أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - أسامة هوادف - حوار مع الفيلسوف والمفكر العربي أسامة عكنان















المزيد.....


حوار مع الفيلسوف والمفكر العربي أسامة عكنان


أسامة هوادف
الحوار المتمدن-العدد: 5820 - 2018 / 3 / 19 - 22:45
المحور: مقابلات و حوارات
    


المفكر العربي أسامة عكنان: العرب لم يستفيقوا، وإنما هم يحاولون إعادة التوازن لأنفسهم من شدة الصفعة التي تلقوها بفعل قرار ترامب.

أسامة عكنان قامة من قامات الفكر العربي ، وأحد أهم الباحثين في الشأن السياسي ويعد من
الفلاسفة العرب في الوقت الحالي ،في هذا الحوار الشيق مع أسامة عكنان يحدثنا عن رحلته الفكرية وعن قرار ترامب بشأن القدس ،ويكشف لنا أبعاد سياسية في منطقة الشرق الأوسط .
حاوره أسامة هوادف


س 1 تعريف بحضرتك و رحلتك الفكريه و اهم اعمالك؟

ج-أسامة يوسف عبد الرحمن عكنان.
من مواليد 16-6-1960.
مكان الميلاد: بديا – نابلس – الضفة الغربية المحتلة.
أحمل الجنسية ألأردنية.
عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، وعضو في اتحاد الأدباء والكتاب العرب، وعضو في اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا.
حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية – جامعة "بروكلينبارك، نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية، عام 2013، وعلى السيناريو والإخراج والإنتاج السنيمائي –"معهد الفيلم الأميركي"، هوليود، الولايات المتحدة الأميركية – عام 1998
لي عدد من الكتب المنشورة أهمها كتابي الأخير بعنوان "الخطة الإلهية لإدارة الكون/مشروعنا النهضوي ورسالتنا الحضارية إلى العالم/الفلسفة والتاريخ" ويقع في 844 صفحة في جزأين، وقد صدرت طبعته الأولى شهر تشرين ثاني/نوفمبر من عام 2017 عن دار قرطبة للنشر والتوزيع بالجزائر.
شاركت السنوات طويلة في العمل العام ، لدي سيناريوهات عدة أفلام سينمائية جاهزة للتصوير ولتى من أهمها .
*فيلم "الروح البيضاء/الشهيد العربي بن مهيدي"، وهو فيلم تاريخي سياسي وطني ثوري، يؤرخ للثورة الجزائرية من خلال شخصية الشهيد الكبير "محمد العربي بن مهيدي". وهو جاهز على شكل نص تصوير باللغة العربية، ويقع في حوالي ثلاث ساعات.
*– فيلم "شيطان الصحراء"، وهو فيلم تاريخي وطني سياسي ثوري، يؤرخ لمقاومة التوارق في منطقة الهقار الجزائرية للزحف الفرنسي على الصحراء الجزائرية في مطلع القرن العشرين.. وهو جاهز على شكل نص تصوير باللغة العربية، ويقع في حوالي ساعتين ونصف.
من المحطات الهامة في حياتي:
درست المرحلة الابتدائية في مدرسة طالب عبد الرحمن بمدينة وهران.1-
درست المرحلة المتوسطة في تكميلية عبد المؤمن عبد المؤمن في مدينة وهران.2-
درست المرحلة الثانوية في ثانوية العقيد لطفي بمدينة وهران.3-
درست المرحلة الجامعية الأولى بجامعة السانية بمدينة وهران.4-
دخلت إلى الجزائر عام 1966 التحاقا بالوالد الذي كان مدرسا في مدينة وهران.5-
غادرت الجزائر بشكل نهائي عام 1982.6-
شاركت في القتال متطوعا ضد الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982.7-
8 - تعرضت للاعتقال لدى دائرة المخابرات العامة في الأردن لأسباب تتعلق بنشاطات معادية لإسرائيل معظمها في مجال الدراسات والأبحاث والكتابة والإعلام
مقيم حاليا في الجزائر بموجب وثيقة طلب لجوء مقدمة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


س2/العراق مدمر سوريا تتجه نحو تقسيم اليمن تتحكم في ميليشا مدعومة من قبل أيران مصر تعيش في وضع مأساوي أكثر من زمن مبارك قضية فلسطين ضاعت بفعل غياب فلسفة مقاومة دول الخليج تتصارع فيما بينها ..السعودية التى تعتير الى وقت قريب حاضنة القضابا العربية تعيش صراع داخل الأسرة الحاكمة ومعظم سياساتها أتضح أنها ضد الوحدة العربية ومع ذلك في معظم مقالاتك يبدو أنك متفائل بنجاح مشروع نهضة العربية على ماذا تستند في ذلك.

ج-بعيدا عن الخوض في أي تفاصيل طويلة ومربكة ومشتتة، كشفت لي قراءتي للتاريخ عامة، أن المنعطفات الكبرى في تاريخ الأمم والشعوب الحية، تصنعها الآلام والمآسي والصراعات والتناقضات التي من شأنها أن تظهر إلى السطح كل السلبيات والمعوقات لتستأصلها، وتفتح الطريق أمام الحركة الصاعدة. أما التفاصيل والمسوغات فبإمكانكم متابعتها فيما أشرتم إليه من مقالات ودراسات وكتابات.

س3 على ضواء الأحداث الأخيرة على نستطيع أن نقول أن مرحلة سايكس بيكو قد أنتهت وأن هناك خريطة جديدة المنطقة ,ان كانت كذلك فمن هم المتضررون ومن هم المستفيدون؟

ج- ليس بالضرورة أن تكون هناك خريطة جديدة للمنطقة، فليس هدف المتنافسين على المنطقة العربية في المشرق أن تكون هناك خريطة أو خرائط جديدة، وإنما هناك مصالح محددة لكل طرف، فإيران لها طموحات توسعية في الهلال الخصيب وشرق الجزيرة العربية، بناء على موروث تاريخي مذهبي وتطلعات قومية فارسية صفوية، وتركيا لها طموحات لتلجيم الأكراد في سوريا كي لا يخرجوا عن الإطار الكافل والضامن لأمنها القومي، ولخلق حالة اختراق ناعم لبلاد الشام يعيد بها الإسلام السياسي الحاكم عبر حزب العدالة والتنمية بعض أمجاد العثمانيين وإن يكن بطريقة تختلف عن طريقة الإيرانيين الفجة والعدوانية الصارخة في الحرص على إعادة أمجاد فارس الصفوية، وروسيا بمذهبها الأوراسي تحرص على التواجد في شرق المتوسط تمهيدا لتكريس عودتها المستقبلية إلى الساحة الدولية عبر الإقليم، وأوروبا لا تريد أن تتنازل بسهولة عن إرثها التاريخي في المنطقة، وإسرائيل تريد أن تبقى سيدة الموقف في الإقليم، والأميركيون يحاولون قيادة الجوقة بحرفية تبقي على المنطقة تحت سيطرة معادلاتهم الإستراتيجية، والعرب الرسميون بقيادة السعودية يحاولون تثبيت موقع لهم تحت شمس إقليمهم تجعله لا يفلت من أيديهم على النحو الذي يرونه يحدث، ولكنهم ما يزالون يتخبطون لأنهم لم يبلوروا مشروعا متكاملا من جهة، ولأنهم ما يزالون لم يضعوا المشروع الصهيوني في موقعه الصحيح من قضايا المنطقة وهو موقع مقاومته لا موقع مهادنته، ما جعل إيران تسرق القضية منهم وتلعب بها على مدى عقود تحت عنوان المقاومة البراق، رغم أنه فقد بريقه منذ تورط المتاجرين بمقاومة إسرائيل لي الدم السوري.. نعم هذه هي طبيعة المصالح التي يدور حولها الصراع هناك.. فإن تحققت بدون الانقلاب على سايكس بيكو، فهذا جيد لأصحابها، وإن كان لابد كي تتحقق من أن تتم إعادة إنتاج خرائط المنطقة على أنقاض سايكس بيكو، فإن المتصارعين هناك لن يترددوا في ذلك.. ولا أرى أحدا مهتما بعدم تحطيم سايكس بيكو سوى الأوربيين الذين يعتبرون أي مساس بخرائط المنطقة السياسية إخراجا لهم منها لأنهم يعتبرون أن سايكس بيكو منجزهم الخاص، وهو روحهم التي لو تم انتزاعها منهم لماتوا هنا، بالإضافة إلى السوريين أنفسهم لأنهم الأكثر حرصا على بقاء دولتهم – على الأقل – كما عرفوها منذ مائة عام.

س4 يعتبر الكثير من المحللين أن قرار ترامب نقل سفارة الأمريكية الى القدس وأعترها عاصمة الكيان الصهيوني هو صفعة قوية لمن باركوا الأتفاق اوسلو ..مارأئيك بذلك وهل حقا كنا بحاجة الى هذا الفرار ليستفيق حكام العرب


ج- ومن قال لك أن العرب قد استفاقوا؟ العرب لم يستفيقوا، وإنما هم يحاولون إعادة التوازن لأنفسهم من شدة الصفعة التي تلقوها بفعل قرار ترامب. ولكن دعني أوضح المسألة في سياق تأصيلي بعيد عن حالة التجهيل والتغييب التي يحاول الكل إلقاءنا في أتونها.

إن هناك سقفا للتسويف والتنازل والمماطلة في مُجريات التسوية العربية الإسرائيلية الراهنة، لم يكن بإمكان الولايات المتحدة أن تتجاوزه إذا استمرت في موقع الوسيط، ولا بإمكان الطرف العربي المقابل الاستمرار فيه، لذلك – وبعد أن انتهت كلُّ سقوف التنازل والتسويف والمماطلة التي أتاحتها التسوية الراهنة لطرفيه – كان يجب أن تصبحَ واشنطن طرفا في الصراع، بدل أن تكونَ وسيطا.
فالطرف يستطيع أن يتخِذّ مواقف مُعْلَنَة وصريحة مع هذا الطرف وضدَّ ذاك، وهو ما لا يستطيع أن يقومَ به الوسيط بلا حدود وبشكل دائم، وكان يجب – أيضا – أن يتم تخليق مشروع تسوية جديد يتيحُ الفرصة لفتح مزاد المناقشات والصراخ والجعجعة والتأويل والتنازل.. إلخ، وهو ما يجب أن يُلْقى في طريق الطرف الآخر صاحب القضية. لذلك قامت الدنيا ولم تقعد على إعلان ترامب أن القدس عاصمة لإسرائيل، وما كانت لتقوم بهذا القدر دون أن تقعد، لو أنها صدرت عن واشنطن بصفتها طرفا لا وسيطا، الأمر الذي تم بسببه التركيز على سحب صفة الوسيط من الولايات المتحدة. ويتم تكرار هذه المسألة أكثر من غيرها من قبل العرب والفلسطينيين، تمهيدا إما بوعي وإما بغير وعي لمَوْضَعَة مشروعِ التسوية الجديد في سوق المزادات الإقليمية.
ولذلك فإن كل من يظن أن رفض العرب والفلسطينيين لأن تكون واشنطن وسيطا في التسوية وفي التعاطي مع الصراع هو إنجاز للعرب والفلسطينيين بعد إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، مجرد واهم ومُضَلَّل. فهي – أي الولايات المتحدة – من قرَّرت أن تتحول من وسيط إلى طرف، فتحركت بما يساعدها على ذلك، تاركة لنا المجال مفتوحا لنختار إما الغرق في تفاصيل "مشروعها الجديد المرتقب"، عبر استماتتنا في البحث عن "وسيط جديد" لمشروع التسوية، وإما الخروج من "مشروع التسوية" برمَّتِه، والانتقال إلى "مشروع المقاومة"، والاستغناء من ثم عن مبدأ الوساطة من قِبَلِ أيٍّ كان.
إن كلَّ ما حصل من لحظة إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل بما في ذلك ما رَشَحَ من إشارات بألا حلَّ ولا تسوية إلا باعتبار "حائط البراق" مُلْكا لإسرائيل في أيِّ تسوية قادمة، كان يصُبُّ في هذا الاتجاه. ولقد تَحَقَّقَ به للولايات المتحدة ما أرادته من الانتقال من "موقع الوسيط" المقيَّد نسبيا بالحدود الراهنة لمشروع تسوية استنزفت كلَّ إمكانات التسويف والمماطلة والتنازل، إلى "موقع الطرف" المتحرِّر كليا من ذلك، والقادر من ثمَّ على طرح مشاريع جديدة ورؤى مختلفة لا تلزمه بأيِّ ضَرْبٍ من ضروب الحياد المطلوبة من الوسطاء عادة.
إن كشف أميركا عن رغبتها في أن تصبحَ طرفا لا وسيطا بما فعله ترامب، يؤكد لنا بما لا يترك مجالا لأيِّ شك، أن مشروع التسوية الجديد المعروف بـ "صفقة القرن" هو من الخطورة بمكان جعلَ من الضروري أن يُسْنَدَ بكامل القوة الأميركية العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية، وهو ما لن يتمَّ – أي هذا الإسناد – إلا بأميركا "الطرف"، وليس بأميركا "الوسيط".
ومع أن ما فعله ترامب وما حقَّقَته سياسته قَوَّى الطرف الإسرائيلي بشكل علني وصارخ، وبفضاء واسع – ما دامت واشنطن قد أصبحت طرفا تصُبُّ كلَّ ثقلها الحالي والافتراضي لصالحها، ولم تعد وسيطا عليها أن تبدي بعض التلجيم لمواقفها المساندة لإسرائيل من وقتٍ لآخر – فإن كلَّ شيء يغدو بلا قيمة لإسرائيل إذا تغير المشروع العربي، من "مشروع تسوية" إلى "مشروع مقاومة". وإلا فإن الخسارة العربية والفلسطينية ستتفاقم، والمكاسب ستتقلَّص لصالح إسرائيل والمشروع الأميركي الجديد، القائم على انتقال واشنطن إلى طرف، والدفع باتجاه جعل "الاتحاد الروسي" أو "الاتحاد الأوربي" هو من يتولى مهمة الوسيط القادم في مشروع التسوية، أو ربما يتم الدفع باتجاه جعل "الأمم المتحدة" هي التي تتولى المهمة.
أي أننا أمام فرصة تاريخية منحها ترامب للطرفين الإسرائيلي والعربي، تتمثل في أنه قَوَّى الطرف الأول إلى حدٍّ كبير في أيِّ مشروع تسوية قادمة، وحرَّرَ الطرف الثاني من كلِّ قيود التسوية ومدريد وأوسلو ووادي عربة.. إلخ، إلى حدٍّ كبير أيضا، باعتبار أن هذا التحرير للطرفين هو ما أُطْلِقَ عليه وصف "صفقة القرن".
إسرائيل ستعرف كيف تستفيد من القوة التي منحها إياها ترامب، وهي قد عودتنا على ذلك دائما. فهل سيتمكن الطرف العربي الرسمي من إعادة بناء قضيتنا في قلب "مشروع مقاومة جديد" بعد أن سقطت كلُّ مشاريع المقاومة السابقة، إما بسبب انكشاف ضعفها الإستراتيجي "حماس"، وإما بسبب انكشاف عهرها الأيديولوجي "حزب الله"، أم أنه – أي الطرف العربي الرسمي – يجعجع الآن، ثم لا يلبث حتى يغرق في تفاصيل الوضع الجديد عبر البحث عن وسيطٍ جديد يُرَجَّح أن يكون واحدا من الثلاثة المذكورين أعلاه، لنجدَ أنفسنا وقد بدأنا نتعاطى مع سقف تَسْوَوي جديد مفروضٍ علينا في مشروع "صفقة القرن" دون أن نمتلك القوة بل ولا حتى الرغبة والإرادة في تغييره بالمشروع الوحيد القادر على ذلك، ألا وهو "مشروع المقاومة العربية المستقلة إستراتيجية المقومات".
فلنراقب الوضع جيدا:
فإن مالت الكفة العربية والفلسطينية باتجاه البحث عن وسيط بديل للولايات المتحدة في عملية السلام، وفي مشروع التسوية، واقتصر التركيز في المرحلة القادمة – فضلا عن التحرك الإعلامي والقانوني.. إلخ، المساند للحقوق الفلسطينية – على البحث عن هذا الوسيط الجديد الذي سيحل محل الولايات المتحدة، فهذا يعني أن الولايات المتحدة نجحت نجاحا باهرا وإلى أبعد الحدود، في جعلنا نتقهقر إلى الوراء، بأن نبدأ تمهيد أنفسنا وشعوبنا لتتقبل التسوية من داخل حدود المشروع الأميركي الجديد "صفقة القرن"، وهو ما يبدو أن الأمور تسير نحوه بهدوء وتؤدة.
فإن صَحَّت التسريبات التي بدأت تتداولها عديد الأطراف بخصوص مكونات مشروع "صفقة القرن"، والتي تدور حول: "اقتطاع مساحة من شرق سيناء وتوطين ملايين اللاجئين الفلسطينيين فيها، وتعويض مصر بمساحة مساوية لها من جنوب غرب النقب، وحفر نفق ضخم تحت الماء يصل مصر جنوب طابا بالأردن جنوب العقبة وتزويده بخط سكة حديدية لتنشيط الحركة التجارية وحركة التنقل بين الخليج ومصر بإدارة مصرية، وتخفيض المساحة الكلية الممنوحة للفلسطينيين في الضفة الغربية بنسبة 12%، بعد اقتطاع مساحة المستوطنات الحالية أصلا.. إلخ".. نقول: إن صحت هذه التسريبات الخطيرة، فإنها ستكون كافية لفتح باب السجال التفاوضي بين العرب والإسرائيليين لربع قرن قادم من الزمان. وهذا السجال العصي على الحل بموجب الثقافة العربية والفلسطينية الحالية السائدة والمتعلقة بسقوف العروض الإسرائيلية وبسقوف المطالب العربية، هو المطلوب.
وبما أن الصراع العربي الإسرائيلي نشأ كي لا يُحسَم بأيِّ مشروع سياسي عادل، ما لم يأتِ هذا المشروع نتيجة لحرب تحرير حقيقية، فإن "صفقة القرن" الترامبية، ما هي إلا مشروعُ تسويةٍ جديد يلعب على أوتار المعزوفة التاريخية التي طالما لعب بها دهاقنة المشروع الصهيوني ومن خلفهم دهاقنة الإمبريالية الأميركية، والمتمثلة في رقصة "العروض الإسرائيلية" الأقل من سقوف "المطالب العربية"، كي يتم قضم ربع قرن آخر من عمر أمتنا في تجاذبات التناقض بين هذا العرض الجديد وذلك المطلب القديم، إلى أن تُسْتَنْزَف كلُّ إمكانات هذا المشروع، فيخرج علينا مشروع جديد آنذاك بسقف عروض جديدة أقل من سقف المطالب التي سنكون قد قبلناها في مقبل السنين والعقود، والناتجة عن العرض الإمبريالي الصهيوني الراهن حتما وبالضرورة.
لقد تمسكوا بقرار التقسيم الذي مثَّلَ "سقف عروضهم" آنذاك، ورفضناه متمسكين بفلسطين التاريخية "سقفا لمطالبنا". وعندما أصبح سقف مطالبنا هو "قرار التقسيم"، كانوا قد خلقوا وقائع على الأرض تتيح لهم طرح سقف عروض جديد هو "الأرض المحتلة عام 67"، فرفضناه لأننا كنا غير مهيئين لقبوله لا ثقافيا ولا سياسيا. وعندما أصبحنا مهيئين لقبوله، وأصبح سقف مطالبنا هو "دولة في الضفة الغربية"، عرضوا سقفا جديدا هو "سياسة القضم الجغرافي والسياسي على مدى عمر أوسلو". وعندما رأونا وقد أصبحنا قريبين جدا من قبول عرضهم للحل بالواقع الذي يريدونه بحسب ما أفرزته آخر شهقات أوسلو، تحللوا من الأمر وبدأوا يعرضون علينا شيئا جديدا هو "صفقة القرن" المرتقبة، التي مهدت لها مبادرة ترامب التي أخرجت القدس وجزءاً من الأقصى من اللعبة، وسوف نرفض هذا العرض ونقبل بالسقف السابق لعروضهم والذي يعتبرونه منتهيا وملغيا وعديم الصلاحية. وهكذا دواليك إلى أن ننتزع حقوقنا بالقوة وبمشروع جديد ينشأ في قلب جماهير الأمة ونخبها الجديدة.
هذه هي سيكولوجيا التلاعب بالمفاهيم وإعادة تشكيل اللاوعي الجمعي للعرب في اللعبة التراميبة الجديدة، فإذا كان عَرْضُ ترامب الحالي هو "جزء من الضفة الغربية ناقصِ السيادة، بدون القدس الشرقية". وإذا استمر الوضع الفلسطيني والعربي الرافض والمتذمر على ما هو عليه، سيتغير الوضع إلى عرض آخر مختلف قد يكون هو "القدس الشرقية معدومة السيادة، بدون الجزء من الضفة الغربية ناقص السيادة". أما العرب والفلسطينيون فقد يقبلون بذلك، فالقدس أهم من فلسطين في اللاوعي العربي. أما وقد هدأت الغضبة والفزعة والحمية التي رأيناها على مدة الأسابيع الأولى من الصفقة الترامبية، فإن القدس تكون قد شُطِبَت من اللعبة، كما شُطِبَت قبلها فلسطين التي احتلت عام 1948، ليتم طرح عرض جديد يقوم على "إعادة تركيب لعبة الليغو عبر ترسيخ وتكريس الطرح الجديد".
فقد أصبحنا نسمع منذ أن هدأت غضبة "صفقة القرن" عبارة: "القدس والضفة الغربية/أي أن القدس هي الأصل وأن الضفة الغربية مجرد مضاف معطوف على الأصل، بعد أن أصبحت معظم فلسطين منذ فك الارتباط ومدريد وأوسلو ووادي عربة، مجرد مضاف معطوف هو أيضا على الضفة بصفتها أصلا، مع فارق بسيط هو الطرح بدل الإضافة"، بعدما كنا نسمع قبل ذلك: "الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية/أي بعدما كانت القدس مجرد جزء صغير من الضفة الغربية بوصفها أصلا وكُلاًّ. وبعدما كنت نسمع قبل هذا وذاك: "فلسطين التاريخية بصفتها هي الأصل والكل الذي تُنْسَب إليه كل أجزائه، بما فيها الضفة وغزة والقدس.. إلخ".
تابعنا الخطابات الجديدة بدقة وتمعن فتأكدنا من هذا الانقلاب اللاواعي في مكونات هذه الخطابات. وحبل التلاعب بالسيكولوجيا الجمعية للاوعي العربي على الكراَّر.
لكن العزاء كل العزاء يكمن في قانون الديالكتيك الرابع ألا وهو قانون "قفزات التطور"، الذي تنتقل الحركة بموجبه من حركة تنمو كَمِّيا، إلى حركة تنمو نوعيا. فحرارة الماء ترتفع وتقترب من درجة الغليان، هذا صحيح. لكن وصولَها إلى تلك الدرجة يغير من طبيعة الماء، فلا يغدو سائلا ترتفع حرارته، بل يغدو غازا أخطر ما فيه تلك الثورة التي أحدثها في طبيعة الحركة، وليس تلك الزيادة التي ما يزال يُحْدِثُها في كَمِّيَتِها.

س 5 أعتقلت فيما مضي في الأردن بسبب بضعة أسطر في مقدمة كتابك الجديد خطة الله الأدارة الكون وانت الأن مقيم في الجزائر وحسب علمي لقد رفضت فيما مضي الجنسية الأمريكية لأنك تعتبر ذلك منافي القيم وأخلاق الفارس ورجل الفكر هل هذا صحيح.


ج- الشق الأول من سؤالك صحيح لأنه انطوى على الإجابة على موضوع التساؤل، فأنا فعلا اعتقلت لمدة أسبوع لدى دائرة المخابرات العامة بأمر من مدعى عام محكمة أمن الدولة بسبب أسطر قليلة في مقدمة مخطوطة كتاب لم يكن قد نشر بعد، وبالمناسبة هو كتاب "خطة الله لإدارة الكون" الذي نشر مؤخرا في الجزائر عن دار قرطبة.. أما الشق الثاني من سؤالك فهو ليس دقيقا، وإن احتوى على قدر من الصحة، فأنا رفضت فعلا أن استكمل إجراءات حصولي على الجنسية الأميركية عندما كنت مقيما في الولايات المتحدة، ولكن ليس للسبب الذي ذكرته، فأنا لا أرى تعارضا أخلاقيا بين أن تكون رجل فكر وأن تكون أميركي الجنسية.. أليس في الولايات المتحدة رجال فكر عظماء وإنسانيون وأحرار؟؟!! هذا الربط غير منطقي ولم يكن هذا ما حصل بالتحديد.. وإنما الذي حصل شيء آخر هو أن إجراءات الجنسية الخاصة بي كانت تسير في سياق ملف لجوء سياسي مقدم من قبلي لدائرة الهجرة في الولايات المتحدة.. وفي لحظة معينة لها ظروفها الخاصة قدَّرت أن اللجوء في الولايات المتحدة يعني حصولي على حماية هذه الدولة.. ومن الناحية الأخلاقية لم أتقبل فكرة الحصول على حماية دولة ومعاداتها في الوقت ذاته.. لأنني مجبر على معاداة الإدارة الأميركية لأسباب تتعلق بموقفها من إسرائيل ومن الصراع العربي الإسرائيلي.. إلخ.. وبعملية موازنة أخلاقية رأيت أن الأمر لا يتناسب مع تركيبتي القيمية.. فأنا لا أتحمل الوزر الأخلاقي للانتفاع من الولايات المتحدة والحصول على حمايتها السياسية، وحمل لواء معاداتها ومعارضتها في نفس الوقت.. فعزفت عن الاستمرار في إجراءات الحصول على الجنسية.. لو كنت مولودا هناك وكانت جنسيتي بموجب مواطنتي الطبيعية مثلا.. ولم تكن بعملية اكتساب قانوني بموجب حماية ربما اختلف الوضع.. فمن حقي أن أكون أميركيا أصيلا وأختلف مع حكومة دولتي في كل شيء.. أما أن أطلب الحماية وأحظى بها بكرم من الحامي.. ثم أحمل سيفي ضده فهذا غير لائق أخلاقيا كما أفهم أنا الأخلاق.. لذلك كان علي أن أوازن بين حصولي على الجنسية والكف عن مواقفي المعادية للإدارة الأميركية.. أو بين الإبقاء على مواقفي منها والاستمرار فيها والتخلي عن الحماية.. فانتصرت أخلاقيتي إلى الخيار الثاني.. هذا كل ما في الأمر.. أما نظرتي للجنسية الأميركية فهي نظرة احترام وتقدير.. فهي جنسية دولة تحترم إنسانيتك إلى حد كبير بمنظومة قيمها وأخلاقيتها وقوانينها الداخلية.. بصرف النظر عن موقفي الأيديولوجي من رأسماليتها المتغولة على العالم، ومن سياستها البلطجية المتمثلة في مساندة إسرائيل المطلقة على حساب حقوقنا العربية.

س6 هل المفكر العربي أضحى ألعوبة لمن يملك سلطة أو المال مع أستثناءات قليلة ..وما دورهم في هذه المرحلة حساسة من عمر الأمة العربية.


ج- باختصار شديد.. ما تقوله صحيح.. ومن اختار أن يكون ألعوبة فهو الذي قبل بالسقوط الأخلاقي.. أما دورهم فهم ما يزالون مع الأسف لم يعرفوه بعد على وجه الحقيقة.. فالمفكر في أمة تحاول النهوض والتحرر وتعاني مما تعاني منه الأمة العربية، ليس مُنَظِّر صالونات، ولا مطل على الناس من أبراج فكره المتعالي.. فإن لم يكن مفكرا ثائرا وعاملا على التغيير بنضال حقيقي.. فهو إن لم يكن نموذجا مضرا، فإنه في أحسن الحالات نموذج غير نافع.. لأن مردود فكره الذي يتعالى به معتزلا قضايا أمته نضاليا سيكون على المدى الطويل جدا.. وما حاجة المواطن العربي إلى مفكر قد ينتفع بفكره أحفاده بعد مائة عام، إذا كان هذا المفكر مصطفا الآن إلى جانب الخاملين والمتقاعسين والمتخاذلين الذين يطيلون بخمولهم وتقاعسهم وتخاذلهم من عمر معاناته وآلامه؟!

س7ما هي أهدافك وتطلعاتك المستقبلية على صعيد الشخصي والعربي.


ج- ليس لي على الصعيد الشخصي طموح خارج إطار أن يحفظ الله علي صحتي وعقلي وقدرتي على العطاء ما دمت حيا.. ولكن الأهم من الطموح الشخصي هو الطموح الإنساني والفلسفي والسياسي.. إلخ.. وفي هذا السياق ليس لدي شيء أقوله أكثر مما تنطق به أفكاري.. سأبقى ما حييت مناضلا لنهضة هذه الأمة وتحررها ووحدتها وإسهامها الفعال في الحضارة الإنسانية..


س8 لقد وجهت نداء لتأسيس مظمة أحرار العرب من أجل أختضان مشروع نضال في الوطن العربي هل لقيتم تجاوب من طرف الحركيين والفاعليين في الدول العربية وما أساليب ومشاريع المنظمة.


ج- كانت الفكرة تقوم على تحشيد مناضلين ومثقفين عرب فاعلين ومميزين ضمن تنظيم واقعي، وإن كانت الدعوة إليها قد تمت عبر هذا الفضاء التواصلي "الفيسبوك".. لم تنجح المحاولة حتى الآن رغم أن البدايات كانت واعدة والحماس كان متدفقا.. وأتمنى أن يتمكن بعض الشباب المخلصين ممن استجابوا للفكرة في حينها أن يعيدوا إحياءها ومواصلة المسيرة بها.. ليس لدي أي طموح في هذا الصدد أكثر من أن ينجح هؤلاء الشباب المنتشرين في الكثير من الدول العربية في حمل لواء هذه الفكرة وتجسيدها مشروعا واقعيا على الأرض..


س9 هل ممكن لمحة قصيرة القارئ عن كتابكم الأخير خطة الله الأدارة الكون.


ج-هو مشروع فلسفي أحسبه متكاملا ينطوي على منهجي الخاص في تفسير الوجود، واعتبره بمثابة رؤيتي لمكونات مشروعنا النهضوي في بعض مكوناته الفلسفية، وهو من ثم جوهر رسالتانا الحضارية إلى العالم، كي نكون مشاركين فاعلين في بناء مستقبل البشرية.. وأفضل أن يقرأ الكتاب من يريد أن يتعرف على هذا المشروع، فمهما قلت في هذا الصدد فلن أستطيع حتى التلخيص..


.............................................
ملاحظة الحوار أجري أوخر شهر يناير 2018
الدكتور أسامة عكنان مقيم الان في تونس وليس الجزائر





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,099,785,128
- ليس دفاعا عن عجول لكنها الحقيقة (الجزاء الأول)
- زوارق الحياة
- رسالة الى صديقي حميدات حسين
- ملاحظات هامشية
- ثلاثة حقائق عن هتلر وسؤال العقلاء
- رؤية في رواية ’’عشق على حافة القبر‘‘ للروائي ساعد قويسم
- هل كان سقراط من الأنبياء؟
- قصة أشعة الحرية
- أستشهاد محمد تامالت في الجزائر
- أذا كان أبن باديس مات فتعاليمه لم تمت؟
- كلمات في وداع الزعيم فيدال كاسترو
- واقع المفكرين العرب
- ثمرة الخطيئة
- أوقفوا هذا الأزدهار
- رسالة الى نادى الروتاري
- رسائل الى شخصيات روائية
- نزيف قلم
- هلوسات ثائر
- كلمات متمرد على الواقع مسيتاء
- إلى مصر الحبيبة!!


المزيد.....




- الدفاع الروسية تعلن عودة قاذفات -تو-160- من فنزويلا
- اليمن: اشتباكات متفرقة في الحديدة تثير المخاوف بشأن مصير اله ...
- مؤامرة -بريجنسكي- الكبرى.. كيف صنعت أميركا النسخة الجهادية ا ...
- ماليزيا.. تغيير ولاءات الساسة لإحداث توازنات جديدة بالبرلمان ...
- -السترات الصفراء- تحشد لمظاهرات جديدة ضد ماكرون
- المفوضية الأوروبية للطاقة تدعو روسيا وأوكرانيا لاستئناف المح ...
- البيت الأبيض: أردوغان أبلغ ترامب بأن الجيش التركي يستعد لعمل ...
- الجيش الإسرائيلي يحاصر منزل عائلة -أبو حميد- برام الله تمهيد ...
- تراجع سعر النفط بعد خسائر وول ستريت
- -شوام- مصر.. بين الأمس واليوم


المزيد.....

- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة
- حوار مع الناشط الصحافي السوداني فيصل الباقر / ماجد القوني
- التحولات المجتمعية الداخلية الاسرائيلية نحو المزيد من السطوة ... / نايف حواتمة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - أسامة هوادف - حوار مع الفيلسوف والمفكر العربي أسامة عكنان