوصية القومية مثل الفرعونية والفينيقية ((دعاوى رجعية لنفى القومية العربية. ومضاربة القومية الشاملة بالوطنية المُـنغلقة. وهى لهذا مرفوضة ابتداءً ودون مناقشة)) أى أنه مثل أى مُـستبد يرفض مجرد المناقشة. والأخطر فى كلامه أنّ العرب ((عرّبوا مصر ثقافيًا.. بينما مصر مصّرتهم جنسيًا)) وهذا كلام أغلب المُتعلمين المصريين ولا جديد فيه رغم منافاته للغة العلم ، فشعبنا (الأمى) لم يتعرّب ثقافيا، وظلّ يُنتج ثقافته القومية (من أمثال ومواويل ونكت وأسلوب حياة إلخ) كما أنّ العرب لم يتمصّروا جنسيًا ، بل إنّ العربى يرفض أنْ يتزوّج المصرى من أى إنسانة عربية تطبيقــًا لمثل عربى شهير ((ياكلها التمساح ولا ياخدها الفلاح)) والمصرى – من العامل إلى رئيس الجامعة- عندما يذهب للعمل فى السعودية فإنّ أول جواز مرور هو وجود (كفيل) الذى هو نمط لرمز العبودية ، بينما لا يُطبـّقون نظام الكفيل على المواطن الأمريكى أو الإنجليزى إلخ.
كما أنّ سيادته رضى لنفسه أنْ يُردّد كلام عبد الناصر عن (عروبة مصر) وتطابق كلامه مع كلام عبد الناصر كما ورد فى مجلد مصلحة الاستعلامات. وارتكب د. حمدان جريمة فى حق الشعب الفلسطينى عندما ادّعى أنّ اليهود الذين احتلوا فلسطين غير يهود التوراة فكتب إنّ ((يهود اليوم ليسوا من بنى إسرائيل. وأنّ هؤلاء شىء وأولئك شىء آخر أنثروبولوجيًا)) ثم وقع فى التناقض عندما أضاف ((ولا رابطة بين الطرفيْن إلاّ فى الدين والدين فقط)) وردّد كلام العروبيين والإسلاميين والناصريين فكانت رؤيته عن حل مشكلة فلسطين كما كتب ((كل حل لا يُعيد الوضع إلى ما كان قبل 1948بل قبل 1918مرفوض بلا نقاش. وكل حل لا يُزيل إسرائيل من الوجود لا محل له من البحث العلمى)) وكان متسقــًا مع الخطاب الناصرى/ الإسلامى/ العروبى عندما وصف إسرائيل بالدولة (المزعومة)
وإذا كانت الثقافة السائدة رفعتْ من شأن د. حمدان لأنه تبنى مخططات عبد الناصر الذى ارتكب جريمة شطب اسم مصر، فإنّ أ. أحمد أمين كتب ((العرب أزالوا استقلال فارس . وحكموا مصر والشام والمغرب وأهلها ليسوا عربًا)) والمفارقة أنّ د. حمدان صاحب الكتاب الموسوعى (شخصية مصر) كان كل همه ترسيخ أكذوبة عبد الناصر (مصر عربية) لتنفيذ المخطط الأنجلو/ أميركى (تعريب مصر) عندما أنشأتْ بريطانيا (جامعة الدول العربية) وأنشأتْ المخابرات الأمريكية محطة (إذاعة صوت العرب) وكان الافتتاح يوم 6يوليو1953. فلماذا (صوت العرب) فى مصر وليس فى السعودية؟ وتدشين الأصولية الإسلامية كما فعل عبد الناصر الذى تمّ فى عهده إنشاء محطة إذاعة (القرآن) وتحويل الأزهر من جامع إلى جامعة.. إلخ.
أعتقد أنّ الكاتب المؤمن بفكرة ما من حقه الدفاع عنها ، ولكن عندما يلجأ إلى (التلون) هنا تكون الخطورة، خاصة بعد أنْ (تنفخ) الثقافة السائدة فيه وتـُصنــّـفه على أنه من المفكرين الكبار، أو من الليبراليين واليساريين إلخ. وشعبنا الأمى ابتدع مثلا شهيرًا عن الشخص المعتوه الذى يفسد عمله (العظيم) بخطأ واحد قاتل ، فقال عنه ((عامل زى اللى طبخ طبخه وكلــّـفها فلوس كتيره وبعدين جاب شوية تراب ورشهم على طبخته)) وهكذا فعل من تناولتُ كتاباتهم فى كتابى ، وكما أنه لا يمكن فصل (التراب) عن (الطعام) كذلك لا يمكن فصل ما يكتبه أى كاتب فى لحظة مُعينة ويكشف توجهه الكامن فى عقله (مثل المرض الكامن) وإذا كان الطب الحديث نجح فى كشف المرض فى بداياته ، فإنّ العلوم الإنسانية ليس لديها (جهاز كشف الأصولية الدينية) ولذلك تقع المسئولية على عاتق القارىء، صاحب العقل الحر، الذى لديه بصيرة رؤية (التراب) فيرفض تناول الطعام مهما كان شهيًا ومـُـغريًا. وصدق الأديب المُبدع التشيكى فرانز كافكا فى قوله الحكيم ((أنْ تكتب يعنى أنْ تهجر معسكر القتلة. الكتابة انفتاح جرح ما.. لذا يجب أنْ يكون الكاتب فأسًا للبحر المتجمد فينا))
هامش 1- تعمّدتُ أنْ يكون عنوان المقال (جهاز كشف الأصولية الدينية) ولم أكتب الإسلامية ، لأنّ الأصوليين – فى كل دين – مُـتطابقون.
هامش 2- التنصيص الوارد فى المقال وردتْ مراجعه فى كتابى.
***





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,883,546
- الشهورالسابقة على يوليو1952 ثقافيا وسياسيا
- مفارقات الصراع العربى/ العربى
- التوراة والقرآن وتشريعات العصرالمُسمى بالجاهلى
- النص القرآنى ومشكلات التأويل
- تصريح وزيرة إسرائيلية لتوطين الفلسطينيين فى سيناء
- الفلسطينيون وتجربة الهنود الحمر
- مغزى تحريض اليهود على قتل السيد المسيح
- كشف المستور عن العلاقات السعودية / الإسرائيلية
- الصراع السعودى/ الإيرانى: والضحية الشعب اليمنى
- مدارس الفقه والمزايدة على القرآن
- الفنان بقشيش وأرملته إيزيس العصرية
- الصين وكيف حاربت الإرهاب
- هل التطبيع الساداتى / الإسرائيلى ملزم وأبدى؟
- جمهورية أفلاطون الطوباوية
- متابعة كتب التراث العربى / الإسلامى
- ما الفرق بين الكهنوت الإسلامى ووزيرالتعليم؟
- أهمية قراءة كتب التراث العربى/ الإسلامى
- ما هدف المشروع الأمريكى / السعودى من (تنقية التراث)؟
- لماذا تأجيج الحرب الشيعية / السنية؟
- فائدة قراءة كتب التراث العربى/ الإسلامى


المزيد.....




- سريلانكا تربط تفجيرات الكنائس بـ-الانتقام- لمذبحة المسجدين ف ...
- أكبر الأمم المسلمة بحلول 2060
- بالصور..كنيسة قلب لوزة في سوريا التي ألهمت كاتدرائية نوتردام ...
- صحف بريطانية تناقش المخاطر التي يمثلها نتنياهو على المسجد ال ...
- #إسلام_حر.. هل بدأ الإسلام السياسي بعد وفاة الرسول؟
- أكثر من 400 مستوطن يقتحمون المسجد الأقصى
- متهمة باعتداءات سريلانكا.. ما هي جماعة التوحيد الوطنية؟
- أين الإسلاميون من الثورة السودانية؟
- محللون وخبراء أمنيين يشرحون لـ -سبوتنيك- كيف عبرت مصر جسر ال ...
- مايكل أنجلو سوريا يبدع الأيقونات البيزنطية على جدران الكنائس ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - هل يمكن التنبؤبأمراض التعصب الدينى؟