أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - التيتي الحبيب - الشعبوية في المغرب وموقفنا كماركسيين















المزيد.....


الشعبوية في المغرب وموقفنا كماركسيين


التيتي الحبيب
الحوار المتمدن-العدد: 5824 - 2018 / 3 / 23 - 14:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اطلعت مؤخرا على فيديو يتضمن مناظرة بين الفيلسوفة البلجيكية شانتال موف والزعيم السياسي الفرنسي جان لوك ميلانشان تناولت المناظرة عدة قضايا فكرية وسياسية كان من بينها موضوع الشعبوية. ومما شد انتباهي دعوة السيدة شانتال الى ضرورة بناء شعبوية يسارية نقيضة للشعبوية اليمينية وأعطت بعض عناصر هذا البناء.
هل حقا دعوة الفيلسوفة السيدة شانتال تحمل جديدا يمكننا ان نعمق فيه البحث ونمعن النظر ام تراها دعوة اخرى لتحريف نظرنا كماركسيين عن الاساسي من عملنا السياسي والنضالي والفكري؟
في الحقيقة ما كنت لالتفت الى الموضوع لولا اهتمامي الشديد بموضوع الحركات الاجتماعية ليس فقط نظريا لكن ايضا عمليا لان هذه الموضوعة باتت من تجاربنا الملموسة بالمغرب بعد حراكي الريف وجرادة باعتبارهما النموذجين الهامين لهذه الحركات الاجتماعية.فما هي العلاقة بين هذه الحركات الاجتماعية والشعبوية؟ وما موقف الماركسيين المغاربة من الشعبوية؟
للجواب على هذه الاسئلة لا بد اولا من استعراض ما تعنيه الشعبوية وما هي المضامين التي تكمن وراء هذا المفهوم اليوم في الفكر السياسي عامة وفي وضعنا المغربي؟
1- مفهوم الشعبوية كما ظهر في الادبيات الماركسية.
ظهر المفهوم بشكل واضح في الادبيات الماركسية في روسيا حيث لعب الماركسيون الروس دورا هاما في التعريف به وبخصائص القوة الشعبوية كما ظهرت في روسيا. مرد ذلك هو ان روسيا كانت الارض الخصبة لظهور قوى سياسية شعبوية كقوة منظمة وقد كانت في ذلك سابقة على ظهور الحركة الماركسية هناك اي قبل ظهور الاشتراكية الديمقراطية الروسية.
تعتبر منظمة نارودنيك (narodnik ) اهم المنظمات الشعبوية و كانت تنشط منذ السنوات 1870 وكلمة نارود باللغة الروسي تعني شعب وقد انحدرت هذه المنظمة اساسا من اوساط البرجوازية الصغيرة المدينية، نادت بثورة من صنع الفلاحين اساسا باعتبارهم يشكلون الاغلبية الساحقة في المجتمع . وقد انحدر من هذه المنظمة حزب "الاشتراكيين الثوريين" الذي تأسس سنة 1901 ونادى بدوره بثورة الفلاحين التي ستقيم الديمقراطية ونوع من الاشتراكية ذات الخصوصية الروسية المرتكزة على تقاليد المير (mir ) اي الجماعات الفلاحية المبنية على الملكية الجماعية للاراضي.
عجز الناردنيون على تعبئة الفلاحين،فسهل عزلهم عن هذه القاعدة الاجتماعية وتعرضت اغلبية اعضاء المنظمة للاعتقال مما دفع بالبقية الى مواصلة النضال ضد الاستبداد القيصري بالاعتماد على قواها الذاتية وبدون مشاركة الشعب.ونتيجة هذه العزلة والقمع سقط هؤلاء المناضلون في اخطاء خطيرة على شاكلة القيام بعمليات ارهابية وفردية. ولتبرير خطهم السياسي الجديد اعتبروا بان مثل هذه العمليات الفردية ستمكن من استنهاض الشعب الغافل. هكذا انخرطوا في عمليات ذات صدى على امل ان يبرز فيها الابطال الشجعان سيقتدي بهم الشعب لاحقا.لقد انتهى الامر بهؤلاء الشعبويين الى التخلي عن العمل الثوري وسط الفلاحين او العمال. لقد اصبح هؤلاء الشعبويون بنضالهم الارهابي والفردي يشوشون على العمل الثوري وسط الكادحين من عمال وفلاحين.
لمحاربة التأثيرات السلبية لهذا التيار وسط المجتمع خاض الماركسيون بزعامة بليخانوف الذي اسس سنة 1881 مجموعة "تحرير العمل" والتي اصبحت فيما بعد الحزب العمالي الاشتراكي الديمقراطي الروسي الذي عقد مؤتمره الاول سنة 1889 و مؤتمره الثاني سنة 1901 بزعامة لينين بعد ان اعتقلت لجنة بليخانوعف وتم نفيها الى سيبريا. لقد تم هزم الشعبوية ايديولوجيا وسياسيا واستطاعت الاشتراكية الديمقراطية ان تصبح حزبا ثوريا يعطي للنضال السياسي طابعه الطبقي باعتماده على الطبقة العاملة وبتحالفها الاستراتيجي مع الفلاحين.
في كلامه عن الشعبوية قال لينين:" انه اذا رفضنا كل الكلام المعسول الذي يطلقه الشعبويون عن الشعب ومصالحه، وإذا امعنا النظر جيدا في جملهم الطنانة نكتشف زيف وخداع البورجوازي الصغير."
2- الشعبوية اليوم تعود في حلة جديدة وبمضامين متعددة.
في العقود الماضية استرجعت الشعبوية حيوتها واتخذت عدة تمظهرات قوية خاصة في اوروبا الغربية وامريكا الجنوبية والى حد ما قوية في افريقيا والعالم العربي.
تصاعد الاهتمام بالشعبوية كنمط تفكير واسلوب ممارسة السياسة بعد ان ظهرت علامات تفكك المنظومة السياسية للدولة الرأسمالية وفي مقدمتها الديمقراطية. فأمام ارتفاع نسبة مقاطعة الانتخابات والاستشارات الشعبية، وتفسخ المشهد الحزبي المهيمن وعجزه على تحشيد القواعد والجماهير واقتراح برامج تغيير مقنعة وذات حمولة اقتصادية واجتماعية تجيب على الهزات الناجمة عن الازمة البنيوية للرأسمالية، برزت اشكال متعددة من الشعبوية فرضت نفسها على المهتمين بالفكر السياسي وبالتنظير الفلسفي.
ومن جملة هؤلاء المنظرين وربما من اهمهم ايف ميشو (Yves Michaud ) الذي خصص احد كتبه لموضوعة الشعبوية بعنوان "Contre la bienveillance" حيث يرصد الشعبوية في مظهرين اثنين: من جهة اولى هناك اصوات تذهب لصالح احزاب حديثة العهد تنادي بالتخلص من زمرة الاحزاب القديمة، ومن جهة ثانية المقاطعة القوية للمواطنين الذين لم تركوا السياسة لأنها لم تعد تقتنعهم.
حسب ايف ميشو "تنتعش وتزدهر الشعبويات لأنها من جهة تستحوذ وتختطف المطالب الفئوية من هنا وهناك، خاصة منها تلك المطالب ذات الحمولة القوية والواسعة الانتشار، وتصبغ عليها مظهرا او ملامح ديماغوجية، ومن جهة اخرى تقدم نفسها وبرامجها كمواجهة بديلة لما تدعيه يشكل مؤامرة من النخب او النظام او زمرة الاحزاب المهيمنة."
من جهته يجيب جان وينر مولر (Jan-Werner Müller ) عن السؤال حول ما هي الشعبوية؟ بقوله " ان اطروحتي (...) ومن اجل عرضها بشكل مختلف لا يكفي اعتبار الشعبوية "موقف مناهض للمؤسسة" فمن اجل تعريف صحيح للشعبوية فعلينا الى جانب "ضد النخبة" اضافة "ضد التعددية".ان جميع الشعبويين يدعون " نحن-ونحن وحدنا- نمثل الشعب الحقيقي".
"يعتبر الشعبويون ان النخب لااخلاقية، مرتشية وطفيلية، هي دائما في مواجهة مع شعب منسجم ونقي اخلاقيا؛ حسب هذه الرؤية فلا علاقة لهذه النخب بالشعب"
في العقود الاخيرة يعتبر المفكرين الاكثر تأثيرا في الاوساط السياسية بما فيها اوساط اليسار وهما ارنيستو لاكلو (Ernesto laclau ) (1935-2014 ) وزوجته شانتال موف (Chantal Mouffe ) . لقد الفا كتبا بشكل منفرد او بشكل مشترك.واعتبرا من المنظرين للشعبوية اليسارية التي دافعا وخاصة شانتال موف على ضرورة بنائها في مواجهة الشعبوية اليمينية. تعتبر شانتال موف ام بوديموس، وهو ما علقت عليه بفكاهة افضل ان اكون امها لا جدتها.
لاكلو من جهته يعتبر ان ما يميز الحركات الشعبوية هو غياب الاسس الايديولوجية الثابتة، واعتمادها على الاشارات الغامضة والمترنحة لمفهوم الشعب.
ويرجع لاكلو سبب هذا الغموض "الى كون الشعبوية تسعى دائما الى تركيب مجموعة من المطالب المتناقضة والغير المستجابة". انه ينفي وحدة ظاهرة الشعبوية ويعتبر منظرا للشعبوية كتمفصل سياسي (الهيمنة) لهذه المطالب.
في تقييم انطونيو نيغري وهو احد اهم المفكرين الايطاليين صاحب النظرية المعروفة ب "التعدد" (la multitude ) يعتبر لاكلو منظرا فذا للشعبوية لكن من منطلق مثالي وغير طبقي:" يوضّح إرنستو لاكو ببراعة أن الشعب لم يتشكل عفويًا أو طبيعيًا ، بل يتشكل من خلال آليات تمثيلية تترجم التعددية وعدم التجانس بين الخصوصيات المفردة إلى الوحدة ؛ وإذا كانت هذه الوحدة قد تصبح حقيقة، من خلال التماهي مع قائد ، اومجموعة مهيمنة، وفي بعض الحالات في نموذج او مثال، فإن هذا التصور لا يزال يبدو لي أنه يعتمد على فكرة "أرستقراطية" معينة تأخذ على عاتقها الموضوعات الاعمق وأكثرها تواصلًا في التاريخ الحديث للدولة."
كما يعتبر انطونيو نيغري "ان المثقف يحتل المركز في فكر لاكلو" لما ينظر لتشكيل الحركات الشعبوية لكته المثقف بالمفهوم العام وليس بالمفهوم الغرامشي حيث تحتل المسالة الطبقية موقعها الجوهري.
من جهتها تعود المفكرة شانتال موف في احدى المقابلات الصحفية الى كتاب
Vers une politique démocratique radicale (2009, initialement paru en 1985)
وهو الكتاب المشترك بينها وبين ارنستو لاكلو زوجها، لتوضح "انهما الفا الكتاب في بداية سنوات الثمانينات من القرن الماضي لما كان اليساريون الماركسيون والاشتراكيون الديمقراطيون لا يعرفون كيف التعامل مع الحركات الاجتماعية، وقضايا البيئة، والحركة النسوية، والنضال من اجل حقوق المثليين."
"مع إرنستو لاكلاو، اعتمدنا مصدرين نظريين، أنطونيو غرامشي، من ناحية، و postructuralisme ما بعد البنيوية، من جهة أخرى (دريدا ، فوكو ولاكان). لقد أظهرنا أن السياسة تدور دائمًا حول بناء الهويات، وهي فكرة قوية جدًا في الوقت الحالي داخل بوديموس تتجسد في نقدهم للرؤية التقليدية لليسار التي ترغب في تمثيل المصالح المكتسبة. لا ، يقول بوديموس، يجب بناء هذه المصالح. نتيجة لذلك ، يريد Podemos مخاطبة جمهور أكبر من جمهور اليسار العادي المعتاد. يريدون كسب الناخبين من حزب الشعب، الحزب اليميني المحافظ. الإستراتيجية السياسية الكاملة لـ Podemos هي التشكيك في الأساسيات. إنهم يسعون إلى احتلال مركزية لا علاقة لها بالمركز. إن المركزية هي الهيمنة الجديدة ، وهو مفهوم غرامشي....ان السياسة هي خلق الهويات ، وبالتالي تحويل الذاتيات."
في السياسة حسب شانتال ليس هناك توافق وإنما صراع؛ وعلى هذا الاساس يتشكل فريقان متواجهان: نحن و هم. لكن هذه المواجهة ليست على شكل حرب بين عدوين وإنما صراع بين خصمين."اذا كان العدوان لا يملكان اي مجال رمزي مشترك، فان الخصمين يملكان هذا المجال وهما يودان تنظيمه بشكل مختلف"
تعتبر شانتال موف بوديموس حركة شعبوية يسارية. وترى ان الشعبوية اليسارية باتت ضرورة لمواجهة الشعبوية اليمينية التي ترسخت وهيمنت في اوروبا نظرا لما وفره التوافق الذي حدث ما بين الوسط اليميني والوسط اليساري، هذا التوافق الذي ضاعت معه التمايزات بين البرامج المقدمة للناخب مما افقده الثقة في النظام ومعه الديمقراطية.
ان الشعبوية اليمينية استطاعت ان تحشد شعبها الذي توضحت له اعداؤه في المهاجرين والمهجرين والأجانب، لذلك تقترح المفكرة شانتال موف بحشد شعب في مقابل الاول يشمل المهاجرين ويحدد خصومه في الشركات المتعددة الجنسية والانوية الصلبة للنيوليبرالية.يجب ان يحتد الصراع ويتبلور حول القطبية التالية سياسية (يمين- يسار) وليس قطبية اخلاقية ( خير- شر).
" تعتبر مسألة المشاعر في السياسة مسألة مركزية ، وهذا ما لا يفهمه على الاطلاق اليسار العقلاني والتوافقي. لكي تكون السياسة قادرة على تعبئة المشاعر للأغراض الديمقراطية ، يجب أن تكون سياسة منحازة".
3- استنتاجات عامة
1- تميزت شعبوية نارودنايا فوليا وبعدها الاشتراكيون الثوريون بنفي الدور القيادي للطبقة العاملة في الثورة وتعويضها بمفهوم الشعب مع الميل للفلاحين باعتبارهم الاغلبية ولكن مع فشل الخط السياسي تحولت الشعبوية الى العمل الارهابي الفردي المعزول عن الشعب الغافل واللجوء الى عمليات ذات صدى لاستنهاض الشعب.في التحليل الاخير تعتبر الشعبوية الروسية كتيار برجوازي صغير متذبذب مسيء للثورة البروليتارية ولذلك استحق المحاربة والصراع من طرف الماركسيين الروس.وبعد نجاح الثورة البلشفية تحول الاشتركيون الثوريون الى مناهضي الثورة وحاربوها مما اضطر الجزء اليساري منهم الى الانصال عنهم والالتحاق بالبلاشفة.
2- مع الازمة السياسية للمنظومة الامبريالية انتعشت الشعبوية في صيغتها اليمينية. تجسد ذلك في الدولة النازية او الفاشية في المانيا وايطاليا واليابان وقد اتخذت الشعبوية في هذه المرحلة طابع العنصرية والعداء الطبقي للشيوعية على الصعيد الدولي وللأحزاب الشيوعية والطبقة العاملة في بلدان اوروبا الغربية لينتقل الى الولايات المتحدة الامريكية.لكن هذه الشعبوية كانت مغامرة الى حد انها قادت بلدانها الى الدمار وسهلت عقد تحالفات قوية بقيادة الاتحاد السوفياتي مما عجل بالقضاء العسكري عليها رغم بقاء جمرتها ثاوية تحت الرماد.
3- نفس هذه الشعبوية اليمينية وبعد ان غيرت من جلدها وليس من جوهرها اطلت برأسها في اوقات اشتداد الازمة الامبريالية وهكذا اخذت تكتسح الساحة السياسية في فرنسا وفي ايطاليا وألمانيا وبلجيكا وهولاندا والنمسا... وأصبحت اليوم ظاهرة سياسيا وتحشد شعبها كما حللت ذلك شانتال موف.هذا الصعود القوي للشعبوية اليمينية لم يعد ظاهرة هامشية او عابرة بل اصبح من معطيات تطور الرأسمالية ومن متطلبات سير تدبير الدولة البرجوازية لأزماتها السياسية.اكثر من ذلك اصبحت ظاهرة عالمية وجدت لها في الادارة الامريكية ناطقا سياسيا يتمثل اليوم في ترامب الذي يعبر صعوده تحولا قويا في استراتيجية الحزب الجمهوري الذي اختار الانحياز لليمين المتطرف توجسا من التهديد الذي بات يشكله تيار بيرني ساندرز المؤدن بميلاد جديد للشعبوية اليسارية في عقر دار الامبريالية.
3- انسجاما مع المراجعات والتقييم لتجربة الاشتراكية الديمقراطية والاورو شيوعية حيث تأكد بالملموس الفشل النهائي لهذه الاحزاب وتحولها النهائي الى قوى مرتبطة بإستراتيجية خدمة مصالح الرأسمال بإدخال بعض الاصلاحات التافهة وأخذا بعين الاعتبار تبخر القاعدة الانتخابية لهذه القوى برزت اطروحات ونظريات تدعو صراحة الى ضرورة تجاوز تلك الاحزاب وبناء شعبوية يسارية تستفيد من نفس الميكانيزمات الناجحة للشعبوية اليمينية لكنها تحافظ على جوهر استراتيجية احزاب اليسار التقليدية وهي الاستحواذ على المجال السياسي بواسطة شعب اليسار من اجل تغيير الدولة من الداخل والتعامل بالاصلاحات ذات النفس الجديد وليس عبر اعلان الحرب او القطيعة الطبقية في المجتمع.هذه هي استراتيجية بوديموس وتلك كانت خطة سيريزا التي تولت مسؤولية الحكم في اليونان ورضخت طواعية لاملاءات الترويكا الاوروبية وطبقت في نهاية الامر سياسة الرأسمال تجاه شعب اليونان.
4- على صعيد دول المحيط او الاطراف يمكننا ان نرصد تقريبا نفس الاستراتيجيات المتبعة من طرف الشعوبيات اليمينية او اليسارية.ربما هناك بعض الخصائص في بلدان معينة جعلت الشعبوية اليسارية سابقة على الشعبوية اليمينية عندما نبحث في تاريخ ظهور كل واحدة منهما.لكن من الاكيد ان ظاهرة الشعبوية هي ظاهرة سياسية منتشرة ولها اسس تسمح بانتعاشها وتطورها. وإذا ما حاولنا تركيز نظرنا على العقدين الاخيرين بمنطقتنا في العالم العربي والمغاربي فإننا سنرى ان السيرورات الثورية التي اندلعت بعد 2010 تحمل في طياتها وفي تجلياتها الكثير من مميزات الشعبوية بشقيها اليميني واليساري كان هذا في الموجة الاولى من هذه السيرورة وهو متواصل اليوم في الموجة الثانية من هذه السيرورة.وخاصية هذه الموجة الثانية اليوم هو هذا التحول النوعي الذي تعرفه الحركات الاحتجاجية الى حركات اجتماعية حيث تنتفض ساكنة قرية او مدينة او اقليم وتشكل نوعا من التنظيم الذاتي والذي يكاد ان يكون مستقلا ومعاديا للأحزاب والنسق السياسي العام.
5- استراتيجية الشعبوية كما رصدناها عبر التاريخ هي استراتيجية تنازع الهيمنة على جهاز الدولة من الداخل عبر الديمقراطية وحل التناقض بين الخصوم اي الشعبين اليميني واليساري.فعندما تنجح الشعبوية اليمينية فهي تسرع من تحسين اداء الدولة كجهاز سيطرة البرجوازية لخدمة مصالح الرأسمال وحل الازمة على كاهل شعب اليسار، والعكس عندما تنجح الشعبوية اليسارية في اخد السلطة فإنها تدبر شؤون الدولة في احترام تام لثوابت الرأسمالية مع تلطيف انعكاسات الازمة وربما محاولة حلها على حساب شعوب اخرى.اما الشعبوية اليسارية الثورية فهي شعبوية الجملة الثورية ربما كانت كلمة التاريخ في حق نارودنايا فوليا هي كلمة الفصل وما عرفناه من تجارب السندينين في نيغاراغوا وهوغو تشافيز وطوماس سانكارا وغيرهم ليست إلا تأكيدا على ان مثل هذه الانظمة تكون محاصرة ومحكوم عليها بالإعدام من طرف القوى الرجعية الداخلية والخارجية وهي لا تتوفر على القاعدة الطبقية الصلبة والتي تشكل اسمنت قوتها وصمودها.يكفي ان تتقلص مداخيل المنح التي توزعها على شعب اليسار حتى ينفض يده منها ويتركها فريسة معزولة للأعداء.
5- الشعبوية بالمغرب
بعد ان حاولنا استعراض تطور مفهوم الشعبوية سواء من حيث التجربة التاريخية او من حيث الانتاج الفكري والفلسفي او من حيث تبلوره كبرامج سياسية وخطط للممارسة، وبعد ان حاولنا استخراج بعض الخلاصات كمميزات للشعبوية كما رصدناها؛ سنحاول في هذا الجزء التطرق الى الحالة المغربية.
لا يسعفنا المجال في التوغل في التاريخ المغربي ولذلك سنقتصر على المرحلة التي تغطي ما بعد دخول الاستعمارين الفرنسي والاسباني للمغرب. في هذا المرحلة ستتميز الحياة السياسية بنوع من التطور والدينامية في اتجاه بروز النشاط السياسي كنشاط يهم حقلا جديدا بدء ينفصل عن حقول النشاط الفكري والايديولوجي القديمة.ولأنه حقل يهتم بالقضايا اليومية وبالنشاط العملي للشعب ولمختلف مكوناته وكذلك بالظاهرة المستجدة على واقعنا وهي الظاهرة الاستعمارية؛ فالسياسة بدأت تبرز كممارسة جديدة مستقلة بخطابها رغم استمرار الخطاب الديني والتراثي وبطريقة العمل وتنظيم المتدخلين في الحياة العامة لتبرز جمعيات واحزاب ونقابات.
وإذا كان لنا ان نحدد ما نعنيه في بداية تلك المرحلة بمفهوم اليمين واليسار فإننا سنعتبر كل من يقف الى جانب الفئات الاجتماعية المسيطرة من مخزن وزعماء شبه الاقطاع ومع ممثلي الاستعمار فهم يمين؛ وكل من يعارض الوجود الاستعماري والسيطرة المخزنية ونهب واستغلال الشبه اقطاعيين هم من اليسار.
فإذا كانت التشكيلة الاجتماعية المغربية في الثلاثينيات وما بعدها بدأت تأخذ ملامح تشكيلة اجتماعية تتواجد فيها طبقات اجتماعية عصرية موافقة لنمط الانتاج الجديد نمط انتاج الرأسمالية التبعية، فان التعبيرات السياسية لم تنشا بعد رغم وجود نواة الحزب الشيوعي المغربي الذي يبقى نوعا ما مشروع حزب اكثر منه حزبا عماليا مغربيا حقيقيا.
في النصف الاخير من القرن الماضي و ربما قبله بقليل شكل مطلب الاستقلال مطلبا مركزيا اصبح العمود الفقري لبناء وحدة شعب يطمح للحرية والانعتاق مقابل شعب اخر مرتبط بالدولة الفرنسية وينظم مصالحه على ضوء توافقاته معها.هكذا كانت الحركة الوطنية بشقيها مقاومة وجيش تحرير هي الناطق الرسمي باسم هذا الشعب، وهو شعب اليسار.ولأنها القوة الصاعدة والتي ستفرض نفسها على الساحة السياسية فإننا نعتبره نواة الشعبوية اليسارية وهي ما ستفرض نفسها على مجمل التطورات اللاحقة لمغرب ما بعد الاستقلال الشكلي.
في المراحل اللاحقة سيشهد "شعب اليسار" بدوره فرزا قويا لينقسم بدوره الى شعب يساري ملتف حول برنامج جديد وضمنه قيادة جديدة تتشكل بالأساس من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وشعب آخر بدأت ملامح السياسات اليمينية تعبر عن نفسها بصعوبة، ولهذا برزت اصوات وهى تنادي بتشكيل "شعب اليمين".لقد حصل هذا التقاطب وتدخلت فيه الدولة تدخلا عنيفا لكي تساعد على الميلاد القيصري للشعبوية اليمينية وهذا المشروع لا زال يروادها الى اليوم.
كاستنتاج اولي؛ فإننا نعتبر تشكيل الشعبوية اليسارية بالمغرب سابقة على الشعبوية اليمينية.وهذه الشعبوية اليسارية تميزت بنفس الخصائص التي سبق ورصدناها في مختلف التجارب العالمية مع خصوصية انها في لحظة من لحظات الصراع زاوجت بين العنف المسلح وبين العمل السياسي من خلال المؤسسات.لكنها انتهت في صيغتها البرنامجية كما قدمها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومن بعده الاتحاد الاشتراكي الى الاندماج في مؤسسات النظام وأصبحت من بين "الزمرة المهيمنة" على الوضع السياسي كما سماها ايف ميشو .
اصبح الوضع السياسي اليوم يعرف تقاطبا حادا لعل نتائج الانتخابات توضح معالمه وهي كالتالي: وصلت نسبة مقاطعة الانتخابات مستويات غير مسبوقة يمكننا الزعم بدون خوف من الخطأ الفادح انها تقسم المجتمع اليوم الى 20% يشارك في الانتخابات و 80% يقاطع اذا ما اخذنا بعين الاعتبار كل الذين هم في سن المشاركة . ان هذا التقاطب وضع كل احزاب الاغلبية والمعارضة المشاركة في المؤسسات المنتخبة في تعارض صارخ وبات مبرر الانقسام الى نحن وهم واضحا للعيان. بل اكثر من ذلك اندلعت سيرورة ثورية في موجتها الاولى في 20 فبراير جعلت "شعب 80% " يعتمد اسلوب الاحتجاج المباشر وفي الشارع كطريقة طرح المطالب والدفاع على الحقوق. واليوم حدث تطور جديد تجسد في بروز الحركات الاجتماعية كشكل من بوادر السلطة المضادة.
على قاعدة هذه التطورات بدأت ملامح اعادة تشكل الشعبوية بشقيها اليميني واليساري تظهر:
+ بالنسبة للشعبوية اليمينية فهي تسابق الزمن لأنها تستشعر الخطر الداهم كما انها لا زالت تعاني من الفشل التاريخي الذي اصاب كل محاولات المخزن في امدادها بالمقويات وأسباب التطور وكان آخر هذا الفشل ما اصاب حزب البام ومحاولة تعويضه بإعادة الروح لحزب الاحرار.لكن الجديد في الشعبوية اليمينة وهو استعمال المجتمع المدني وخلق جمعيات الاحياء و القرى والمدن والوديان والسهول جمعيات التنمية البشرية وهيكلتها وتدريبها بنفس فاشي وكخلايا نائمة مستعدة لمواجهة "شعب اليسار".
+ بالنسبة للشعبوية اليسارية فهي اليوم تحاول تجديد الخطاب وان تستفيد من شركائها عبر العالم من بوديموس وسيريزا وغيرها.ان من مميزات خطاب الشعبوية اليسارية اليوم هو اولا تسفيه الخط السياسي الطبقي وخاصة كل عرض سياسي منحاز للطبقة العاملة واعتبار هذا الخطاب من مخلفات التاريخ وبان الطبقة العاملة لم تعد هي نفس ما كانت عليه في القرن العشرين وبان التغيير الاشتراكي هو من صنع الطبقات الوسطى التي اصبحت راس الرمح في التغيير.اما التغيير نفسه فهو من داخل المؤسسات وبتوافق مع الدولة وبضغط من الشارع والحركات الاحتجاجية والاجتماعية التي يجب ان يسقف نضالها حتى لا يتحول الى صراع تناحري بل يبقى في اطار الصراع بين الخصوم لان الجميع شركاء في الدولة.ان هذه الشعبوية اليسارية المتجددة الخطاب تحاول بناء الذات عبر بناء الحزب اليساري الكبير حزب تعددي ويعتمد التيارات وتجمعي.
5- خلاصة عامة
ان الموقف المبدئي من الشعبوية بشقيها اليميني واليساري بالنسبة للماركسيين لم يطرأ عليه تغيير، بل على العكس ترسخت القناعة بان الطبقة العاملة لكي تقود التغيير وتتولى السلطة متحالفة مع الفلاحين والكادحين عليها ان تعري اوهام الشعبوية وخطورة سياسياتها التوافقية مع الاعداء الطبقيين.فاذا اختارت الشعبوية اليسارية ارضية خوض الصراع كما تسميه مع الشعبوية اليمينية فإنها تفعل ذلك بتغييب الطبيعة الطبقية لهذا الصراع ولذلك نراها تتوهم بان الدولة جهاز فوق الطبقات ويمكن احتلاله من الداخل واصلاحه.على القوى الماركسية المؤمنة بضرورة خوض الصراع على الارضية الطبقية مما يحتم بناء حزب الطبقة العاملة باعتباره هيأة اركان خوض الحرب الطبقية، ان ينتبهوا الى الجانب السلبي او المكبل الذي ستلعبه الشعبوية اليسارية داخل الحركات الاجتماعية والركوب عليها في اتجاه توظيفها في بناء ما يسمى "شعب اليسار" وبأفق الاندماج في النسق المخزني.
لكن على الماركسيين ان ينتبهوا الى العناصر الجديدة في خوض الصراع والتي كشفتها التطورات الاخيرة على الصعيد الدولي والوطني ووظفتها الشعبوية في التاطير والبناء ونجحت بينما فشلت الحركة الشيوعية.علينا ان نستفيد بدون ان ننبهر او ننساق بأعين مغمضة حول الشعارات البراقة واليقين بان ليس كل ما يلمع ذهبا.ان الحركات الاجتماعية متروكة لعفويتها قد تنحرف او تساق الى جهات لم تكن ترغب فيها عند انطلاقتها؛ وقد تبقى مشتتة في المكان و لا تراكم الخبرات عبر الزمان.لذلك يلعب الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين مستقبلا وانويته اليوم، دور الاسمنت لهذه الحركات الاجتماعية وييسر تشبيكها عبر البلاد وينقل خبراتها عبر الزمان ويمكنها من التراكم.ان وجود هذا الحزب الطبقي ضروري لتتعلم الجماهير من دروسها انها وحدها صانعة التاريخ وان التغيير الذي لا تشارك فيه محكوم بالتوظيف من طرف الاعداء الطبقيين.
التيتي الحبيب
22/03/2018





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,052,079,493
- بالابيض كفناه
- رغم عسر المخاض المغرب الجديد يولد
- الاناركية الشيوعية او الفكر الهامشي المفلس
- أين اختفى المثقفون؟
- عن الزلزال السياسي
- أشكال ومضامين خوض النضال الجماهيري والطبقي وتمفصلهما
- القضية الفلسطينية والتحرر الوطني
- الدولة ومفهوم الكتلة الطبقية السائدة بالمغرب
- إلى الشهيدة سعيدة المنبهي في ذكراها الأربعين.
- حراك الريف يخرج من عنق الزجاجة هي ثلاثة مؤشرات تسمح لنا بهذا ...
- الدعم العمومي سياسة تكبير القاعدة الاجتماعية للنظام
- ذكرى إلى الأمام :أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال
- في الاهتمام بقضايا الطبقة العاملة
- حالة شرود
- في تشاؤم العقل وتفاؤل الارادة
- الرأسمال الاحتكاري ومغرب الهوامش
- نعم انها الضيعة
- الشيوعيون الاكراد وتقرير المصير
- إضاءات اضافية من اجل شحذ سلاح التنظيم
- في تقدير الموقف من سوريا


المزيد.....




- لقطات ما قبل وبعد أقوى حرائق في كاليفورنيا تظهر حجم الدمار
- نتنياهو يقوم بآخر محاولة لإنقاذ حكومته غدا
- تعرف على 5 حقائق حول تطور الانسان والتحول في جيناته منذ وجود ...
- ما هي المتلازمة التي تصيب الذاكرة وتحرمك من السفر ذهنيا عبر ...
- تغيير طريقة قياس الكيلوغرام
- تعرف على 5 حقائق حول تطور الانسان والتحول في جيناته منذ وجود ...
- بعض حديث عن شؤون الكتب والمكتبات 2/2 رواء الجصاني
- وداعا ليزابيث بالمه.../ نجم خطاوي
- الزرادشتية: معهد ومعرض وكتاب وندوة في جامعة لندن ...
- نجاة قائد اللواء 35 مدرع من محاولة اغتيال


المزيد.....

- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - التيتي الحبيب - الشعبوية في المغرب وموقفنا كماركسيين