أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمانة القروي - الصرخة














المزيد.....

الصرخة


جمانة القروي
الحوار المتمدن-العدد: 5854 - 2018 / 4 / 23 - 16:37
المحور: الادب والفن
    


نفذ وقت حراسته، ايقظ رفاقه ونزل الى البستان، الصمت يخيم على المكان فما زال الضباب الصباحي يحجب بعضاً من قرص الشمس الذهبي الذي هبط على بعض اشجار الخوخ والرمان، فمالت وتثاءبت اغصان الصنوبر والسرو معلنةً عن نهار جديد. قطف بعضاً من الثمارالشهية التي اراد بها اسكات جوعه! كان يلوك احدى حبات الخوخ بين فكيه، مستطعماً مذاقها حينما تناهت الى سمعه خشخشة خطوات تتقدم واصوات تتكلم لغتــه. لحظتئذ لم يعرها انتباهه، تخيل انها ربما تكون مجرد افكار او خيالات ليس إلا! لكنها اقتربت وعلت جلبتها، ثبت بصره متمعناً في الاشجار من حوله رآها تتحرك! تملكته الدهشة والتيه لثواني، فقد انتشرت قوات الغرباء بملابسهم العسكرية واسلحتهم المختلفة، هاهم يتحركون ببطء يقودهم ضابط لمعت نجوم كتفه حينما طالها خيط الشمس من خلال افنان الشجر، دليلهم رجل بملابس اهل القرية لم تتضح سحنته. اسرع بخفة وخلسة الى رفاقه الذين ظل بعضهم يتقلب بين النعاس والصحو هتف بهم" الجيش يطوق القرية وهم يتقدمون باتجاهنا"! لبرهة خيم السكون وعّم صمت رهيب حتى يكاد يسمع جريان الدم في العروق، حدقت العيون مستغربة ومتسائلة، وقف قسم منهم فاغري الافواه دون وعي! في ذروة الحيرة وخضم ذلك الارتباك اصبح الجميع وبلمح البصر بكامل جاهزيتهم. تسللوا من احدى الثغرات التي لم تطأها اقدام الجنود منسحبين بسرعة، الا اثنين منهم، احدهما كان مايزال يشد على خصره نطاق الذخيرة والاخر انحنى كي يربط شريط حذاءه! انحدرواعابرين ساقية ماء جافة لللحاق بالاخرين الذين حاولوا حشر انفسهم بين الصخور متمترسين بها متخذين مواقع متفرقة بينها. أنبعثت رشقات خفيفة لبنادق من اماكن مبعثرة قريبة وبعيدة، فجأة تدفق الرصاص كما زخات المطر ازيزه يعبرالروؤس ويطن في الاذان، دوت وانفلقت قنابل مدفعية الربايا القربية واسند الجيش بالمروحيات، ضجيج تبادل اطلاق النار لم ينته طيلة ساعات النهار التي مرت ثقيلة مرهقة ممزوجة برائحة البارود والتراب و دوي انهمار القنابل الثقيلة على الارض، مــلأ صدى انين الجرحى الوادي .
" هل ساموت "؟ بنشيج مكتوم وعينين مشحونتين بالرعب ووجه مذعور سأل(هه وار)* ابن التاسعة عشر من احاطو به وحملوه. لقد استقرت رصاصة في عموده الفقري شلت حركته تماما. صرخ والكلمات تتزاحم في فمه "أمي، أمي، سفود من نار يخترقني"!
سلكوا طرقاً صخرية غير مطروقة نقشت بالحفر الصغيرة،اشباح واهنة مكدودة تسللت عبر دروب وعرة متدثرة بدهمة الليل الذي يثلبه تاوهات ووجع الجريح من اي حجر او صخرة صغيرة تهرسها حوافر البغل الذي يحمله.
بسط له فراشاً رثاً نظيفاً،زحفت العتمة ورغم ذلك لم يتوقف نشيجه في لحظات الصحو التي كان يفجرها الالم والعطش طيلة الايام اللاحقة، كان صراخه يشق الريح ويصَدع الركام. توهجت عيناه بضياء الذهول والهلع، سؤال واحــد يتردد على شفتيــه "هل ساموت "؟
مع تعاقب الليل والنهار فقد قدرته على التفكيروالحركة تماما،تصلب جسده واضمحلت رغباته ايضاً، دخل في حالة من الكآبة والانقطاع عما حوله، اشبه بفقدان الوعي. تواصل نحيبه وكلماته ترجو وتتوسل الاستعطاف لانقاذه من هذا الوصب الذي لم تعد سنواته الغضة تحتملـــه، كلما شد مارد العذاب قبضته عليه ينفجر في بكاء مر وهو يقول" لا اريد الموت"! كان يعشق الحياة لكنها غدرت به .
مرات كثيرة جاهد بالتماسك وتظاهر بالقوة والصلابة واوحى بانه لن يضعف او ينهار امام هذا الشرير. الوغز المستمر بجمرات الوجع لم يتخلَ عنه ولو لثواني،كان كلما استبد به التعب والالم يغمض عينيه فتظهر ابتسامة مرتعشة على شفتيه وترتسم على محياه اشباح حنينه لحضن أمــه .
ازداد الهذيان ونوبات النواح، سيما في ساعات الصباح الاولى، وجَمَ بينما عيناه تجودان بالدمع الذي اخذ يكفكفه براحة يديه، مغالباً رعدة اختلجت بصدره فتفجرت عن اهات حزن وحسرة . وقف الطبيب عاجزاً عن اسعافه، لم يفارقه على امل نجاته، كان يبلل شفتاه بالماء كلما طلبه طيلة تلك الايام الصعبة على امل إنجاده باي شكل من الاشكال،لكنه اخفق وباءت جهوده المضنية لانقاذه بالخيبة والفشل .
بمرور الوقت تسرب اليأس والقنوط لكلاهما بعد ان قضمت فارة الانتظار ثوب الامل. ماتت نظراته وكسا وجهه حزن هادئ، لم يعد ينتبه او يثيره اي شئ، باتت الحياة مملة لا جدوى منها.
عند الضحى فاضت عيناه بالدموع وهو يرمق من حوله بنظرة تومض وتشحب، اراد ان ينطق لكنه صمت، شد على يد الطبيب بقوة طالباً منه ان يرتوي، فقد اوشك على رحيل لاعودة منه .


*هه وار: معناها الصرخة باللغة الكوردية، وهو اسم علم ايضا





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,865,602,670
- ضمأ
- ابريق الشاي
- اكفان خضراء
- الفقدان
- الخباز
- قصة قصيرة بعنوان الكنز
- قصة قصيرة عناقيد العنب
- قمقم الذكريات
- الاقحوان الحزين
- شبح الغربة
- الضرس
- الغول الاحمق
- من لايعرف ماذا يريد ( رؤيا نقدية حول رواية سميرة المانع الاخ ...
- قصة قصيرة بعنوان الزنابق البيضاء
- قصة قصيرة - القرار..
- مبدعون عراقيون في المنافي ( 5 ) [ الدكتور رشيد الخيون ]
- الفنانة ناهدة الرماح - حب الناس هو النور لعيونها .. وبذاك تل ...
- السمفونية الأخيرة
- مبدعون عراقيون في المنافي الدكتور صلاح نيازي
- مبدعون عراقيون في المنافي ...الحلقة 2


المزيد.....




- صدور -من داخل الزنزانة- للاديب العراقي هيثم نافل والي
- الشاعر عن دعم ليرة تركيا بحجة دعم المسلمين: لماذا لم تدعم ال ...
- الممثلة الإباحية ستورمي دانيلز تغيب عن بيغ براذر في اللحظات ...
- توقعات ضخمة لأكبر فيلم أنتج في هوليوود يؤديه ممثلون آسيويون ...
- تحب السينما؟ هذه أبرز أفلام العيد
- إزالة أعلام قوس القزح قبل حفل الفنانة نانسي عجرم في مهرجان ي ...
- بالصور... فنانة سعودية تجسد رحلة الحج على قماش الإحرام
- بمناسبة خمسينية نادي السينما السوداني
- دور العرض السينمائي في السودان
- تفاصيل جديدة حول اعتقال الفنان المصري في تركيا


المزيد.....

- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمانة القروي - الصرخة