أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الثاني 4














المزيد.....

إلِكْترا: الفصل الثاني 4


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5858 - 2018 / 4 / 27 - 23:25
المحور: الادب والفن
    


النهارُ، كان مشمساً على غير إفراط في الحرارة. فلم تلتزم الطيور في أعشاشها على هامات الأشجار، وإنما ملأت سماء القصر بدورانها الصاخب. حتى النورس وُجِدَ هنا؛ كون البحرة الاصطناعية القريبة تغريه بالانقضاض السريع، الخاطف، على أسماكها ذات الألوان المختلفة. سارت كلتا الضيفتين على الممشى المفروش بالرمل الناعم، المحفوف الجانبين بنسق من الأزهار المتنوعة. الحقول المترامية، أمكنَ رؤيتها خِلَل فتحات الأسوار، منغرسة فيها بعضُ أكواخ المزارعين. أغلب المساحات الخضراء ثمة، تعود لملكية الأميرة من غير ريب.
توقفتا أخيراً أمام مبنى القصر الداخليّ، الذي قادهما إليه وصيفٌ مسنّ قصيرُ القامة، يعرج قليلاً ولكن دونما حاجة لعكاز. أشجار نخيل الزينة ( واشنطن وذات المراوح )، كانت تطوق المبنى وقد ظهرت كأنها جوارٍ فارعات القامة، سعيدات بهيئتهن المتألقة بالنضرة والملبس القشيب. روائحُ الريف، بقيت خارج الأسوار. ليستعاض عنها بعبق الأزهار والعطور الفرنسية، باهظة الثمن. إلا أصوات الطبيعة وكائناتها، فإنها كانت تقتحمُ أسوارَ القصر المكينة، متجاهلةً مقامَ سيّدته. وهيَ ذي " للّا عفيفة " آتية من ناحية الأسوار الجنوبية، يفصحُ رداء التنس الناصع عن وجود ملاعبٍ هنالك. صفعت مؤخرة وصيفها بمضرب التنس ضاحكةً، مما أدهشَ إحدى الضيفتين على الأقل. فإنّ " سوسن خانم " تعرف، ولا مِراء، أنّ الأميرة امرأة متهتكة خالعة العذار. على أن الخانم، في المقابل، لمَ يخفَ عليها ما في تلك الحركة من تكلّف وربما بهدف إظهار صاحبتها مرحة، مستعيدة صحتها. بالأمس، حينَ تكلمت معها هاتفياً، كان صوتها يلوحُ ضعيفاً مرتجفاً متهدجاً.
" بعد تناول الغداء، نمضي في جولة على الأحصنة لو كان ذلك يرضيكما "، قالتها قبل أن توقع ضربة قاسية أخرى على مؤخرة الوصيف وهيَ مسترسلة بالضحك. سلمته مضرب التنس، ثم أشارت إلى مدخل القصر: " تفضلوا، تفضلوا.. مرحبا! ". هموا جميعاً بصعود الدرجات المؤدية للمبنى، المغطى واجهته بعرائش المجنونة ذات الأوراق المسحورة بألوان متعددة. فيما كلاً من جانبيّ المدخل احتفى بتماثيل رخامية، هاجعة في ظلال النخلات. فسقية من المادة الحجرية نفسها، كانت تتوسط الصالة الكبرى، بنافورتها ونقوشها الرائعة. هنالك أشارت صاحبة القصر لضيفتيها بالجلوس قربها على أريكة فارهة، مظهَّرة بالجلد الطبيعيّ. بينما قعدت هيَ على بوفة، مدبّجة بقماشٍ زاهٍ. بقيَ الوصيفُ واقفاً، مضفياً على هيئته مظهراً خاضعاً منتبهاً. بيْدَ أنّ سيّدته سرعان ما صرفته بإشارة من يدها، قائلة بنبرة آمرة: " ولا تنسَ النبيذ على المائدة، فهمتَ؟ "
" ولكنّ تعليمات الطبيب، سيّدتي..؟ "
" ليذهب الطبيب إلى جهنم مع تعليماته! "، ردت عليه مهتاجة بعض الشيء مما دفعه لتنكيس رأسه علامة على الإذعان. غبَّ خروج الرجل، طفقت الأميرة صامتة، تتأملُ مرافقة الخانم وكانت أول مرة تلقاها بالطبع. " سوسن خانم "، كانت إذاك تعاين بنظرة متفحّصة سحنةَ المضيفة وقوامها. لاحَ هزالها واضحاً، وكان شديداً أيضاً شحوبها مما زادَ من سمرتها. استعادت بذهنها ما كانت قد قرأته في مذكرات المسيو الفرنسيّ؛ وصفه لجمال صديقة رفيقه " لويس " هذه، المنتمية للسلالة المالكة؛ ما كان في طبعها ومسلكها من تناقض وتضارب. أطلقت الخانم تنهيدة مغمومة، على أثر فكرة راودتها: " لعلها لا تترك الدنيا قريباً، وليسَ قبلما يصيبني شررٌ من شرّها! إنها تعلم، ولا شك، أنني أمتلك نسخة أخرى من المذكرات ".
بعد الغداء بنحو ثلاث ساعات، حضرَ الوصيفُ نفسه ليرافق الضيفتين إلى إسطبل القصر. الجو كان ما أنفكّ حاراً حوالي العصر، لما تقدمهما الرجل متبختراً على درب متصل مع المزارع الأشبه بحدائق مفتوحة. الإسطبلات، كانت مبنية من الطوب ابتغاءً لملائمة الطقس إن كان صيفاً أو شتاءً. لقد انتصبت الخيول ثمة في صفين من المهاجع المتقابلة، يفصل بينهما ممرٌ مفروشٌ بتراب أحمر تلوّث قليلاً بالتبن والروث. عند مدخل الممر، كانت الأميرة بانتظارهم وقد غيّرت ملابسها للمرة الثالثة. إذ بدت برداء الفرسان، المكون من قطعتين خفيفتين وضيقتين؛ قميص أبيض فوق بنطلون بلون أزرق غامق. قالت لضيفتيها بنبرتها المتباسطة: " أعتقد أن ثوبيكما سيعيقان حركتكما فوق الخيل، فلو شئتما لأمكن استبدالهما؟ "
" الشكر لك، للّا عفيفة. يمكنني هذه المرة تدبّر الأمر بثوبي. مرافقتي ستكتفي بجولة على الأقدام، لأنها لم تركب حصاناً من قبل "، ردت الخانم ببسمة متكلّفة أيضاً. وبينما عادت " زين " مع الوصيف أوباً في الطريق إلى حدائق القصر، امتطت معلّمتها الحصان المقدّم لها من السائس الشاب. كذلك فعلت " للّا عفيفة "، ولو أن ردة فعلها كانت على شيء من العصبية لما حاول الشاب مساعدتها في امتطاء حصانها. بدا أنها كانت تودّ الظهور بمظهر امرأة معافاة، صحتها عادت إلى حيث ذي قبل. من ناحيتها، كانت " سوسن خانم " ما تفتأ على قلقها وهواجسها على الرغم من مظهرها الهادئ ورباطة جأشها. إذ سبقَ قبيل الغداء أن سلّمت مضيفتها مذكراتِ المسيو الفرنسيّ، مدّعيةً أنها حصلت عليها من مرافقتها السابقة آنَ كانت تعمل لديها في المكتب: " كدّتُ أن أحرقها عقب قراءتي للصفحات الأولى، كونها مكتوبة بأسلوبٍ وعر وفرنسيتي بسيطة كما تعلمين! "، أوضحت لها كذباً. عندئذٍ لمعت عينا الأخرى بخبث، ولم تَزِد على القول: " بلى، كان الراحل شاعراً. ومع أنه تحوّل إلى رجل أعمال، فقد بقيَ محتفظاً بملكته الأدبية ". لم تعلق الخانم في حينه على اللمز الصريح من قناتها، مع أنّ داخلها شاءَ القول ساخراً: " وهذا حالك، أيتها الأميرة؛ أضواكِ المرضُ، وما زلتِ مسرفة بالقسوة والشراهة والتسلط! ".









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,839,498,407
- إلِكْترا: الفصل الثاني 3
- إلِكْترا: الفصل الثاني 2
- إلِكْترا: الفصل الثاني 1
- إلِكْترا: الفصل الأول 5
- إلِكْترا: الفصل الأول 4
- إلِكْترا: الفصل الأول 3
- إلِكْترا: الفصل الأول 2
- إلكِتْرا: الفصل الأول 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 4


المزيد.....




- على أنغام الموسيقى... كتابة نهاية عداء دام 20 عاما بين إثيوب ...
- نص -ليس رثاءا كماياكوفيسكى للينين -لأنك زعفران-أهداء الى روح ...
- حفل ختام كأس العالم 2018: البرازيلي رونالدينيو والممثل الأمر ...
- حفل ختام كأس العالم 2018: البرازيلي رونالدينيو والممثل الأمر ...
- البيجيدي: لا وجود لسوء نية في تسريب مداخلة حامي الدين
- شاهد: رسامون يحولون الأجساد إلى لوحات فنية
- شاهد: رسامون يحولون الأجساد إلى لوحات فنية
- أردوغان يستخدم صلاحياته الدستورية ويعيد ترتيب المؤسسة العسكر ...
- أسبوع عالمي لسوريا في بيروت..إصرار على الأمل بالفنون
- لويس رينيه دي فوريه: الحُكْم


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الثاني 4