أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلكِتْرا: الفصل الأول 1















المزيد.....

إلكِتْرا: الفصل الأول 1


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5849 - 2018 / 4 / 18 - 08:04
المحور: الادب والفن
    


رسالةُ " فرهاد "، المُسجلة بخطه الأنيق على ورقةٍ واحدة بحجم أوراق الناسخة، ما تني تحتَ أنظارها بكل ما بعثته من ذكريات موسكو.. ذكريات، مُحمّلة بصوَر غائمة ـ كضباب تلك المدينة في أوان فجرٍ متأخر، منفصل عن ليلٍ جليديّ ـ لأشخاصٍ غابوا أبداً عن مشهد الحاضر. ولكنه نسيمُ الربيع الصباحيّ، مَن يُداعب الرسالة وهيَ في مكانها على المنضدة الخشبية، المرصّعة نقوشها الدقيقة، الفضية والصدفية، بمهارة الأخ الأكبر لسكرتير " سوسن خانم ". كانت في المحترف متكئةً على مسند الأريكة، المدبّجة بالخمل الأرجوانيّ، متكاسلة عن النزول إلى مكتب أعمالها في الدور الأول. وكان قد توالى على حجرة المحترف، المحتلة صدرَ الترّاس، مَن حضرَ ليطمئن على مخدومته؛ بدءاً بالخادمة " عيّوش "، التي وافقت على وضعها الجديد على مضض بعدما سبقَ أن استحوذت " زين " على مهمتها كمرافقة. هذه الأخيرة، ما لبثت أن جاءت بدَورها عقبَ خروج شقيقها بدقائق. قالت لها معلمتها، بغيَة صرفها عن فكرة المكوث في المرسم: " عانيتُ من الأرق ليلاً، وأظن أنني بحاجة لبضع ساعات نوم ".
شملها قدّام ذكرياتها إحساسٌ غريب بالحرَج، احتارت له حقاً، كأنما امرأة ترى وجهها في مرآة بعد تشوهه في حريقٍ. بل لقد انتابَ الخانم استياءٌ شديد، حينَ التهبَ وجهها بحمرة الخجل مع تناهي صدى الكلمات الأخيرة من حوارها مع سائقها السابق: " يبدو إنني سأعاني المزيدَ من المتاعب، كوني إحدى النسوة اللواتي أنتَ ذكرتهن قبل قليل. مع أنني لا أرقد ليلاً على سريرٍ بارد، فيما رجلي يقضي أوقاتٍ ممتعة مع جارية تمنحه ما تتمنع عنه المرأة المسلمة! كذلك لا أعتقدُ أنني سأصل قريباً إلى تلك الدرجة من الحرمان الجسديّ، التي تجعلني أبحث عن الجنس بين أفخاذ نساءٍ تعسات ". ليست كلماتها المكشوفة، بحدّ ذاتها، مَن حوّلتها إلى هذا النحو من الحرَج أو لأنها قيلت لرجلٍ أدنى منها مستوىً. " سعيد "، كان لعدة أعوام صديقاً أكثرَ منه مستخدماً؛ صديقاً مخلصاً ووفياً. المفردة الأخيرة، هيَ ذي تثبط همّتها وتسلّمها للإحباط. إنها تتذكّرُ وقوفها عاجزةً أمام غلظة وفظاظة طليقها، لما أنهالَ على السائق الخاص بكلام جارح قبيل صرفه من الخدمة: " أنتم مثل كلابٍ مسعورة! أنتم عضضتم يداً أطعمتكم وأحسنت إليكم. والآن، ما عليكَ إلا الذهاب إلى الكويت لتنضمّ إلى جماعتك المرتزقة، الذين يستبيحونها بأمر من حبيبكم صدّام الخ ". وإنها لتحمرّ ثانيةً، كونها أصمّت أذنيها عن إلحاح الرجل المسكين، آنَ هاتفها من القاهرة فيما بعد راجياً إياها إعادته للخدمة. إذاك، كانت قد انفصلت عملياً عن " الشيخ سالم " واستقرت في مراكش. على أنها أحجمت عن تلبية طلب سائقها السابق، كونها قررت هجرانَ ماضي مدينة دراستها بكلّ ما فيه من صقيعٍ يُجمد القلب، مقبلةً بروح جديدة على لقاء مدينةٍ أخرى تهبها الشمسَ والحظوة والأمل.
الرسالة، ما يفتأ يُحركها النسيمُ.. أو أنّ داخلها قد اختلجَ بفعل سِحْرٍ ما، حال سحر صديقتها المغربية " فاطمة " في الأمسية تلك، الشاهدة على الحفلة الراقصة بمناسبة " يوم أفريقيا ". عرفنا من قبل أن " فاطي "، بحَسَب لفظ اسمها البربريّ، كانت زميلة في معهد اللغة. لقد شاركتها " سوسن " في العام التالي السكنى في حجرةٍ واحدة في نفس البناء المخصص للطلبة، وإن كانَ ذلك بطريقة شكلية. على أننا نستعيدُ الآنَ معها ذكرى الليلة الراقصة، وكانت سويعة منها على الأقل ـ كما علمنا أيضاً ـ مبعثَ فضول السائق " سعيد " وشكوكه. ستنتقل مع صديقتها " سارة " من صالة الرقص، تسللاً، وصولاً إلى حجرة الفتاة المغربية على الدور الخامس عشر. أُخِذتا بمنظر الحجرة الكبيرة، المُهيمنة عليها العتمة لولا بصيص ضوءٍ من شمعة نحيلة، موضوعة على الأرضية الخشبية. كلتاهما كانت قبلاً على معرفة بما سيُحاك في الحجرة من لعبة سرية، وأنّ من أهم شروطها التزام الصمت المطبق. هنالك إذاً حول الشمعة، تحلّقت بضع فتيات ( ثلاثة أو أربعة فضلاً عن فاطي ) في منظرٍ يُذكّر بوليمة شيطانية في إحدى لوحات عصر النهضة. خِلَل الضوء الشاحب، المتراقص على وجوه الحاضرت، ميزت " سوسن " زميلتين إحداهما يمنية والأخرى عراقية. وجه المغربية، كان عندئذٍ يشعُ رويداً مثل عرافة " دلفي " قبيلَ قذفها سهمَ النبوءة.
" لتكتب كلاً منكن على قصاصة ورق، اسمَ قريبٍ لها توفي مؤخراً "، قالت لزميلاتها بنبرة بشعة تُحيل إلى ملاك الموت. ولكنها تكلمت كمن يهذي، فيما عرق رقبتها ينتفخُ. ثم ما لبثت أن انحنت مجدداً، كي تطوي بعناية قصاصات الورق بعدما ملئ كلاً منها بالاسم المعنيّ. حلّ على الأثر صمتٌ مريب، جعلَ من الممكن سماع خفق نسائم الربيع على نوافذ الحجرة. خرقت المغربية الصمتَ، بأن راحت تعبث بالقصاصات في حركة تذكّر بالمرأة حينَ تأخذ بتنقية الحبوب من الشوائب. سحبت وريقة، فقرأت فيها اسماً بصوتٍ مريع كالصراخ. تحركت عند ذلك إحداهن، وقد نضح جبينها بالعرَق. كانت الزميلة اليمنية، وكان واضحاً أن الاسم يخصّ قريبها. قالت لها العرافة: " ركّزي بكل انتباهك على الورقة، إلى أن تبدأ بالارتجاف. حينئذٍ يُمكنني استحضار روح والدك، ويكون بوسعك سؤاله عما تشائين! "
" ولكن، كيفَ عرفتِ أنه أبي..؟ "
" صه، لا تتكلمي! "، زمجرت فيها وقد أضحت قريبة الشبه حقاً للضبع. الأخرى المسكينة، هيَ من راحت ترتعد وترتجف كورقة في مهبّ النسيم. إلا أنها امتثلت للأمر، وأخذت تحدّق ملياً في قصاصتها. ضوء الشمعة، راح يتمايل وكما لو أنّ أحدهم ينفخ عليها. " سوسن "، ازداد خفق قلبها وقد خيّل إليها أن الورقة بدأت فعلاً تتحرك. شهقت الفتاة اليمنية، وأنشأت تتمتم بمفرداتٍ ضارعة لربّ الأموات والأحياء. في اللحظة التالية، انطلقت ضحكة " سارة " بجنون.. ضحكة هستيرية مدوية، وقعت كالصاعقة على أم رأس العرافة. إنتترت هذه واقفةً، وما عتمت أن اتجهت نحوَ مفتاح الضوء الكهربائي لتنير الحجرة: " واه سارة، واه! ألم تتمكني من ضبط أعصابك لدقيقة أخرى؟ "، خاطبت زميلتها بالمحكية المغربية. بيْدَ أن نبرتها لم تكن قاسية؛ هيَ من تدرك شأنَ أصحاب المقام العالي.
" سوسن "، سألت صديقتها فيما هما في الطريق إلى المصعد: " إنك شربتِ كثيراً من الشمبانيا.. ". قاطعتها " سارة "، قائلة فيما سحنتها مشرقة خالية من الانفعال: " لا، ليسَ الأمرُ كذلك. إنني كدت أموت رعباً لما لحظتُ الوريقة تتحرك، ولو لم أطلق الضحكة لوقعت مغشياً عليّ ". شهران على أثر ليلة تحضير الأرواح، ثم عادت " سارة " من إجازتها الصيفية في الكويت. فكم صدمها أن تعلمَ من صديقتها، أنّ تلك الزميلة اليمنية لن تعودَ قط من الإجازة: " صدمتها سيارة، هناك في العاصمة عدن، لما كانت تقطع الشارع المحاذي للمطار. إنها ضُمت إلى جدث والدها، حيث سيكون لديها وقتٌ كاف للتحدث معه ".

> مستهل الكتاب الثاني من رواية " كعبةُ العَماء "





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,843,133,053
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 2
- الطريق إلى الغوطة


المزيد.....




- برلماني من البام: من غير المقبول أن يحصل البرلماني على معاش ...
- بعد تعرضه لانتقادات شديدة.. ماكرون يفصل حارسه الشخصي
- فيلم عن نيل أرمسترونغ لافتتاح مهرجان البندقية
- توم كروز ينسى غلق سرواله في العرض الخاص لأحدث أفلامه (صور)
- الشرعي يكتب: الأمل..للارتقاء فوق نقاش سياسي فارغ
- كيف نشأت الأفكار السياسية في الغرب؟
- فيلم كارتون روسي صيني يعرض في إفريقيا
- الاستقلال يفوز على البيجيدي ويكتسح 13 مقعدا في انتخابات اولا ...
- صفعة جديدة للبوليساريو بعد تجديد اتفاقية الصيد بين المغرب وا ...
- صناعة الغيتار بأيدي طلاب الموسيقى


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلكِتْرا: الفصل الأول 1