أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - عبدالحميد برتو - بيريسترويكا غورباتشيوف (4 من 9)















المزيد.....

بيريسترويكا غورباتشيوف (4 من 9)


عبدالحميد برتو
الحوار المتمدن-العدد: 5658 - 2017 / 10 / 3 - 00:35
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


رؤية للعالم المعاصر
يرى أو يصف غورباتشيوف العالمَ في بداية فترة البيريسترويكا، بأنه يعيش حالة من التوتر المتفاقم، وإن الإنفراج الذي تحقق في السبعينات من القرن العشرين قد تراجع، والسياسة الخارجية السوفياتية تراوح مكانها.

بحث، كما يعتقد، ضمن ذلك الجو عن إمكانات لتحقيق إنعطاف إيجابي من خلال التحرُّر من أسر النظم الرتيبة والنظر بعين جديدة. ولكي يفتح نافذة أمام البيريسترويكا طرح أوصافاً إضافية عديدة للعالم، مثل: عالم متعدد الأوجه، ديناميكي، نزعات متضادة وتناقضات حادة، وثورة علمية ـ تقنية، تغيُّرات في الإعلام، مشاكل في الإقتصاد والمواد الخام، تطور هائل الى جانب فقر مُدقع، وأخيراً، قال: لم يعد العالم بسيطاً تُحدده بضع دول، وإذا فقد التوازن بين مصالح تلك الدول تشن الحروب.

يضيف: ظهرت على لوحة العالم السياسية الى جانب الدول الرأسمالية المتطورة مجموعة من الدول الاشتراكية ومجموعة دول العالم الثالث من بلدان أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، التي نالت إستقلالها السياسي قبل بضعة عقود. ومن خلال كل تلك الأوصاف المهمة أيضاً تجاهل غورباتشيوف كل أشكال الصراع الإجتماعي في كل دولة وكتله على حدة، وبين الكتل الدولية، وبصفة خاصة الصراع بين الكتلتين الرئيسيتين، وإنعكاسات ذلك على حالة العلاقات الدولية. ومن البارز أنه وضع تلك الأوصاف والتقديرات ليغذي وهم إمكانات الإعتماد على الدول الرأسمالية المتطورة، ويمنحها صفة المنقذ، وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية، وهذا أحد تجليات وهم محاولة تغطية الظواهر الاجتماعية الأساسية التي لا يمكن تغطيتها بأي حال من الأحوال ـ الصراع الطبقي وصراع أو إتفاق المصالح.

يقول بطريقة وعظية، بأنه وفق المنطق البسيط، أن لكل مجموعة دول ولكل دولة مصالحها الخاصة، ومن المناسب أن تعثر تلك المصالح على إنعكاس عقلاني لها في السياسة العالمية. مثل هذه الأمنية، مع وجود عبارة "إنعكاس عقلاني" غير الواضحة لا تعالج الوضع من خلال وصفه، وإنما المعالجة تتم عبر فهم العلاقات السببية ووسائل تحقيق علاقات التعبير السليم عن مصالح الجميع. ويُقرر ضرورات أخرى حول عدد من الدول، وكأنه يتحدث عن أطراف تمتلك منطلقات موحدة بقوله: لا يجوز توخي علاقات دولية طبيعية من خلال مصالح الاتحاد السوفياتي أو الولايات المتحدة الأميركية أو إنكلترة أو فرنسا أو اليابان لوحدها.

ويحاول معالجة أمور حساسة، بل على قدر كبير من الحساسية، من خلال التعبير عن الأسف لوجود نظرة تزعم بأن الاشتراكية مجرد صدفة تاريخية، ووجود إمكانية لإعادة تدجين "العالم الثالث". ويفترض أن الغرب في هذه حالة إذا حقق تدجين "العالم الثالث" وتأكيد أن الإشتراكية مجرد صدفة، يمكنه العيش بهناء ونعيم على حساب الآخرين، أي الهروب الى الماضي. إن مثل هذا الإفتراض الهش من المفترض أن يتوصل من خلاله الى أن لا أحد من الأنظمة الاجتماعية المختلفة يفرط بالعيش في هناء ونعيم، بل سيقاتل من أجل تثبيته وإدامته كحقيقة راسخة.

يعود مجدداً الى تمويه قراءته للوضع العالمي، من خلال التأكيد على أن طموح الاتحاد السوفياتي لن يُعيد قراءة واقع العالم المتعدد الألوان والمقاييس فحسب، بل يرى العالم المترابط عبر التفاعل وفق ديالكتيك التطور المعاصر وعبر صراع الأضداد، ومن خلال فهم العالم المتناقض والمتعدد الأنماط والمترابط والمتكامل الى حدود بعيدة. ويضيف بأن هناك حقيقة متمثلة بتفاقم المشكلات العالمية، التي لها أهمية على مصير الحضارة، مثل حماية الطبيعة والبيئة. ولا يَهم غورباتشيوف التضارب في القراءات أو إرتباكها، إن المهم له في نهاية المطاف، التأكيد على إمكانية التكامل مع الغرب، حتى لو كان ذلك من خلال عبارات غامضة ومواقف تفتقد الى الأساس المادي والنظري.

أكد غورباتشيوف على أن الاتحاد السوفياتي عمل الكثير على الصعيد الوطني لحل المشكلات، ولكنه لا يستطيع وحده حلَّ كل تلك المشكلات التي سلف ذكرها، ولا يعيبه الدعوة الى التعاون الدولي، وهو ينبذ "السمعة" المخادعة. وأضاف بأن إستخدام الذرة للإغراض العسكرية أفقد البشرية معنى الخلود، بمعنى أن إندلاع حرب نووية يعني محو كل حي عن وجه الأرض. ويذكر: "إن غواصة إستراتيجية واحدة تحمل اليوم طاقة تدميرية تعادل عدة أضعاف الطاقة التدميرية للحرب العالمية الثانية، ومثل هذه الغواصات يُعَد بالعشرات!". (الكتاب: ص195). تأسيساً على الواقع الجديد يرى غورباتشيوف أنه ينبغي الإقلاع عن الموقع الإمبراطوري في السياسة الخارجية، فلا أحد يستطيع فرض سياسته ومشيئته على الآخر. ويخلص المؤلف الى أن واقع عالم اليوم معقد ولكن غير ميؤوس منه. ويمارس غورباتشيوف سياسة التخوف بمناسبة ومن دون مناسبة من الدمار النؤوي، ليعطي المقبولية لإندفاعه إتجاه الولايات المتحدة الأميركية، وكأنه باندفاعه هذا سيقنع واشنطن بما يتبنى من مواقف.

يعتقد غورباتشيوف بأنه أبتداءً من عام 1985، وبعد سنتين ونصف على تلك البداية وبفعل جهود البيريسترويكا تطور أدرك الوضع الدولي وسبيل تغييره نحو الأفضل. ثم يستدرك كعادته ويعترف بأن هذا الإعتقاد ساذج للغاية، فإذا كان إدراك العالم غير ممكن من طرف واحد، فإن سبيل تغييره المشترك لا يتوقف على طرف واحد. وتجاهل أن المعادلة بدأت تميل حينذاك بصورة حاسمة للغرب وللولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص، نتيجة لسياسة غورباتشيوف نفسه.

كما جاءت تشخيصات المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي لتدعم بعض تصورات غورباتشيوف حول تناقض العالم وترابطه في ذات الوقت، وسأم الشعوب من حالة التوتر والمجابهة وتوقها الى عالم آمن، والنظرة بعيون مفتوحة الى المخاطر، التي تحيط بالعالم لتبرير المزيد من التنازلات.

إن إقتراح وتبني حلول معينة لأزمات العالم لا تعني أن القوى الإمبريالية ستلزم أو تخضع لذلك، لأن طبيعتها هي التي تقرر خطواتها، وليس النوايا "الطيبة" من الطرف الآخر. ولا يجد غورباتشيوف مناصاً من الإعتراف بعد إقتراحه لتدويل الأزمات الدولية وعدم حصر الحلول بيد بعض الدول الكبرى: بـ "أن الغرب، أراد على ما يبدو، العمل في إطار (الدول السبع) و(الدول الخمس)، أي في ما بينها داخل العائلة". (الكتاب: ص198). ويتوقف المؤلف عند التشهير الغربي بمنظمة الأمم المتحدة، ولا يتجاهل حقيقة أن النجاح لم يكن حلف تلك المنظمة دائماً، إلا أنها الإطار الأنسب للبحث في توازن المصالح، ويرفض شكلياً بأن يبقى العالم رهناً لمبدأ ترومان وخطاب تشرتشل في فولتون، ويدعو الى التفكير بطريقة جديدة.

يَصِفُ غورباتشيوف المبدأ الذي إنطلق منه التفكير السياسي الجديد ـ البيريسترويكا بالبسيط. ويؤكد على أنه يقوم على فكرة أن الحرب النووية لا تحقق شيئاً، والحرب غير النووية أصبحت تقنياتها مميتة، ولا تقل بشاعة عن النووية. هكذا يُلَخِصُ العالمَ ومشكلاتِه العميقةَ بمجرد الخوف من الحرب النووية، وينبغي تقديم كل التنازلات المطلوبة، وهو في الواقع يعني إتخاذ التخويف من الحرب غطاءً للتنازلات التي لا تقف عند حدٍ معين، وهذا ما تأكد على أرض الواقع، وعبر تطور الأحدات والوقائع اللاحقة. صحيح أن الحرب النووية تعني النهاية، ولكن هذا الخطر موجود منذ عقود، وتعاملت معه الإنسانية كلها بأعلى درجات القلق، واسْتُخْدِمَتْ كل وسائل النضال الممكنة ضده. ومن جانب آخر منعت خطورة السلاح النووي إستخدامه، بعد أن إستخدمته الولايات المتحدة الأميركية مرتين في اللحظات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، أي قبل أكثر 40 عاماً من حديث غورباتشيوف، وقد حوَّل الناسُ ذلك اليوم المشؤوم، يوم كارثتي هيروشيما ونجازاكي النوويتين الى ثقافة عامة ضد السلاح النووي والحرب والإبادة الجماعية.

ويضيف بلغة واعظٍ بأن إستخدام القوة لحل المشكلات الدولية أصبح عقيماً، ولم تعد المسلمات التي إستمرت قروناً سابقاً قائمة الآن، مثل: إن الحرب إستمرار للسياسة ولكن بأساليب أخرى، متجاهلاً الحروب المشتعلة في أكثر من موقع مادامت لا تمس الأقطاب الكبار. ويعترف بعقم الحلول العسكرية وإستحالتها في المجالات الأكثر تطوراً وتدميراً، وإستحالة التفوق تستدعي حلول واقعية.

وقد لامس مسألة مصير المجمع الصناعي العسكري من زاوية واحدة تتعلق بالبطالة فقط، دون تحديد الموقع ـ دولة ما أو تحالف دولي ـ والأثر والأبعاد السياسية والأيديولوجية لمصير المجمع الصناعي العسكري. وعلى هذا الصعيد إسترشد لحل مسألة وضع العمال في المجمع الصناعي العسكري بنظرية ف. ليونتيف الحائز على جائزة نوبل، وهي نظرية تستند على ثلاثة أركان: يحتاج مكان العمل الواحد في المجمع الصناعي العسكري من المال الى ضعفي أو ثلاثة أضعاف مكان العمل في الأماكن الأخرى، والقطاع الصناعي مرتبط بالقطاعات الأخرى، ولهذا يمكن توجه قوة العمل الى القطاعات المدنية، ويمكن وضع برامج خاصة من خلال التعاون بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية. باختصار إن تكلفة فرصة العمل الواحدة في المجتمع الحربي يمكن أن تغطي ثلاثة في المجالات المدنية الأخرى.

يضع غورباتشيوف تصوراً للتفكير السياسي الجديد ـ البيريسترويكا يقوم على: أن الأمن كل لا يتجزَّأ، والإكتفاء بتسلح معقول يقوم على أساس الدفاع غير الهجومي، والإعتراف بحق كل شعب في إختيار طريق تطوره الاجتماعي، وعدم نقل الإختلاف الأيديولوجي الى العلاقات الدولية.

أما الطريق الذي أوصل إعادة البناء في الاتحاد السوفياتي الى ما أطلق عليه "التفكير الجديد" حسب غورباتشيف هي الحياة نفسها، وتم إستيعاب العملية شيئاً فشيئاً، وهي التي أعادت رسم التصورات عن الحرب والسلام والعلاقات المتبادلة بين النظامين والتفكير بالقضايا العالمية، وإنتفاء حتمية الحرب وإستحالة النصر فيها لأي طرف، لأنها تدمر الحياة أصلاً.

ويعترف بأنه تَوَصَلَ الى "التفكير الجديد" عبر "التخلي عن بعض المُسلّمات التي بدت ثابتة فيما مضى"، وكذلك التراجع عما وصفها غورباتشيوف بالصرامة العلمية في تحليل الوضع. ويعود مجدداً الى تَذَكرْ لينين، ويعبر عن دهشته بعمقه، ليصل الى القول: أنه "استطاع (يقصد لينين) أن ينظر الى بعيد وأن يتوسع بعيداً خارج حدودها الطبقية. وقد طرح غير مرة أفكاره بشأن أولوية المصالح الإنسانية العامَّة على المصالح الطبقية. وقد أدركنا الآن فقط عمق هذه الأفكار وأهميتها حتى النهاية. فهي الأفكار التي تغذي فلسفتنا في العلاقات الدولية والتفكير الجديد". (الكتاب: ص206). ولكنه لم يَقل لنا أين ومتى وما هي الشواهد على أن لينين أو غيره من مؤسسي الإشتراكية العلمية قد توسعوا خارج إطار الصراع الطبقي، الذي يقولون عنه: إنه القوة المحرك للتاريخ، أو أنهم قالوا: إن النظرة الطبقية تتعارض مع النظرة الإنسانية. ومن خلال ذكر إسم لينين سعى غورباتشيوف زعيم البيريسترويكا بطريقة جائرة للغاية الى تأكيد التخلي عن بعض المُسلّمات الثابتة تحديداً، وعن الصرامة العلمية في تحليل الوضع.

ليس من الصعب إدراك أن الإلحاح على القيم الإنسانية، وبعض الإقتباسات اللينينية من جانب غورباتشيوف، كانت تهدف الى ما أكده هو بنفسه في إستنتاجه النهائي القائل: "إن قوة التفكير الجديد هي الإعتراف بأولوية القيم الإنسانية العامَّة، وتحديداً بقاء البشرية على قيد الحياة". وعجز التعريف السابق للتعايش السلمي بوصفه "شكلاً خصوصياً من أشكال الصراع الطبقي". بل إنه يلغي ذلك (الصراع الطبقي) بصورة غير مباشرة، من خلال الإشارة الى أن الحرب العالمية الأولى نشبت بين أنظمة متماثلة، قبل ثورة أكتوبر 1917، والحرب الثانية تحالفت فيها أنظمة أجتماعية مختلفة ضد الفاشية.

تطرح البيريسترويكا مسألة تعديل القرارات السابقة لمؤتمرات للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، بصدد علاقة الثورة بالحرب، وإعتبار الحرب بمثابة الصاعق للثورات. وهو مضطر للإعتراف بان المنطق الماركسي ـ اللينيني الذي يفيد بأن الإمبريالية تولد حتماً صدامات عسكرية كبيرة. ويعيب على الإعتقاد السابق بأن الحرب العالمية الثالثة ستؤدي الى هزات إجتماعية جديدة تقضي على النظام الرأسمالي نهائياً، ولأن الظروف الدولية تغيّرت. يذهب غورباتشيوف والمؤتمر السابع والعشرين للحزب الى الإعتقاد بأن العلاقة السببية بين الحرب والثورة قد إنتفت، وهذا المنطق الذي ذهب إليه ينفي قدرة الرأسمالية على خلق تكيفات عدوانية جديدة وتدميرية الطابع يحركها جشع الرأسمال والطغم المالية وطبيعة النظم السياسية وأطرافها أو أوساطها النخبوية.

وعلى الفور يدرك غورباتشيوف، أن الطعم كبير وعسير على الهضم، ليستدرك بقوله: "فهل ينتج أننا تخلينا عن التحليل الطبقي لأسباب الخطر النووي وبعض القضايا العالمية الأخرى؟ أجيب هنا أن الأمر ليس كذلك. إذ لا يجوز إغفال تنوع القوى الطبقية العاملة على الساحة العالمية، وعدم الأخذ في الحسبان تأثير التناحر الطبقي في العلاقات الدولية وفي الموقف من حلِّ كافة المهمَات البشرية الأخرى". (الكتاب: ص210 ـ 211). هو هنا يكتفي بصدد الصراع الطبقي بأنه لا ينفيه، ويتعكز على تنوع القوى الطبقية العاملة. ويعرب عن إصراره لجعل المبادرة بين النظامين الاجتماعيين سلمية. ويدعو الى السير في طريق فلسفة العالم الجديدة، وإستجلاء الديالكتيك الجديد للمنطلقات البشرية العامة والطبقية في العصر الحديث. ولكن التتابع المنطقي يجبره على التأكيد بأن الغرب هو البادي في العدوان، فلما كانت الحرب الأهلية لولا التدخل الخارجي لأربع عشرة دولة، والحصار الاقتصادي، و"الحزام الوقائي"، فالولايات المتحدة الأميركية لم تعترف دبلوماسياً بالاتحاد السوفياتي حتى عام 1933، وفي تشكيل الأحلاف العسكرية ـ حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وفي صنع الأسلحة الذرية وحرب النجوم وما الى ذلك.

يبحث غورباتشيوف عن كل ما من شأنه أن يُخفت ضوء الصراع الطبقي، وذلك من خلال التأكيد على أمور تؤثر إيجابياً، ولكنها في كل الأحوال لا تصمد ولا تحد من شراهة الرأسمالية وعدوانيتها، مثل: إختلاط النخب العلمية والثقافية ومنظمات ذات طبيعة إنسانية مثل حركة أطباء العالم لدرء الحرب النووية، الندوات الدولية، والمنظمات الاجتماعية: نقابات، نساء، طلبة، شباب، البيئة، ومناهضة الحروب ... الخ. وللبرهنة على عمق إبتعاده عن نهج العلاقات الأممية. أشار الى إقلاعه عن الإختلاط بممثلي الحركة الشيوعية في الدول الأجنبية، ذلك الإختلاط الذي وصفه بالديبلوماسية الحزبية. جرى ذلك لصالح الإحتكاك مع أوساط أخرى. وهل المهمتان في تعارض تام، ولمَّ لا ينظر الى أن أحداهما تكمل الأخرى وتغنيها، أم الهدف المجاهرة بالولاء.

يُعلن زعماء البيريسترويكا أنها تعتمد الحوار في العلاقات الدولية، والحوار قبل كل شيء ولا شأن غيره. هذا منذ إستلام غورباتشيوف عام 1985 لمنصب الأمين العام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي. وأعلن غورباتشيوف بأنه لا يريد إطلاقاً التقوقع في دائرة الأفكار المألوفة في بلاده، واللغة التي عُرفت سابقاً، ولا يفكر في تعميد الجميع بالعقيدة الماركسية.

يذهب غورباتشيوف على صعيد الديبلوماسية الى حد القول، إنه حذف عملياً كل التباين بين ما يقوله لمحدثيه الأجانب، وما يقوله في الإجتماعات المغلقة. وسياسياً أزال الفرق بين ما يمارسه فعلاً، وما يعلنه على الملأ. ربما تخيل نفسه حي إبن يقضان، أو يعيش في جمهورية إفلاطون المتخيلة في الكراريس القديمة.

مارس غورباتشيوف الوهم والخديعة في أجلى صورهما، واستثمر موقعه الخطير الى حدوده القصوى، وكان أحد المعاول الأساسية في عمليات الهدم. هذا في أبسط الأوصاف والتقديرات لكتاباته وأعماله، وفي أكثرها حيادية. ويمكن القول إن البيريسترويكا كانت إيهاماً للذات قبل أن تكون إيهاماً للآخرين، هذا إن لم نذهب حيث ذهب آخرون كثيرون.

وربما أدرك زعيم البيريسترويكا لحد ما حجم الوهم أو غيره الذي اجتاحه ودفعه لتقديم تنازلات كبيرة غير مبررة، بعد أن وضع كل بيضه في سلة الولايات المتحدة الأميركية. وذلك حين عرج على مناقشة العلاقة بين السياسة والدعاية. رد على إتهامه بتقديم التنازلات للغرب، ووصف تلك "الإتهامات" بالدعاية. ودعا أجهزة الإعلام الغربية الى ممارسة ذات الدعاية في المجالات التي أقدمت عليها موسكو، وبالمجان، مثل: وقف التفجيرات النووية من طرف واحد، ووقف تصميم صنفٍ جديدٍ من الصواريخ الاستراتيجية. وهنا يستخدم موسكو بإعتبارها قدمت تنازلات، وكان من الأجدر أن يشير الى نفسه، أو قيادته، أو نهج البيريسترويكا.

وهو من جانب آخر يعيب على البلاشفة التمسك بقواعد الحذر مع الرأسمالية، وذلك في معرض تأكيد التصورات الغربية التي تفيد بأن التفكير الجديد لا يزال يشق طريقه بصعوبة كبيرة في السياسة العالمية، ويقول هذا صحيح لأن ذهنية الماضي لا تزال أقوى من النزعات الجديدة. وأخيراً، يعرب عن ثقته بأن العالم سيتغير نحو الأفضل. ولنفهم التغيير الذي تنبأ به غورباتشيوف، علينا جميعاً أن ننظر اليوم الى ما يدور في عالمنا، ونحكم.

يتبع: إعادة البناء في الاتحاد السوفياتي والعالم الإشتراكي





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- بيريسترويكا غورباتشيوف (3 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (2 من 9)
- بيريسترويكا غورباتشيوف (1 من 9) بعض الأوليات كتاب غورباتشيوف
- الثوري والإصلاحي والإنهيار القيمي 2 من 2
- الثوري والإصلاحي والإنهيار القيمي 1 2
- مع الجواهري في بعض محطاته
- الإحتكام الى الشعب مرة أخرى
- الإحتكام الى الشعب
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (6) الأخيرة
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (5)
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (4)
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (3)
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (2)
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (1)
- هل هناك شيوعية بدون الماركسية اللينينية؟
- شخصية الفرد العراقي
- خواطر حول أيام دامية
- تحررت مدينة هيت ولكن متى تدور نواعيرها؟
- عملية سياسية مندحرة ولكنها مستمرة
- موجعة ذكرى الشهداء


المزيد.....




- سعد الحريري يصل إلى بيروت بعد نحو ثلاثة أسابيع على إعلان است ...
- سعد الحريري يصل إلى بيروت ويتوجه إلى ضريح والده
- غوتيريش: تجارة البشر توازي جرائم ضد الإنسانية
- واشنطن: الاتصالات مع السلطة الفلسطينية مستمرة
- جولة جديدة للحوار الفلسطيني في القاهرة
- ترامب: أجريت مكالمة رائعة مع بوتين حول السلام في سوريا
- منحدر زلق يؤدي إلى تصادم متعدد في فلاديفوستوك
- واشنطن: استقالة موغابي -حدث تاريخي- لشعب زيمبابوي
- الأمن اللبناني: إحراق سيارتين سعوديتين في بيروت خلافات شخصية ...
- حرب طاحنة تهدد الشرق الأوسط وآسيا الوسطى


المزيد.....

- ثورة إكتوبر والأممية - جون فوست / قحطان المعموري
- الاشتراكية والذكرى المئوية للثورة الروسية: 1917-2017 / دافيد نورث
- الاتحاد السوفييتي في عهد -خروتشوف- الذكرى المئوية لثورة أكتو ... / ماهر الشريف
- ثلاث رسائل لمئوية ثورة أكتوبر / حارث رسمي الهيتي
- في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيا ... / الهادي هبَّاني
- هل كانت ثورة أكتوبر مفارقة واستثناء !؟ الجزء الأول / حميد خنجي
- الأسباب الموضوعية لفشل الثورات الإشتراكية الأولى / سمير أمين
- جمود مفهوم لينين للتنظيم الحزبي وتحديات الواقع المتغير / صديق الزيلعي
- مائة عام على الثورة البلشفية: صدى من المستقبل / أشرف عمر
- عرض كتاب: -الثورة غير المنتهية- / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - عبدالحميد برتو - بيريسترويكا غورباتشيوف (4 من 9)