أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي عبد العال - ماذا تعني سرقة دولة ؟!















المزيد.....

ماذا تعني سرقة دولة ؟!


سامي عبد العال
الحوار المتمدن-العدد: 5564 - 2017 / 6 / 27 - 17:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ابجديات السرِقة بإمكان اللص تجْريد شخص من نقوده. وكذلك قد تستولي عصابة على بنك غاص بالأرصدة. لكن هل يمكن لجماعة أو لحزب أو لحاكم أنْ يسرق دولةً ؟! السرقة عمل خاطف يغتصب السارق به شيئاً ليس له. وبذات الوقت يترك أثراً سيئاً من ضياع الحقوق وتدمير الخصوصية وإهدار الكرامة فضلاً عن انتهاك ملكية الأشخاص. كما أنّه يتم في جُنح الظلام عادةً. فلا يستطيع اللصُ إظهار ما فعله على الملأ. لأنَّه سيدخل تحت طائلة القانون. والمسروقات أشياء مادية يتسنى انتزاعها والهروب حيث الاختفاء عن المراقبة والمتابعة. لكن ماذا يعني سرقة كيان كلي اسمه الدولة كمؤسسة عامة؟!

عادة تتميز الدول بطبيعة أنظمتها السياسية والاقتصادية. هناك دولة ليبرالية، وأخرى اشتراكية وسواهما ملكية برلمانية... أما " الدولة المسروقة " فتتخطى أوصاف الدول السابقة راسمةً لاقتصاد من نوع آخر. هي دولة مع إيقاف التنفيذ، ممنوعة من الصرف، ورقة عُملة مزيفة. فاللغة تقول إنَّها دولة بيد أنَّ سلطتها الحاكمة تلغي ماهيتها. لأنها تأسست على نهب السلطة واحتكارها (مثل احتكار السلع) ووضع الشعوب ضمنياً تحت الإقامة الجبرية. وبذلك تعد ضرباً من السرقة التاريخية كما لو كانت هناك سرقات للخيال والأفكار والأرصدة الدلالية التي تثري المجتمعات. على هذا المستوى تطمس تجربة الدولة العربية أصولها المفقودة. وسيكون من مصلحة السلطة القائمة – باختلاف أشكالها- غياب قراءات كاشفة لهذا البعد.

إنَّ السرقة المقصودة هي سرقة مفهوم الدولة، تصورات مؤسساتها، جغرافيتها، تاريخها، إرادتها العامة.... لكن هل يعقل سرقة مفاهيم؟ وماذا سيفعل الحاكم بالمفاهيم والتصورات؟! الدولة كيان معنوي لا يمكن حتى استهدافه كما لو كان شخصاً عينياً. ومن أسفٍ ألاَّ توجد دولة عربية واحدة لم تتعرض للسرقة بهذا المعنى ومازالت!! فهناك سرقة عائلية حيث تجثم أسرة على أنفاس الشعب لتعتبر نفسها مفوضة من التاريخ والجغرافياً والسماء بالهيمنة على تلك المساحة التي اسمها "كذا". وهناك سرقة من حاكم يعتبر الدولة مرحاضاً بآلاف الكيلو مترات لصرف فضلاته المقدسة. وهناك سرقة من قبل هيكل وراثي يتبادل أفرادُه جلوساً على كرسي العرش بالعلاقات والتفضيلات. ونحن نعرف جميعاً تاريخ هذه الصناعة اللصوصية من عرب أسيا إلى عرب أفريقيا.

وإذا كان ذلك كذلك ماذا تكشف سرقة مفهوم؟! وممن تُسرق المفاهيم؟! وكيف تسرق؟ طبعاً الشعوب هي المالك الحقيقي للسيادة. وهي الجديرة بالحق في تغيير الأنظمة متى رأت انحرافها عن العدالة والمساواة والقانون والحقوق. ولها كامل الأهلية باستعادة حقوقها بلا نقصان. لكن سرقة المفاهيم أبعد أثراً. فالسرقة المادية الأولى تعتد مرحلة في الطريق إلى الثانية اللامادية. لأن المفاهيم تُمنع من دخول التاريخ، لا ينضح، لا يتعرض لمحاولات التصحيح والغربلة والنقد وإعادة البناء والتحلُّل والتفكُّك. إنَّ المفاهيم ما لم تعجن مع طين السياسة ووحلها المتعدد، المتغاير تصبح محتكرة ومحتقرة لدى شخص أو فئة أو أسرة مالكة.

ولذلك عندما سقطت الأنظمة الديكتاتورية العربية الواحد تلو الآخر كان الناس مشدوهين فقط بحجم السرقات المادية ونهب الأموال وانتقال الأرصدة التي استولت عليها عائلات الرؤساء وحاشيتهم إلى بنوك أوروبا وأمريكا. وعلى طريقة العقلية العربية النهمة لمعرفة الفضائح كان ثمة قصاصٌ اجتماعي قائم على الفضيحة. النهب مقابل الفضح بلا توقف. ولم ينتبه أحد لتخريب الوعي بالدولة وأساسها في الثقافة السياسية. ربما أكبر كارثة حلت بالعرب المعاصرين هي تدمير معاني الدولة ولحظات تطورها وانفتاحها على كل عناصرها الشعبية المهمة.
ما جري ويجري سياسياً في العالم العربي هو حجب الحكام – باختلاف أصنافهم – لاختلاط تصورات الحكم والسلطة باختلاف الشعوب وتنوعها عبر تداول السلطة وتوسيع قاعدة الحكم والمشاركة في اتخاذ القرارات وتعميم التنمية الاجتماعية والسياسية وإدخال الاجيال عصوراً من الحداثة وما بعدا الحداثة كما هو التطور للإنسانية الراهنة.

في دفاتر الدول العربية وأرشيفها ووثائقها لصوص يحملون فوق أكتافهم المسروقات الرمزية الأعمق تأثيراً. أجولة من المحتويات التي تجمع: مؤسسات وأختام وأضابير الدولة الخاصة بالسارق الأكبر والأصغر. وبالطبع من بينها كرسي العرش... أليس خليفة الله في الأرض؟ هكذا بالورق والقلم والفتاوى والمرجعيات الدينية سيتم تنصيبه إلهاً سياسياً يجوس داخل أروقة القصور والمباني الفخمة والفرش الوثيرة.

الحاكم بدرجة لص لا يغادر منصبه إلاَّ على آلة حدباء منقول نحو قبره. ويصبح الله هو الوريث الأعلى لحكمه ليس غيره. فالله لدى المسلمين – كما هو معروف- هو من يرث الأرض ومن عليها. ليأتي رئيس دولة مطبقاً هذه القاعدة الايمانية في الدنيا قبل الآخرة. كأنَّ الإشارة ضمنية بكون الدولة هي يوم القيامة لمن يعارض حكم الإله المسيطر. وبالتالي تمثل السجون ناراً وقودها الناس والحجارة عليها زبانية شداد غلاظ يفعلون، ويسجنون ويسحلون ما يؤمرون. هل هناك فارق بين ذلك وبين " إرادة عليا" تهيمن على مصائر البشر؟!

إنَّ دولة مسروقة تعصب العيون أمام تاريخ أية سياسة في مجتمعها. فليس هناك تجارب نوعية ولا اختلاف إنساني بفضل تداول السلطة. هناك الموت كحد فاصل بين حقبة رئاسية وأخرى، بين ملك وملك، بين أمير وأمير بصرف النظر عن التنازل عن السلطة. ليس يهم أن يجيء من أي اتجاه أو أي مكان. المهم أنه كموت بمثابة البرلمان الوحيد المعول به في الجمهوريات أو الممالك أو الإمارات. إنه تقنية عربية شرقية لتغيير نظم الحكم الاستبدادي. وتلك دعوة صريحة – وليست ضمنية - إلى إهالة التراب على أجيال وأجيال، على إمكانيات وإمكانيات، على عقول وعقول. لأن الميراث السياسي يتسق كفكرة مع سرقة الدولة كمؤسسة عامة.

وجزء من سرقة المفاهيم أن يتم في دولة الاستبداد سرقة أزمنة من عمر التطور العقلي والسياسي للأجيال المتعاقبة. إن أنظمة مبارك وزين العابدين وصدام وعائلة الأسد والقذافي- فضلاً عن انظمة الأسر المالكة- خطفوا أجيالاً رهن إهدار الدولة بأشكال مختلفة. كانت كل سنة إضافية في سلطتهم تعني عودةً إلى الوراء عشرات السنوات. وبات معلوماً أن مقياس الفساء في العالم العربي يقاس بتدمير فئات من المجتمع. سواء أكانوا شباباً أم معارضين أم فقراء أم طبقات بعينها.

والغريب أن الحاكم من فرط جهالته لا ينظر إلى المستقبل. إنه حيوان بغرائز آنية تلتهم ما يقابلها. لا يهمه إلاّ معاقرة اللذات. وأعظمها لذة السلطة التي تعتبر أفيوناً في أدمغة النخبة والصفوة المتحكمة. السلطة هي الوجه المادي الموازي للمخدرات. وما قاله ماركس عن الدين ( من حيث هو أفيون الشعوب التي تطلق زفراتها المكلومة) يصح قوله بصدد الشعوب المغلوب على أمرها. السلطة أفيون الشعوب المقهورة. والدليل أنه ما إن يتم الإطاحة بحاكم إلاَّ ويأتي اللاحق أشد فهماً لآليات سرقة الأزمنة والمفاهيم والإجراءات. وذلك يترتب عليه اجترار ذات الحقب من التخلف السياسي من عصر إلى عصر.

وهذه الآليات كانت تصعيداً تاريخياً لفكرة الإغارة والغزو التي تشكل جميع مراحل العقل القبلي العربي. بحيث كانت القبائل التي تسكن لا وعي المجتمعات تخرج في إطار الدولة حتى في أدق التفاصيل. الحاكم والمحكوم يأتيان ملغمين ومزودين بهذه الذخيرة الراسبة بفعل الميراث الديني والفكري والأدبي خصوصاً. لأن السياسة بمعناها الحداثي لم تدخل إلى ساحة العرب من باب التنوير والبناء الإنساني والعقلانية والإرادة العامة. بل دخلت عبر خريطة الاستعمار التي كان لسهولة حكم الشعوب المستعمرة تمَّ بلورة انظمتها السياسية باسم الدولة.

ليس هذا فقط بل كانت مفاهيم الدولة حينذاك مرتهنة بعدة أشياء:
1- الميراث الموبوء الخاص بالعصبية والقبلية. وقد حرص الاستعمار على تنصيب القبائل ذات السطوة في نواة الدولة. وسميت دول بأسماء أسر وعائلات وظل الحكم لديها مرتهن بالمصاهرة والنسب واللحم المتوالد من بعضه دونما اتساع القاعدة. ومن هنا دخل فيروس القبيلة كل مفاصل الدول حتى استولى على مفهومها. هناك انتخابات وهناك برلمانات وهناك نقابات وهناك دساتير وهناك قوانين وهناك اجراءات... لكن القبيلة مازالت سارية.

2- هدف الاستعمار أنْ تحل الدولة محلة في حالة مغادرته للبلاد التي سيد فيها العائلات والأسر والحكام. وهذا ما حدث لم ينقطع الولاء العابر للقارات نحو أمريكا ونحو أية قوة ستصعد لا حقاً. وهو ما يعرف بقضية الاستقلال الوطني. إنه أزمة مزمنة في جسد الدول الشرقية. كيف تدار الدولة من الخارج ولا تستطيع رسم سياساتها وفقاً لمصالح الشعوب؟

3- ما لم تكن الدولة مسروقة ما كان ليتم النهب والفساد المالي بهذا الحجم الخيالي في عصور الاستبداد. فالسرقة مادياً وسياسياً تلتقيان عند بعضهما البعض. لأن الدولة كبناء عندما تشمل بناء الأفكار والتجارب السياسية ستكون أكثر حصانة ضد الرقة من أي نوع كانت.

4- يواكب التوظيف العولمي لسلطات الدول التابعة أحدث الأشكال في سرقة الدول. بمعنى أن الدولة قد تشعر أنها كيان حداثي مزور بفعل انخراطها في المشهد العالمي وتمثل سوقاً لمنتجاته. لكن الموضوع في نهاية الأمر اسباغ شرعية على بنيتها وأسسها المسروقة. فهناك مصالح للدول الكبرى تحول دون اعادة عودة السلطة إلى الشعوب.

5- استعمال الدين ظل في جميع الأوقات خادماً لسرقة الدولة. فالسلفية على سبيل المثال ترى عدم الخروج على الحاكم ولو كان مستبداً. والحاكم بدوره كان يستعمله لتبرير سرقاته على صعيد الانتخابات والمناسبات والقرارات وتضليل الرأي العام.

6- جسد السرقة السياسية ارتهن بالتكنولوجياً. فالسرقات الخاصة بالقرارات والمناصب حاول المغتصبون تغطيتها بمظاهر التكنولوجيا والدخول بها في دوائر معقدة من الأجهزة السيادية التي تتشعب إدارياً واقتصادياً. والعملية أشبه بغسيل الأموال.. تكون من مصادر غير مشروعة ثم تأخذ دورتها كأنها قانونية في دروب أخرى.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- فوبيا الحقيقة والفضيحة
- ليست أزمة
- عُوَاء الربيع العربي
- دولةُ الارهابِ
- لعنة الجغرافيا: حول الدولة المنبوذة
- وثنية الشعارات الدينية
- دماء تصرخ في البريّة
- حُمى السيرك السياسي
- التَّعْرِي داخل اللغةِ
- سؤال المصير
- سوريالية المقدس: حول التلامُس الجسدي
- مُواطنةٌ على كفِ عفريتٍ
- هل يمكن قيام فلسفة للتسامح؟
- الإنسان كقِطَع غيارٍ
- ظاهرة المحميات الثقافية
- الاختلاف الديني
- تفجير كنائس المسلمين!!
- دولةٌ عابرةٌ للقارات
- نبيٌّ يبحثُ عن أتباعٍ
- خرابُ الإنسان


المزيد.....




- قتيلان و20 مصابا جراء عاصفة قوية ضربت موسكو وضواحيها
- عاصفة قوية تضرب موسكو وضواحيها
- شركة روسية تكشف عن قدرات غير مسبوقة لصاروخها الواعد
- دي ميستورا يدعو دمشق لمزيد من التعاون
- الشرطة السعودية: إطلاق النار باتجاه طائرة بدون طيار قرب القص ...
- استعدادات لنقل مسلحي القلمون لشمال سوريا
- السيسي عبر لماكرون عن قلقه إزاء التصعيد في سوريا بعد الضربة ...
- عائلة تودع طفلها الذي قتل برصاص جنود إسرائيليين في غزة
- شاهد: أسقف كنيسة يبارك المصلين بشرب البيرة
- اتفاق القلمون: -تغيير ديموغرافي-؟


المزيد.....

- الاستعمار – موسوعة ستانفورد للفلسفة / زينب الحسامي
- الإضداد والبدائل.. وهج ولد الحرية / shaho goran
- تێ-;-پە-;-ڕ-;-ی-;-ن بە-;- ناو ... / شاهۆ-;- گۆ-;-ران
- الأسس النظرية والتنظيمية للحزب اللينينى - ضد أطروحات العفيف ... / سعيد العليمى
- صناعة البطل النازى – مقتل وأسطورة هورست فيسيل / رمضان الصباغ
- الدولة عند مهدي عامل : في نقد المصطلح / محمد علي مقلد
- صراع المتشابهات في سوريا)الجزء الاول) / مروان عبد الرزاق
- هل نشهد نهاية عصر البترودولار؟ / مولود مدي
- الصراع من أجل الحداثة فى مِصْرَ / طارق حجي
- داعش: مفرد بصيغة الجمع: إصلاح ديني أم إصلاح سياسي؟ / محمد علي مقلد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي عبد العال - ماذا تعني سرقة دولة ؟!