أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 3















المزيد.....

ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 3


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5843 - 2018 / 4 / 12 - 23:43
المحور: الادب والفن
    


منذ رحيل والدها عن الدنيا، قبل بضعة أعوام، وجدت نفسها لأول مرة في حياتها مع رجل تحت سقف واحد. مع أنّ كثيرين، ولا غرو، وجدوا في الزوج صورةَ الأب، غامزين من قناة سنّها الغضة. من ناحيتها، شعرت أنها تعود مع " الشيخ سالم " إلى نوعٍ من البدائية لم تعهده من قبل. اعتقدت بدءاً أنها ستعيش معه حالة تغيير مثيرة، سبقَ أن خبرت شبيهها ثمة في مسقط رأسها، آنَ كانت تتنقل بين منزل الأسرة في اللاذقية ومزرعة جدّها لأبيها في جبل الأكراد.. بين مدينةٍ تحبو ببطء نحو الحداثة وريفٍ ما يفتأ يطوف حول محوره الأزليّ، فعلُ ملاك في كعبة العَماء. على أنّ ذلك الاعتقاد كان خالٍ من أساس، خلوَّ البادية من عبق مراعي قرية الأسلاف. أجبرته " سوسن " على إعادتها لموسكو، وذلك بعد أقل من أسبوع على العرس. كان حفل الزفاف قد أقيمَ في قصره الرائع بالعاصمة الكويتية، المنزوي على طرف الصحراء، والمحتلة حجراته الأربعين ثلاثُ زوجاتٍ مع أولادهن. أما الرابعة، التي ما تني تعيش هنالك في القصر، مع أنه طلّقها عشية حصوله على النيشان الأميريّ ـ فإنها لم تكن سوى والدة " سارة ". لشد ما كرهت " سوسن " الصحراءَ، الجافة كطبع رجلها!
" كأنني كنتُ أكافح كابوساً، ثم إذا هوَ واقعٌ قدَرٌ عليّ أن أعيشه حتى الموت أو الترمل "، فكّرت بكرَب. لقد تركت لأهوائها الحبلَ على الغارب، كي تقودها إلى هكذا واقع. توهمت أنها ستعثر في الزواج على لغز مغارة " علي بابا "؛ أينَ الكنوز المخبوءة في جرار ضخمة، تنتظر العبيد السود لنقلها تحت لسع السياط. بيْدَ أنها لم تحظَ سوى بأحدهم، لتكون لديه أشبه بجارية بيضاء لا جدوى منها سوى لسع مكامن فتنتها على سرير المتعة. يوماً بعد يوم، كانت الهوة تزداد بينهما. ضاق عليها العيش بالرغم من سعته، فآلت إلى الانكفاء لعزلة الأعماق. من جانبه، حاول " الشيخ سالم " ردمَ الهوة بالمزيد من الهدايا على عادة الرجال الموسرين، الكريمين. مما ضاعفَ ضيقها، طالما أنها عاجزة عن مساعدته في المحاولة، أو على الأقل التظاهر بذلك. لم يعُد للقبلات من طعم سوى مرارة الخيبة، والهدايا صدقة وإحسان ـ كما هوَ شأنُ أيّ جارية، حبيسة الجدران الخارجية والداخلية.
ما كان ثمة حديثٌ بينهما خارجَ إطار المهام المنزلية، المعتادة. ذلك أنّ أفكارهما، وميولهما أيضاً، كانت متعارضة أشدّ التعارض. كانا على تناقض في كلّ شيء، يكاد لا يجمعهما إلا التصميم على مواصلة حياتهما لغاية وصولها إلى طريقٍ مسدود. حفلاتُ الاستقبال، في المقابل، وضعت " سوسن " في إطار آخر. عندئذٍ، كانت تعدّ الأكثر تألقاً بحُسنها وأناقتها وزينتها وحليها. بفضل تلك الحفلات، غدت امرأة مرموقة لامعة في المجتمع المخمليّ، ولو أنه محصور ضمن نطاق حلقة ضيقة من كبار الدبلوماسيين العرب والغربيين. على أنها التزاماتٌ اجتماعية باتت ترهق روحها المرهفة، الميالة إلى ما هوَ أبعد من المظاهر والأطر والأنماط.
" آه، يا لها من حياةٍ رتيبة تعسة، تسحرُ حَسْب أولئك النسوة المُكتفيات بجهاز هضميّ وآخر تناسليّ! "، فكّرت وهيَ واقفة خلف نافذة غرفتها، المطلة على المشهد الخريفيّ لحديقة مجمع القنصلية. هنالك كانت ما تنفكّ منصوبةً، الخيمةُ البدوية الكبيرة المخصصة لقيلولة الملحق العسكريّ في أيام الدفء ( دَعَتها فيما بعد ‘ خيمة القذافي! ‘ متهكّمةً ). إحدى صالات الشقة الثلاث، أثثها أيضاً رجلها على الطريقة العربية مع اكسسوارات تقليدية. حجرة النوم، شاءَ في المقابل أن يدع تأثيثها لذوق عروسه السورية. على أنه أحاط سريرَ النوم الفاره بستارة من الديباج، وذلك احتياطاً منه ووسوسة: الروس، على ظنّه، لا بدّ وثبتوا عدسات دقيقة في أمكنة خفية من حجرات المنزل، تتيح لهم التجسس على حياته الشخصية والمهنية سواءً بسواء.
الخريف، هوَ فصل الدراسة أيضاً، تنقلب فيه الطبيعة إلى النشاط بعد أشهر الصيف الخاملة. أوراق أشجار الزينة، التي ترافق مسيرها في السيارة إلى جامعة موسكو، تتحول إلى ما يماثل لون شعرها الأصفر، المائل قليلاً إلى الحُمرة. وإنه " سعيد "، من تعهّدَ مرافقتها في الذهاب والإياب. كانت على مظنةٍ منذ البدء، أنّ هذا الرجل الأسمرَ مكلّفٌ سراً بالتجسس على حركاتها خلال فترة دوامها في كلية الصحافة. تأكدت من الأمر مبكراً، خلال أحد تلك الأيام الدافئة. كانت جالسة صباحاً بمكانها المألوف في المقعد الخلفيّ، وقد عكست مرآةُ السائق عينيه النهمتين، المثبتتين بين ساقيها المكسوتين بجوارب شفافة سوداء. حينَ أضحت السيارة عند البوابة الكبرى للجامعة، دهمها خاطر مفاجئ. قالت له بنبرتها الآمرة: " ضع المرسيدس في الكراج، لأننا سنستقل سيارة أجرة. ليسَ لديّ رغبة اليومَ في حضور الدروس، فلنذهب إلى أيّ مكان آخر "
" ليسَ بوسعي فعل ذلك، يا سيّدتي. أنا مأمورٌ بإيصالك إلى الجامعة، ومن ثم إعادتك للمجمع "، ردّ الرجلُ وهوَ ما يفتأ محملقاً فيها بدهشة كأنه لم يهضم بعدُ كلامها الغريب. عادت هذه المرة، لتقول له بطريقة تجمع بين الإغراء والاستفزاز: " لنفترض أنك فعلتَ ما أطلبه منك، فماذا سيحصل؟ ". تعلق نظره بشفتيها المصبوغتين بالأحمر المثير، ثم تمتمَ بالعاً ريقه في عسر: " لا أريد أن أفقد عملي ومستقبلي.. ". استحكمت فيها الرغبة المجنونة بالعبث، فقالت بقسوة متكلّفة: " ستفقدهما على أيّ حال، ما لو أخبرتُ معلمك بأنك تنظر إليّ بطريقة مريبة.. وربما أخبره أيضاً بأشياء أدهى! "
" آه، أرجوك سيّدتي. أنا رجلٌ يعيلُ عائلتين.. ". بدأ القولَ متوسلاً، آنَ قاطعته هيَ بنبرة ساخرة " كأنك تعتقدُ بأنني سأتخذ منك عشيقاً، لا سمح الله؟ لستُ أنا من تفعل ذلك مع سائقها، حتى لو كان فحلاً في فراش امرأتيه! ". رمقها بنظرة حزينة، مجيباً: " لقد عنيتُ بالعائلة الأخرى، أمي وأخوتي الستة. إنهم يعيشون في القاهرة ببيت إيجار و.. "، وغصّ في كلماته مسحوقاً بالألم والمهانة. شعرت فوراً بالتعاطف معه، وكذلك بتأنيب النفس. " المرسيدس "، كانت ما تزال واقفة على طرف الطريق المفضي إلى الموقف المخصص للجامعة. قالت له بهدوء: " أفتح النافذة عندك، لو أردتَ تدخين سيجارة ". فيما كان ينفذ أمرها ويبدأ بإشعال لفافة من تبغ روسيّ رخص، استأنفت القول بذات النبرة: " ماذا دهانا في آخر الأمر؟ عليك كان أن تسألني أولاً، عن المكان المقصود.. أو لعلني المذنبة، وتوجّبَ عليّ أنا توضيح ذلك. كلّ ما في الأمر، أنني رغبتُ بتمضية بعض الوقت في غابة يوغا زابادنايا. هنالك يمكننا استئجار قاربٍ، للقيام بنزهة قصيرة في بحيرتها! ".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,056,480,669
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل التاسع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثامن 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 2
- الطريق إلى الغوطة
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السابع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل السادس 4


المزيد.....




- لغزيوي يكتب: -فبلادي ظلموني-: شغف لا شغب !
- حصار الخرطوم المنسي.. بدء نهاية الاستعمار
- أفضل 10 أفلام رعب مجانية على موقع يوتيوب
- رئيس الحكومة الإسبانية يحل بالمغرب في زيارة عمل
- بطل -قيامة أرطغرل- يشارك بمهرجان أجيال السينمائي في قطر
- العثور على لوحة بيكاسو المسروقة
- مهرجان مراكش السينمائي يستأنف مسيرته.. ما الجديد؟
- -إيقاع الخوف-.. وثائقي عن أحوال مسلمي نيس الفرنسية
- أحزاب متنفذة تهيمن على مبان دور السينما والمسرح في البصرة
- صدر حديثًا المجموعة القصصية -نصف حياة- للكاتب عادل جابر عرفة ...


المزيد.....

- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 3