أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - سعيد مضيه - أكتوبر وسؤال الانهيار-1















المزيد.....


أكتوبر وسؤال الانهيار-1


سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 5716 - 2017 / 12 / 2 - 11:36
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


أكتوبر وسؤال الانهيار (1من2)
الاتفاق تام على ان الطبقة العاملة الروسية أبدت حماسا استثنائيا واندفاعا ثوريا أثناء ثورة اكتوبر؛ والإجماع حاصل على ان الطبقة العاملة السوفييتية وقفت تتفرج على خيانة ييلتسين وغورباتشيف، وهما يدمران الاتحاد السوفييتي ويقوضان الاقتصاد، يتركانه نهبا للصوص والمافيات. الأمانة لقضية الاشتراكية تتحاشى الشخصانية ، اتهاما او تبرئة، وتطرح السؤال الرئيس المستوحى من المفارقة الصارخة: كيف تأتى ان أبدت الطبقة العاملة الروسية في حين من الدهر كل بسالة وتضحية اندفاع فجر طاقاتها في معمعان النضال الثوري ضد أعداء أكتوبر انتشرت عدواها الثورية في جنيات المعمورة، لتبدي بعد عقود بلادة اللامبالاة بما يماثل الانتحار، بينما المافيات تهوي بالمعاول على حصيلة جهودها عبر العقود؟ ويتفرع عن السؤال ما لا حصرله من الأسئلة:كيف ومتى استقر فيروس اللامبالاة بمصير النظام في صميم الوجدان السوفييتي، والطبقة العاملة بالذات؟ من هي حاضنة فيروس المافياوية السوفييتية ؟ من أين اكتسبت المافيات النوازع الافتراسية والمجتمع ظللته قيم الإنسانية والتضحية والضمانات الاجتماعية التي لا مثيل لها في العالم كله والمثبتة في الدستور؟ وهل حفظ التاريخ مأساة مثيلة لنظام يُهدَم بمعاول قيادته؟ غرابة المفارقة تكمن في حزب بتعداد ثمانية عشر مليون عضو قصر في صيانة بنيان اجتماعي، بينما اقتدر نفس الحزب يستلهم نفس المبادئ، بعضوية تعدادها 250-300 الفا على إنجاز مأثرة هزت العالم،وصد عدوان دول ذات بأس شديد، ثم الشروع في بناء الحياة الجديدة وسط حصار دولي.
أم ان الاشتراكية وهم طوباوي، والراسمالية هي نهاية التاريخ كما كتب فوكوياما؟ كان هذا رأي ييلتسين، وهو يتواطأ مع الامبرياليين ويطبق وصايا صندوق النقد الدولي بانتهاج خطة اقتصاد السوق ؛ ففي خطبة ألقاها (7 تشرين الثاني/نوفمبر 1997) قال أن "الثورة كانت خطأ تاريخيا عظيما، بل قاتلا، لأنها اعتبرت أن التعلق بمثالية طوباوية أهم وأثمن من الحفاظ على الحياة الإنسانية، حياة البشر"، مضيفا أن "الثورة هي التي عزلت روسيا عن المجتمع الدولي فترة طويلة". نطق بالهراء حين كانت تجربة العودة إلى الرأسمالية قد ادت إلى فرط الاتحاد السوفييتي وتمزيقه ثم اوصلت الدولة الروسية الى حافة الإفلاس، وبالغالبية الساحقة من الشعب الروسي إلى حالة من البؤس الشديد.في تللك الأثناء لم تخف الامبريالية العالمية نوايا مسخ روسيا إلى دولة من العالم الثالث.
عامان فقط مرا على خطاب ييلتسن وجريمته ، قامت هيئة الاذاعة البريطانية (البي بي سي) ، الممولة حكومياً ، بإجراء عدة استفتاءات عام 1999 ، حول أعظم الرجال و النساء خلال الألفية الثانية للميلاد؛ كانت النتيجة حصول ماركس على المرتبة الأولى- "أعظم مفكر" مع فارق كبير عمن يليه- آينشتاين .كان عالم الرأسمال موقد أتون ازمة اقتصادية طاحنة من النمط الذي تنبأ به ماركس. ثبت صدق تقييم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، بإن الحجج المناهضة للماركسية هي مجرد إحياء لأفكار كانت تسود قبل الماركسية. واية نظرية تدعي بأنها تتخطى الماركسية هي في احسن حالاتها إعادة اكتشاف فكر متواجد في فلسفة يعتقد المرء انه تخطاها" . البرهان على صدق الماركسية هو "مدى تطابقها مع معطيات الوجود القائم على أرض الواقع والملموس بالتجربة ...الماركسية هي فلسفة ، و منهج بحث علمي ، و علم اجتماع (ماركس هو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع) ، و علم الاقتصاد الماركسي (ماركس هو أعظم عالم اقتصاد عرفته البشرية لحد الآن) ، و المادية التاريخية ، و كذلك البراكسيس (الممارسة) الثورية التي تتبناها و تطبقها و تغنيها مئات الأحزاب الماركسية في العالم"(1) لم يكد يجف حبر نهاية التاريخ حتى أفضت تلك "النهاية" إلى تعرية توحش الليبرالية الجديدة بمضاعفة ثراء الماليين واتساع رقعة الفقر على نطاق العالم.
المعنيون بقضية الاشتراكية، البديل الوحيد للرأسمالية ومخاطرها، ثابتون على قناعتهم بالاشتراكية توفر امكانات للبشرية لأن تصد ما يتهددها من مخاطر الفناء بسبب نشاط الرأسمالية العالمية وبسبب التلوث او الحرب النووية.المعنيون بقضية حفظ البشرية وتقدمها يبحثون بموضوعية في التجربة السوفييتية برمتها وعبر مراحلها المتعاقبة، كي يمسكوا بطرف خيط الانحراف عن المبادئ العامة للبناء الاشتراكي.
في البداية يتوجب القول أن ماركس أو خلفاءه من بعده لم يفكروا أبدا في وضع تشكيل جاهز لنظام الاشتراكية، يجري تطبيقه في كل الظروف. طبيعة المادية الجدلية الزمت ترك الأمر لملابسات وظروف عملية البناء. اكتفى ماركس بالقول ان الصفة الجماعية للإنتاج تستوجب الملكية الجماعية لقوى الإنتاج، كما ربط الاشتراكية بالديمقراطية. وأكد ماركس مرارا أن الشرط الأساس لإنجاز الثورة الاشتراكية هو إنجاح الثورة الديمقراطية. لم يؤمن ماركس بإمكانية خلق منظومة مفاهيم قابلة للتطبيق في كل زمان وفي كل حال، أو كما قال ماركس نفسه" مفتاحا لكل الأقفال". تطور فكر ماركس من خلال التعامل مع الواقع، ولم يضع نظرية متكاملة ثم راح يطبقها. تعامل ماركس وانجلز مع واقع محدد وفي فترة زمنية محددة، ومن ثم فإن مفهوم الديمقراطية لديهما كان ينبع من دراستهما وتحليلهما للوضع في أوروبا بشكل عام ، وفي ألمانيا بشكل خاص.لم يكن ذلك نتيجة تأملات فلسفية، او أمرا ثابتا لا يتعرض للتطور والتغيير.
أشار انجلز الى أن البرجوازية ، بوصولها للحكم، تصبح معادية للديمقراطية، ومن ثم فإن الطبقة العاملة مواجهة بضرورة استمرار الثورة حتى تتحقق الديمقراطية الحقيقية ، أي " تحرر الإنسان" وليس المال.
وفي البيان الشيوعي وضع ماركس وانجلز استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية مرادفا ل"كسب معركة الديمقراطية". وأوردا في مجال آخر ان "الخطوة الأولى في ثورة العمال هي تحول البروليتاريا إلى طبقة حاكمة وكسب معركة الديمقراطية". فالديمقراطية الكاملة لا تتحقق إلا باستيلاء البروليتاريا على السلطة وضمان تحرير الإنسان من جميع قيود النظم السابقة ومن الاستلاب الدهري.
وانسجاما مع فكر ماركس وانجلز نمّط لينين الاشتراكية، لدى تعريفها، بانها "التنظيم الأرقى للعمل المستند إلى الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والموجّه بالانتظام الحر والواعي للشغيلة". والتنظيم الحر المشروط بالوعي يتعين في الواقع ديمقراطية أوسع من ديمقراطية البرجوازية، وأشمل بحيث تتجاوز السياسة إلى إدراك الضرورة، بما في ذلك إدارة الإنتاج الاجتماعي؛ بينما التنظيم الواعي يستدعي إنجاز الثورة الثقافية. تجمعت هذه الضرورات في ما أسماه لينين السياسة الاقتصادية الجديدة(نيب). أشار بهذا الصدد الى ان نزع ملكية كبار المالكين مهمة يسيرة نسبيا تطلبت بضع قرارات، بينما الثورة الثقافية تتطلب عملاً دؤوبا يستغرق جيلأ أو جيلين. إن بناء مجتمع جديد ينتفي فيه الاستغلال والجور وتعيش فيه مختلف القوميات في تكافؤ بعد عشرات القرون من العداوات والحروب المتبادلة لا ينجز تلقائيا وبصورة عفوية، إنما يتطلب إلغاء نظام الاستغلال والاضطهاد القومي والطبقي، تم تصفية جهالات العصور البائدة واليقظة الدائمة حيال كل ما يمكن أن تفرزه الحياة المشتركة لأبناء وبنات مختلف القوميات.
رد لينين على انتهازية زعماء الاشتراكية الديمقراطية ممن ادعوا عدم نضج الظروف للثورة الاشتراكية. قال بهذ الصدد: "اذا كان ينبغي في سبيل انشاء الاشتراكية بلوغ مستوى معين من الثقافة ( مع العلم انه ما من احد يستطيع ان يقول بدقة ما هو هذا "المستوى " المعين "من الثقافة " لانه يختلف من كل من دول اوربا الغربية ) فلماذا لا يمكن لنا ان نبدأ اولا بالظفر عن طريق الثورة بالشروط المسبقة لهذا المستوى المعين لكي نتحرك فيما بعد للحاق بالشعوب الأخرى مستندين الى حكم العمال والفلاحين والى النظام السوفيتي ..؟".
في بداية التحولات الاجتماعية تنبأ لينين بأن إنجاز المهمة التاريخية ـ إلغاء استغلال الإنسان ـ سوف تقدم المثال الملهم لشعوب العالم ، كما ان مصير حركة تحرر شعوب الشرق من نير الكولنيالية يتوقف إلى حد بعيد على نجاح الحل العادل للمسألة القومية في الاتحاد السوفييتي. بسبب اختلالات البناء لم يعبر المثال الملهم عن نفسه، ونتيجة لاختصار المشاكل القومية في الاستغلال الرأسمالي ساد الوهم ان القضية القومية حلت تلقائيا وتم إغفال الترسبات المتراكمة والتهابات الاحتكاكات اليومية. بقيت المسألة القومية تنز الضغائن بين شعوب الاتحاد السوفييتي.
وجد لينين من ممارسة عملية البناء أن للاختصاصيين أهمية خاصة . والاختصاص جماع ثلاث خصائل: أولا، العلم والمعرفة العميقة بموضوع التخصص، ومجال الخبرة؛ وثانياً، التجربة الممتدة زمنيا، الواسعة تطبيقياً فى ذلك المجال؛ وثالثا، تمثل سلطة أو مرجعية يعترف بها الجميع فى مجال خبرتهم. والخاصية الأخيرة تنطوي على خطر الإدارة البيروقراطية، وعاه لينين وسعى للتخفيف من أذاه ما امكن. ادرك لينين أن البيروقراطية تشكل خطرا فادحا على البناء الاشتراكي إن هي مارست سلطة سياسية .
كان سوء حظ الاشتراكية أن اشتد التسمم على لينين من أثر الطلقة التي أصيب بها في محاولة الاغتيال، وفقد القدرة على الحركة وعلى حضور الاجتماعات؛ فأمضى الأشهر الأربعة الأخيرة من نشاطه الذهني ( كانون أول 1922- آذار 1923) يملي ملاحظاته على إحدى سكرتيرتين أوكلتا بالاهتمام به.. وكم هي درامية ومؤثرة مذكرات السكرتيرتين وهما ترقبان تدهور صحة القائد وصفاء ذهنه مع بعض التشوش أحيانا. على أن المذكرات التي شكلت وصية لينين السياسية عكست قوة إرادة الرجل ووضوح فكره وسعة رؤيته التاريخية والمكرسة كلها لسعادة البشر من خلال البناء الاشتراكي. وعكست أيضا ـ وهذا هو الأهم- التزام لينين بإيديولوجية الطبقة العاملة، وهو ما تجلى في الإصرار على تحويل الجماهير عن طريق الوعي العلمي والممارسة العملية للعلم في الإنتاج إلى قوة مستقلة طليعية في حياة مجتمعها. سمح له الأطباء بربع ساعة كل يوم يملي ملاحظاته؛ فأملى وصيته السياسية في عدد من المقالات ذات الارتباط المباشر بتنفيذ السياسة الاقتصادية الجديدة، وجمعها الكاتب السوفييتي بليماك في كتاب عنوانه "وصية لينين السياسية " وصدر العام 1989. تضمنت الوصية ضفيرة من المنظومات الفكرية المتماسكة ان أجرى الإخلال بواحدة منها انفرطت الضفيرة. الوصية لم يجر الالتزام بها؛ فقد انهى ستالين السياسة الاقتصادية الجديدة قبل ان تنجز مهمتها الثقافية وبقية المهام؛ تمخض الإخلال بوصية لينين عن خذلان لإيديولوجيا الطبقة العاملة أبقت البروليتاريا السوفييتية أسيرة الإيديولوجيا البرجوازية، أي مستلبة تخلت طواعية عن دورها القيادي . توجب على الطبقة العاملة تقديم التضحيات وفق نموذج السخرة وفقدت حتى حق النضال النقابي دفاعا عن مصالحها المتوفر لبروليتاريا النظم الرأسمالية. هكذا لم تتحرك الطبقة العاملة وهي ترى وتدرك ان البرجوازية تسطو على الثروة العامة. البناء الذي جرى في الاتحاد السوفييتي تم بتاثير كبير لإيديولوجيا البرجوازية.
سارت عملية التصنيع بوتائر سريعة . وتميزت قيادة ستالين بالجرأة في اتخاذ القرارات وبالصلابة في تنفيذها، وبالقدرات التنظيمية العظيمة والمنطق الساحق أثناء الجدال. بالتدريج تحولت ديكتاتورية البروليتاريا إلى ديكتاتورية الفرد الملهم ، وساد نظام شمولي إرادوي ينهج اساليب القيادة الأوامرية. تعطلت الديمقراطية وبالتالي تزعزع حكم الطبقة العاملة . خطوة خطوة استبدلت هيمنة طبقة الراسماليين بهيمنة البيروقراطية، ولم تتحقق الإدارة العمالية للإنتاج. كل إنجاز تحقق عزي لقيادة ستالين، ورفع بالنتيجة من سطوة ستالين وتسلطه . من النادر ان يقدم التاريخ شخصية متناقضة إلى هذا الحد. تشكل مناخ يمرح فيه المتسلقون والواشون والوصوليون، يتدرجون في مناصب القيادة ويدبرون أمورهم القذرة في جو الإرهاب. في هذا المناخ تسلل بيريا إلى مركزه الحساس ونفذ مؤامراته ضد خيرة الكوادر الحزبية والعسكرية. انتزع ستالين البلاد من براثن التخلف وبتعليماته المباشرة والصريحة تشبع النظام الاجتماعي بعناصر العنف وروح الثكنة العسكرية.
كانّ هذا الواقع الأليم خطر ببال ماركس احتمالا تجسده تركة الاستبداد الدهري في أذهان الثوريين، إذ يقول: "لسنا من بين أولئك الذين يريدون تحويل العالم إلى ثكنة ضخمة، او إلى مكان عمل ضخم. هنالك بالطبع بعض الشيوعيين الذين يرفضون بضمير مرتاح تأييد الحرية الشخصية، ويريدون إلغاءها من العالم لأنهم يعتبرونها عائقا امام الانسجام الكامل. ولكن ليس لدينا الرغبة في استبدال الحرية بالمساواة, إننا على قناعة بان الحرية لن تؤمن في أي نظام اجتماعي مثل ما تؤمن في مجتمع قائم على الملكية الجماعية"(2).
تعمدت شخصية لينين في مرجل التحرر الإنساني وانتصار الديمقراطية؛ اما شخصية ستالين فتستمد نسغها من استبداد العهود الماضية. الفروق بارزة بين قيادتي لينين وستالين. اتصف لينين بالتسامح مع الرفاق وكان شديد الحرص على كل كفاءة تنظيمية كانت ام إدارية او فكرية . عرف نواقص المحيطين به في القيادة متلاحمة بإيجابياتهم واكتفى بتوجيه النقد ؛بينما كان ستالين يستغل النواقص ، يكيد ويتآمر، يشكل تحالفات للتخلص من شخصية منافسة لكي يرتد ويكيد لحلفاء الأمس.
أدرك لينين في عزلته ان طبيعة شخصية ستالين خطرة على النظام الجديد وبعث بملاحظته إلى اللجنة المركزية. طلب لينين المواد اللازمة لاطلاعاته على قضايا البلاد والكتابة بموجبها؛ وكان ستالين هو المشرف على العناية بالمريض. وسجلت فوتييفا ، إحدى السكرتيرتين ، ضمن مذكراتها ليوم 30 كانون ثاني 1923: "أمس تلفن ستالين أنه لا يستطيع أن يعطي المواد ( الخاصة بالقضية الجورجية ) بدون موافقة المكتب السياسي. وسألني (ستالين) فيما إذا قلت لفلاديمير إيليتش شيئا ما نافلا ، وعن مصدر اطلاعه على الشئون الجارية . مثلا مقالته عن مفوضية التفتيش العمالي والفلاحي تشير إلى أنه يعرف بعض الوقائع" (ولينين يوجه انتقادات إلى ستالين في المقالة المنشورة في البرافدا، بصفته المشرف على المفوضية). وفي 12 شباط 1923 توصل لينين إلى استنتاج بأن " ليس الأطباء يعطون التعليمات للجنة المركزية إنما الأخيرة هي التي تعطي التعليمات". قال البروفيسور الألماني فرستر ، المشرف على علاج لينين " كان العمل بالنسبة له يعني الحياة ، وكان انعدام النشاط يعني الموت".(4)
استهدف ستالين بدون شك عظمة البلاد السوفييتية وتعزيز قدراتها المتحدية بنجاح لقوى الإمبريالية؛ غير أنه تورط في أخطاء فادحة. قطع لينين بحسم ان بناء الاشتراكية غير ممكنة وغير معقولة بدون "الديمقراطية الكاملة"؛ بينما داب ستالين على استبعاد الشغيلة من إدارة المؤسسات الإنتاجية والتصرف بنصيب من ثمار الإنتاج. طورت صناعة ثقيلة شكلت قاعدة صلبة للقدرة العسكرية التي حطمت النازية وبنت مكانة دولية للاتحاد السوفييتي. ربما افاد الأسلوب الستاليني مع مرحلة بدايات التصنيع ؛ لكنها ارست قواعد وأساليب إدارية عصية على التطوير عطلت في مرحلة لاحقة التنمية المضطردة للاقتصاد السوفييتي بوتائر تؤهلها للتفوق على الرأسمالية. هنا يكمن سر تباطؤ نمو الإنتاج في حقبة بريجنيف. النظام الأرقى يتطلب التنظيم الحر الواعي للشغيلة ، كما أوصى لينين.
برزت اختلالات الخطة الستالينية منذ البداية؛ كانت خطة لينين ترمي إلى إشباع الحاجات المادية والروحية لجماهير العمال والفلاحين، لكن بيانات أجهزة الإحصاء تفيد ان"أوضاع العمال والفلاحين والمثقفين المادية تدنت عما كانت عليه في عهد النيب"، كما نقل كتاب" وصية لينين السياسية" . اوضح فشل التجربة أن تسليم الصناعات والبنوك المؤممة إلى أجهزة الدولة البيروقراطية لا يغير من واقع اغتراب العامل عن عمله، ولا يصونها من الاستغلال الرأسمالي. وهنا تكمن الخطيئة التي أجهضت مشروع بناء الاشتراكية؛ تعاظم بدرجة خارقة تدخل الدولة في ميادين الحياة الاجتماعية، فاختنق بالنتيجة جنين الاشتراكية في رحم جهاز الدولة المتضخم باستمرار. لم يوصل الصاروخ الستاليني البلاد السوفييتية إلى مدار الاشتراكية.
جرت جرائم في ظروف استعيض خلالها عن رقابة هيئات الحزب والحكومة بمراقبة ستالين شخصيا. عهد ستالين إلى اورجو نيكيدزه إعداد تقرير عن ’التخريب ‘ في الصناعة لتقديمه إلى الاجتماع الموسع للجنة المركزية شباط – آذار1937، فحاول هذا عبثا إقناع ستالين ببطلان اتهاماته. انتحر أورجونيكيدزه فكلف ستالين مولوتوف بتقديم تقرير عن ’التخريب‘ في الصناعة"(3)

لتسريع التطور الاقتصادي شطبت من البرامج بند رفع مستوى معيشة الكادحين. "انتقل مركز الثقل من الروافع الاقتصادية إلى الروافع الإدارية. خالف ستالين وصية لينين بتنشيط المبادرة الجماهيرية واعتماد الإدارة الذاتية، وأسند إدارة الاقتصاد للبيروقراطية واعتمد الإدارة الأوامرية والقسرية للعمليات الاقتصادية وضع بذلك حجر الأساس لانهيار عام 1989...حدث تضخم هائل في وظائف الدولة الإدارية ـ لا في الحياة السياسية وحسب، بل وفي الحياة الاقتصادية والثقافية والإيديولوجية"(5)
استشرف أفق لينين الواسع إضافة إلى الجدل المادي بتجربته الأوروبية، تجربة تقدمها شعوب الشرق في خضم نضالها للخلاص من العصر الوسيط في ميادين الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية والثقافة. غير أن ستالين جمد الجدل المادي في نسق مغلق مفروض من أعلى فمسخت المادية الجدلية إلى قدرية وحتمية تاريخية ساذجة. توجب على الشيوعيين الالتزام بشروط العضوية للأممية الثالثة.
من المفيد الإشارة إلى أن لينين ، وقد اقتنع بخطته للبناء الاشتراكي ، حذر " شعوب الشرق من تقليد تكتيكاتنا. .. عليكم أن تتكيفوا مع الظروف الملموسة التي لا يوجد لها مثيل في أوروبا؛ عليكم أن تتمكنوا من تطبيق نظرية وممارسة الاشتراكية في ظروف يشكل المزارعون الأغلبية من السكان؛ حيث المهمة تتمثل في شن النضال ضد بقايا العصور الوسطى وليس ضد الرأسمالية "(6)، وحيث لا يوجد حلول لمشاكلها في أي كتاب شيوعي".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-1- علوان حسين علون:ترسمل المتمركس- الحوار المتمدن
2- مازن الحسيني: كارل ماركس والديمقراطية- المركز الفلسطيني للسلام والديمقراطية/رام الله الطبعة الثانية ، 2010
3-بليماك:وصية لينين السياسية –دار التقدم، موسكو1989،ص103
4- بليمالك نفس المصدر
5- بليماك نفس المصدر
6-لينين:خطاب في مؤتمر كادحي الشرق 1919_ المجموعات ، المجلد الثلاثين ، ص160-161





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- راهنية افكار اكتوبر
- تحية لذكرى أديبنا الراحل عدي مدانات
- أعظم قضية ضمير في العصر الحديث -4
- أعظم قضية ضمير في الفصر الحديث -3
- أعظم قضية ضمير في العصر الحديث -2
- أعظم قضية ضمير في العصر الحديث
- اسرائيل تستقبل مئوية الوعد عاجزة عن اداء دورها الوظيفي -3
- إسرائيل تستقبل مئوية الوعد محمية اميركية
- كيف تستقبل إسرائيل مئوية وعد بلفور
- مع خفوت منارات أكتوبر
- 11 أيلول تخطيط اخرق وتحقيقات خرقاء لعملية همجية
- نأكل ونلبس مما ننتج ..نداء الصمود والتحدي
- جولة خالية الوفاض والتفاوض تكتيك يمنح نتنياهو مهلة لإنجاز مش ...
- المخاطر ما زالت تحدق بالأقصى
- هل ينجو اتفاق بوتين –ترامب من فيروس النزعة العسكرية العدواني ...
- أطماع الهيمنة الإقليمية تتسلق ذرى جديدة ولا جنوح للمسالمة
- أميركا : دبلوماسية تخاتل ومشروع هيمنة كونية يقاتل
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة
- كوربين تيار يساري يستأنف نفوذه على الحياة السياسية الدولية
- الاحتلال على مفترق طرق


المزيد.....




- تفاصيل جديدة عن الضربة العراقية في سورية
- من هو المصور شوكان الذي يكرم وهو خلف القضبان؟
- علاقة مميزة بين ماكرون وترامب ولكنهما لا يتفقان دائما
- قصة مكبرات الصوت بين الكوريتين
- اللبنانيون المغتربون يدلون بأصواتهم لأول مرة في الانتخابات
- مقتل 20 شخصا على الأقل في غارة على حفل زفاف شمالي اليمن
- أخطاء شائعة "مميتة" نرتكبها على متن الطائرات
- عمرو أديب على شاشة الجزيرة.. الرأي الآخر رغم أنفه
- عبد الأحد فاسي فهري يتفقد مشاريع سياسة المدينة بالمدينة العت ...
- التوقيع على مذكرة تفاهم بين المغرب وكوت ديفوار لتعزيز التعاو ...


المزيد.....

- اﻹنسانية مدينة، وستبقى، لثورة أكتوبر / نعيم الأشهب
-   الاتحاد السوفييتي في عهد ميخائيل غورباتشوف (1985-1987) - 1 ... / ماهر الشريف
- اوكتوبر وقضية المرأة / عبلة أبو علبة
- ثورة تشرين الأوَّل/أكتوبر وانهيار الاتّحاد السوفييتيّ / سعود قبيلات
- كيف نقيم ثورة أكتوبر؟ / هشام غصيب
- أثر ثورة اكتوبر على -المسألة النسائية- / ليلى نفاع
-  الاتحاد السوفييتي في عهد بريجنيف - الذكرى المئوية لثورة أكت ... / ماهر الشريف
- الجنس والثورة الروسية / بيتر دروكر
- في مناسبة مرور مائة عام على ثورة اكتوبر الاشتراكية / غازي الصوراني
- ثورة أكتوبر وتحرر النساء / رضا الظاهر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - سعيد مضيه - أكتوبر وسؤال الانهيار-1